بسم الله الرحمن الرحيم





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




روي عن علي - رضي الله عنه - أنه رأى قاصا يقص في مسجد الكوفة وهو يخلط الأمر بالنهي والإباحة بالحظر ، فقال له : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت ، ثم قال له : أبو من أنت ؟ قال : أبو يحيى ، قال : أنت أبو اعرفوني ، ثم أخذ أذنه ففتلها ، وقال : لا تقص في مسجدنا بعد.



عندما يصبح العلم والفتيا استعراض معلومات وعلى طريقة (أبو اعرفوني) و (أنا هنا) يصبح الدين ملعبة لمن هب ودب، ويتجرأ السفهاء على السنة الثابتة عن المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم.



وعندما تصبح الفتوى بهذه المثابة، يتهم العلماء- الذين هم ورثة الأنبياء في سياسة الناس- بكتم شيء من العلم وإخفاء شيء من السنة خصوصا عندما تنشر هذه الفتاوى على منابر مشبوهة أو معروفة بعدائها للسنة وأهلها.



ليس العلم بكثرة المحفوظات وإلا لأغنتنا التقنية عن كل عالم، وإنما العلم خشية الله وسلوك طريق النجاة بالمستفتي وعدم شراء الآخرة بالثمن القليل.



يقول ابن رجب رحمه الله في أول كتابه الجليل (فضل علم السلف على علم الخلف): (وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين انه أعلم ممن تقدم).



إن الفتيا سياسة وفن ودربة لا يستطيعها كل من حفظ، وإنما تأتي الفتيا بالتجربة ولزوم أهل العلم وطول المران وتقوى الله قبل كل شيء. ولهذا جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (البركة مع أكابركم) صححه الألباني رحمه الله، وانظر تخريجه كاملا في السلسلة الصحيحة، طبعة مكتبة المعارف 1415 هـ ورقم الحديث (1778)، 4/380.



إن لزوم الأكابر هو الخير وهو والبركة مهما كثر المتكلمون وتشدق المتشدقون وادعى المدعون.



روى الطبراني في المعجم الكبير برقم (8591) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لن يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قبل أكابرهم وذوى أسلافهم فإذا أتاهم من قبل أصاغرهم هلكوا).



إن الأكابر يسيرون على منهج الفتيا الذي يقوم على مرتكزات ضرورية من أهمها أنه (ليس كل ما يعلم يقال) وإنما يعطى المستفتي ما يحتاجه فحسب، دون إدخاله في أغوار لا يدرك أبعادها بحكم عدم التخصص.



قال ابن مسعود رض الله عنه: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة). رواه مسلم في المقدمة.



لم يكن الخلاف في مسألة إرضاع الكبير ومسألة الأغاني وغيرها من المسائل خافية على الكبار، ولكن أولئك الكبار كانوا يقدمون مصلحة الناس في أديانهم على كل غرض، وكانوا يتكلمون لله ولا يتكلمون للناس.



إن حرمة الدين أمانة في عنق كل مسلم يخشى الله ويرجوه ولا يمكن أن تصان هذه الحرمة إلا برد العلم إلى أهله وأخذه من مصدره. فأين المسلمون الناصحون لدينهم وأنفسهم!!




اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.






والسـلام