حوار مع د/ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ في جواز التبرُّك بالأماكن والآثَار
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 38

الموضوع: حوار مع د/ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ في جواز التبرُّك بالأماكن والآثَار

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي حوار مع د/ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ في جواز التبرُّك بالأماكن والآثَار


    براءةُ الصَّحابة الأخيار
    من
    التبرُّك بالأماكن والآثَار
    ( حوار مع د/ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ )

    للشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه:

    أما بعد:

    فقد اطلعت على كتاب للدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ، سماه بـ " الآثار النبوية بالمدينة المنورة ووجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها ".

    وهذا فيما يبدو لي أن من بواعثه حب النبي صلى الله عليه وسلم لكن هذا الحب جر القارئ ومن على مذهبه في التعلق بالآثار إلى ما يبغضه الله ورسوله ألا وهو: الغلو في حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب آثاره والتعلق بها والحث على تتبعها والتبرك بها والحق أن حب الله وحب أنبيائه ورسله والمؤمنين أمرٌ أوجبه الله وشرعه لعباده، والله تعالى يُحَبُّ لذاته،والأنبياء والرسل والملائكة والمؤمنون يحبون من أجل الله.

    لكن هذا الحب قد ضبطه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالتوسط والابتعاد عن الغلو، والغلو: هو الزيادة في الأشياء عمَّا شرعه الله وحدَّده.

    فالمؤمن يحب الله تعالى، ويقبل على عبادته من صلاة وصيام وذكر وغير ذلك.

    فإذا زاد في هذه العبادات عمَّا شرعه الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم تقربا إلى الله وحباً فيه، اعتبرت هذه الزيادة غلواً، ولو كان باعثها حب الله وطلب الزلفى لديه.

    فعن أَنَسَ بن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: جاء ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النبي صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ من النبي صلى الله عليه وسلم قد غُفِرَ الله له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ قال: أَحَدُهُمْ أَمَّا أنا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وقال آخَرُ: أنا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ وقال: آخَرُ أنا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: ( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا والله إني لأخشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ له لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ).

    فالذي يحب الله ويخشاه، لا بد أن ينضبط بهدي محمد صلى الله عليه وسلم وسنـته في عبادته لله المعبرة عن حبه وخشيته لله عز وجل، فإن زاد عن ذلك كانت هذه الزيادة مؤذنة عن رغبته عن سنة رسول الله،ومن رغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس هو من رسول الله صلى الله عليه وسلم،ورسول الله بريء من هذا الغلو.

    وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوجب الواجبات، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).

    ومع ذلك فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إطرائه، فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ).

    ولما قال بعض أصحابه أنت سيدنا وابن سيدنا قال صلى الله عليه وسلم: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينَّكم الشيطان).

    فهذه بعض الضوابط التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لضبط هذا الحب قولاً كان أو فعلاً.

    وللزجر عن الغلو المُهلك الذي أهلك من قبلنا قالصلى الله عليه وسلم: (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدِّينِ فإنه أَهْلَكَ من كان قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ في الدِّينِ).

    ومن الغلو الذي أهلك اليهود والنصارى قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابنُ الله أو هو الله أو ثالث ثلاثة.

    ومن غلوهم المُهلك اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، قال صلى الله عليه وسلم: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور
    أنبيائهم مساجد).

    ومن غلوهم المهلك تتبعهم لآثار أنبيائهم وجعلها كنائس وبيعاً.

    وقال الله تعالى زاجراً لهم عن هذا الغلو بكل أصنافه: ﴿ قل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَ الْحَقَّ ﴾ (النساء:171). وفي هذا زجر شديد لهذه الأمة المحمدية.

    ومن هنا جاء زجرُ النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن الغلو.

    فمن غلا من هذه الأمة في عبادته لله، أو تعظيم رسول الله أو غيره من الأنبياء والصالحين فإنما سلك طريق اليهود والنصارى الباطل المؤدي إلى الهلاك.

    فهل يعتبر المسلمون بذلك فينضبطوا بهذه الضوابط الإلهية والنبوية فيبتعدوا عن الغلو ويسلكوا سبيل الرشاد والتوسُّط الذي مدح الله به هذه الأمَّة فقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ (البقرة:143)

    وإنِّي لأَرَى الدكتور عبد العزيز القارئ في كتابه هذا قد خرج عن هذا المنهج الوسط فكتابه هذا دعوة صارخة إلى الغلو الذي سلكه أهل الكتاب فهلكوا بسببه، فماذا يريد عبد العزيز القارئ ؟!.

    الظاهر أنه لا يريد إهلاك أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ،ولكنه أُتِي من جهله بهذا المنهج أو من غفلته ونسيانه له إن كان قد فهمه واستوعبه من دراسته للمنهج السلفي فأنساه الشيطان ذكره.

    وإني لأرجو له العودة الجادة لهذا المنهج الذي هو سفينة النجاة لهذه الأمَّة.

    قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف:201).


    [[ تابع بقية الكتاب في موقع الشيخ ربيع المدخلي ]]

  2. #2
    الحمادي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,775

    افتراضي


    وفقك الله أخي فريد
    لم أقرأ المقال بعد، لكني أحببت التنبيه بتكبير الخط بارك الله فيك
    واصل رعاك الله

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    و فيكم بارك الله أخي الحمادي ...

    شكر الله مرورك ...

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    براءةُ الصَّحابة الأخيار من التبرُّك بالأماكن والآثَار
    ( حوار مع د/ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ )
    للشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله
    المقدمة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه:
    أما بعد:
    فقد اطلعت على كتاب للدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ، سماه بـ " الآثار النبوية بالمدينة المنورة ووجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها " ([1]).
    وهذا فيما يبدو لي أن من بواعثه حب النبي r لكن هذا الحب جر القارئ ومن على مذهبه في التعلق بالآثار إلى ما يبغضه الله ورسوله ألا وهو: الغلو في حب النبي r وحب آثاره والتعلق بها والحث على تتبعها والتبرك بها والحق أن حب الله وحب أنبيائه ورسله والمؤمنين أمرٌ أوجبه الله وشرعه لعباده، والله تعالى يُحَبُّ لذاته،والأنبياء والرسل والملائكة والمؤمنون يحبون من أجل الله.
    لكن هذا الحب قد ضبطه الله ورسوله r بالتوسط والابتعاد عن الغلو، والغلو: هو الزيادة في الأشياء عمَّا شرعه الله وحدَّده.
    فالمؤمن يحب الله تعالى، ويقبل على عبادته من صلاة وصيام وذكر وغير ذلك.
    فإذا زاد في هذه العبادات عمَّا شرعه الله على لسان رسول الله r تقربا إلى الله وحباً فيه، اعتبرت هذه الزيادة غلواً، ولو كان باعثها حب الله وطلب الزلفى لديه.
    فعن أَنَسَ بن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: جاء ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النبي r يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النبي r فلما أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ من النبي r قد غُفِرَ الله له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ قال: أَحَدُهُمْ أَمَّا أنا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وقال آخَرُ: أنا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ وقال: آخَرُ أنا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رسول اللَّهِ r فقال: ( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا والله إني لأخشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ له لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )([2]).
    فالذي يحب الله ويخشاه، لا بد أن ينضبط بهدي محمد r وسنـته في عبادته لله المعبرة عن حبه وخشيته لله عز وجل، فإن زاد عن ذلك كانت هذه الزيادة مؤذنة عن رغبته عن سنة رسول الله،ومن رغب عن سنة رسول الله r فليس هو من رسول الله r،ورسول الله بريء من هذا الغلو.
    وحب رسول الله r من أوجب الواجبات، قال r: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)([3]).
    ومع ذلك فقد نهى رسول الله r عن إطرائه، فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله )([4]).
    ولما قال بعض أصحابه أنت سيدنا وابن سيدنا قال r: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستجرينَّكم الشيطان)([5]).
    فهذه بعض الضوابط التي وضعها رسول الله r لضبط هذا الحب قولاً كان أو فعلاً.
    وللزجر عن الغلو المُهلك الذي أهلك من قبلنا قال r: (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدِّينِ فإنه أَهْلَكَ من كان قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ في الدِّينِ)([6]).
    ومن الغلو الذي أهلك اليهود والنصارى قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابنُ الله أو هو الله أو ثالث ثلاثة.
    ومن غلوهم المُهلك اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، قال r: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد)([7]).
    ومن غلوهم المهلك تتبعهم لآثار أنبيائهم وجعلها كنائس وبيعاً.
    وقال الله تعالى زاجراً لهم عن هذا الغلو بكل أصنافه: ﴿ قل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَ الْحَقَّ ﴾ (النساء:171).
    وفي هذا زجر شديد لهذه الأمة المحمدية.
    ومن هنا جاء زجرُ النبي r أمته عن الغلو.
    فمن غلا من هذه الأمة في عبادته لله، أو تعظيم رسول الله أو غيره من الأنبياء والصالحين فإنما سلك طريق اليهود والنصارى الباطل المؤدي إلى الهلاك.
    فهل يعتبر المسلمون بذلك فينضبطوا بهذه الضوابط الإلهية والنبوية فيبتعدوا عن الغلو ويسلكوا سبيل الرشاد والتوسُّط الذي مدح الله به هذه الأمَّة فقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾
    (البقرة:143)
    وإنِّي لأَرَى الدكتور عبد العزيز القارئ في كتابه هذا قد خرج عن هذا المنهج الوسط فكتابه هذا دعوة صارخة إلى الغلو الذي سلكه أهل الكتاب فهلكوا بسببه، فماذا يريد عبد العزيز القارئ ؟!.
    الظاهر أنه لا يريد إهلاك أمَّة محمد r ،ولكنه أُتِي من جهله بهذا المنهج أو من غفلته ونسيانه له إن كان قد فهمه واستوعبه من دراسته للمنهج السلفي فأنساه الشيطان ذكره.
    وإني لأرجو له العودة الجادة لهذا المنهج الذي هو سفينة النجاة لهذه الأمَّة.
    قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾
    (الأعراف:201).
    --------------------------------------------------------------------------------
    (1) صدر هذا الكتاب في هذا العام 1427 هـ
    ([2]) أخرجه البخاري (4776) ومسلم (1401).
    ([3]) أخرجه البخاري (15) ومسلم (44).
    ([4]) أخرجه البخاري في الأنبياء، حديث (3445) وأحمد (1/23).
    ([5]) أخرجه أحمد (3/241) وأبو داود في الأدب (4806).
    ([6]) أخرجه أحمد (1/215-347) والنسائي في المناسك (5/268/رقم: 3057) وابن ماجة في المناسك حديث (3029) من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح.
    ([7]) أخرجه البخاري (1330) ومسلم (529).

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    مناقشة العنوان



    عنوان الكتاب كما أسلفت " " الآثار النبوية بالمدينة المنورة ووجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها ".

    - أقول:

    1- إنَّ كلاً من الوجوب والجواز من الأحكام الشرعية،والإيجا ب والتحريم والتحليل من حق الله وحده والرسول مبلغ عنه.

    فهل القارئ تلقى هذا الوجوب والتحليل عن الله تعالى، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم ؟!.

    لم يأت بدليل عن الله تعالى أو عن رسوله r على وجوب المحافظة على هذه الآثار وجواز التبرك بها.

    2- يواجه القارئ إشكال كبير وهو: إذا كان الحفاظ على هذه الآثار من الواجبات فلماذا لم يقم الصحابة الكرام بهذا الواجب؟!!

    فهل يرى القارئ أن الصحابة جهلوا هذا الحكم وعلمه هو ومن يرى رأيه؟!!

    أو أن الصحابة علموا هذا الحكم، لكنهم تهاونوا في القيام به وقصروا فيه ونهض به القارئ لقوة إدراكه وشعوره بأهمية وجوبه.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    المآخذ الإجمالية

    أما الكتاب فعليه مآخذ أساسية منها:

    1- من جهة تأصيله للتبرك غير المشروع.

    2- ثم رتب على هذا التأصيل تفريعات وقياسات فاسدة لم يسبقه إليها أحد.

    3- مخالفته للنصوص النبوية والأصول الشرعية التي انطلق منها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب t ومعه الصحابة الذين نهوا عن تتبع الآثار النبوية وتابعهم على ذلك العلماء الواعون لما يترتب على تتبع الآثار من مفاسد وكذلك البناء عليها والصلاة فيها.

    4- حماسه في الدعوة إلى التبرك بهذه الآثار، فأداه ذلك إلى:

    5- الاستدلال بالأحاديث و الآثار الضعيفة والشديدة الضعف.

    6- وإلى معارضته للأحاديث الصحيحة أو تجاهلها.

    7- وإلى معارضته لأصل أصيل ألا وهو سد الذرائع.

    8- وإلى أخطاء في الاستدلال ببعض الأحاديث الصحيحة وإنزالها غير منازلها.

    9- وإلى قياسه التبرك بالأمكنة -التي نزلها رسول الله r أو صلَّى فيها والتي لا يثبت غالبها- على ما انفصل من حسده الشريف مثل: شعره و ريقه و عرقه r وقد فرق بين النوعين أفقه الناس وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان.

    10- إنه لا فرق عنده بين التأسي بأعمال رسول الله r في الأماكن التي نزلها أو صلى فيها بحكم الاتفاق والأماكن التي قصدها بالتعبد وقصد إلى تخصيصها بتلك العبادة كالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة والوقوف بعرفة وسائر المناسك، الأمور التي يجب التأسي به فيها ومنها ما يسن.

    لا فرق عنده بين هذه الأماكن المقصودة منه r وبين الأماكن التي نـزلها أو صلى أو جلس فيها بحكم الاتفاق.

    11- عدم تفريقه بين التأسي المشروع والتبرك البدعي الممنوع.

    12- حملته الشديدة على العلماء الذين أفتوا بهدم بعض المساجد التي شيدت على آثار مزعومة والتي اتخذها أهل البدع أعياداً يرتكبون فيها من البدع والأعمال الشركية ما يحتم هدم تلك المساجد التي هي من جنس المساجد التي لعن رسول الله r اليهود والنصارى من أجلها ومن جنس القبور التي أمر الرسول r بهدمها.

    وشدد الحملة على جهات مسئولة لتنفيذها فتاوى العلماء تعاوناً منها على البر والتقوى وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    المناقشات التفصيلية للكتاب

    تصنيف القارئ للآثار

    - قال القارئ (ص1):

    " الآثار في رأيي ثلاثة أصناف:

    1- آثار تاريخية يهتم بها دارسوا التاريخ والحضارة والمهندسون.

    كأنواع المباني القديمة، والمدن القديمة، والأدوات الحضارية التي تكشف عنها الحفريات، من أوان ونقود وأسلحة ونحوها، وأوضح مثال لهذا النوع مدائن صالح في الشمال الغربي للمملكة والأخدود في نجران في الجنوب الغربي ".

    ثم أعطى هذا الصنف حكمه فقال: " وهو نوع من الدراسات التاريخية والحضارية وربما الهندسية لا يلامون عليه فلكل علم أهله ".

    - أقول:

    1- العناية بالآثار في هذا العهد على الوجه الذي يسلكه الآثاريون لم يكن معروفاً على عهد الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح رحمهم الله.

    وإنما يقلد فيه المسلمون الأروبيين والأمريكان الذين من أعظم أهدافهم من دراسة الآثار في بلدان المسلمين إنما هو إحياء القوميات الجاهلية من فرعونية وبابلية وفينيقية... الخ.

    ونجحوا إلى حد بعيد في تحقيق كثير من هذه الأهداف ونشأت في بلاد الإسلام النعرات القومية الجاهلية والاعتزاز بهذه القوميات.

    2- وإني لأتعجب من تمثيلك بمدائن صالح والأخدود التي هي من مواطن غضب الله!!.

    قال الإمام البخاري([1]) -رحمه الله-: حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما مرَّ النبي r بالحجر قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين) ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي.

    حدثنا يحيى بن بكير حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r لأصحاب الحجر: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم).

    دل الحديثان على:

    1- خطورة دخول مواطن من غَضِبَ الله عليهم وأهلكم بسبب كفرهم وتكذيبهم للأنبياء وما جاؤوا به.

    2- لم يُجِز النبي r دخولها إلا لمن يخاف الله ويخشى عذابه فيدخلها عند الحاجة باكياً.

    3- يُخشى على من يدخل ديار المعذبين أن يصيبه من العذاب ما أصاب هؤلاء المعذبين.

    4- مشروعية الإسراع لمن أتى على هذه الديار مع تغطية وجهه تأسياً برسول الله r.

    فهل يفقه المسلمون، ومنهم الآثاريون ومشجعوهم ما في هذا التوجيه النبوي الصادر من الذي لا ينطق عن الهوى.

    وكذلك شرع رسول الله r الإسراع لمن يمر بوادي مُحَسِّر؛ لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل.

    فالذين يُنَقِّبُون عن آثار عادٍ وثمود وأصحاب الأخدود، وعن آثار الفراعنة وآثار البابليين هل ينطلقون من توجيهات رسول الله r أو هم مقلدون لأعداء الله الذين نصبوا لهم شراك التنقيب عن آثار الهالكين ليعتزوا بها اعتزاز الجاهليين؟!

    ثم يقوم على ذلك التفرق والتعصبات القومية والجاهلية والعداوات والبغضاء والحروب.

    ولقد قرأت أنا وغيري افتخار كثير من المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام بمثل قول بعضهم " فافخر أيّها المصري ببناة مجدك حينما كان الناس نوما "، يفتخر بالآثار الفرعونية كالأهرامات وغيرها!!

    ويقول أحمد شوقي في تمجيد الفراعنة:

    أيـن الفراعـنة الذين استذرَى بهم عيسى ويوسف والكليم المُصْعقُ

    الموردون الناس منهل حكمـة أفضى إليهـا الأنـبياء ليستقـوا

    الرافعون إلى الضحى آبـاءهم فالشمس أصلهم الوضيئ المعرق

    وكـأنما بين البلى وقبـورهـم عهدٌ على أن لا مساس وموثـق

    فحجابهم تحت الثرى في هيبة كحجابهم فوق الثرى لا يُخـرق

    بلغوا الحقيقة من حياة علمُـها حُجب مكثّفة وسـرٌ مُغـلـق

    وتبينوا معنى الوجود فلم يروا دون الخلود سعادة تتحــقـقُ

    أي: أنه يفتخر بالفراعنة الذين يدّعي أن هؤلاء المرسلون عاشوا في ظلالهم!

    وانظر إلى هذا الغلو الشديد في تمجيد الفراعنة والغلو في صفاتهم وأحوالهم وإلى أي مستوى رفعهم شوقي.

    ومع خطورة الاهتمام بهذه الآثار فقد أعطى القارئ هذا الصنف حكمه فقال: "وهو نوع من الدراسات التاريخية والحضارية وربما الهندسية ولكل علم أهله " ونسي ما تؤدّي إليه هذه الدراسة !

    وأقول:

    ألا ترى أن في موقف الرسول r من آثار ثمود ومصرعهم، وموقفه من مصرع أصحاب الفيل، ما يفيد المسلم الفقيه: الزهد والانصراف عن الاهتمام بهذه الآثار والدعاية لها والازدراء لمن يعتني بها

    وقل مثل ذلك في آثار قوم لوط، وقوم شعيب، وقوم فرعون، وآثار هؤلاء الدالة على غضب الله عليهم.

    وقولك: " فلكل علم أهله " ماذا تعني ؟!

    ألا ترى أن الشريعة الإسلامية شاملة لكل الأحكام على كل الناس في دينهم ودنياهم وتصرفاتهم؟! وهل معظم هؤلاء الآثاريين يعرفون أحكام هذه الآثار ويلتزمونها؟.

    ثم استدرك القارئ فقال: مع أن الكشف عن آثار من قبلنا من الأمم داخل في معنى الاعتبار المأمور به في القرآن.

    ثم ساق قوله تعالى: ﴿ فسيروا في الأرض..... ﴾ الآيتين.

    فهل يريد القرآن هذه الطريقة التي يسلكها الأوروبيون لإحياء آثار الجاهلية والكشف عن آثار الأمم عن طريق الحفريات والتخرصات عن تواريخها الخيالية والتقديرات بملايين السنين(2).

    أو أن الإنسان إذا مر بها ينبغي له أن يمر وفرائصه ترتجف خوفاً من أن ينـزل به ما نزل بأهل هذه الآثار كما علمنا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام؟!



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث (4419-4420).

    (2) لقد حمل القاريء نصوص القرآن ما لا تحتمله.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    رأي القارئ في الصنف الثاني ومناقشته فيه

    قال القارئ (ص1):

    " (2) آثار خرافية وهذه يُعنى بها ( الخرافيون ) وأكثرها يدور حول القبور وما يقام عليها من أضرحة ويبنى عليها من مساجد وأوضح مثال له في المملكة: ضريح آمنة أم الرسول r بالأبواء ؛ وكان قائماً إلى عهد قريب وضريح "علي العريضي " بحرة العريض بالمدينة النبوية عليه مسجد ومنارة وكان يأتي بعض الخرافيين من حضرموت وغيرها فيعكفون عنده أياماً، وعكف أحدهم شهراً، "وعلي العريضي " هذا من آل البيت من أحفاد جعفر الصادق، وقد تم هدم المسجد والضريح، وبالغ من هدمهما فنبش القبر، وأخطأ في ذلك، ولو اكتفى بهدم البناء الذي عليه وأبقاه مسوي بالأرض لكفى لأن النبي r قال لعلي: "..وألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته " لم يقل ( نبشته )!!.

    وذكر حكم هذا الصنف في (ص5) فقال:

    " أما الصنف الثاني فهو ما يجب أن نحاربه ونعلن النكير عليه لما فيه من ذريعة الشرك ولمخالفته الصريحة للنصوص الثابتة الدالة على تحريم البناء على القبور وذم شأن من فعل ذلك من اليهود والنصارى وتحذير هذه الأمة من تقليدهم ".

    - أقول:

    كنت أتمنى للقارئ أن يتوسع في الكلام على هذا الصنف ويبين ما يفعله الخرافيون عند القبور في مختلف البلدان من الشركيات الكبرى ، كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم في الشدائد وشد الرحال إليهم والتقرب بالذبائح والنذور لهم وإقامة الأعياد لهم واجتماع ألوف الألوف في أعياد بعض أهل هذه المشاهد والمساجد من رجال ونساء وارتكاب المنكرات في هذه المناسبات.

    وتمنيت أن يذكر النصوص النبوية في شأنها ويبين فقهها ومدى مخالفات الخرافيين لها.

    بل أتمنى أن يحقق كتاباً من كتب التوحيد ويجول فيه بتعليقات قوية واضحة تدل على حبه للتوحيد وبغضه للشرك!!

    أما أن يمر مرور الكرام عند الحكم على هذا الصنف فيشير إشارة إلى النصوص دون أن يذكرها ويقف عندها طويلاً كما وقف عند الكلام عن الآثار التي يزعم أنها نبوية وساق ما يراه أدلة وشدد النكير وأرغى وأزبد على من يهدمها.

    وكذلك اكتفى بالحديث عن البناء على القبور بقوله: " إنها من ذرائع الشرك" ولا يدري أن أكثر من يرحبون بكتابه وينشرونه لا يعرفون ما هو الشرك وما هي ذرائعه؟!

    كنت أتمنى للقارئ أن يتحدث عن كثرة المشاهد والمساجد التي بنيت على القبور في العالم الإسلامي ويشدد النكير على من يبني هذه المساجد والمشاهد وعلى رواد هذه المساجد والمعابد ويبين حكم الله فيها وفي أهلها، وينادي بهدمها قبل أن ينادي ببناء الآثار التي لا يتباكى على هدمها إلا الخرافيون ولا يفرح بالإشادة بها والمناداة ببنائها إلا الخرافيون!!

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    رأي القارئ في الصنف الثالث

    قال القارئ (ص7):

    " أما الصنف الثالث فهو ما ينبغي أن نُعنى به ونحافظ عليه تأسياً بالصحابة والتابعين الذين فعلوا ذلك بمحضر من بعض الصحابة وعلى رأس التابعين عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - الذي كان أول من تتبع المواقع النبوية وبنى عليها المساجد عندما كان أميراً على المدينة وقد شاور في ذلك من حضره من الصحابة وشاور كبار التابعين بالمدينة فدلوه على هذه المواقع ".

    - أقول:

    1- إن أمور الدين أو الأمور المتصلة بالعقيدة لا تبنى على الحكايات التي لا تثبت.

    2- في كلامك اضطراب!

    فأولاً تقول : " فهو ما ينبغي أن نُعنى به ونحافظ عليه تأسياً بالصحابة والتابعين الذين فعلوا ذلك ".

    ثم تقول: " بمحضر من بعض الصحابة وعلى رأس التابعين عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- الذي كان أول من تتبع المواقع النبوية... الخ.

    وتقول في موضع آخر: " بمحضر خمسة من صغار الصحابة "! والواقع أن كلّ ذلك لا يثبت!

    فهلا قلت لنا: قال رسول الله r: اعتنوا بمواقعي وحافظوا عليها. أو فعل رسول الله ذلك بهذه المواقع التي تقول: إن عمر بن عبد العزيز تتبعها وبنى عليها المساجد.

    أو قلت: فعل ذلك الخلفاء الراشدون المهديون ومعهم باقي الصحابة الكرام وسقت الأدلة الصحيحة على هذه الدعوى العريضة؟!

    ثم من هم الصحابة الذين حضروا فعل عمر بن عبد العزيز وهو يبني المساجد على هذه المواقع، وهل كانوا يشاركون في بناء هذه المساجد كما شاركوا في بناء مسجد رسول الله r وشاركوا في حفر الخندق؟!

    ومن هم كبار التابعين الذين شاوروا عمر بن عبد العزيز ببناء هذه المساجد؟!

    ومن هم الصحابة والتابعون الذين دلوا عمر بن عبد العزيز على هذه المواقع على كثرتها بدقة؟!

    وأين هؤلاء الصحابة وكبار التابعين من المشورة على الخلفاء الراشدين ليقوموا بهذا العمل وهذه المحافظة على هذه الآثار؟!

    أليس في انصراف الرسول r وخلفائه الراشدين وصحابته الأكرمين عن العناية بهذه الآثار دليل واضح على عدم مشروعية العناية بالآثار؟!

    3- أحال الدكتور القارئ بهذا الكلام على تاريخ المدينة لابن شبة (1/74) فوجدنا فيه الحكاية الآتية:

    " قال أبو غسان: وقال لي غير واحد من أهل العلم من أهل البلد: إن كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة، فقد صلى فيه النبي r، وذلك أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - حين بنى مسجد رسول الله r سأل - والناس يومئذ متوافرون - عن المساجد التي صلى فيها رسول الله r ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة ".

    - أقول:

    الكلام على هذه الحكاية من وجوه:

    الوجه الأول: راوي هذه الحكاية هو محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد الكناني أبو غسان المدني، قال فيه أبو حاتم: " شيخ ". الجرح والتعديل (8/123).

    وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما خالف وقال أبو بكر بن مفوز: كان أحد الثقات المشاهير يحمل الحديث والأدب والتفسير.

    قال هذا الكلام ردّاً على ابن حزم الذي قال فيه: مجهول([2]).

    وقال السليماني: " حديثه منكر ". قال الحافظ " ولم يتابع على هذا ".

    وقال الدارقطني: " ثقة " انظر تهذيب التهذيب (9/518) وتهذيب الكمال (26/637-638).

    وقال الذهبي في الكاشف: " صدوق، خ ".

    وقال الحافظ ابن حجر: " ثقة ،لم يصب السليماني في تضعيفه من العاشرة خ".

    والظاهر أن القول الوسط هو قول الذهبي: "صدوق".

    الوجه الثاني: على قول أبي غسان: " وقال لي غير واحد من أهل العلم من أهل البلد...الخ".

    أقول : هؤلاء أناس مجهولون فلا تقبل روايتهم عند أهل العلم من المحدثين والفقهاء وما أظن القارئ يجهل هذا، وحتى لو قال إمام أكبر وأوثق من أبي غسان: حدثني الثقة لا يقبل منه هذا التوثيق ولا تقبل رواية الموثّق، لأنه يجوز أن يكون ثقة عنده مجروحاً عند غيره من أهل العلم والنقد.

    ولو قال: كل من أحدثكم عنهم ثقات، لا يؤخذ بهذا التوثيق فكيف وأبو غسان ليس من أهل النقد ومع ذلك لم يوثق من حكى عنهم.

    الوجه الثالث: قال هؤلاء المجهولون: " سأل والناس متوافرون " ولم يقولوا: والصحابة متوافرون. ولم يذكروا كبار التابعين.

    ولم يقولوا: وقد شاور في ذلك من حضره من الصحابة.

    ولم يقولوا: وشاور كبار التابعين.

    ومع جهالة هؤلاء الرواة - وقد يكونون اثنين - لم يجرؤوا أن يقولوا ما قاله القارئ!!

    ولقد حمل حكايتهم هذه على ضعفها ما لم تحتمل وما هو فوق طاقتها!!

    وهل يجوز للقاري أن يفعل هذا في أمر يتعلق بالعقيدة، بل لو كان في أمر مباح فهل يجوز له هذا؟!

    الوجه الرابع : إنّ عمر بن عبد العزيز من صغار التابعين؛ من الطبقة الرابعة ولم يرو إلا عن اثنين من الصحابة، وهم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي وهذا قد توفي سنة ثمانين من الهجرة قبل أن يُوَلَّى عمر بن عبد العزيز على المدينة بسنوات.

    والثاني : سهل بن سعد الساعدي، توفي عام ثمانية وثمانين وقد جاوز المائة ومات قبل أن يقوم عمر بن عبد العزيز بهذا العمل المزعوم!

    وأدرك أنس بن مالك الذي لا يعرف إلا أنه صلى وراء عمر بن عبد العزيز أيام إمرته بالمدينة ولم يرو عنه عمر ولم يذكر أحد أنه كان من مستشاريه بل كان أنس يسكن البصرة قبل إمرة عمر للمدينة وبعدها(1).

    فهل بعد هذا يجوز الأخذ بقول القارئ " أما الصنف الثالث: فهو ما ينبغي أن يعتنى به ويحافظ عليه تأسياً بالصحابة والتابعين الذين فعلوا ذلك بمحضر من الصحابة ".

    لقد برأ الله الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أعمال أهل الكتاب بقبور أنبيائهم وآثارهم الذين استحقوا اللعن بهذه الأعمال، قال رسول الله r: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )([3])، فإذا استحقوا اللعن بسبب بنائهم المساجد على قبور الأنبياء أفلا يستحقون اللعن إذا بنوا المساجد على آثارهم؟!

    فماذا يستحق الخرافيون إذا بنوا المساجد على القبور والآثار؛ يتبركون بها ويستغيثون بأهلها؟!

    الوجه الخامس : قد نهى رسول الله r عن زخرفة المساجد واعتبر ذلك من علامات الساعة، فكيف يفعل هذه البدعة عمر بن عبد العزيز ويؤيده عليها الصحابة؟!

    أيا عبد العزيز القارئ! يجب أن تتوب إلى الله من نسبة هذه الأعمال إلى دين الله وإلى أصحاب محمد r.

    وعليك أن تدرك أن طريق إصلاح المسلمين غير الطرق التي تسلكها أنت. والخرافيون ليسوا بحاجة إلى من يزيدهم خرافات على خرافاتهم، وإنما يحتاجون إلى من يبدد ما عندهم من الخرافات والضلالات بنشر العقائد الصحيحة والمناهج الصحيحة وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكرات البدعية والشركية.

    هذا هو طريق الإصلاح الذي يحبه الله ورسوله وأهل العلم الناصحون.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) وفي كلام ابن مفوز نظر !.

    (2) وأدرك ثلاثة من صغار الصحابة الذين توفي النبي r ولم يبلغوا سن التمييز، وهم محمود بن الربيع ومحمود بن لبيد والسائب بن يزيد.

    ([3]) تقدم تخريجه (ص 2 ) .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    ما يزعمه من فوائد المحافظة على هذه الآثار ومناقشته فيه

    ثم قال ( ص8) : " وقد نقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح ([1]) وشيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الأخنائي(2) كما سيأتي بيانه.

    - أقول:

    وهل يفيدك نقلهما وهي حكاية تالفة، وهل التزم الرجلان الصحة فيما ينقلانه؟!

    ثم قال: " وفائدة المحافظة على هذا الصنف من الآثار النبوية:

    أولاً: ( الاعتبار ) نص على ذلك بعض الصحابة وكبار التابعين بالمدينة، وبيانه فيما يأتي:

    لما هدم عمر بن عبد العزيز بيوت أزواج النبي r، وكانت ملتصقة بجدار المسجد النبوي وأدخلها في المسجد عند توسعته بأمر من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، ومنها بيت أم المؤمنين عائشة وفيه القبور الثلاثة: قبر النبي r وقبرا الصاحبين، فصارت القبور الثلاثة الشريفة داخلَ المسجدِ، وحَزِنَ الناس حزناً شديداً، قال عطاء الخراساني:

    أدركت حجرات أزواج النبي r من جريدٍ على أبوابها المسوح من شَعٍر أسود، قال فحضرت كتاب الوليد يقرأ فأمَرَ بإدخالها في المسجد فما رأيت يوماً كان أكثر من ذلك اليوم باكياً، فسمعت سعيد بن المسيب يقول: والله لودِدتُ أنهم تركوها على حالها ينشأ ناس من المدينةِ ويقدم قادم من الأفق فيرى ما أكرم به النبي r في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر.

    وفي رواية ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، قال سعيد بن المسيب ودَدتُ لو تركوا لنا مسجد نبيناً على حالِهِ وبيوت أزواجِهِ ومنبره ليقدم القادم فيعتبر.

    وقال عمران بن أبي أنس: رأيتني وأنا في المسجد فيه نفر من أصحاب رسول الله r وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد وإنهم يبكون حتى أخضل الدمع لحاهم، وقال يومئذ أبو أمامة:

    ليتها تُركت حتى يَقصُرَ الناس عن البناء ويَرَى الناس ما رضي الله لنبيِّهِ وخزائن الدنيا بيده

    وأحال في الحاشية على الرد على الأخنائي ص 190في الموضعين ".

    - أقول: هذه الحكاية لا تثبت لأن في إسنادها علل:

    الأولى : محمد بن عمر الواقدي:

    قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-:" كذاب " وقال ابن معين "ليس بثقة " وقال مرة "لا يكتب حديثه" وقال البخاري وأبو حاتم: "متروك ".

    وقال ابن المديني: " الواقدي يضع الحديث ".

    وقال ابن راهوية: " هو عندي ممن يضع الحديث ".

    وقال أبو داود: "بلغني أن علي بن المديني قال: كان الواقدي يروي ثلاثين ألف حديث غريب". وقال البخاري: "سكتوا عنه ماله عندي حرف".

    وقد تساهل بعض الناس في توثيقه مثل محمد بن إسحاق الصاغاني ومصعب وغيرهم. انظر: الميزان (3/663-665).

    وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: "متروك مع سعة علمه ".

    وقال الذهبي في الكاشف: "متروك ". وقال الذهبي في المغني: " مجمع على تركه ".

    وقال النسائي: "كان يضع الحديث".

    الثانية : عبد الله بن زيد الهذلي،لم أقف له على ترجمة.

    وفي الإسناد الثاني : الواقدي وقد تقدمت ترجمته وشيخه فيه معاذ بن محمد الأنصاري.

    قال فيه الحافظ: معاذ بن محمد بن معاذ بن ابن أبي بن كعب، وقيل بإسقاط محمد الثاني، وقيل بإسقاط معاذ، مقبول من الثامنة ق.

    وقال الذهبي في الكاشف: "وُثِّق". والمراد به توثيق ابن حبان وهو يوثق المجهولين.

    وعطاء الخراساني هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني قال فيه الذهبي في الكاشف: "أرسل عن معاذ وطائفة من الصحابة". وقال الحافظ في التقريب: "صدوق يهم كثيراً ويرسل ويدلس من الخامسة م 4"، وانظر المراسيل لابن أبي حاتم (ص:157 رقم (575).

    فظهر أن هذه الحكاية في غاية الضعف والوهاء إن لم تكن مكذوبة، والذي يتعلق بها وينسبها إلى الصحابة ويبني عليها أحكاما عظيمة وينادي بالعمل بمضمونها فإنما يجني على نفسه في الدنيا والآخرة.

    وهذا شيخ الإسلام يشك فيها فيقول: " قلت: قوله في هذه الرواية: إن فيهم نفراً من أصحاب رسول الله r، إن كان هذا محفوظاً فمراده من كان صغيرا في عهد النبي r مثل أبي أمامة بن سهل بن حنيف ومثل محمود بن الربيع ومثل السائب بن يزيد وعبد الله بن أبي طلحة.

    فأما من كان مميزاً على عهد النبي r، فلم يكن بقي منهم أحد، لكن في سهل بن سعد خلاف، قيل توفي سنة ثمان وثمانين فيكون قد مات قبل ذلك أو سنة إحدى وتسعين".

    وقال الذهبي في الكاشف: " عُمِّر ومات سنة ثمان وثمانين أو إحدى وتسعين ع ".

    وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: " مات سنة ثمان وثمانين وقيل بعدها وقد جاوز المائة ع ".

    وقال شيخ الإسلام في موضع آخر من الرد على الأخنائي (ص138-139- ط: المكتبة العصرية ) بعد كلام له: " وكان المقصود أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة، ولم يبق إلا من أدرك النبي r ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة، وقال النبي r: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ).

    ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان بعد بضع وثمانين وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين.

    وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين مثل سعيد ابن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة، ويقال لها سنة الفقهاء.

    وجابر بن عبد الله كان من السابقين الأولين ممن بايع بالعقبة وتحت الشجرة ولم يكن بقي من هؤلاء غيره لما مات، وذلك قبل تغيير المسجد بسنين، ولم يبق بعده ممن كان بالغاً عند موت النبي r إلا سهل بن سعد الساعدي فإنه توفي سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين، ولهذا قيل فيه إنه آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي r كما قاله أبو حاتم البستي وغيره.

    وأما من مات بعد ذلك فكانوا صغارا، مثل السائب بن يزيد الكندي(3) ابن أخت عمر فإنه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقيل: إنه مات بعده عبد الله بن أبي طلحة(4) الذي حنكه النبي r، وكذلك محمود بن الربيع(5) الذي عقل مجة مجها رسول الله r في وجهه من بئر كانت في دارهم وله خمس سنين، مات سنة تسع وتسعين أو سنه ثلاث وتسعين.

    وأبو أمامة بن سهل بن حنيف سماه النبي r: أسعد باسم أسعد بن زرارة مات سنة مائة.

    لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته r من التمييز ما ينقلون عنه أقواله وأفعاله التي ينقلها الصحابة، مثل ما ينقله جابر وسهل بن سعد وغيرهما.

    وأما ابن عمر فكان قد مات قبل ذلك عام قتل ابن الزبير بمكة سنة ثنـتين وسبعين وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف سنة بضع وستين، فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغيير المسجد وإدخال الحجر فيه، وأنس بن مالك كان بالبصرة لم يكن بالمدينة وقد قيل إنه آخر من مات بها من الصحابة ".

    وفي كلام شيخ الإسلام بالإضافة إلى ما بينته في هذه الدراسة ما يدفع قول القارئ:

    " أما الصنف الثالث فهو ما ينبغي أن يعتنى به ويحافظ عليه تأسيا بالصحابة والتابعين الذين فعلوا ذلك بمحضر من الصحابة، وعلى رأس التابعين عمر بن عبد العزيز ".

    فحاشا الصحابة والتابعين من التأسيس للخرافات والبدع.

    وصغار الصحابة الذين ذكرهم لا ناقة لهم ولا جمل فيما ينسبه إليهم القارئ.

    فإذا كان هذا الدفاع من شيخ الإسلام عن الصحابة فيما يتعلق بتغيير مسجد رسـول الله

    r وإدخال الحجر فيه ،فماذا سيقول في تلك المساجد الكثيرة([6]) التي يقول في شأنها القارئ ما سلف قريباً ويقول أيضاً عن عمر بن عبدا لعزيز " وقد شاور في ذلك من حضر من الصحابة وشاور كبار التابعين بالمدينة فدلوه على تلك المواقع ومع أن الحكاية التي بني عليها ضعيفة جداً بل قد تدخل في حد البطلان فقد حملها القارئ ما لا تدل عليه ولا تحتمله؟!

    نسأل الله لنا وله العافية من الأدواء والأهواء .

    قال الدكتور القارئ (ص11):

    "وقال إسحاق بن إبراهيم بن راهوية:

    " ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله r والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند إليه وينـزل جبريل بالوحي فيه عليه وبمن عمَّره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله ".

    وأحال القارئ على (الشفاء) للقاضي عياض، و (الرد على الأخنائي).والأمر كما ذكر إلا أن فيه ما يؤخذ عليه.

    والكلام عليه من وجوه:

    الأول: إن الموجود في كل من (الشفاء) و (الرد على الأخنائي): إسحاق بن إبراهيم الفقيه. وليس كما ذكر: ابن راهويه!

    فلا أدري أهذا سهو منه أو حصل عن قصد؟!

    والظاهر أن هذا الفقيه غير ابن راهويه

    1- لأن ابن راهويه لم يشتهر بوصف الفقيه، وإنما هو من كبار أئمة الحديث وإن كان من أعظم الفقهاء ويقرن بأحمد.

    2- أن هذا الكلام يستبعد من إسحاق بن راهويه ومن أمثاله كأحمد والشافعي ومالك والبخاري، بل هذا يشبه كلام المتأخرين.

    3- ذكر القارئ في الحاشية: ترجمة إسحاق بن إبراهيم بن راهوية، وذكر أن ابن راهويه من شيوخ أحمد! والواقع أن أحمد وإسحاق قرينان، وإن كان أحمد أعلم وأفضل.

    ولا يُمنع أن يأخذ العالم من قرينه وممن هو أصغر منه، ولا يصير بذلك من تلاميذ هذا القرين أو من هو أصغر منه.

    ولأحمد شيوخ كُثُر منهم: هشيم ووكيع والشافعي ويحي بن سعيد القطان وابن مهدي وغيرهم.

    4- يبدو أن المراد بإسحاق بن إبراهيم الفقيه: إسحاق بن إبراهيم بن ميسرة اللخمي الطليطلي ثم القرطبي المالكي المذهب، ممن أخذ العلم عن الباجي وقاسم بن أصبغ وغيرهما توفي: سنة اثنتين، وقيل: أربع وخمسين وثلاثمائة.انظر (الديباج المذهب) (ص96-97).

    5- الظاهر أن مراد إسحاق بن إبراهيم هذا: الصلاة في المسجد النبوي، والصلاة في الروضة، ومعرفة المنبر والقبر وسائر ما ذكره، لا التمسح بها على طريقة أهل البدع.

    والرجل مالكي، ومن مذهب مالك: النهي عن التمسح بالمنبر الذي كان r يخطب عليه فيجلس عليه ويلمسه فكيف بغيره.



    --------------------------------------------------------------------------------

    1- فتح الباري (1/571).

    2- طبعة دلهي على هامش الرد على البكري.

    (3) توفي سنة (91هـ) وقيل قبل ذلك، قال الحافظ ابن حجر وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة وقال الذهبي توفي سنة (91هـ) وقيل (86هـ).

    (4) توفي سنة (84هـ).

    (5) لم يذكر الحافظ سنة وفاته وقال الذهبي سنة (99هـ)، فيكون هو ومحمود بن لبيد اللذان أدركا عمل عمر بن عبد العزيز إن صح ولكنه لم يصح .

    (6) ذكر القاريء في موضع آخر أنها ثلاثون مسجداً .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    القارئ ينسب إلى السَّلف آثاراً لم تثبت عنهم

    قال القارئ (ص12):

    " هذه النصوص عن السلف تدل على أن الإبقاء على آثار النبي r (مسجده الذي بناه، بيوت أزواجه، منبره ) ونحو ذلك مقصد شرعي فائدته الاعتبار ".

    - أقول:

    إن هذه الآثار التي تنسبها إلى السلف لم تثبت في غير مسجده r الذي ثبت ثبوتاً مقطوعاً به واستمر وسيستمر إن شاء الله إلى يوم القيامة.

    أما الآثار الأخرى فما ثبت منها لم يبق، بل جرت عليه سنة الله في خلقه أنه لا يدوم شيء منها في هذه الدنيا.

    ومن الأسباب الواضحة اهتمام الصحابة بتبليغ رسالة محمد r والاهتمام بالجهاد في نشرها والاهتمام قبل ذلك بالمحافظة على القرآن الكريم الرسالة المعجزة الخالدة التي تحدّى الله بها الجن والإنس فعجزوا أن يأتوا بسورة من مثله فحافظوا عليه بتوفيق الله لهم ووعده الصادق بحفظه ثم عملهم بذلك وتعليمه ونشره فلم يضع منه حرف واحد.

    وحافظوا على سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم فلم يضع منها شيء ، وتبعهم وُرَّاُثهم بإحسان في المحافظة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وحفظهما في الصدور والسطور.

    وكان رسول الله r يوصي أصحابه بالقرآن والاهتداء به ويوصيهم بسنته وسنة خلفائه الراشدين ويأمرهم بالرجوع إلى ذلك عند الاختلاف.

    ولم يوصهم أبداً بالحفاظ على الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها، بل أنكر الخليفة الراشد عمر -رضي الله عنه- على من يتتبع الأماكن التي صلى فيها رسول الله r، وتتبع غيرها من باب أولى، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.

    ولو كان ذلك أمراً مشروعاً لأنكروا على عمر -رضي الله عنه - المنع من الصلاة في مكان صلى فيه رسول الله r.

    القارئ يرمي إلى الحفاظ على المساجد التي تزعم الحكاية أن عمر بن عبد العزيز قام ببنائها على مواقع الرسول r، وكان هذا البناء بمحضر من الصحابة أو بعضهم وبمشورتهم ودون إثبات ذلك خرط القتاد.



    بطلان نسبة التبرك بالآثار إلى الصحابة والتابعين

    قال القارئ ( ص12):

    " الفائدة الثانية: التبرك بالآثار النبوية من مساجد ، ودور، وآبار... ونحو ذلك.. والتبرك بالنبي r ومتعلقاته أمر مشروع فعله الصحابة والتابعون، وعليه الأئمة المتبوعون، ونقل عن الإمام أحمد أنه كانت لديه شعرة من شعر النبي r يتبرك بها.

    والتبرك بمتعلقات النبي r لا يشترط فيه العلم القطعي بثبوت اتصال الأثر بالنبي r، بل يكفي لثبوته الظن الراجح كما هو الشأن في سائر المسائل الشرعية.

    وإلا فكيف توافر للإمام أحمد -رحمه الله- العلم القطعي بأن تلك الشعرة التي كان يتبرك بها كانت من شعر النبي r وبينه وبين النبي r قرنان ونصف من الزمان(1)، وخبر هذه الشعرة ذكره الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء" في ترجمة الإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله " وأحال على سير أعلام النبلاء (11/212) .

    - أقول:

    قد سبق بيان بطلان ما نسبه إلى الصحابة من العناية والحفاظ على الآثار ومشاورة عمر ابن عبد العزيز في بناء المساجد عليها.

    وفي هذا المبحث يدّعي القارئ أن التبرك بالآثار التي ذكرها من المساجد والدور والآثار والآبار أمر مشروع فعله الصحابة والتابعون.

    ونحن نطالبه بأمور:

    1- إثبات هذه المشروعية من كتاب الله ومن سنة رسوله r.

    2- وإثباته من فعل الصحابة بالنقل الصحيح أنهم كانوا يتبركون بالمساجد والدور والآبار، وما هو هذا التبرك، وكذلك نطالبه بإثباته من أقوالهم ودعوتهم الناس إلى ذلك.

    3- ما نوع التبرك بموقع غزوة بدر وموقع غزوة أحد وموقع غزوة الخندق وجبل أحد وجبل ثور وجبل حراء...الخ؟!

    وهل يتبرك بترابها وحجارتها، وهل يتخذ منها قطعاً من الطين والحجارة للسجود عليها والتمسح بها كما يفعل الروافض؟!

    إن قلت: لا، فهل تأمن الخرافيين أن يفعلوا ذلك، وهل تستطيع أن تردعهم عن فعل ذلك، وما هي التدابير اللازمة التي ستتخذها لردعهم عن ذلك وقد عملت لهم هذه الدعاية العريضة؟!

    4- هل تدخل الحصون في دعوتكم هذه إلى الاعتبار كحصن كعب بن الأشرف النضري اليهودي، وكذلك الآطام التي ذكرتها، وحصن مرحب بخيبر،وهل تقترح على الحجاج وزوار المدينة أن يشدوا الرحال إلى خيبر لمشاهدة حصن مرحب في خيبر للاعتبار به؟!!

    وهل تقترح عليهم شد الرحال إلى بدر وحنين وتبوك؟! وهل نبحث عن كل مواقع غزوات الرسول r والتي بلغت تسع عشرة غزوة؟!

    وهل عندك أدلة على مشروعية البحث عن هذه الآثار والحفاظ عليها؟!

    يا أخي يكفي المؤمنين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما دوَّنه الثقات من سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ولقد تفقه منها العلماء الجادون فكانوا أعظم الناس تأثراً وأعظم اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الميادين الإسلامية .

    5- الآثار الإسلامية المتعلقة بما بعد العهد النبوي من عصور التاريخ الإسلامي، ومنها الثلاثون مسجداً التي بناها عمر بن عبد العزيز، ومنها المدارس والأربطة التي كانت في حارة الأغوات ومكتبة عارف حكمت والتي بنيت في مكان بيت السبط الحسن بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنهما -.

    هل تهدم البيوت والعمارات التي بنيت في هذه المواطن لنعيد تلك الآثار للاعتبار بها والتبرك بجدرانها وأتربتها أو ماذا نصنع تجاه هذه المشكلة؟! نريد لهذه المشكلة حلاً.

    ونقول بعد هذا للقارئ وغيره:

    صحيح أن الصحابة – رضوان الله عليهم- كانوا يتبركون بشعر رسول الله r وريقه وعرقه ووضوئه، وهذه قد انتهت بوفاته عليه الصلاة والسلام فلا وجود لها.

    أما تتبع آثاره فلم يحفظ عن صحابته الكرام والخلفاء الراشدين تتبع آثاره والأماكن التي صلى فيها أو مواقع الغزوات والجبال التي صعد عليها أو غار ثور أو حراء.

    بل ثبت عن عمر – رضي الله عنه – أنه نهى قصد الصلاة في مكان صلى فيه النبي r، وأقرّه الصحابة.

    وهذا من عمق فقههم، بل نقول: إنهم استفادوا هذا من قول رسول الله r: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)([2]) رواه ابن عباس وعائشة، وقالت عائشة عند روايتها لهذا الحديث: ( يحذر ما صنعوا ).

    فإذا كان اليهود والنصارى لعنوا لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد تكريماً وحباً لهم فما بالك بتتبع آثارهم وبناء المساجد عليها.

    إن الهيام بهذه الآثار يؤدي إلى الغلو الذي يطغى على رسالات الرسل ويؤدي إلى تحويلها إلى أوثان!!

    قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ (سورة النساء:171)، وقال رسول الله r حينما التقطت له حصيات ليرمي بها الجمار ( ألا بمثل هذه فارموا وإيَّاكم والغلو إنما أهلك من قبلكم الغلو )([3]).

    وقال r: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله )([4]).

    استفاد أصحاب محمد الكرام والتابعون لهم بإحسان من هذه التوجيهات الربانية والنبوية: الابتعاد عن الغلو والإطراء، فكفّوا أنفسهم عن تتبع آثاره r لأنه من سنن اليهود والنصارى والوثنيين، واهتموا بما جاء به محمد r من كتاب وسنة فاستقامت عقائدهم ومناهجهم وأعمالهم، ومن خالفهم فإنما ينهج نهج اليهود والنصارى فكان من آثاره ما تراه اليوم ماثلاً في أعمال الروافض والخرافيين من مساجد أو مشاهد على القبور والآثار وما تراه عند هذه المساجد والمشاهد من الضلالات والشركيات.



    --------------------------------------------------------------------------------

    (1) بين وفاة النبي r ومولد الإمام أحمد أربع وخمسون ومائة سنة لا ما ذكره القارئ ويصل الإمام أحمد إلى رسول الله r بوساطة ثلاثة رواة فقط في حوالي ثلاثمائة إسناد تسمى بالثلاثيات.

    ([2]) تقدم تخريجه (ص 2 ).

    ([3]) سبق تخريجه في (ص2).

    ([4]) سبق تخريجه في (ص2).

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    ماذا وراء هذا التأصيل

    ويقول القارئ ( ص12) مؤصلاً ومقعداً التبرك بمتعلقات النبي r:

    " لا يشترط فيه العلم القطعي بثبوت اتصال الأثر بالنبي r، بل يكفي لثبوته الظن الراجح كما هو الشأن في سائر المسائل الشرعية ".

    - أقول:

    ماذا يقصد القارئ بهذا التأصيل؟!

    هل يريد أن نقبل دعاوى الخرافيين والقبوريين والمتأكلين بالآثار؟ هل نصدق مثلاً دعوى أن أثر قَدَمَيْ النبي r في المسجد الكبير بدلهي، وأن له شَعَرَات في الهند وباكستان وربما تركيا وغيرها من البلدان، فيشد أهل هذه البلدان الرحال إليها للتبرك بها بناء على فتوى القارئ!!

    وإذا قيل: هذا مسجد أبي بكر وهذا مسجد عمر وهذا مسجد علي وهذا مسجد فاطمة وهذا مبرك الناقة، وهذه المساجد الثلاثين التي نقلتها الحكايات الباطلة صدقنا هذه الدعاوى وأقبلنا على التبرك بها، وسلكنا مسلك اليهود والنصارى في تتبع آثار أنبيائهم وصالحيهم!!

    وأقول للقارئ: إنه لم يشبع نهم الجهال والخرافيين الآثار المنسوبة إلى رسول الله r، بل ذهبوا يقدسون آثار أناس صالحين ادُّعِيَتْ لهم آثار فقدسوها وعظموها وارتكبوا حولها من الشركيات والبدع ما يندى له جبين الإسلام، بل ذهبوا يقدسون آثار أناس طالحين ومجهولين وحيوانات من حمير وخيل وغيرها ما يبكي كل مؤمن غيور على رسالة محمد r؛ رسالة التوحيد والإيمان والإخلاص لله رب العالمين.

    وأقول:

    الذي نعتقده في الإمام أحمد أنه لا يقبل أن هذه الشعرة من شعرات النبي r إلا عن طريق العدول الثقات الضابطين، وهو من مواليد أربع وستين ومائة، فعهده قريب من عهد النبي r، وله أسانيد ثلاثية كثيرة؛ أي: بينه وبين رسول الله r ثلاثة من الرواة، ثالثهم الصحابي؛ فإذا قال الإمام أحمد:

    ثنا سُفْيَانُ حدثني عبد اللَّهِ بن دِينَارٍ عَنِ ابن عُمَرَ عَنِ النبي r قال: ( لاَ تَدْخُلُوا على هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لم تَكُونُوا بَاكِينَ فَلاَ تَدْخُلُوا عليهم فإني أَخَافُ أَن ْيُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصَابَهُمْ )([2]).

    فكأنما أخذه الإمام أحمد مِن فِي رسول الله r.

    فهل يقاس على الإمام أحمد الخرافيون والمشعوذون في القرن الخامس عشر؟!

    وهل تقاس أسانيد الخرافيين الأفاكين على هذا الإسناد؟.

    قال القارئ ( ص13):

    "ولما سئل الإمام عن التبرك بالمنبر أباحه واستدل بأن الصحابة كانوا يمسحون أيديهم على رمانة المنبر، وكان النبي r يضع يده الشريفة عليها عندما يخطب ".

    ثم أحال على سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي.

    - أقول:

    رجعتُ إلى سير أعلام النبلاء فوجدت الذهبي يقول: " وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عن من يلمس رمانة منبر النبي r ويمس الحجرة النبوية([3])، فقال: لا أرى بذلك بأساً أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع.

    أقول للقارئ : هذا نص الإمام الذهبي أمامك وليس فيه قولك: " واستدل بأن الصحابة كانوا يمسحون أيديهم على رمانة المنبر " .

    فأين الأمانة العلمية ولا سيما في هذه الأمور العظيمة ؟!

    فكم الفرق بين رأي ينسب إلى إمام لم يحتج على عمله بحجة، وبين رأي ينسب إليه أنه احتج عليه بعمل الصحابة، والواقع بخلاف ذلك ؟!

    لماذا قولت الإمام أحمد والحافظ الذهبي ما لم يقولاه في هذه القضية ؟!

    ولماذا تتعلق برواية عن الإمام أحمد لعله رجع عنها، وتغفل ما عليه الصحابة والتابعون الذين لم ينقل عنهم التمسح بالمنبر ؟!

    وهذا سعيد بن المسيب يكره التمسح بالمنبر .

    قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (5/685/ط: مكتبة الرشد) : ثنا الفضل بن دكين عن سفيان عن عبد الله بن يزيد الليثي عن سعيد بن المسيب : ( أنه كره أن يضع يده على المنبر ) .

    وهذا الإمام مالك رحمه الله يكره التمسح بالمنبر .

    قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (ص368) تحقيق محمد حامد الفقي: "وكره مالك التمسح بالمنبر كما كرهوا التمسح بالقبر .

    فأما اليوم فقد احترق المنبر وما بقيت الرمانة وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة محترقة .

    فقد زال ما رخص فيه([4]) .

    وروى الأثرم بإسناده عن العتبي عن مالك عن عبد الله بن دينار قال: رأيت ابن عمر وغيره يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه وعلى أبي بكر وعمر".

    قال الشيخ محمد حامد الفقي: " وقول مالك أصح لأن أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة لم يكونوا يتمسحون بالمنبر ولا بغيره، والتمسح بالمنبر فيه نوع أو شبه من عمل أهل الجاهلية في تبركها بآثار الصالحين واتخاذها أوثاناً،ومن هنا كان غضب عمر -رضي الله عنه- وأمره بقطع شجرة البيعة فجزاه الله خير الجزاء فما كان أفقهه لدين الله وأحرصه على حماية التوحيد ".

    فهل يستفيد القارئ من قول شيخ الإسلام: "وأما اليوم فقد احترق المنبر وما بقيت الرمانة وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة محترقة".

    وهل يستفيد من قول شيخ الإسلام وقد زال ما رخص فيه؟! لأن القارئ يحتج بشيخ الإسلام إذا تصور ولو خطأ أن شيخ الإسلام يوافق رأيه.

    والذي يدعو إلى التبرك والتمسح بمنبر رسول الله r وغيره من آثاره المباركة التي لم يبق لها وجود، فإنما يدعو إلى مخالفة الشرع العظيم والعقل السليم، وإنما يجهد نفسه لنصرة الخرافة والخرافيين من حيث يدري أولا يدري!!

    وبهذه المناسبة أنقل هنا عن الذهبي ما رواه عن ابن عمر حيث قال: "قرأت على أحمد بن عبد المنعم المعمر، عن أبي جعفر محمد بن أحمد، أخبرنا أبو علي الحداد حضوراً أخبرنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا محمد بن عاصم حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر: (أنه كان يكره مس قبر النبي r). سمعنا جزء محمد بن عاصم بالاتصال " سير إعلام النبلاء (12/378).

    هذا الأثر في جزء محمد بن عاصم الثقفي برقم (27) وتابع محمد بن عاصم يحيى بن معين في أبي أسامة فالأثر صحيح . راجع الرد على الأخنائي (ص 170) .

    وقال عبد الرزاق: " عن معمر عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي r، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، وأخبرناه عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر(1)، فقال: ما نعلم أحداً من أصحاب رسول الله r فعل ذلك إلا ابن عمر"

    والشاهد منه ما يؤكد النص الأول من أن ابن عمر كان ينهى عن مس القبر ولو كان يمسه لنقل ذلك عنه نافع الذي كان يشاهد زيارته لقبر النبي r وصاحبيه.

    والشاهد الثاني: أنه ما كان يطيل الوقوف عند قبر النبي r وقَبْرَي صاحبيه، إنما يسلم عليهم جميعاً تسليماً خفيفاً ثم ينصرف.

    فالذين يطيلون الوقوف عند قبر النبي r ويدعون كثيراً ويبكون ويضجون وربما استغاثوا بالنبي r وصاحبيه، ولا دليل للناس إلا فعل ابن عمر فانظر كيف يخالفونه؟!

    والشاهد الثالث: أن ابن عمر -رضي الله عنه- قد انفرد من بين الصحابة بهذا العمل فالصحابة ما كانوا يأتون قبر النبي r لا في حال إقامتهم ولا في حال قدومهم من سفر ولا عند إرادتهم للسفر.

    فهل الناس -ولا سيما أهل هذا العصر ولا سيما الخرافيون- يحبون رسول الله r ويجلونه أكثر من أصحاب محمد r الذين كانوا يفدونه r بأرواحهم وأموالهم ويحبونه أكثر من أنفسهم وأموالهم وأبنائهم؟!

    لقد فهموا – رضوان الله عليهم – من قوله r: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد)(5])، وقوله: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)([6]).

    وقوله r: (لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم قبوراُ وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)([7]).

    لقد فهموا تحذير النبي r من التعلق بقبره والغلو فيه فكانوا يصلون عليه وهم في بيوتهم وأعمالهم وفي مساجدهم وفي صلواتهم وعند دخولهم مسجده r.

    فطريقتهم في التعامل مع رسالته أرشد وأهدى، وطريقتهم في التعامل مع آثاره r أرشد الطرق وأهداها وأشدها حماية لرسالته واحتياطاً لها.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) أخرجه أحمد (2/9) والبخاري في الصلاة حديث (433) وفي المغازي حديث (4419) وفي أبواب أخر ومسلم في الزهد حديث (2980).

    ([2]) وهناك رواية عن الإمام أحمد تنقض هذه الفتوى ؛ قال أبو بكر الأثرم : قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل : قبر النبي صلى الله عليه وسلم يُمَسّ ويُتَمَسح به ؟ فقال: ما أعرف هذا . قلت له : فالمنبر ؟ فقال : أما المنبر فنعم، قد جاء فيه، قال أبو عبد الله : شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر : أنه مسح على المنبر . قال : ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة . قلت : ويروون عن يحيى بن سعيد أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه . ثم قال : لعله عند الضرورة والشيء . قيل لأبي عبد الله : إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر وقلت له : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون . فقال أبو عبد الله : نعم وهكذا كان ابن عمر يفعل . ثم قال أبو عبد الله : بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم " . انظر (اقتضاء الصراط المستقيم) (1/367)

    وهذه الرواية أسدّ وأحكم؛ لأنها تتمشى مع منهج الصحابة ولا سيما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل تتمشى مع عمل ابن عمر الذي نقله الإمام أحمد نفسه .

    ([3]) ولو أن المنبر احترق في عصر الإمام أحمد أو قبله لما تمسّح به .

    (4) عبيد الله بن عمر هذا من أكابر علماء المدينة، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته: ثقة، ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري عن عروة عنها، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ع " أي أنه مات سنة أربعين ومائة، أي أنه أقدم من مالك، إذ هو من الطبقة الخامسة، ومالك من السابعة، وعبيد الله من أعلم الناس بأحوال أهل بيته وأحوال الصحابة، خاصة ما يتعلق بقبر النبي r.

    ([5]) تقدم تخريجه( ص 2 ).

    ([6]) أخرجه مسلم (ح532).

    ([7]) أخرجه أبو داود في سننه (2/225).

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    لا يصح قياس البقاع التي صلى فيها النبي r

    على وضوئه وما انفصل من جسده

    قال القارئ ( ص13-14 ):

    " ومنه قصد الآبار النبوية التي نقل أن النبي r تفل فيها أو صبَّ وضوءه فيها، أو سقط شيء من متعلقاته فيها، كبئر أريس التي سقط فيها خاتمه، بقصد التبرك بالشرب منها فهذا أمر مشروع لأنه متفرع من مسألة التبرك بالنبي r لا فرق في الحكم بينه وبين وضوئه r الذي كان الصحابة يتسابقون([1]) إلى التبرك به، وكذلك قصد البقاع التي صلىَّ فيها ( المساجد النبوية ) والتبرك بالصلاة فيها أمر مشروع، لأنه متفرع من مسألة التبرك بالنبي r، وثبت من فعل كثير من الصحابة والتابعين وفيه نص قطعي مرفوع، وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ".

    - أقول:

    1- من سبقك إلى هذه التسمية: " الآبار النبوية "؟!

    2- كم عدد هذه الآبار؟!

    3- لا أعرف أنا إلى الآن من الآبار بئراً بصق فيها رسول الله إلا بئراً واحدة هي بئر الحديبية ولم يسمها أحد بالبئر النبوية، ولا نعرف أن الصحابة والتابعين كانوا يسافرون إليها للتبرك ولا دعوا إلى ذلك.

    وبئر أريس التي سقط فيها خاتم رسول الله r في عهد عثمان وعلى قربها من المدينة، فما كان أصحاب رسول الله r يذهبون إليها ليتبركوا بالشرب منها.

    فلو كان الذهاب إليها للتبرك أمراً مشروعاً فلماذا لم يقم به الصحابة؟!

    وهناك عين تبوك، ولها قصة، ومنها أن رسول الله r لما وصل إليها وجد هو وأصحابه ماءها مثل الشراك يبضّ بشيء من ماء، فغرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، قال معاذ:وغسل رسول الله r فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر حتى استقى الناس منه ".([2])

    فلم نسمع أن الصحابة كانوا يسافرون إليها ليتبركوا بالشرب منها، أو إذا مروا بها فعلوا ذلك تبركاً بمائها،فهل تنصح الناس الآن بشد الرحال إليها للتبرك بمائها؟!

    وهل يشرع للناس الآن التسابق إلى بئر أريس وإلى عين تبوك وإلى الآبار الأخرى التي في ذهنك؟! هل كان الصحابة يتسابقون إليها كما كانوا يتسابقون إلى وضوئه؟!

    الجواب: إنه لم يكن منهم شيء مما يتوهمه القارئ، فبطل قياسه!!

    ثم هل هناك دليل يثبت أن تفلته باقية إلى يومنا هذا؟!

    ثم إن التشريع ليس إلا لله والحكم له وحده، ورسوله هو المبلغ، فهل شرع الله التبرك بهذه الآبار ونحوها وقَصّر الصحابة في القيام بهذا الأمر المشروع،وقصر أئمة الإسلام في القيام به ؟!

    ومن سبقك إلى هذا التفريع والتسوية في الحكم بين الآبار المذكورة وبين وضوئه r وعرقه ونخامه؛ الأمور المنفصلة من جسده الشريف؟!

    ومن سبقك من الصحابة وأئمة الإسلام إلى القول بمشروعية قصد البقاع التي صلى فيها النبي r؟!

    - قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في (اقتضاء الصراط المستقيم) (1/389-390): " فيجب الفرق بين اتباع النبي r والاستنان به فيما فعله وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به.

    وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل r فعلاً من المباحات لسببٍ وفعلناه نحن تشبهاً به مع انتفاء ذلك السبب فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه.

    وعلى هذا يُخرَّج فعل ابن عمر رضي الله عنهما،فإنَّ النبي r كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه لأنها كانت منـزله لم يتحرَّ الصلاة فيها لمعنىً في البقعة. فنظير هذا: أن يصلي المسافر في منـزله وهذا سُنَّة.

    فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلَّى فيها اتِّفاقاً فهذا لم يُنقَل عن غير ابنِ عمر من الصَّحابة،بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حُجاجاً وعُمَّاراً أو مسافرين،ولم يُنقَل عن أحدٍ منهم أنَّه تحرَّى الصَّلاة في مصليات النبي r.

    ومعلوم أنَّ هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق،فإنَّهم أعلم بسنـته وأتبع لها من غيرهم،وقد قال r: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)([3]).

    وتحرِّي هذا ليس من سُنَّة الخلفاء الراشدين،بل هو مما ابتدع.

    وقول الصحابي وفعله -إذا خالفه نظيره- ليس بحجة فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟!

    وأيضا فإنَّ تحرِّي الصَّلاة فيها ذريعة إلى اتِّخاذها مساجد والتَّشبه بأهل الكتاب مما نُهِينا عن التَّشبه بهم فيه ؛وذلك ذريعة إلى الشِّرك بالله.

    والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد،فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سَداً للذَّريعة فكيف يُستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتَّفق قيامهم فيه أو صلاتهم فيه من غير أن يكونوا قد قصدوه للصَّلاة فيه والدعاء فيه؟!

    ولو ساغ هذا لاستُحبَّ قصد جبل حراء والصلاة فيه،وقصد جبل ثور والصلاة فيه وقصد الأماكن التي يُقال: إنَّ الأنبياء قاموا فيها كالمقامين اللَّذين بجبل قاسيون بدمشق اللَّذين يقال إنهما مقام إبراهيم وعيسى،والمقام الذي يُقال إنَّه مغارة دم قابيل وأمثال ذلك من البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما.

    ثم ذلك يُفضِي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور فإنَّه يُقال إنَّ هذا مقام نبي أو قبر نبي أو ولي بخبر لا يعرف قائله أو بمنام لا تعرف حقيقته ثم يترتب على ذلك اتِّخاذه مسجداً فيصير وثناً يُعبَد من دون الله تعالى شركٌ مبنيٌّ على إفكٍ والله سبحانه يَقرن في كتابه بين الشِّرك والكذب كما يقرن بين الصدق والإخلاص " اهـ.



    - وقال شيخ الإسلام في المجموع (26/144): " وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام؛ كالمسجد الذي تحت الصفا وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي r وأصحابه، كمسجد المولد وغيره فليس قَصْدُ شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة والمشاعر: عرفة ومزدلفة والصفا والمروة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل: جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال: إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك، فإنه ليس من سنة رسول الله r زيارة شيء من ذلك، بل هو بدعة، وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال أنها من الآثار، لم يشرع النبي r زيارة شيء من ذلك بخصوصه، ولا زيارة شيء من ذلك " اهـ.



    انظر قول شيخ الإسلام ابن تيمية عن المساجد التي بمكة والتي بُنِيت على آثار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ؛حيث يرى أنَّه ليس قصدُ شيءٍ منها من السنَّة ،ولا استحبَّه أحدٌ من الأئمة وكذلك ذَكَر حراءً الذي نزل فيه الوحي على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم .

    فإذا كان قصدُ آثار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم الثابتة لا يجوز قصدها بصلاة ولا غيرها فالمساجد السبعة وغيرها من الآثار المزعومة يُنكَرُ قصدها بالصلاة وغيرها من باب أولى.

    فليفهم القارئ هذا الكلام المتين القائم على فهم شريعة الإسلام وفقهِ غاياتها ومقاصدها وما تدعو إليه من المصالح وسد ذرائع الفساد وسد ذرائع الشرك ،الأمور التي يجهلها الخرافيون أو يحاربونها فيقعون في الجهل والضلال ويقع كثير منهم في شَرَك الشِّرك.





    بطلان قياس واستدلال القارئ ودعاواه



    وقولك في قياسك المؤصل للخرافات: " والتبرك بالصلاة فيها أمر مشروع، لأنه متفرع من مسألة التبرك بالنبي r، وثبت من فعل كثير من الصحابة والتابعين وفيه نص قطعي مرفوع، وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب – رضي الله عنه_".

    عجباً لهذا الرجل الذي يقيس التبرك غير المشروع بالأمكنة على التبرك بالنبي r وما نشأ عن جسده!!

    ويقول مؤكداً لهذا القياس العجيب " وثبت من فعل كثير من الصحابة والتابعين "!

    فهل تقصد بقولك " وثبت من فعل كثير من الصحابة ": أن الصحابة كانوا يتبركون بالصلاة في الأماكن التي صلى فيها رسول الله r أو مشى عليها أو جلس فيها؟! هات الأدلة على هذه الدعوى العريضة، وإن كان قصدك غير هذا فبينه لنا!!

    وقولك: " وكذلك قصد البقاع التي صلىَّ فيها ( المساجد النبوية ) والتبرك بالصلاة فيها أمر مشروع، لأنه متفرع من مسألة التبرك بالنبي r، وثبت من فعل كثير من الصحابة والتابعين وفيه نص قطعي مرفوع، وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- وإليك التفصيل ".

    - أقول:

    يدعي القارئ أن عنده ثلاثة أدلة على مشروعية قصد البقاع التي صلى فيها ( المساجد النبوية ) والتبرك بالصلاة فيها.

    الأول: القياس، ولأهمية القياس تراه يقدمه على النص القطعي وعلى فعل الصحابة!!

    والثاني: فعل كثير من الصحابة.

    والثالث: النص القطعي المرفوع.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) هذا قياس باطل، ولو كان لا فرق بينهما لتسابقوا إلى بئر أريس ،كما كانوا يتسابقون إلى وضوئه، وإذن فقد فرّق الصحابة حيث لم ينقل عن أحد منهم التبرك بماء أريس فضلاً عن أن يتسابقوا إليه.

    -[2] أصله في صحيح مسلم في الفضائل حديث (2282) وأحمد (5/238) ومالك في الموطأ في كتاب قصر الصلاة في السفر (1/143).

    ([3]) أخرجه أبو داود ( 4607 ) ، والترمذي ( 2676 ) ، وابن ماجة ( 43).

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    التبرك بما انفصل عن النبي r كان جائزاً في حينه ثم انتهى فانتهى التبرك به.
    والجواب عن الأول:
    1- أن قياس البقاع التي صلى فيها رسول الله r على النبي r، وما خرج من جسده الشريف، وما مسّه جسده، قياس باطل.
    ولذا فرّق الصحابة عملياً وقولياً بين النوعين.
    فكانوا يتبركون بما خرج من جسده الشريف، ولم يفعلوا الثاني لا بناء على القياس ولا اعتمادا على نص قطعي.
    2- أن ما خرج من جسده الشريف انتهى بانتهاء وقته، فلو قال قائل: إنه لم ينته وإنه مستمر إلى يوم القيامة، قلنا: هذه دعوى باطلة، لم يدّعها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان، وما لنا ولدعاوى غيرهم!!
    ويلزم على هذه الدعوى مشروعية التبرك بريق فاطمة لأنها بضعة من رسول الله r، وكذلك سائر بناته، ويلزم أن نتبرك بذريتها الذين انفصلوا منها ومن ذريتها إلى يومنا هذا!!
    ولا يقول بهذا لا الصحابة ولا علماء الإسلام، ويمكن أن يقوله الروافض!!
    فإذا سلمنا أن ما انفصل من جسده كان جائزاً التبرك به في حينه ثم ينتهي، بطل قياس البقاع عليه وبطلت دعوى استمرار مشروعية التبرك بها لو قلنا بمشروعيته فكيف والقياس باطل من أساسه!!
    يؤكد بطلان دعوى استمرار مشروعية التبرك بما انفصل من جسده الشريف من ريق وعرق ونخام وفضل الوضوء منه r: أن كثيراً من الصحابة تبركوا بهذه الأشياء المنفصلة منه r، فلم يذهب الصحابة الآخرون إلى التبرك بهم ولم يفعله معهم التابعون، ولم يقل أحد من علماء الإسلام بمشروعية التبرك بالصحابة لا الصحابة الذين تبركوا به، ولا غيرهم، لا من أجل صحبتهم للنبي r ولا من أجل تبركهم بما انفصل من جسده الشريف، ولا من أجل مصافحتهم للنبي r.
    واعتقد أن هذا التقرير كاف في بطلان دعاوى القارئ في قياس البقاع التي صلى فيها رسول الله r أو لامسها جسده أو رجلاه.
    وبطلان دعوى استمرار مشروعية التبرك بالنوعين.
    والجواب عن الثاني: وهو ادعاؤه أنه فعله كثير من الصحابة فقد بينا بطلانه فيما سلف.
    وأما الثالث فجوابه: أن الصحابة كانوا يتأسون به في الأماكن التي قصدها بالتقرب إلى الله لا في غيرها من الأماكن التي لم يقصدها بذلك.
    فهذا عمر -رضي الله عنه – قبّل الحجر ثم قال: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله r يقبلك ما قبلتك)([1]).
    فعمر -رضي الله عنه – يقبل الحجر تأسياً برسول الله r لا تبركاً به وكذلك الصحابة والتابعون ما يقبلون الحجر إلا تأسياً برسول الله r لا تبركاً به.
    وابن عمر كان يزاحم على الحجر ليقبله تأسياً برسول الله r لا تبركاً به ولما قال له رجل: أرأيت إن زُحِمْتُ؟ قال: دع عنك أرأيت باليمن! إني رأيت رسول الله r يقبله.
    - مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يصلى عنده عملاً بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُو ْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (سورة البقرة:125) وتأسياً برسول الله r لا تبركاً.
    وروى أحمد([2]): " ثنا مَرْوَانُ بن شُجَاعٍ حدثني خُصَيْفٌ عن مُجَاهِدٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: أنَّه طَافَ مع مُعَاوِيَةَ بِالْبَيْتِ فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلَّهَا فقال له بن عَبَّاس: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ ولم يَكُنْ رسول اللَّهِ r يَسْتَلِمُهُمَا ، فقال مُعَاوِيَةُ: ليس شيء مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُوراً، فقال بن عَبَّاسٍ: ﴿لقد كان لَكُمْ في رسول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فقال مُعَاوِيَةُ: صَدَقْتَ ".
    فرجع معاوية إلى قول ابن عباس تأسياً برسول الله r.
    فاستلام المسلمين الركنين؛ الحجر واليماني إنما هو للتأسي برسول الله r لا للتبرك، ويخص الحجر بالتقبيل، ولا يقبل الركن اليماني تأسياً برسول الله r لا من أجل التبرك.
    والوقوف بعرفة والنـزول بعُرَنة والمبيت بمزدلفة، والوقوف بالمشعر الحرام، والوقوف على الصفا والمروة، هذه الأماكن كان رسول الله r يقصدها ويخصّها بالعبادة، وكان الصحابة وسائر المسلمين يقصدونها بالعبادة ويخصونها تأسّياً برسول الله r.
    ومن هنا ما كان الصحابة الكرام وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون والتابعون لهم بإحسان ما كانوا يتتبعون الأماكن التي كان يمشي عليها ويقعد بها ويصلي فيها اتفاقا، وما أكثر هذه الأماكن، وما بنوا عليها أي مسجد تبركاً وحفاظاً على آثاره r لأن ذلك داخل في الغلو الذي نهى عنه رسول الله r وداخلٌ في التشبه بأهل الكتاب الموجب لغضب الله ولعنه، وقدمنا الأدلة على ذلك.
    --------------------------------------------------------------------------------
    ([1]) أخرجه البخاري في الحج (1597) ومسلم في الحج (1270) وأحمد (1/34-35).
    ([2]) في مسنده (1/217- ح1877) ، وأخرجه الترمذي ( 2/202-ح858) من طريق أبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    إبطال ما يدعيه القارئ من التأصيل

    قال القارئ (ص14-17):

    " التأصيل الشرعي للمسألة :

    مسألة التبرك بما يسمى ( الآثار النبوية المكانية ) أي الأماكن التي وجد فيها النبي r أو صَلَّى فيها أو سكن بِها ؛ أو مكث ولو لبرهةٍ، الأصل فيها ما رواه البخاري ومسلم عن عِتبان بن مالك الأنصاري - رضي الله عنه- :

    ولفظ البخاري: أن عِتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله r ممن شهد بدراً من الأنصار أتى رسول الله r فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصليِّ لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم وَوَددتُ يا رسول الله أنك تأتي فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى.

    قال: فقال له رسول الله r ( سأفعل إن شاء الله ) قال عِتبان: فَغَدَا رسول الله r وأبو بكر حين أرتفع النهار، فاستأذن رسول الله r فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: ( أين تحب أن أصلي من بيتك؟ ) قال: فأشرت له إلى ناحيةٍ من البيت فقام رسول الله r فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلَّمَ، قال:وحبسناه على خِريزَةٍ صنعناها..الحديث.

    والدلالة من هذا الحديث واضحة في قول عِتبان -رضي الله عنه- ( فأتخذه مصلى ) وفي إقرار النبي r ، ومعنى قول عِتبان هذا: لأتبرك بالصلاة في المكان الذي ستصلي فيه.

    قال الحافظ ابن حجر: " وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي r أو وطئها، قال: ويستفاد منه أن من دعي من الصالحين ليتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة".

    وقد علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – على هذه الفقرة بقوله: (هذا فيه نظر، والصواب أن مثل هذا خاص بالنبي r لما جعل الله فيه من البركة وغيره لا يقاس عليه ؛ لما بينهما من الفرق العظيم ؛ ولأن فتح هذا الباب قد يفضي إلى الغلو والشرك كما قد وقع من بعض الناس نسأل الله العافية، وقد كرر الشيخ ابن باز الكلام بأنه لا يُقاس على النبي r غيره من الصالحين سداً لذريعةِ الغلو والوقوع في الشرك في موضع آخر، لكنه يفهم من كلامه هذا الإقرار بدلالة حديث عِتبان على مشروعية التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي r وهو المقصود.

    وقال النووي في شرحه على مسلم عند حديث عِتبان:

    ".. وفي هذا الحديث التبركُ بآثار الصالحين.." فوافق البغويَّ على قياس التبرك بالصالحين على التبرك بالنبي r ".

    - أقول:

    لا دلالة في الحديث على مسألة التبرك لعموم الناس بهذا المكان.

    وقوله: " والدلالة من هذا الحديث واضحة من قول عِتبان -رضي الله عنه – وفي إقرار النبي r.

    ومعنى قول عِتبان هذا لأتبرك بالصلاة في المكان الذي سيصلي فيه.

    - أقول:

    لا يدل قول عِتبان – رضي الله عنه – ولا إقرار النبي r لقول عِتبان على مسألة التبرك.

    فلم يقلها عِتبان – أي: جملة (لأتبرك)- وإنما قالها القارئ!!

    إنما قال عِتبان:(لأصلي)، ولو كان القصد التبرك لطلب من النبي r أن يمسح بيده المكان الذي يريد أن يتبرك به هو وغيره ودعا أهله وجيرانه وغيرهم إلى التبرك بهذا المكان.

    وسياق القصة هو: ( أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، وودت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى ).

    فالرجل أنكر بصره وبسب ذلك تفوته الصلاة بقومه في مسجدهم للعذر الذي ذكره، فلو كان يريد التبرك لطلب من رسول الله r أن يمسح على عينيه ليعود بصره فيتمكن من الصلاة بقومه في مسجدهم وذلك خير له وأكثر بركة بمراحل دون شك.

    والذي ينبغي أن يفهم من طلب عِتبان: أنه يقصد أن يتأسى برسول الله r وأن يتأكد من صحة قبلة هذا المصلى.

    وهذا التفسير هو اللائق بالصحابة وحرصهم على التأسي برسول الله r ومتابعتهم له.

    وهو الذي حثهم عليه ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (سورة الأحزاب:21).

    والآيات في حثهم على طاعته وإتباعه كثيرة معلومة.

    وليس هناك آيات تحثهم على التبرك به، فيجب أن تفسر تصرفاتهم في ضوء هذا المنهج الواضح، ولا نتكلف التفسيرات الغريبة!

    ولو كان هدف عِتبان ما يدّعيه القارئ لوجدت الصحابة يتنافسون على دعوة النبي r للصلاة في بيوتهم لينالوا البركة بدخوله في بيوتهم وصلاته فيها ولأكثروا التمسح والتبرك بملامس يديه وأقدامه r ولشاع ذلك وذاع عنهم وهذا مما يهدم فكرة التبرك بالأمكنة.

    وكلام الحافظ - مع علمه وخدمته الكبيرة للسنة - غير صحيح لأنه في باب العقيدة عنده أخطاء ومخالفات خالف فيها عقيدة السلف في إثبات صفات الله وفي التوسل غير الشرعي وفي التوسع في التبرك بالصالحين، جرى فيها على طريقة شيوخ الأشاعرة وعلى طريقة البيئة التي عاش فيها.

    واعتراض الشيخ ابن باز وجيه وفي محله.

    وقولك: " لكنه يفهم من كلامه هذا الإقرار بدلالة حديث عِتبان على مشروعية التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي r وهو المقصود ".

    - أقول: هذا الفهم منك خطأ على الشيخ ابن باز رحمه الله، والدليل على خطأ فهمك ما قرّره الشيخ في الموضع الذي أحلت عليه، حيث صرح بمذهبه في هذه القضية فقال معلقاً على قول الحافظ ابن حجر في الفتح(1/569): " وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث عِتبان وَسُؤَاله النَّبِيّ r أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ لِيَتَّخِذَهُ مُصَلًّى وَإِجَابَة النَّبِيِّ r إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ حُجَّةٌ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ ".

    قال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعليقاً على كلام الحافظ:

    " هذا خطأ، والصواب ما تقدم في حاشية (ص522)، وغير النبي r لا يقاس عليه في مثل هذا.

    والحق أن عمر رضي الله عنه أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء، سدّ الذريعة إلى الشرك وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه رضي الله عنهما.

    وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر، وليس في قصة عِتبان ما يخالف ذلك، لأنه في حديث عِتبان قد قصد أن يتأسى به r في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك غير مشروع. كما دلّ عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو والشرك كما فعل أهل الكتاب. والله أعلم "([1])

    وفي كلام الشيخ ابن باز رحمه الله ما يأتي:

    1- بيان مقصود عمر رضي الله عنه من النهي عن تتبع الآثار النبوية وأن هذا النهي لسدّ الذريعة إلى الشرك.

    2- ترجيح الشيخ إنكار عمر على ما فعله ابنه لأن عمر أعلم من ابنه بهذا الشأن وقد أخذ به الجمهور -يعني ومنهم الصحابة-.

    ولا شكّ في قوله.

    ويضاف إلى ما ذكره الشيخ: استناد عمر -رضي الله عنه- وغيره على لعن النبي r اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقوله r على سبيل التحذير : ( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع ) رواه البخاري من حديث أبي هريرة ([2]).

    وعن أبى سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ حتى لو سلكوا جحر ضَبٍّ لسلكتمُوه قالوا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ )([3]).

    وعن أبى واقد الليثي رضي الله عنه قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله : أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال : ( الله أكبر إنها السنن ،قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ) لتركبن سنن من كان قبلكم) ([4]).

    3- قوله: " وليس في قصة عِتبان ما يخالف ذلك لأنه قصد أن يتأسّى بالنبي r ".

    فقوله هنا " للتأسي " يبطل ما استنبطه القارئ من كلام الشيخ بأنه يرى مشروعية التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي r.

    ثم انظر استنباط البخاري وفقهه العملي النافع من حديث عِتبان حيث أورده في عدة أبواب:

    1- ترجم له في كتاب الصلاة في الباب الخامس والأربعين بقوله " باب إذا دخل بيتاً يصلي حيث شاء أو حيث أمر ولا يتجسس " حديث (424).

    وفي الباب السادس والأربعين قال: "باب المساجد في البيوت: وصلى البراء بن عازب في مسجده في داره"، ثم ساقه بطوله.

    وفي الباب الأربعين من أبواب الأذان بوَّب لمقطع منه بقوله: " باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله " حديث(667).

    وفي الباب الخمسين من الأذان قال: " باب إذا زار الإمام قوماً فأمهم" حديث (686).

    وفي الباب الثالث والخمسين بعد المائة ترجم لقطعة من هذا الحديث فقال: " باب يسلم حين يسلم الإمام " حديث (838).

    وفي الباب الرابع والخمسين بعد المائة من الأذان قال: " باب من لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة " حديث (840)، وبوب له في كتاب التهجد بقوله: "باب صلاة النوافل جماعة " حديث (1186).

    وأورده في المغازي، في فضل من شهد بدراً " حديث (4009-4010).

    وأورده في الرقاق 6- باب العمل الذي يبتغى به وجه الله حديث(6422).

    وأورد قطعة منه في استتابة المرتدين 9- باب ما جاء في المتأولين حديث(6938).

    ولم يورده ولو مرة تحت باب التبرك، ولو كانت مسألة التبرك من مضامين هذا الحديث لبوب له البخاري باباً خاصاً لا سيما إذا كان يعتقد كما يعتقد القارئ أن التبرك أعظم مقاصد الحديث!!

    ثم أقول للقارئ:

    يبدو أنك توافق النووي والحافظ ابن حجر في مشروعية التبرك بآثار الصالحين، أما هما فيعذران إن شاء الله لأنه لم ينبهما أحد على خطئهما.

    وأما أنت فدرست في المدارس السلفية على مختلف مراحلها وعايشت السلفيين أكثر عمرك وعرفت منهجهم الحق ثم بعد كل هذا وذاك تفرح بما قرره الحافظ والنووي من منهج الصوفية! أليس هذا فتحاً لباب فتنة في بلاد أكرمها الله بمنهج السلف الصالح في العقيدة والعبادة وفقهها من كتاب الله وسنة رسوله على طريقة السلف الصالح؟!

    فوا حسرتاه عليك لشدة اهتمامك بالصوفية والتصوف!!



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) ويقال في كلام النووي ما قيل في كلام الحافظ ابن حجر -غفر الله لنا ولهما- .

    ([2]) البخاري (7319).

    ([3]) البخاري (7320) ، مسلم (2669).

    ([4]) رواه أحمد (5/218 ) والترمذي في الفتن ( 2180 ) وصححه ، ورواه غيرهما .

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    البخاري لا يرى مشروعية التبرك بالأماكن

    ولا ابن عمر

    قال القارئ (ص 17): " وقد بوَّب البخاري في صحيحه فقال: " باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي r " وذكر فيه أحاديث فيها تتبُّع عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – لهذه المواضع والتبرك بها، ومثله سالم ابنه كان يتحرى هذه المواضع.

    ويفهم من تبويب البخاري وذِكرِه لهذه المواضع أنه يرى مشروعية التبرك بذلك ".

    - أقول:

    ساق البخاري حديث ابن عمر مرات في هذا الباب، ولم يرد في الحديث إلا أن ابن عمر كان يصلي في تلك المواضع.

    ولا يفهم من تبويب البخاري أنه يرى مشروعية التبرك، والذي يدل عليه فعل ابن عمر وواقعه أنه يقصد التأسي برسول الله r، ولا يجوز أن ينسى قضية القضايا في الإسلام، وهي إتباع الرسول r والتأسي به ولا يجوز أن نعتقد فيه أنه يقصد ما يقصده الصوفية وهو التبرك.

    على أن فعل ابن عمر هذا في تحريه المواضع التي صلى فيها النبي r ليصلي فيها أمر انفرد به من بين أصحاب محمد r وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدون وباقي العشرة المبشرين بالجنة.

    فلو كان هذا أمراً مشروعاً لقاموا به ولتواتر عنهم نقله كما في سائر الأمور المشروعة.

    يؤكد عدم مشروعيته أنه لم يأمر بهذا ولم يرشد إليه رسول اله r الذي ما ترك خيراً إلا دل أمته عليه ولا شراً إلا حذر أمته منه.

    وللمسلم أن يأخذ المنع من نهيه r عن إتباع سنن من قبلنا الذين كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم فيجعلون منها كنائس وبيعاً.

    ومن قوله r: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)([1]).

    وإذا كان هذا التشديد قد وقع بالنسبة لقبورهم فكذلك آثارهم.

    ومن هنا نهى عمر t عن تتبع المواقع التي صلى فيها رسول الله r وأيد فهمه الصحابة الحاضرون، ويدخل في هذا النهي التتبع للأماكن التي صلى فيها رسول الله r اتفاقاً لا قصدا للصلاة فيها ومنها هذه المواقع.

    وابن عمر مجتهد له أجر اجتهاده، وإن كان أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران والصواب مع كبار الصحابة وسائرهم وهديهم هو الموافق لتوجيهات رسول الله r التي أسلفناها.

    والرسول r يقول: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ) ([2])

    ولشيخ الإسلام كلام جيد في مثل فعل ابن عمر -رضي الله عنهما- في التوسل والوسيلة (219- 210- ط الفرقان) حيث قال -رحمه الله-:

    "وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي r،وينزل مواضع منزله،ويتوضأ في السَّفر حيث رآه يتوضأ،ويصب فضل مائه على شجرة صبَّ عليها. ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا،ولم يستحب ذلك جمهور العلماء،كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ولو رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به.

    وذلك لأن المتابعة: أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل،فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة،وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصَّصناه بذلك،كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يلتمس الحجر الأسود وأن يصلي خلف المقام وكان يتحرى الصلاة عند أسطوانة مسجد المدينة،وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك،وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.

    وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه.

    فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين،بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب.

    كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: " كان عمر بن الخطاب في سفرٍ فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي r. فقال عمر: " إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتَّبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض ".([3])

    فلما كان النبي r لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه،بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبي r في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب " اهـ.



    - وقال شيخ الإسلام أيضاً في مجموع الفتاوى (27/134-136): " وأما قول السائل: هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران لكون النبي r رُئِي عنده ؟

    فيقال : بل تعظيم مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال أهل الكتاب الذين نُهِينا عن التشبه بهم فيها. وقد ثبت " أنَّ عمر بن الخطاب كان في السَّفر فرأى قوما يبتدرون مكاناً فقال: ما هذا ؟! فقالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله r فقال: ومكان صلى فيه رسول الله ؟! أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ؟! من أدركته فيه الصلاة فليصلِّ وإلا فليمض ".

    وهذا قاله عمر بمحضر من الصحابة.

    ومن المعلوم أنَّ النبي r كان يصلى في أسفاره في مواضع،وكان المؤمنون يرونه في المنام في مواضع،وما اتخذ السلف شيئاً من ذلك مسجداً ولا مزاراً ولو فُتِح هذا الباب لصار كثير من ديار المسلمين أو أكثرها مساجد ومزارات ؛فإنهم لا يزالون يرون النبي r في المنام وقد جاء إلى بيوتهم ومنهم من يراه مِراراً كثيرة وتخليق هذه الأمكنة بالزعفران بدعة مكروهة.

    وأما ما يزيده الكذَّابون على ذلك مثل أن يرى في المكان أثر قدم فيقال: ( هذا قدمه ) ونحو ذلك فهذا كله كذب والأقدام الحجارة التي ينقلها من ينقلها ويقول أنها موضع قدمه كذب مختلق،ولو كانت حقا لسنَّ للمسلمين أن يتخذوا ذلك مسجداً ومزاراً،بل لم يأمر الله أن يتخذ مقام نبي من الأنبياء مصلى إلا مقام إبراهيم بقوله: ﴿ وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ (سورة البقرة:125)، كما أنَّه لم يأمر بالاستلام والتقبيل لحجر من الحجارة إلاَّ الحجر الأسود ولا بالصلاة إلى بيت إلاَّ البيت الحرام،ولا يجوز أن يقاس غير ذلك عليه باتفاق المسلمين بل ذلك بمنزلة من جعل للناس حجاً إلى غير البيت العتيق أو صيام شهر مفروض غير صيام شهر رمضان وأمثال ذلك.

    فصخرة بيت المقدس لا يُسَنُّ استلامها ولا تقبيلها باتفاق المسلمين،بل ليس للصلاة عندها والدعاء خصوصية على سائر بقاع المسجد. والصلاة والدعاء في قبلة المسجد الذي بناه عمر بن الخطاب للمسلمين أفضل من الصلاة والدعاء عندها وعمر بن الخطاب لما فتح البلد قال لكعب الأحبار أين ترى أن أبني مصلَّى المسلمين ؟ قال: ابْنِه خلف الصخرة. قال: خالطتك يهودية يا ابن اليهودية! بل أبنيه أمامها ؛ فإنَّ لنا صدور المساجد. فبنى هذا المصلَّى الذي تُسمِّيه العامة ( الأقصى ). ولم يتمسَّح بالصخرة ولا قبَّلها ولا صلَّى عندها،كيف وقد ثبت عنه في الصحيح أنه لما قبَّل الحجر الأسود قال: " والله إنِّي لأعلم أنَّك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك ".

    وكان عبد الله بن عمر إذا أتى المسجد الأقصى يُصلِّى فيه ولا يأتي الصخرة. وكذلك غيره من السَّلف. وكذلك حجرة نبيِّنا وحجرة الخليل وغيرهما من المدافن التي فيها نبيٌ أو رجل صالح لا يُستحب تقبيلها ولا التمسُّح بها باتفاق الأئمة ؛بل منهيٌ عن ذلك.

    وأما السجود لذلك فكفرٌ،وكذلك خطابه بمثل ما يخاطب به الرب مثل قول القائل: ( اغفر لي ذنوبي أو انصرني على عدوي )، ونحو ذلك " اهـ.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) تقدم تخريجه( ص2 ) .

    [2] - تقدم تخريجه (ص 35).

    ([3] )أخرجه عبدا لرزاق في مصنفه (2/118-119 )وابن أبي شيبة في مصنفه(3/367-368/ طبعة مكتبة الرشد.

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    البخاري لا يرى مشروعية التبرك بالأماكن

    ولا ابن عمر

    قال القارئ (ص 17): " وقد بوَّب البخاري في صحيحه فقال: " باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي r " وذكر فيه أحاديث فيها تتبُّع عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – لهذه المواضع والتبرك بها، ومثله سالم ابنه كان يتحرى هذه المواضع.

    ويفهم من تبويب البخاري وذِكرِه لهذه المواضع أنه يرى مشروعية التبرك بذلك ".

    - أقول:

    ساق البخاري حديث ابن عمر مرات في هذا الباب، ولم يرد في الحديث إلا أن ابن عمر كان يصلي في تلك المواضع.

    ولا يفهم من تبويب البخاري أنه يرى مشروعية التبرك، والذي يدل عليه فعل ابن عمر وواقعه أنه يقصد التأسي برسول الله r، ولا يجوز أن ينسى قضية القضايا في الإسلام، وهي إتباع الرسول r والتأسي به ولا يجوز أن نعتقد فيه أنه يقصد ما يقصده الصوفية وهو التبرك.

    على أن فعل ابن عمر هذا في تحريه المواضع التي صلى فيها النبي r ليصلي فيها أمر انفرد به من بين أصحاب محمد r وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدون وباقي العشرة المبشرين بالجنة.

    فلو كان هذا أمراً مشروعاً لقاموا به ولتواتر عنهم نقله كما في سائر الأمور المشروعة.

    يؤكد عدم مشروعيته أنه لم يأمر بهذا ولم يرشد إليه رسول اله r الذي ما ترك خيراً إلا دل أمته عليه ولا شراً إلا حذر أمته منه.

    وللمسلم أن يأخذ المنع من نهيه r عن إتباع سنن من قبلنا الذين كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم فيجعلون منها كنائس وبيعاً.

    ومن قوله r: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)([1]).

    وإذا كان هذا التشديد قد وقع بالنسبة لقبورهم فكذلك آثارهم.

    ومن هنا نهى عمر t عن تتبع المواقع التي صلى فيها رسول الله r وأيد فهمه الصحابة الحاضرون، ويدخل في هذا النهي التتبع للأماكن التي صلى فيها رسول الله r اتفاقاً لا قصدا للصلاة فيها ومنها هذه المواقع.

    وابن عمر مجتهد له أجر اجتهاده، وإن كان أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران والصواب مع كبار الصحابة وسائرهم وهديهم هو الموافق لتوجيهات رسول الله r التي أسلفناها.

    والرسول r يقول: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ) ([2])

    ولشيخ الإسلام كلام جيد في مثل فعل ابن عمر -رضي الله عنهما- في التوسل والوسيلة (219- 210- ط الفرقان) حيث قال -رحمه الله-:

    "وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي r،وينزل مواضع منزله،ويتوضأ في السَّفر حيث رآه يتوضأ،ويصب فضل مائه على شجرة صبَّ عليها. ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا،ولم يستحب ذلك جمهور العلماء،كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ولو رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به.

    وذلك لأن المتابعة: أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل،فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة،وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصَّصناه بذلك،كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة وأن يلتمس الحجر الأسود وأن يصلي خلف المقام وكان يتحرى الصلاة عند أسطوانة مسجد المدينة،وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك،وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.

    وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه.

    فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين،بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب.

    كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: " كان عمر بن الخطاب في سفرٍ فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي r. فقال عمر: " إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتَّبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض ".([3])

    فلما كان النبي r لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه،بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك ففاعل ذلك متشبه بالنبي r في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب " اهـ.



    - وقال شيخ الإسلام أيضاً في مجموع الفتاوى (27/134-136): " وأما قول السائل: هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران لكون النبي r رُئِي عنده ؟

    فيقال : بل تعظيم مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال أهل الكتاب الذين نُهِينا عن التشبه بهم فيها. وقد ثبت " أنَّ عمر بن الخطاب كان في السَّفر فرأى قوما يبتدرون مكاناً فقال: ما هذا ؟! فقالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله r فقال: ومكان صلى فيه رسول الله ؟! أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ؟! من أدركته فيه الصلاة فليصلِّ وإلا فليمض ".

    وهذا قاله عمر بمحضر من الصحابة.

    ومن المعلوم أنَّ النبي r كان يصلى في أسفاره في مواضع،وكان المؤمنون يرونه في المنام في مواضع،وما اتخذ السلف شيئاً من ذلك مسجداً ولا مزاراً ولو فُتِح هذا الباب لصار كثير من ديار المسلمين أو أكثرها مساجد ومزارات ؛فإنهم لا يزالون يرون النبي r في المنام وقد جاء إلى بيوتهم ومنهم من يراه مِراراً كثيرة وتخليق هذه الأمكنة بالزعفران بدعة مكروهة.

    وأما ما يزيده الكذَّابون على ذلك مثل أن يرى في المكان أثر قدم فيقال: ( هذا قدمه ) ونحو ذلك فهذا كله كذب والأقدام الحجارة التي ينقلها من ينقلها ويقول أنها موضع قدمه كذب مختلق،ولو كانت حقا لسنَّ للمسلمين أن يتخذوا ذلك مسجداً ومزاراً،بل لم يأمر الله أن يتخذ مقام نبي من الأنبياء مصلى إلا مقام إبراهيم بقوله: ﴿ وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ (سورة البقرة:125)، كما أنَّه لم يأمر بالاستلام والتقبيل لحجر من الحجارة إلاَّ الحجر الأسود ولا بالصلاة إلى بيت إلاَّ البيت الحرام،ولا يجوز أن يقاس غير ذلك عليه باتفاق المسلمين بل ذلك بمنزلة من جعل للناس حجاً إلى غير البيت العتيق أو صيام شهر مفروض غير صيام شهر رمضان وأمثال ذلك.

    فصخرة بيت المقدس لا يُسَنُّ استلامها ولا تقبيلها باتفاق المسلمين،بل ليس للصلاة عندها والدعاء خصوصية على سائر بقاع المسجد. والصلاة والدعاء في قبلة المسجد الذي بناه عمر بن الخطاب للمسلمين أفضل من الصلاة والدعاء عندها وعمر بن الخطاب لما فتح البلد قال لكعب الأحبار أين ترى أن أبني مصلَّى المسلمين ؟ قال: ابْنِه خلف الصخرة. قال: خالطتك يهودية يا ابن اليهودية! بل أبنيه أمامها ؛ فإنَّ لنا صدور المساجد. فبنى هذا المصلَّى الذي تُسمِّيه العامة ( الأقصى ). ولم يتمسَّح بالصخرة ولا قبَّلها ولا صلَّى عندها،كيف وقد ثبت عنه في الصحيح أنه لما قبَّل الحجر الأسود قال: " والله إنِّي لأعلم أنَّك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك ".

    وكان عبد الله بن عمر إذا أتى المسجد الأقصى يُصلِّى فيه ولا يأتي الصخرة. وكذلك غيره من السَّلف. وكذلك حجرة نبيِّنا وحجرة الخليل وغيرهما من المدافن التي فيها نبيٌ أو رجل صالح لا يُستحب تقبيلها ولا التمسُّح بها باتفاق الأئمة ؛بل منهيٌ عن ذلك.

    وأما السجود لذلك فكفرٌ،وكذلك خطابه بمثل ما يخاطب به الرب مثل قول القائل: ( اغفر لي ذنوبي أو انصرني على عدوي )، ونحو ذلك " اهـ.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) تقدم تخريجه( ص2 ) .

    [2] - تقدم تخريجه (ص 35).

    ([3] )أخرجه عبدا لرزاق في مصنفه (2/118-119 )وابن أبي شيبة في مصنفه(3/367-368/ طبعة مكتبة الرشد.

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    سلمة بن الأكوع لا يقصد إلا التَّأسي بالنبي r

    ولا يقصد التبرُّك

    قال القارئ (ص17-20)

    " وثبت عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- أنه كان يتحرى المكان الذي كان يصلي فيه رسول الله r بين المنبر والقبلة:

    ففي الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة رضي الله عنه أنه كان يتحرَّى موضعَ مكانِ المصحفِ يسبِّح فيه،وذكر أن رسول الله r كان يتحرَّى ذلك المكان([1]).

    وفي رواية في الصحيح أيضاً،قال يزيد:كان سلمة يتحرَّى الصلاةَ عند الأسطوانة التي عند المصحف،فقلت يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال:رأيت النبي r يتحَّرى الصلاة عندها.

    قوله في الرواية الأولى: (يسبح فيه) أي يصلي النوافل وتُسمَّى صلاة الضحى أيضاً بالسبحة..

    وقوله في الرواية الأخرى:(عند الأسطوانة) هي التي جُعلت عَلَماً على مٌصَلَّى النبي r وهي التي على يمين الواقفِ في المحرابِ النبويِّ ، وهي اليوم على يمين المحراب ِ المبنيِّ نفسِهِ ملتصقةً به، وتُسمَّى (الأسطوانة المخلقة) من الخَلُوق أي الطيب، وكلُّ الأسطوانات ثَمَّ كانت تُخَلَّق ؛لكنهم كانوا يُعْنَوْنَ بهذه من بينها فيٌخَلِّقُونَهَ ا كلَّهَا من أسفلها إلى أعلاها ، وكان الصندوق الذي فيه المصحف إلى جانبها.

    فمَن أحبَّ أن يوافق المكانَ الذي كان النبي الله r يُصلِّى فيه فليجعل هذه الأسطوانة نُصْبَ عينهِ والمنبرَ على يمينه ولْيقتربْ قَدْرَ إمكانِهِ منها.

    وورد النص عن بعض الفقهاء في استحباب الصلاة في هذا المكان.

    نقل المرجانيِ: أن في العتبية ما لفظه : أحبُّ مواضعِ التنفل في مسجد رسول الله r مُصلاَّه حيث العمود المخلق وقال ابن قاسم: أحبُّ مواضع الصلاةِ في مسجده r في النفل العمود المخلق ، وفي الفرض في الصف الأول.

    وروى ابن وهب عن مالك أنه سٌئِلَ عن مسجد رسول الله r وقيل له: أيُّ المواضع أحبُّ إليك الصلاةُ فيه؟ قال: أما النافلة فموضع مُصَلاَّه،وأما المكتوبة فأولُ الصفوف".

    - أقول:

    تخليق هذا العمود وغيره ليس من عمل الرسول r، ولا من عمل أصحابه والتابعين لهم بإحسان، وإنما هو من عمل المتأخرين، وهو وسيلة للغلو في هذه الأعمدة والتمسح بها والاعتقاد فيها، وهذا يشبه عمل أهل الكتاب الذي نهى رسول الله r عنه، وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها.

    وأقول:

    إن سلمة بن الأكوع t لم يقصد بفعله هذا إلا التأسي برسول الله r وانظر إلى قوله: (وذكر أن رسول الله r كان يتحرى ذلك المكان).

    فهل يؤخذ من تحري رسول الله r لهذا المكان أن رسول الله كان يتبرك بهذا المكان؟!.

    أعتقد أنّ القارئ وغيره لا يستطيعون أن يقولوا هذا؛ فنقول: وكذلك سلمة وابن عمر لا يتبركان بالأمكنة، وإنما غاية عملهما التأسي برسول الله r الذي حث المؤمنين عليه اللهُ تعالى وحثهم عليه رسول الله r.

    قال الله تعالى مخاطباً الناس جميعاً: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ (لأعراف:158)، فالاهتداء إلى الحق في كل مجال إنما هو في اتباع رسول الله r وطاعته ومحبته بدون غلو في كل أمر نتبعه ودون تقصير.

    ويقول r: (صلوا كما رأيتموني أصلي)([2]) فعلى المسلمين أن يتحروا اتباعه في الصلاة في أركانها وواجباتها ومستحباتها وكيفياتها.

    وقال r في شأن الحج ومناسكه: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لاَ أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذه) ([3]).

    والمناسك تشمل الطواف والسعي والوقوف بعرفات والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والمراد أن نفعل مثل أفعاله وأن نقول فيها مثل أقواله.

    ولا يقصد رسول الله r التبرك بهذه الأماكن، ولا فهمه أحد من أصحابه ولا أحد من علماء الأمة الأعلام، فتحري سلمة للصلاة في هذا الموضع إنما هو للتأسي برسول الله r، كما يتحرى هو وغيره الصلاة في مقام إبراهيم، ويراجع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سبق نقله قريبا([4]).



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) أخرجه البخاري في الصلاة (502) ومسلم في الصلاة (509).

    ([2]) أخرجه البخاري في الآذان حديث (631) وفي الأدب (6008)

    ([3]) رواه مسلم في صحيحه (الحج 1297) وأحمد في المسند (3/337) وأبو داود ( مناسك 1970) والنسائي ( مناسك الحج 3062).

    ([4]) انظر (ص:48-51) من هذا الكتاب.

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    تكثير القارئ من الأسطوانات

    بغير أدلةٍ توسعٌ في الفتـنة

    قال القارئ (ص20-22):

    " ومن الأماكن النبوية في الروضة الشريفة الأسطوانات الأخرى،وهي:أسطو نة السرير وأسطوانة الحرس،وأسطوانة الوفود،وأسطوانة التوبة،وأسطوانة التهجد، وأسطوانة عائشة

    وأسطوانة عائشة، كانت تسمى أسطوانة المهاجرين حيث كانوا يجتمعون عندها،وكان الصحابة يتحرون الصلاة عندها،ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح لكنه – رحمه الله- التبس عليه الأسطوانة المخلقة التي هي عَلَم على مصلى النبي r بأسطوانة عائشة.

    روي في أسطوانة عائشة أنها عند المكان الذي قام فيه r يصلي الفرائض بعد تحويل القبلة،صلى عندها بضع عشرة ثم تقدم إلى مصلاه المعروف وكان يجعلها خلف ظهره وأن أبا بكر وعمر والزبير وابنه عبد الله وعامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها وأن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها،وكان يقال لها مجلس المهاجرين ".

    - أقول:

    لم يقم القارئ دليلاً على مشروعية التبرك بأسطوانة السرير وأسطوانة الحرس وأسطوانة الوفود وأسطوانة التوبة وأسطوانة التهجد.

    وأمّا قوله:

    " وأسطوانة عائشة كانت تسمى بأسطوانة المهاجرين حيث كانوا يجتمعون عندها وكان الصحابة يتحرون الصلاة عندها. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر -رحمه الله-".

    - أقول:

    لم يقل الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وكان الصحابة يتحرون الصلاة عندها، وهاكم كلام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- متحدثاً عن الأسطوانة التي كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة إليها.

    قال: "والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين، قال: ورُوِيَ عن عائشة أنها كانت تقول: " لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام" وأنها أسرتها إلى ابن الزبير فكان يكثر الصلاة عندها، ثم وجدت في تاريخ المدينة لابن النجار وزاد: "أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها". وذكره قبله محمد بن الحسن في أخبار المدينة". فتح الباري (1/577).

    وقد أحال القارئ إلى هذا الموضع من الفتح، فأنت ترى أن الحافظ لم يقل: وكان الصحابة يتحرون الصلاة عندها.

    وأن كلامه يفيد المراد بهذه الأسطوانة: الأسطوانة التي كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عندها.

    ولا يريد ما يسمّيه القارئ بأسطوانة عائشة، ولا أدرى لماذا يُكثر من عدد الأسطوانات وبغير أدلة، ولعل القصد توسيع دائرة التبركات للخرافيين!

    وقوله: " وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين".

    - أقول: لم يسم لنا الحافظ شيخه ولا دليله!

    وقول الحافظ:" ثم وجدت ذلك في تاريخ ابن النجار وزاد أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها وذكره قبله محمد بن الحسن في أخبار المدينة ".

    - أقول: لا يبعد أن عمدة ابن النجار إنما هو محمد بن الحسن، ومحمد بن الحسن هذا هو ابن زبالة.

    قال الذهبي في ترجمة محمد بن الحسن: " قال أبو داود: كذاب".

    وقال يحيى: "ليس بثقة". وقال النسائي والأزدي: "متروك". وقال أبو حاتم: "واهي الحديث". وقال الدارقطني وغيره: "منكر الحديث ". الميزان (3/514).

    وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: " كذبوه ".

    ومن المنكرات ما ينسب لعائشة: " أنها أسرتها إلى ابن الزبير " فحاشاها من ذلك.

    وقول القارئ: " لكنه –رحمه الله- ( يعني الحافظ ) التبس عليه الأسطوانة المخلقة التي هي علم على مصلى النبي بأسطوانة عائشة ".

    - أقول: قد سبق لك أن ما يسميه القارئ بأسطوانة عائشة خطأ، وأن الحافظ لا يفرق بينهما، وليس للقاري دليل على إثبات أسطوانة عائشة ولا على اجتماع المهاجرين إليها وليس له دليل على الأسطوانة المخلقة، وقد التبست عليه الأمور، ولا أقول : إنه يلبس على الناس.

    وقول القارئ: " وروي في أسطوانة عائشة أنها عند المكان الذي قام فيه النبي r يصلى الفرائض بعد تحويل القبلة صلى عندها بضع عشرة.

    ثم تقدم إلى مصلاّه المعروف، وكان يجعلها خلف ظهره.

    وأن أبا بكر وعمر والزبير وابنه عبد الله وعامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها، وأن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، وكان يقال لها مجلس المهاجرين ".

    - أقول: لا يثبت شيءٌ يُسمّى أسطوانة عائشة.

    ثم لماذا لم يأت لنا القارئ بأسانيده لإثبات هذه الأسطوانة؟!، وأسانيده أنَّ الصحابة : أبا بكر وعمر...الخ كانوا يصلون عندها ؟!، وأسانيده أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، وكان يقال لها: مجلس المهاجرين؟!

    لماذا لم يأت بالأسانيد ويكتفي بقوله: رُوي؟!، وهل تثبت عند طلاب الحقيقة والحق هذه الأمور العظيمة بـ (رُوي)؟! لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء!!

    وكيف تتفق هذه الدعوى التي فيها أن الصحابة كانوا يعلمون هذه الأسطوانة ويصلي بعضهم عندها ويجتمع المهاجرون عندها مع الدعوى أن عائشة أخفتها عنهم وأسرتها على ابن الزبير.

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    570

    افتراضي

    اعتماد القارئ على رواية راو متروك وآخر مجهول

    قال القارئ (ص22):

    "روى الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r قال: ( إن بالمسجد لبقعة قِبَل هذه الأسطوانة لو يعلم الناس ما صلّوا فيها إلا أن تُطير لهم قرعة) وعندها جماعة من أبناء الصحابة وأبناء المهاجرين فقالوا: يا أم المؤمنين! وأين هي؟ فاستعجمت عليهم، فمكثوا عندها ثم خرجوا، وثبت عبد الله بن الزبير، فقالوا: إنها ستخبره بذلك المكان، فارمقوه في المسجد حتى ينظروا حيث يصلّي، فخرج بعد ساعة فصلّى عند الأسطوانة التي واسطة([1]) بين القبر والمنبر عن يمينها إلى المنبر أسطوانتان وبينها وبين المنبر أسطوانتان وبينها وبين الرحبة أسطوانتان وهي واسطة بين ذلك وهي تسمى أسطوانة القرعة. أقول : وسميت أسطوانة عائشة لأجل هذا الخبر ".

    - أقول:

    هذا الحديث رواه الطبراني قال: "حدثنا أحمد يعني بن يحيى الحلواني ثنا عتيق بن يعقوب ثنا ابنا المنذر عبد الله و محمد،عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله r به، وفي إسناده محمد بن المنذر، وهو متروك".

    قال ابن حبان: "لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار".

    وقال الحاكم: "يروي عن هشام بن عروة أحاديث موضوعة".

    وقال أبو نعيم: "يروى عن هشام أحاديث منكرة". الميزان (4/47) واللسان(5/394).

    وأخوه عبد الله لم أقف له على ترجمة!

    وشيخهما عتيق بن يعقوب الزبيري وثقة الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات لكنه لم يعرف نسبه، وقال الساجي: روى عن هشام بن عروة حديثاً منكراً، وروى حديثاً عن مالك في السفر ووهم فيه ". لسان الميزان (4/130)، وانظر الحديث في مجمع البحرين في زوائد المعجمين (3/294).

    فهذا هو حال حديث عائشة في هذه الأسطوانة، ولا أدري هل عند القارئ معرفة وقدرة على دراسة الأحاديث التي يحتج بها في هذه الموضوعات التي يتحمّس لها وينادي بها أو هو يفقد ذلك؟! وعلى كلا الأمرين يقال له:

    فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة



    وإن كنت تدري فالمصيـبة أعظم




    وقد تقدم الكلام على الأسطوانة التي ينسبها القارئ إلى عائشة فلا نعيد الكلام عليها.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) كذا (!) ولعله سقط هنا كلمة ( هي ).

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •