بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد :

فهذه خطبة بعنوان
من البلية مشيخة الصحفية

للشيخ : مقبل بن حمد المقبل
إمام جامع الخضير في محافظة رياض الخبراء


الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين ، ولي المتقين ، ونصير المؤمنين الصادقين ، أحمده تعالى وأشكره على فضله المبين ، وأتوب إليه وأستغفره كل حين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحب المقسطين ، ويضل الظالمين ، وأشهد أن محمدا عبدالله ورسوله البشير النذير والهادي الأمين ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا ..
أما بعد : فاتقوا الله عباد الله .. ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) .
إخوة الإسلام : ثمت بلية من البلايا ، ورزية من الرزايا ظهرت في الأمة ، وانتشرت في الناس في زمن الانفتاح الفضائي والتقني ، والتحرر الصحفي .. حتى صار الناس معها مشتتين لا يقر لهم قرار .. ولا يخلص لهم رأي .. إنها بلية تمشيخِ الصحفيين .. وترؤسِ الجهال .. إنها بلية تصدر ذوي الأهواء للفتوى .. أو الترجيح بين الأقوال ، أو تنميقِ الأقوال الشاذة و الرفع من شانها لتكون هي الحاكمَ على أدلة الكتاب والسنة .. حتى التبس الأمر على كثير من العامة فصاروا لا يعرفون الحق من الباطل .. والخطأ من الصواب .. ويا لها من كبيرة يوم أن يقول المرء على الله ما لا يعلم فيَضِلُ ويُضل .( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون) . وفي المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((من قال عليَّ ما لم أقُل فليتبوَّأ بيتًا من جهنم، ومن أُفتِيَ بغير علمٍ كان إثمُه على من أفتاه".
عباد الله :
إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في سيرها الخللا

ذكر أبو عمر أن مالكا دخل على ربيعة فوجده يبكي فقال: ما يبكيك وارتاع لبكائه. فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ قال: لا ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم! . قال ربيعة: وبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السُرَّاق .
قال ابن الصلاح المتوفى في منتصف القرن السابع بعد أن نقل هذا الخبر: "رحم الله ربيعة كيف لو أدرك زماننا؟" ونحن نقول : رحمهم الله جميعا كيف لو رأوا صحافتنا وكمَّ المتعالمين الوالغين في الدين .
إن هذا المنهج الذي بدت فينا متاهاته وظلماته واقصد بذلك منهج الإفتاء كيفما اتفق والقولِ في الدين من غير أهله ، أو ممن يدعي العلم ، أو يعلم ولكنه يحابي السلطان أو الناس أو ذوي المصالح بفتواه .. إن هذا المنهج ليفسد ولا يصلح ويهدم ولا يبني .. قال عمر رضي الله عنه : " (يهدِمُ الإسلامَ زلةُ العالم،وجدال المنافق بالكتاب،وحكم الأئمة المُضلين).
وروى ابن وضاح بسنده عن مسروق قال :قال عبدالله ابن مسعود : "ليس عام إلا والذي بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام،ولا عام أخصب من عام،ولا أمير خير من أمير،لكن ذهاب علمائكم وخياركم،ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم فيهدم الإسلام ويثلم".
إخوة الإسلام : لقد ترك متفيهقو الصحافة والفضائيات تركوا أدلة الكتاب والسنة وأقوال العلماء الربانيين الراسخين في العلم .. وتشبثوا بآراء شاذة أو مغلوطة يريدون بذلك خدمة أغراضهم وصرف الناس عن العلم الرباني بدعوى التيسير وتغير العصر وضرورة الزمن .. وهؤلاء أولى بأن يحجر عليهم لأنهم سفهاء ، وقد قيل : "الحجر لاستصلاح الأديان أولى من الحجر لاستصلاح الأموال والأبدان".
فلننتبه أيها المسلمون من هذه الحرب الخفية التي نراها تلوح في الأفق ، والتي يحاول من خلالها بعض السفهاء بحكم مواقعهم الصحفية أو الإعلامية أن يقرروا بعض الفتاوى التي صدرت من أناس بعضهم يوصفون بالمفتين وهم أبعد الناس عن صفات العلماء الربانيين .. كمنع الحجاب أو النقاب ، أو تجويز الاختلاط وتبديع هذا المصطلح والادعاء بحداثته أو نحو ذلك من الآراء التي وقف منها علماؤنا الربانيون وهيئاتنا الإفتائية الرسمية موقف الحازم الذي لا يخاف في الله لومة لائم . وإن العجب كل العجب أن لا يتكلم في الطب إلا طبيب ولا في الهندسة إلا مهندس ولكن الشرع والدين يتكلم فيه ويفتي به كل من شاء بلا خوف ولا خجل ولا استحياء . وصدق الله : (وَلاَ تُطِعْ مَن أَغفَلنَا قَلبَهُ عَن ذِكرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمرُهُ فُرُطًا ) .
أقول ما تسمعون وأستغفر الله ...
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ..
إخوة الإسلام : انتشرت في الناس عبارة عندما يشكل عليهم أمر .. جعلتهم يبادرون في السؤال والاستفتاء كلَّ من رأوه يحفظ حديثا أو حديثين أو آية أو آيتين .. وهي قولهم : اجعل بينك وبين النار مطوعا ... والحقيقة أن هذه العبارة ليست بمستقيمة لأن هذا المفتي الذي ترى أنه سيحجزك عن النار إن سألته لن يفعل ما لم يكن أهلا للفتوى .. وهل من العقل أن تذهب إلى عامل نظافة لتستشيره في أمر هندسي يتعلق بعمارتك التي تنشؤها .. أو على الأقل إلى طالب هندسة في سنته الأولى .. والأمر الحق في هذا الباب أن يقال كما قال ابن سيرين رحمه الله : "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
فإذا أشكل عليكم شيء من أمر الدين فلا تبحثوا عن المتساهلين الذين يرجحون بأهوائهم ووفق متغيرات الزمن .. بل اسألوا العلماء الربانيين المتمكنين الذين يظهر أثر العلم على سمتهم وكلامهم وورعهم وتقواهم لرب العالمين ... اسأل الله أن يهدينا لكل حق وأن يعصمنا من الباطل وأهله إنه سميع مجيب .. هذا وصلوا وسلموا ..