شرح الصدر بفوائد حديث.: { لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر..
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: شرح الصدر بفوائد حديث.: { لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    49

    افتراضي شرح الصدر بفوائد حديث.: { لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر..

    بسم الله الرّحمن الرّحيم



    "فاٍنّ أولى ما صرفت به العناية ، وجرى المتسابقون في ميدانه اٍلى أفضل غاية، وتنافس فيه المتنافسون ، وشمر اٍليه العاملون، العلم الموروث عن خاتم المرسلين، ورسول ربّ العالمين، والّذي لا نجاة لأحد اٍلاّ به، ولا فلاح له في داريه اٍلاّ بالتعلق بسببه ، الذي من ظفر به فاز وغنم، ومن صدف عنه فقد خــسر وحرم..... فالوصول اٍلى الله واٍلى رضوانه بدونه محال، وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال، وكيف يوصل اٍلى الله من غير الطريق التي جعلها الله هو سبحانه موصلة اٍليه، ودالّة لمن سلك فيها عليه، بعث رسوله بها مناديّا، وأقامه على أعلامها داعيا، واٍليه هاديا. فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهوعن طريق هداه وسعادته مصدود.. "1"
    "فلو أعطيت النصوص حقها لارتفع أكثر النزاع من العالم ،ولكن خفيت النصوص وفهم منها خلاف مرادها- وانضاف إلى ذلك تسليط الآراء عليها واتباع ما تقضى به- فتضاعف البلاء وعظم الجهل واشتدت المحنة وتفاقم الخطب، وسبب ذلك كله الجهل بما جاء به الرسول وبالمراد منه، فليس للعبد أنفع من سمع ما جاء به الرسول وعقل معناه، وأما من لم يسمعه ولم يعقله فهو من الذين قال الله فيهم..:"وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"}"2"

    وقد تنوعت حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ، فكان منها الأحكام- فدخل فيها الحدود والمعاملات ، ومنها البعوث والغزوات والمراسلات، وكلامي هنا عن شيىء مما تضمنته أول غزوة في الاٍسلام وهي .:"غزوة بدر".

    وسأقف وقفة مع قصة حدثت قبل فتح مكة - وهي قصة الصحابي الجليل حاطب بن ابي بلتعة رضي الله عنه، ولعلّ هذه الوقفة قد تطول ، فأذكر فوائدها والفصول .

    فقد أخرج الشيخان في صحيحهما من حديث عبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا حَاطِبُ مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    لَقَدْ صَدَقَكُمْ قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"

    وقد قال شيخ الإسلام يرحمه الله ..: "وهذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحتها وهي متواترة عندهم معروفة عند علماء التفسير وعلماء الحديث وعلماء المغازي والسير والتواريخ وعلماء الفقه وغير هؤلاء وكان على رضي الله عنه يحدث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة .)) منهاج السنة 4/ 179
    وإنّي والله لأكتب هذه الكلمات. واعياً بقلبي-مقولة مــؤرخ الإسلام- الإمام شمس الدّين الذهبي في ترجمــة الصحابي .: " مسطح بن أثاثة"رضي الله عنه، حيث قال..: {إياك يا جري!، أن تنظر إلى هذا البدري شزراًٍِِ!. لهفوة بدت منه،! فإنها قد غفرت،!! وهو من أهل الجنة.} كما في "السير"1/ 187
    وقد تضمنت قصة حاطب بن أبي بلتعة- مسائل عدة، وفوائد جــمّة، أنثر شيئا من دررها، وأشير إلى شيىء من فوائدها..:


    فضل وعلو منزلة من شهد بدراً

    .


    وقد جاءت عدة أحاديث تشير إليه- وتؤكد عليه..:
    عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ قَالَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ.. " البخاري 3992

    عن جابر : أن عبداً لحاطب بن أبي بلتعة جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم يشكوا حاطبا فقال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدرا والحديبية" صحيح الترمذي 3864

    فعن سعيد بن جبير أنه قال: {ما لم يعرفه البدريون؛ فليس من الدّين} "جامع بيان العلم.." 1425و1805

    قال شيخ الاٍٍسلام إبن تيمية ..:" فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِأَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ أَفْضَلَ الْأُمَّةِ أَهْلُ بَدْرٍ ثُمَّ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَالْعَشْرَةُ مُفَضَّلُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَالْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ .)) مجموع الفتاوى 2/ 476

    وقال أيضا..: {وذلك أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة........} منهاج السنة 4/ 166




    قوله صلى الله عليه وسلم "لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ........"


    قال الحافظ ابن حجر ..{ وهي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم ووقع الخبر بألفاظ منها "فقد غفرت لكم" ومنها "فقد وجبت لكم الجنة" ومنها "لعل الله اطلع " لكن قال العلماء إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله الموقوع وعند أحمد وأبي داود وبن أبي شيبة من حديث أبي هريرة بالجزم ولفظه "أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وعند أحمد بإسناد على شرط مسلم من حديث جابر مرفوعا لن يدخل النار أحد شهد بدرا.. } الفتح 7/ 356 -"3"



    يغتفر في الدنيا والأخرة للسابق ما لايغتفر للاحق.



    قال الامام ابن القيم ..{.. من قواعد الشرع والحكمة ايضا أنّ من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الاسلام تأثير ظاهر،فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره ويعفي عنه مالا يعفي عن غيره فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث بخلاف الماء القليل فإنه لا يحمل ادنى خبث ومن هذا قول النبي صلى الله عليه و سلم لعمر وما يدريك لعل الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وهذا هو المانع له صلى الله عليه و سلم من قتل من حس عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم فأخبر صلى الله عليه و سلم انه شهد بدرا فدل على ان مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتب اثره عليه ماله من المشهد العظيم فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ماله من الحسنات} "مفتاح دار السعادة 1/ 529


    وقال أيضا..{ أن الكبيرةَ العظيمَةَ مما دون الشركِ قد تُكَفَّرُ بالحسنةِ الكبيرةِ الماحية، كما وقع الجَسُّ مِن حاطب مكفَّراً بشهوده بدراً، فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنةُ العظيمةُ مِن المصلحة، وتضمنتهُ مِن محبة الله لها ورضاه بها، وفرحِه بها، ومباهاتِه للملائكة بفاعلها، أعظمُ مما اشتملت عليه سيئةُ الجسِّ مِن المفسدة، وتضمَّنَتْهُ مِن بغضِ الله لها، فغلب الأقوى على الأضعفِ، فأزاله، وأبطل مقتضاه..} "زاد المعاد" 3/ 424وقد لا يكون للبدري ذاك في "الدنيا"!..:


    قال العلاّمة ابن القيم..{فقواعد الشرع تقتضي ان يسامح الجاهل بما لا يسامح به العالم،وانه يغفر له مالا يغفر للعالم فإن حجة الله عليه أقوم منها على الجاهل، وعلمه بقبح المعصية وبغض الله لها وعقوبته عليها اعظم من علم الجاهل ،ونعمة الله عليه بما أودعه من العلم اعظم من نعمته على الجاهل.. } "مفتاح دار السعادة 1/528



    البدري وإن كان مغفور الذنوب، لايلزم أن يكون معفواً عنه في العقوبات والحدود !.



    لذلك قال الإمام الطحاوي ..{..وليس ذلك بدافع عنهم العقوبات على ذنوبهم التي يذنبونها أن تقام عليهم..}"شرح مشكل الأثار" 11/ 274


    قال الحافظ ابن حجر..: {واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها والله أعلم} الفتح 7/ 356



    فهذا قدامة بن مظعون وهو مدني ممن شهد بدرا، وسائر المشاهد، وقد استعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على البحرين ثم عزله وولى عثمان بن أبي العاص.


    وكان عمر بن الخطاب قد حدّه في الخمر!.


    فقد أخرج القصة عبدالرزاق في مصنفه قصته ، وفيها..: {... فأرسل عمر إلى هند ابنة الوليد "زوجة قدامة بن مظعون" ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها فقال عمر لقدامة "إني حادك" فقال "لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني" فقال عمر لم؟ قال قدامة..: قال الله تعالى "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا.." فقال عمر.: "أخطأت التأويل إنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك....."فأمر بقدامة فجلد....}"2"


    قال شيخ الاٍسلام { فقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على استتابة قدامة ابن مظعون وهو من أهل بدر من قول قاله..} "مختصر الفتاوى المصرية" 1/ 61 للبعلي


    وهذا النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري.ممن شهد بدراً.


    قد حدّه النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر .


    فقد أخرج البخاري في "الحدود" من حديث عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ جِيءَ بِالنُّعَيْمَان ِ أَوْ ابْنِ النُّعَيْمَانِ شَارِبًا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا قَالَ فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ..}


    وهذا مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف ،ممن شهد بدراً، وهو ممن تكلم في حادثة الأفك.


    عن عائشة رضي الله عنها قالت..: { لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذاك وتلا تعني القرآن فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم} وفي رواية {فأمر برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة- حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة...ْْ} رواه أبو داود 4474 وحسنه الألباني.


    قال الحافظ..:{ وقد استشكلت إقامة الحد على مسطح بقذف عائشة رضي الله عنها كما تقدم مع أنه من أهل بدر فلم يسامح بما ارتكبه من الكبيرة وسومح حاطب وعلل بكونه من أهل بدر!؟
    والجواب ما تقدم في باب فضل من شهد بدراً- أن محل العفو عن البدري في الأمور التي لا حد فيها..} "الفتح " 12/ 310



    وهذا مرارة بن الربيع العمري ،وصاحبه هلال بن أمية ، صاحبا كعب بن مالك- وهما ممن شهدا بدراً.


    وقصة تخلّفهما عن غزوة تبوك مشهورة معلومة، وقد هجرهما النبي صلى الله عليه وسلم ونهى الناس عن كلامهم .


    قال كعب بن مالك في حديثه الطويل {...ثُمَّ قُلْتُ لهم " أي للناس" هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ قَالُوا نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ فَقُلْتُ مَنْ هُمَا قَالُوا مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا..ْ}


    قال الحافظ ابن حجر..{ واستدل بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدرا بما وقع في قصة حاطب وأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جس عليه، بل قال لعمر لما هم بقتله "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" قال وأين ذنب التخلف من ذنب الجس"2"!!


    قلت..: وليس ما استدل به بواضح، لأنه يقتضى أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها وليس كذلك فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب فقد جلد قدامة بن مظعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري كما تقدم وإنما لم يعاقب النبي صلى الله عليه و سلم حاطبا ولا هجره لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشا خشية على أهله وولده وأراد أن يتخذ له عندهم يدا فعذره بذلك بخلاف تخلف كعب وصاحبيه فإنهم لم يكن لهم عذر أصلا والله أعلم} الفتح 12/ 724-725


    وما أجمل ما قاله شيخ الاٍسلام ابن تيمية يرحمه الله ..{ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ هَجْرُ الْإِمَامِ أَحْمَد لِلَّذِينَ أَجَابُوا فِي الْمِحْنَةِ قَبْلَ الْقَيْدِ وَلِمَنْ تَابَ بَعْدَ الْإِجَابَةِ وَلِمَنْ فَعَلَ بِدْعَةً مَا ؛ مَعَ أَنَّ فِيهِمْ أَئِمَّةً فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْعِبَادَةِ ؛ فَإِنَّ هَجْرَهُ لَهُمْ وَالْمُسْلِمِين َ مَعَهُ لَا يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ قَدْرِ فَضْلِهِمْ كَمَا أَنَّ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ بِهَجْرِهِمْ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ السَّوَابِقِ . حَتَّى قَدْ قِيلَ إنَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا شَهِدَا بَدْرًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِأَهْلِ بَدْرٍ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ وَأَحَدُهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ شَاعِرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحَدُ أَهْلِ الْعَقَبَةِ فَهَذَا " أَصْلٌ عَظِيمٌ " أَنَّ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا الْمَشْرُوعَةَ مِنْ الْهِجْرَانِ إلَى الْقَتْلِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُعَاقَبُ عَدْلًا أَوْ رَجُلًا صَالِحًا كَمَا بَيَّنْت مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ عُقُوبَةِ الدُّنْيَا الْمَشْرُوعَةِ وَالْمَقْدُورَة ِ ؛ وَبَيْنَ عُقُوبَةِ الْآخِرَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.}"الفتاوى10/ 375"




    هل قوله صلى الله عليه وسلم " فقد غــفرت لكم " يشمل كل ذنب!؟




    وهنا كلام جامع شيخ الإسلام ابن تيمية ، أنقله لنفاسته!.
    قال رحمه الله..: { في قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي قال في آخره عن الله تعالى: «قد غفرت لعبدي فليعمل ما يشاء» هذا الحديث لم يجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - عاما في كل ذنب من كل من أذنب وتاب وعاد؛ وإنما ذكره حكاية حال عن عبد كان منه ذلك؛ فأفاد أن العبد قد يعمل من الحسنات العظيمة ما يوجب غفران ما تأخر من ذنوبه، وإن غفر له بأسباب أخر.
    وهذا مثل حديث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه الذي قال فيه لعمر: «وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وما جاء أن غلام حاطب شكاه فقال: والله يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال: «كذبت، إنه شهد بدرا والحديبية».
    ففي هذه الأحاديث بيان أن المؤمن قد يعمل من الحسنات ما يغفرله بها ما تأخر من ذنبه، وإن غفر بأسباب غيرها. ويدل على أنه يموت مؤمنا، ويكون من أهل الجنة وإذا وقع منه ذنب يتوب الله عليه كما تاب على بعض البدريين كقدامة بن عبد الله رضي الله عنه لما شرب الخمر متأولا واستتابه عمر رضي الله عنه وأصحابه رضي الله عنهم وجلدوه، وطهر بالحد والتوبة، وإن كان ممن قيل لهم: «اعملوا ما شئتم».
    ومغفرة الله لعبده لا تنافي أن تكون المغفرة بأسبابها، ولا تمنع أن تصدر منه توبة إذ مغفرة الله لعبده مقتضاها ألا يعذبه بعد الموت، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه فإذا علم من العبد أنه سيتوب أو يعمل حسنات ماحية غفر له في نفس الأمر، إذ لا فرق بين من يحكم له بالمغفرة أو بدخوله الجنة.
    ومعلوم أن بشارته - صلى الله عليه وسلم - بالجنة إنما هي لعلمه بما يموت عليه المبشر ولا يمنع أن يعمل سببها.
    وعلم الله بالأشياء وآثارها لا ينافي ما علقها عليه من الأسباب، كما أخبر أن: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار»، ومع ذلك قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ولأن من أخبره أنه ينتصر على عدوه لا يمنع أن يأخذ أسبابه ولا من أخبره أنه يكون له ولد لا يمنع أن يتزوج أو يتسرى. وكذا من أخبره بالمغفرة أو الجنة لا يمنع أن يأخذ بسبب ذلك مريدا للآخرة وساعيا لها سعيها.
    ومن ذلك الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قد فعلت» ومع ذلك فمن المشروع لنا أن ندعوه.
    ومنه قوله تعالى لنبيه سنة ست من الهجرة: " لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ "ومع هذا فما زال - صلى الله عليه وسلم - يستغفر ربه بقية عمره؛ وأنزل عليه في آخر عمره سورة النصر: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا " وكان يتأول ذلك في ركوعه وسجوده: أي يمتثل ما أمره به ربه.
    فإذا كان سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - يستغفر ربه كيف لا يستغفر غيره ويتوب؟ وإن قيل له ذلك أبى وأخذته العزة.
    ولهذا ما زال سبحانه يخاطب أهل بدر وبيعة الرضوان بالأمر والنهي والوعد والوعيد ويذكر أنه يتوب عليهم كما قال تعالى: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } وقد نزلت بعد عام الحديبية بثلاث سنين...}
    وقد كان من شأن «مسطح» الذي كان يصله أبو بكر لرحمه ما كان وهو من أهل بدر رضي الله عنهم وعده الله في قوله: { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ } ، قوله: { وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } ، وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلدهم. فقد وقع هذا البدري رضي الله عنه المغفور له في هذا الإفك العظيم؛ لكن تاب منه بلا ريب. فتبين أن قوله: «قد غفرت لكم»، لا يمنع أن يعملوا بعد ذلك ذنوبا ويتوبون منها؛ بل لا بد أن يكون لئلا يتكلوا على الأخبار فقط بل لا بد من فعل السبب من التوبة والحسنات الماحية المتقدمة، أو غير ذلك من الأسباب كالمصائب في الدنيا أو في البرزخ أو عرصات القيامة أو يرحمهم.
    وهذه الأسباب يشترك فيها من علم أنه قد غفر له ومن لم يعلم لكن قد علم أن الله يغفر للتائب ويدخله الجنة.
    وأما الجاهل بحاله فلا يدري حاله عند الله فعلمه بأن الله يغفر الذنب ويأخذ به وإيمانه العظيم الذي في قلبه بذلك أفاده أنه صار عند الله ممن يغفر له لا محالة، فلا بد له من الأسباب فإنه لابد أن يدوم على الإيمان، ودوامه على الإيمان من أعظم الحسنات الماحية وأن يصلي ويتوب ويستغفر، ونحو ذلك من موجبات المغفرة.
    ومن كرر التوبة مرات واسترسل في الذنوب وتعلق بهذا الحديث كان مخدوعا مغرورا من وجهين:
    أحدها: ظنه أن الحديث عام في حق كل تائب وإنما هو حكاية حال فيدل على أن من عباد الله من هو كذلك.
    والثاني: أن هذا لا يقتضي أن يغفر له بدون أسباب المغفرة كما قدمنا.
    ومن كرر التوبة المذكورة والعود للذنب لا يجزم له أنه قد دخل في معنى هذا الحديث، وأنه قد يعمل بعد ذلك ما شاء لا يرجى له أن يكون من أهل الوعد، ولا يجزم لمعين بهذا الحكم، كما لا يجزم في حق معين بالوعيد كسائر نصوص الوعد والوعيد فإن هذا كقوله: من فعل كذا دخل الجنة ومن فعل كذا دخل النار، لا يجزم لمعين لكن يرجى للمحسن، ويخاف المسيء.
    ومن هذا الباب حديث البطاقة التي قدر الكف فيها التوحيد وضعت في الميزان فرجحت على تلك السجلات من السيئات.
    وليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المنزلة لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحا على هذه السيئات.
    ومن أجل ذلك صار المد من الصحابة رضي الله عنهم أفضل من مثل جبل أحد ذهبا من غيرهم................} "4"


    وقال العلاّمة ابن القيم..: { فالذي نظن فى ذلك والله أعلم أنّ هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الاسلام ،وأنّهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم ، لانه قد تحقق ذلك فيهم وأنهم مغفور لهم ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار علي القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك الى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال ومن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل اسباب المغفرة ونظير هذا قوله فى الحديث الآخر أذنب عبد ذنبا فقال أى رب أذنبت ذنبا فاغفره لى فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال أى رب أصبت ذنبا فاغفر لى فغفر له ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم أذنب ذنبا آخر فقال رب أصبت ذنبا فاغفره لى فقال الله علم عبدى ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدى فليعمل ما شاء فليس فى هذا اطلاق واذن منه سبحانه له فى المحرمات والجرائم وانما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك اذا أذنب تاب واختصاص هذا العبد بهذا لانه قد علم انه لا يصر على ذنب وانه كلما أذنب تاب حكم يعم كل من كانت حاله حاله لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك كما قطع به لاهل بدر وكذلك كل من بشره رسول الله بالجنة أو أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة اطلاق الذنوب والمعاصى له ومسامحته بترك الواجبات بل كان هؤلاء أشد اجتهادا وحذرا وخوفا بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة وقد كان الصديق شديد الحذر والمخافة وكذلك عمر فلهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها والاستمرار عليها الى الموت ومقيدة بانتقاء موانعها ولم يفهم أحد منهم من ذلك الاطلاق الاذن فيما شاؤا من الأعمال..}"الفوائد"صـ14



    لـماذا قام قائم "العذر والسابقة"" في جانب "حاطب" ، ولم يقم في حق "إبليس"!؟ و "ذو الخويصرة"!!؟



    قال الإمام اٍبن القيم .{ فتأمل قوة إيمانِ حاطب التى حملته على شهودِ بدر، وبذلِه نفسَه مع رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإيثارِهِ اللهَ ورسولَه على قومه وعشيرتهِ وقرابتهِ وهم بين ظهرانى العدُوِّ، وفى بلدهم، ولم يَثْنِ ذلكَ عِنَانَ عزمِه، ولا فَلَّ مِن حَدِّ إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهلُه وعشيرته وأقاربُه عندهم، فلما جاء مرضُ الجسِّ، برزت إليه هذه القوةُ، وكان البُحرانُ صالحاً، فاندفع المرض، وقام المريض، كأن لم يكن به قَلبَةٌ، ولما رأى الطبيبُ قوةَ إيمانه قد استعلت على مرض جَسِّه وقهرته، قال لمن أراد فصده: لا يحتاجُ هذا العارض إلى فصاد، "ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أهل بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم، فَقَدْ غَفرْتُ لَكُم".
    وعكس هذا ذو الخُويصِرَة التميمى وأضرابه مِن الخوارج الذين بلغ اجتهادُهم فى الصلاةِ والصِّيَامِ والقراءة إلى حد يَحْقِرُ أحدُ الصحابة عملَه معه كيف قال فيهم: "لَئِنْ أدْركْتُهُم لأَقْتَلَنَّهُم قَتْلَ عَادٍ"، وقال: "اقْتُلُوهُم فإنَّ فى قَتْلِهِمْ أَجْرَاً عِنْدَ اللهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ". وقال: "شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ"، فلم ينتفِعُوا بتلك الأعمال العظيمةِ مع تلك المواد الفاسدة المهلكةِ واستحالت فاسدةً.


    وتأمَّل فى حال إبليس لما كانت المادةُ المهلكة كامنة فى نفسه، لم ينتفعْ معها بما سَلَف مِن طاعاته، ورجع إلى شاكلته وما هُوَ أولى به، وكذلك الذى آتاه اللهُ آياتِه، فانسلخَ مِنها، فأتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، فكان مِن الغاوين وأضرابُه وأشكالُه، فالمعوَّلُ على السرائر والمقاصد والنِّياتِ والهِمم، فهى الإكسير الذى يَقْلِبُ نحاسَ الأعمال ذهباً، أو يرُدُّهَا خَبَثَاً... وبالله التوفيق.


    ومَن له لُبٌ وعقل، يعلم قَدْرَ هذِهِ المسألة وشِدَّةَ حاجته إليها، وانتفاعه بها، ويطَّلِعُ منها على باب عظيم من أبواب معرفة الله سبحانه وحكمته فى خلقه، وأمره، وثوابِه، وعِقابه، وأحكامِ الموازنة، وإيصالِ اللَّذة والألم إلى الروح والبدن فى المعاش والمعاد، وتفاوتِ المراتب فى ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائمٌ على كُلِّ نفس بما كسبت} زاد المعاد 3/ 422



    المتأول في التكفير قد يكون معذوراً بل "مأجوراً"!!



    قال ابن حزم ..{ وقد قال عمر رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم عن حاطب- وحاطب مهاجر بدري "دعني أضرب عنق هذا المنافق" فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا بل كان مخطئا متاولاً} "الفصل في الملل.." 3/ 143


    وقال شيخ الإسلام..:{ وَلِهَذِهِ الشُّبْهَةِ "أي موالاة حاطباً" سَمَّى عُمَرُ حَاطِبًا مُنَافِقًا فَقَالَ "دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ "إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا " فَكَانَ عُمَرُ مُتَأَوِّلًا فِي تَسْمِيَتِهِ مُنَافِقًا لِلشُّبْهَةِ الَّتِي فَعَلَهَا..} الفتاوى " 7/ 523


    قال الحافظ ابن حجــر.{وأطلق عليه "أي عمر" منافقاً، لكونه أبطن خلاف ما أظهر، وعذر حاطب ماذكر.}الفتح 8/ 634


    وقال العلاّمة ابن القيم، ذاكراً فصول القصّة وفوائدها ..{ .. وفيها: أن الرجل إذا نَسَبَ المسلم إلى النفاقِ والكُفْرِ متأوِّلاً وغضباً للهِ ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفُر بذلك، بل لا يأثمُ به، بل يُثاب على نيِّته وقصده، وهذا بِخِلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعُون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفَّروه وبدَّعوه} زاد المعاد 3/ 423




    : هل التعليل بالمانع يحتاج إلى قيام المقتضي..؟



    قال ابن القيم { وتأمل قوله لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب فقال..:"وما
    يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"


    ...كيف تجده متضمنا لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون وهي ..: أنّ التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي..؟ فعلل النبي عصمة دمه شهود بدراً دون الأسلام العام.
    فدل علي أن مقتضى قتله كان قد وجد وعارض سبب العصمة وهو الجس على رسول الله.
    لكن عارض هذا المقتضي مانع- منع من تأثيره وهو شهوده بدراً، وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها...} كما في "بدائع الفوائد" 4/ 939



    هــل صار حاطب موالياً للمشركين ..؟




    إذا علمت فاعلم أن بعض أهل العلم قد اعتبر صنيع حاطب من "الموالاة الخاصّة" غير المكفرة.
    لذلك قال شيخ الإســلام ابن تيمية..:{ . وَقَدْ تَحْصُلُ لِلرَّجُلِ مُوَادَّتُهُمْ لرَحِمِ أَوْ حَاجَةٍ فَتَكُونُ ذَنْبًا يَنْقُصُ بِهِ إيمَانُهُ وَلَا يَكُونُ بِهِ كَافِرًا ،كَمَا حَصَلَ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بلتعة لَمَّا كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ بِبَعْضِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ " ..} الفتاوى 7/ 522



    هديه صلى الله عليه وسلم فيمن جَسَّ عليه:



    بوب البخاري في صحيحه في كتاب "الجهاد" فقال {باب الجاسوس}.
    ثم ذكر حديث حاطب بن أبي بلتعة.


    قال العلاّمة ابن القيم {..،على هذا فالحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس لأنه ليس ممن شهد بدرا وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدرا ..} بدائع الفوائد 4/ 939


    وقال أيضاً..{..وفيها: جوازُ قتل الجاسوسِ وإن كان مسلماً، لأن عمر رضى الله عنه سأل رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتلَ حاطب بن أبى بَلتعةَ لما بعثَ يُخبر أهلَ مكة بالخبر، ولم يقل رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يَحِلُّ قتله إنه مسلم، بل قال: "ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم" فأجاب: بأن فيه مانعاً من قتله، وهو شهودهُ بدراً، وفى الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوسٍ ليس له مِثْلُ هذا المانع، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين فى مذهب أحمد، وقال الشافعى وأبو حنيفة: لا يُقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب، والصحيح: أن قتله راجع إلى رأى الإمام، فإن رأى فى قتله مصلحة للمسلمين، قتله، وإن كان استبقاؤه أصلحَ، استبقاه.. والله أعلم} زاد المعاد 3/ 423




    الخاتمة:


    وأخيرا أقول { وأنا أتبرأ لقارئه من التعاطي لما لم أحط به علما، والإغفال عما لا ينفك عنه البشر سهواً ووهماً، وأرغب لمن حقق فيه خلــلاً أن يصلحه، أو وجد فيه مغفلاً أن يبينه ويفصحه، أو رأى فيه متأولاً أن يحسن تأويله، أو ألقى فيه محتملاً أن يوضح دليله.... وإلى الله أرغب أن يجعلنا ممن انتفع بعلمه، وهدي إلى الصراط المستقيم وألهم.}"6"


    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأله وصحبه أجمعين.


    ـــــــــــــــ ـــــــ
    "1" "تهذيب السنن" 1/ 92 ط-المعارف
    "2" مفتاح دار السعادة 2/ 392
    "3""المصنف" برقم 17076، وقال الحافظ في الفتح 13/ 141 "سندها صحيح"
    "4" وقد نقله المحدث الألباني في "الصحيحة" 6/ 231 مقرا لّه .
    "5" هو ابن القيم كما في "الزاد" 3/ وانظر "الفتح "8/ 120 أيضاً
    "6"المستدرك على مجموع الفتاوى1 / 251- وأصله في "الفروع" 4/ 461 لا بن مفلح.
    "7" مقدمة القاضي عياض في "شرح مسلم" 1/ 73


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الدولة
    دولة الكويت
    المشاركات
    115

    افتراضي رد: شرح الصدر بفوائد حديث.: { لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر..

    بحث رائع رائع رااائع جزاك الله خيرا
    قال النبي: { من قال: سبحان الله و بحمده ،في يوم مائة مرة حطت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر } رواه مسلم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    118

    افتراضي رد: شرح الصدر بفوائد حديث.: { لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر..

    جزاك الله عنا الخير ودفع عنك الشر
    كلام قيّم جميل تخلله الدليل
    بوركت

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    49

    افتراضي رد: شرح الصدر بفوائد حديث.: { لعلّ الله قد اطلع على أهل بدر..

    بوركتم.....

    أسأل الله أن يجعل عملنا صالحاً، ولوجهه خالصاً..

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •