من أجمل ما قرأت عن الشيخ العلامة ابن غديان رحمه الله
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: من أجمل ما قرأت عن الشيخ العلامة ابن غديان رحمه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي من أجمل ما قرأت عن الشيخ العلامة ابن غديان رحمه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم



    زكاء يتلظى ذكاء



    الشيخ د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري - وفقه المولى -




    كالنقش في الحجر ما حفظت في الصغر من أحاديثه قبل صلاة العشاء، فهو إمام مسجد حينا يتحدث قبل صلاة العشاء حديثاً يطول قرابة الساعة في التفسير والحديث والوعظ، وكانت تلك الأحاديث نقلة عما اعتدنا عليه قبلها من قراءات طويلة مملة لنا نحن الصبية، أما حديثه فكان يشعر المستمعين جميعاً أنه يعني كل واحد منهم، و كنا نجتمع أطفالاً في المدرسة الابتدائية فأتحدث أنا وزميلي محمد القصير في الصباحات عن حديث الشيخ مساء البارحة، ثم كبرنا وكبرت معرفتنا بالشيخ، وكلما كبرنا ازددنا إكباراً له، واكتشفنا مساحات واسعة من الإعجاب به.

    كان مما يلفت نظرنا في الشيخ مهابة شديدة لم يكن يتكلف رسومها، وحدة ذكاء تتلظى في نظراته بحيث نرى في لحظ عينيه مثل بارقة السيف، مع بساطة في المظهر، فكان بسيطاً في مظهره إلى درجة البذاذة، كان طبيعياً إلى أقصى حد، وكأنما كان يتكلّف ألاّ يتكلّف.


    كان الشيخ شخصية علمية استثنائية في النمط العلمي المتتابع، ولم يوجد له نظير في الشخصيات العلمية المعروفة حيث اختط طريقاً غير مسلوك؛ فقد كان النمط العلمي خلال العقود المتعاقبة قبله معتنياً بالعقيدة والفقه ومشاركاً في غيرها.

    أما الشيخ فكان إضافة نوعية من حيث التعمق في الأصول والقواعد الفقهية ومقاصد الشريعة، مع الإتقان لعلوم المنطق والجدل ونحوها من العلوم التي لم تكن رائجة في المحيط العلمي آنذاك.

    كان الشيخ استثنائياً في ذلك؛ كما كان الشيخ ابن باز -رحمه الله- استثنائياً من حيث توجهه إلى الصناعة الحديثية والاجتهاد الفقهي.

    درس الشيخ على علماء كثر، ولكنه احتفى بشخصيتين علميتين وافدتين على المنطقة هما: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ عبد الرزاق عفيفي، فتميز من بين كل من أخذ عنهما بامتصاصه أخص علومهم وهو العمق المعرفي للأصول والمنطق والجدل، حتى إن الشيخ عبد الرزاق عفيفي قال: لم يستفد أحد مني مثله، وقال مثلها الشيخ الأمين الشنقيطي.

    وقد تجاوزت علاقته بالشيخ الأمين الشنقيطي علاقة الطالب بشيخه على مقاعد الدارسة إلى زيارات منتظمة إلى الشيخ الأمين في بيته، ويظهر مما يحكيه عنها أن الشيخ كان حفياً به، فقد كان الشيخ الشنقيطي متقلّلاً من الدنيا، وكان له وطاء يجلس عليه في بيته، فإذا أتاه من يختصه مدّ له طرف الوطاء، وقد كان الشيخ ممن يمدّ له هذا الوطاء، ويقرب في الجلوس عليه.

    ولم يكن يتردد على الشيخ الأمين للقراءة في كتاب، ولكنه يزوره للمذاكرة في مسائل يختارها، ويبدو أن الشيخ الأمين أدرك من هذه المذاكرة إشراق عبقرية علمية أغرته أن يفتح للشيخ خزائنه العقلية.

    تميز الشيخ بهذا التكوين العلمي الفريد واستوعبه وتفاعل معه، وظهر أثر ذلك في أدائه العلمي فلم يكن في دروسه شارحاً يعرض المسائل، ولكن فارس يفترع حقائقها، ويظهر ذلك في أناته في الكلام إذا تحدث، بحيث تشعر أنه يمضغ الكلمة في عقله قبل أن يلفظها إلى مستمعيه، ويظهر ذلك من تسلسل الفكرة إذا عرضها، فيعرض المسألة أو الفتوى متدرجاً من القاعدة الكلية إلى القاعدة الجزئية، إلى أن يصل إلى النتيجة الحكمية، ثم إنه كرس هذه المنهجية حين شارك في التدريس، واستطاع إحلالها بعد ذلك في الحياة العلمية في الدراسات العليا في كلية الشريعة، فكانت مشاركته إضافة نوعية أوجدت مساراً متميزاً للدراسات الأصولية الفقهية، وأصبحت هذه العلوم حاضرة في التكوين العلمي للمتخصصين في الدارسات الفقهية والأصولية فحضرت علوم تخريج الفروع على الأصول، والأشباه والنظائر، والجدل على طريقة الفقهاء، ومقاصد الشريعة، وكان هذا أحد منجزاته العلمية المباركة.

    عاش الشيخ محباً للعلم مدمناً للعطاء العلمي، فلم يكن زخم العمل الوظيفي المرهق في رئاسة الإفتاء يعوقه عن المشاركة في التدريس في الدراسات العليا في كلية الشريعة، ثم يضيف إلى ذلك التدريس لنخبة متميزة من الطلبة في المسجد، ثم يضيف إلى ذلك التدريس عبر الهاتف للمراكز الإسلامية في أوروبا.

    لقد كان يؤدي التدريس بلياقة عالية وكأنما يجد نفسه في هذا العمل، ويجدّد طاقته في هذا العطاء.

    لم أشرف بالتتلمذ المنتظم على الشيخ، ولكني سعدت بالاستماع إلى دروسه في المسجد، ولا أزال أذكر بامتنان مبادراته وهو يراني شاباً صغيراً أشدو في طلب العلم فدعاني يوماً وقال: أراك تقرأ عند فلان وعند فلان، ولكني أرى أن هذا لا يؤسس منهجية علمية، ثم وجهني إلى التركيز وليس التشتت، وإلى التعمق وليس التوسع.

    بل كان يبادر إلى أكثر من ذلك؛ فقد دعاني يوماً وقال: أرى فلاناً يحدثك وليس ممن يصلح لك الجلوس معه، ولقد استجبت للشيخ حينها بدافع الحب والإجلال له، وعرفت بعد حين من الدهر المعنى الذي حذرني من أجله.
    وبقيت لقاءاتي بالشيخ بعد أفاويق متباعدة، فُيذَكِّرني في كل مرة ألقاه بأيام الصبا قبل أن ألبس الغترة على الرأس، وكان يسأل باهتمام عما يهمه وهو العلم، وعندما علم أني اخترت تخصصاً في السنة النبوية اقترح عليّ بحثاً في إيضاح السنة بالسنة على نحو إيضاح القرآن بالقرآن.

    كان اللقاء الأخير معه في الإفتاء لقاء مؤثراً؛ فقد التقيت به وهو خارج للصلاة، فأمسك بيدي، واحتضنها على صدره، ولقد شعرت بهزة وجدانية؛ لأني أعرف أن الشيخ مقتصد في العطاء العاطفي. احتضن يدي ثم جعل يتحدث عن الدنيا وتحوّلها وتغيرها، وأنها لا تدوم لأحد، حدثني عن قصر فخم من القصور التي كانت في الرياض، وكان يتساءل: أين أهله؟ أين عماره؟ أين حرسه؟ وكان حديثاً وجدانياً مؤثراً تمنيت لو طالت بنا المسافة إلى المسجد.
    كان يتحدث عن الحياة حديث المودع للحياة، كان يتحدث وكأنما ينعى نفسه، وكان هذا من آخر أيامه في رئاسة الإفتاء.

    ثم زرته في المستشفى، فوافيته جام القوة، رائق النفس، تحدثنا قرابة الساعة، واستروح في الحديث، وتحدث عن الشخصيات التي أعجب بها. كانوا ثلاثة: الشيخ الأمين الشنقيطي، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ محمد بن إبراهيم، وكان القاسم المشترك بينهم رجاحة العقل وسطوع الذكاء.
    وكان إذا تحدث عن أحدهم قال: كان عقله يسبق لسانه.

    سألته: كيف كان بدء تحوّله إلى التعمق في المنطق والأصول؟
    فقال: كنت في أيام الدراسة أمعن النظر في مسائل التصور والتصديق حتى صار لي عناية بهذا العلم.

    سألني عن شيخي الشيخ سلمان العودة فأخبرته أنه في سفر فقال: أقرئه مني السلام، ثم وضع يده على صدره وقال: هو سلام من هنا، ثم رفع يده إلى فمه وقال: وليس من هنا.

    كان من وصاته لي وأن أبلغها للشيخ سلمان العناية بعلم المآلات، وأوصاني برسالة: (مآلات الأفعال) للدكتور وليد الحسين، وأخبر أنها رسالة متميزة أو حسب تعبيره: (زينة بالحيل).

    وكان الشيخ نهماً في جمع الكتب واقتنائها ومتابعة ما يجد منها، بحيث أحسب أن مكتبته من أكبر المكتبات العلمية الخاصة.

    لم يؤلف الشيخ كتباً، ولكن ربّى طلبة نجباء أعطاهم بسخاء أثمن ما عنده.. عمره وعلمه، ثم تركهم زينة لحياتنا العلمية، علمهم امتداد لعلمه وعطاؤهم امتداد لعطائه.

    كان مدمناً للعلم بحيث قضى من عمره المبارك ثلاثاً وستين سنة في بلاغ العلم قضاء وإفتاء وتعليماً.

    وكان عاشقاً للعلم بحيث لم يدع المذاكرة فيه والوصاة به وهو على سرير المرض وفراش الموت.

    رحم الله شيخنا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الغديان رحمة واسعة، وجمعنا وإياه في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-43-135325.htm
    « الحمد لله وحده »

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,101

    افتراضي رد: من أجمل ما قرأت عن الشيخ العلامة ابن غديان رحمه الله

    جزاك الله خيرا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8

    افتراضي رد: من أجمل ما قرأت عن الشيخ العلامة ابن غديان رحمه الله

    جزاك الله خيرا الاخ فريد ورحم الله الشيخ الغديان .
    ولكن وجدت في الموقع صورة الشيخ مع ان الشيخ لا يرى بالتصوير

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •