سياسات السفهاء من الخلق في إسكات صوت الحق
أبو يونس العباسي
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما بلا اعوجاج , وجعله عصمة لمن تمسك يبه واعتمد عليه في الاحتجاج , وأوجب فيه مقاطعة أهل الشرك بإيضاح الشرعة والمنهاج , والصلاة والسلام على محمد الذي مزق الله ظلام الشرك بما معه من النور والسراج , وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا الكفار ونشروا الدين في كل الأصقاع والفجاج ثم أما بعد …
الفكر الاستعلائي
ويعرف الفكر الاستعلائي بأنه:
مذهب فكري ذو اتجاه واحد ورأي واحد يرفض الرأي الآخر ويقصيه ويحاربه مع ادعائه بحرية الرأي الجميع.
ولعل الفكر الاستعلائي المتجذر في قلوب كثير من الناس هو السبب فيما نراه في هذا الكون من قمع لكل من يقول حقا وكبت لكل من يقول صدقا وطرد لكل من يعري الباطل وسجن لكل من رفض أن يسير في تيار الضلال ….
والفكر الاستعلائي ليس حكرا على وقتنا المعاصر بل هو قديم قدم التاريخ , فها هو فرعون يقص الله لنا عنه فيقول:
{ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)}(غافر)
وهام هم الكفار يقولون لرسلهم:
{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُ مْ وَلَيَمَسَّنَّك ُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)}(يس)
إن الفكر الاستعلائي يطبق المقولة التي سارت في الناس:
<< أنا حق مطلق وغيري باطل مطلق >>
[تهمة الإرهاب العلة الأساس في تكميم أفواه الناس]
وإذا ما انتُقد أصحاب سياسة تكميم الأفواه عن سياستهم عللوا ذلك بأن

المكممة أفواههم إرهابيون أصوليون متشددون غلاة فاشيون خوارج …

فالتحالف الصهيوصليبي وأزلامه وموافقوه لهم نظرتهم الخاصة لمفهوم الإرهاب فعندهم وعند أعوانهم:

من دافع عن دينه فهو إرهابي …

ومن دافع عن وطنه فهو إرهابي …

ومن طالب وجاهد دون حقوق أمته فهو إرهابي …

ومن دعا لدين وذاد عن عرضه فهو إرهابي …

ومن جهر بالحق وعرى الباطل فهو إرهابي …

ومن تمسك بهويته الإسلامية ومظهره وثقافته وسلوكه الإسلامي فهو إرهابي…

ولعلي أذكر هنا بأن الإرهاب صفة لكل موحد مؤمن بالله تعالى ولكننا إرهابيون على أعدائنا الكفار الحربيون ….

قال الله تعالى:

{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)}(الأنفال)

ولله در من قال:

أنا مسلم بدمي سأروي رايتي *** إن جففوا الآبار والأنهارا

وعلى جدار السجن سوف أخطها *** إن صادروا الأقلام والأحبارا

بدمي أخط براءتي من كفرهم *** علنا وإن قد حاكموا الأسرارا

نقموا علي بأنني لم أحرف *** عن شرع رب يحفظ الأبرارا

نقموا علي بأنني لم أرتضي *** قانون كفر ينصر الفجارا

هذه حقيقة تهمتي لن أنثني عنها *** وإن سالت دماي مرارا

وهنا لا بد من أن نلتزم مبدأ يريحنا في خضم هذه الحياة ألا وهو:

لا تهتم برأي الناس فيك فليقولوا ما شاءوا ولا تلتفت إلا إلى نظرة الله إليك ورأيه فيك …

قال الشاعر:

ليتك حلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب تراب

[صور الحرب على الإسلام والمسلمين]
إن إغلاق القنوات الإسلامية على يد التحالف الصهيوصليبي تذكرنا إن نسينا بشمولية الحرب ضد الإسلام والمسلمين وهذه صور الحرب على الإيمان وأهله:
حربا دينية حربا تربوية أخلاقية حربا سياسية حربا عسكرية حربا اقتصادية حربا اجتماعية حربا تعليمية حربا ثقافية حربا إعلامية …. إلخ
[الحرب بين الإسلام والكفر ليست وليدة العصر]
إن الصراع بين الإسلام والكفر ليس وليد زمننا المعاصر , فهذا الصراع كان مبدأه يوم رفض إبليس السجود لآدم – عليه السلام –
قال الله تعالى عل لسان إبليس – لعنه الله - :
{ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء:62)
هذا الصراع كان أيضا بين فرعون راعي الكفر , وبين موسى – عليه السلام – رسول الإسلام ….
قال الله تعالى:
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}(غافر:62)
هذا الصراع كان بين مدين وبين شعيب - عليه السلام – ….
قال الله تعالى :
{ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ }(الأعراف:88)
هذا الصراع كان بين أهل الكفر وأهل الإيمان وعلى مر العصور والأزمان ….
قال الله تعالى :
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُ مْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}(إبراهيم:13)
وسيستمر هذا الصراع إلى ما قبيل يوم القيامة بقليل … سيستمر إلى أن يقاتل المسلون اليهود …
أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال:
<< لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود .>>
سيستمر القتال حتى يقاتل المسلمون الدجال…
أخرج أبو داوود في سننه من حديث عمران بن الحصين أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال :
<< لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال >>
وأحب أن أنبه :
إلى أن الحديث سالف الذكر يدل على استمرارية الجهاد وعدم انقطاعه , وأنه قدر الطائفة المنصورة , لا كما يروج أذناب العلمانية من المشايخ والدعاة ـ هداهم الله ـ.
[سياسة تكميم الإعلام الهادف]
ونعني بالإعلام بالهادف:
هو ذلكم الإعلام المسلم الذي يسهم في توعية المسلمين وتجنيدهم لخدمة الإسلام والذود عنه والذود عن حقوق المسلمين.
وهذا الإعلام لا شك أنه يضاد ويعارض ويصارع الإعلام الصهيوصليبي الفاجر أجنبيا كان أم عربيا مأجورا , فالإعلام من أكبر المؤثرات على الإنسان في هذا العصر والإعلام الذي يريده لنا التحالف الصهيوصليبي هو إعلام الفجور والانحلال والسفر والعري وكل ما هو ضار مضر بأمة الإسلام …
لذلك فالغرب يحارب الإعلام الهادف سواء أكان مسموع أم مقروء أم مرئي حتى إنه ليحارب المواقع الإسلامية الجهادية على الشبكة العنكبوتية …
قال الله تعالى:
{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)}(المائدة)
ولقد أولى الإسلام الإعلام أهمية كبيرة وفي أكثر من مجال …
ـ فالخطابة إعلام …

قال تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)}(المائدة)

ـ والحج إعلام …

قال تعالى:

{وَأَذَان مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)}(التوبة)ٌ

ـ والجهاد يحقق غاية إعلامية للإسلام والمسلمين …

ـ والمسجد وما يقوم به من مهام يحقق غاية إعلامية جد مهمة …

والشعر الهادف يحقق غاية إعلامية …

وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لحسان :

<< اهجهم وروح القدس معك. >>

ـ والرسائل التي كان الرسول يرسلها للملوك والأمراء تحقق غاية إعلامية …

[سجناء الكلمة]
إن سجناء الكلمة هم:

أولئك الأحرار من أبناء هذه الأمة الذين أبو إلا أن يتكلموا بالحق ويجهروا به , ويعروا الباطل ويفضحوه.

وإن من صفات الرجال الذين يحبهم الله أنهم يقولون الحق لا يخافون في الله لومة لائم …

قال الله تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)}(المائدة)

بل إني أحب أن أعلمك أن الله ما أنزل القرآن إلا لنجاهد به الكفار جهاد الخجة والبيان ذلكم الجهاد الذي أسماه الله جهادا كبيرا …

قال الله تعالى:

{ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)}(الفرقان)

ولقد سوى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين شهادة حمزة ـ رضي الله عنه ـ وبين شهادة من جهر بالحق فقتل بسببه …

أخرج الترمذي في سننه من حديث جابر أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:

<< سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله >>

وفي رواية:

<< أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر >>

ولقد أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب ليبينن الحق لا يخافون في الله لومة لائم…

قال الله تعالى:

{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}(آل عمران)

فأين علماء السلطان من هذه الآية ومن فتاويهم المعلبة وخطبهم التي تخرج من وزارة الداخلية.

[هل في مقدور الكافرين وأنصارهم إسكات صوت الحق]
والجواب:

ليس في مقدور الكافرين وأنصارهم أن يسكتوا صوت الحق لأن الذي يساند هذا الصوت وينصره ومن تكفل بحفظه هو الله …

قال الله تعالى:

{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}(الحجر)

وقال أيضا:

{ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51 )}(غافر)

وإن الكفار وعلى مر الأزمنة حاولوا وبإلحاح إسكات صوت الحق فلم ينجحوا بل فشلوا فشلا ذريعا ومريعا …

فها هو آزر حاول أن يسكت صوت ابنه إبراهيم فما نجح بل سكت صوت آزر ومن معه وتخلد صوت إبراهيم …

قال الله تعالى:

{ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)}(مريم)

وها هم قوم نوح حاولوا إسكات صوت نوح فهل نجحوا؟!!!

قال الله تعالى:

{ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)}(الشعراء)

وها هم قوم لوط يحاولون إسكات صوت نبي الله لوط فهل وفقوا؟!!!

قال الله تعالى:

{ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168)}(الشعراء)

ولقد نظرنا في نصوص الوحي وتجارب التاريخ فوجدنا أن الحق يزيد انتشارا وقوة وعنفوانا وصلابة يوم يتعرض للضغوط والأذى من أعداء الله تعالى …

قال الشاعر:

تالله ما الدعوات تهدم بالأذى *** وفي التاريخ بر يميني
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي *** بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة *** أو نزع إيماني ونور يقيني
النور في قلبي وقلبي في يدي *** وربي حافظي ومعيني
سأظل معتصما بحبل عقيدتي *** وأُقتل باسما ليحيا ديني
[أساليب الطغاة في إسكات صوت الحق]
إخراس الحق بقتل صاحبه …

وكلنا يعرف أن الرجل الذي وردت قصته في سورة ياسين ما قتله قومه المشركون إلا لأنه جهر بينهم بكلمة الحق …

قال الله تعالى:

{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}(يس)
وفرعون عزم على أن يسكت صوت الحق في زمنه بقتل موسى ـ عليه السلام ـ …

قال تعالى:

{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)}(غافر)

السجن ...

وها نحن نرى سجون الطغاة عربا وعجما مليئة بالرجال الأحرار الذي ما كان جرمهم إلا لأنهم جهروا بكلمة الحق …

وها هي امرأة العزيز تقرر أن تسجن يوسف لا لشيء إلا لأنه ثبت على موقفه الحق …

قال الله تعالى على لسان امرأة العزيز …

{ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)}(يوسف)

التهجير والتغريب والتسفير من الوطن …

ومن أساليب الطغاة في إسكات الحق تهجير من يقوله ويصدح به …

قال الله تعالى:

{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّون َكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76)}(الإسراء)

وقال أيضا:

{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُ م مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّ كُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)}(إبراهيم)ْ

الإغراء بمتع الدنيا ومغرياتها …

وهذا ما فعله كفار قريش مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرادوا إسكاته وإغرائه بأمتعة الدنيا …

روى البيهقى من طريق يونس، عن ابن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، أنه حدث:
<< أن قريشا حين قالت لابي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال له:
يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني وقالوا كذا وكذا ، فأبق على وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق أنا ولا أنت ، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قومك.
فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد بدا لعمه فيه ، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يا عم لو وضعت الشمس في يمينى والقمر في يسارى ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه "
ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى , فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا ابن أخى… فأقبل عليه ، فقال امض على أمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشئ أبدا.
قال ابن إسحاق:ثم قال أبو طالب في ذلك:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا

فامضي لأمرك ما عليك غضاضة * أبشر وقر بذاك منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحا* فلقد صدقت وكنت قدم أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا

إسكات صوت الحق بتنفيره في أعين الناس لتدخل من بعد في معركة مع أهل الحق يسكتوهم …

وهذا ما فعله المشركون مع الرسول فوصوهم بما تقشعر به الأبدان بل وصوفوهم بأنهم أصحاب نوايا فاسدة وأهداف أفسد …

قال الله على لسان فرعون:

{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)}(غافر)

فواعجباه من فرعون كيف جعل من نفسه صالحا مصلحا وجعل من موسى فاسدا مفسدا!!!

وهذا ما فعلته قريش مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم …

<< وهنا نذكر قصة الطفيل بن عمروا الدوسي وكان سيدا مطاعا شريفا في دوس، وكان قد قدم مكة …
فاجتمع به أشراف قريش وحذروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه …
قال:
فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا (قطنا) فرقا (خوفا) من أن يبلغني شئ من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه.
قال:
فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة …
قال:
فقمت منه قريبا ، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله.
قال: فسمعت كلاما حسنا …
قال:فقلت في نفسي:
واثكل أمي ! والله إنى لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذى يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته [ فاتبعته حتى إذا دخل بيته] دخلت عليه فقلت:يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا للذى قالوا.
قال:
فوالله ما برحوا بى يخوفونني أمرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض على أمرك.
قال: فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا على القرآن ، فلا والله
ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه.
قال:

فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام… >>

ولو أطلقنا على زمننا هذا زمن تبدل المفاهيم وانقلاب معانيها لصدقنا ولقد نبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ذلك …

أخرج ابن ماجه في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
<< سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ.>>
[لهذا سنجهر بكلمة الحق]
سنجهر بكلمة الحق لأن من بنود العقبة الثانية بين الرسول وأهل يثرب :
" أن يقولوا الحق لا يخافوا في الله لومة لائم "
سنجهر بكلمة الحق لأن الجهر بها من أعظم الجهاد في سبيل الله تعالى , قال الله تعالى لنبيه عن القرآن :
" فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا"(الفرقان:52)
سنجهر بكلمة الحق لأن شهيد كلمة الحق أعظم الشهداء …
فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله "
رواه الترمذي والحاكم وقال صحيح الإسناد
سنجهر بكلمة الحق لأننا ولدنا أحرارا كما قال عمر بن الخطاب لعمروا بن العاص لما ضرب ولده القبطي :
" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "
سنجهر بكلمة الحق لأن السير في تياركم فيه إغضاب للملك سبحانه وتعالى …
قال الله تعالى :
" يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ*** وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ *** رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا"(الأحزاب :68,67,66)
سنجهر بكلمة الحق لأننا إن تابعناكم فستتبرؤون منا يوم القيامة …
قال الله تعالى :
" إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ*** وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار"(البقرة :167,166)
[الحرية المزعومة]
يرفع التحالف الصهيوصليي شعار الحرية والتحرر وينادي به ويزعم أن حروبه من ترسيخه على وجه الأرض ونشره وإننا ونحن نراه يسجن على الكلمة يقولها الإنسان حتى ولو كان كفيفا ونحن نراه يغلق القنوات الفضائية لأننا تتعارض وسياساته العامة ونحن نراه يشن حملات على النقاب مع أن ارتداءه يمثل حرية شخصية ونحن نراه يحظر المآذن مع أنها داخلة في مفهوم الحرية , ونحن نرى ذلك كله يتبين لنا كذب الغرب وأن ما يرفعونه من شعارات لا يتعدى كونه شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع …
فهل آن للنوم أن يستيقظوا ؟!!! وهل آن للمعجبين بالغرب أن ينتبهوا؟!!!
وهل آن لنا الرجوع إلى نصوص الوحيين التيبينت لنا حثيقة هذا التحالف بلا مواربة ولا لف ولا دوران …
قال الله تعالى:
{ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}(التوبة)
قال الشاعر:
قالوا لنا الغرب
قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا
لكنه خاو من الإيمان *** لا يرعى ضعيفا أو يسر حزينا
الغرب مقبرة المبادئ لم يزل *** يرمي بسهم المغريات الدينا
الغرب مقبرة العدالة *** كلما رفعت يدا أبدا لها السكينا
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات
أبو يونس العباسي
الأربعاء
11 رجب 1431هـ

الموافق لـ23|6 |1985م

غزة المحاصرة