بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد.
فقد اطلعت قبل بضعة أيام على الرسالة الموسومة بـ: قوافل الطاعة في حكم صلاة الجماعة، من تأليف: د/ أحمد بن قاسم الغامدي رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة، فرأيت الكاتب لم يسر على أساس سيلم في الحكم على الأحاديث الواردة في الباب، بل إنه لم يوفق -فيما أحسب- في تقرير مآخذها على الوجه المطلوب، مما جعله يخطئ في كثير من النتائج التي توصل إليها، وكان من تلكم النتائج: تضعيفه لخبر أبي هريرة -رضي الله عنه- في قصة الأعمى ، والذي تضمن الأمر بإجابة النداء، فأردت في هذا المقال -من باب براءة الذمة والنصيحة لأهل الإسلام- تزيف ما ذكره الكاتب من شبه تتوجه إلى الخبر سواء كانت متعلقة بالثبوت أو الدلالة ، وقد قسمت المقال إلى قسمين اثنين:
القسم الأول: البحث في ثبوت الخبر: وتضمن هذا القسم ذكر الأوجه التي طعن بها الكاتب في الخبر، والجواب عنها.
القسم الثاني: البحث في دلالة الخبر: وتضمن هذا القسم فقه الخبر، والجواب عن التأويلات التي اعتمدها الكاتب في إسقاط دلالته.
وفي الختام: فإن ما في هذا المقال إنما كُتب على جناح استعجال، في ظرف ساعات قلال، البال فيها متشتت، والذهن فيها متقلب، لا أقوله تبجحا وفخرا، بل أمهد به عذري لما قد يحصل من الخطأ والتقصير، ولله أعلم بالسرائر.
.............................. .............................. ....................
القسم الأول:
البحث في ثبوت الخبر:
هذا الحديث أخرجه إسحاق ومسلم والنسائي وأبو عوانة والبيهقي كلهم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، نا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه: يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء أعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه ليس لي قائد يقودني إلى الصلاة، فسأله أن يرخص له في بيته، فأذن له، فلما ولى دعاه، فقال له: " هل تسمع النداء بالصلاة ؟ " فقال: نعم، قال: " فأجب ".
وهذا الحديث حديث صحيح ؛ رجاله ثقات، وإسناده متصل، وقد قدح الكاتب في ثبوته، وطعن فيه من أربعة أوجه، فإليك بيانها والجواب عنها:
الأول:
أن هذا الحديث قد تفرد به عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ((يزيد بن الأصم))، وهذا التفرد غير مقبول منه، ووجه ذلك: أن أبا هريرة -رضي الله عنه- من رجال الحديث المشهورين، وتلاميذه كثر، فعدم متابعتهم ليزيد بن الأصم في رواية هذا الخبر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- دليل على عدم ثبوته !.
وأجيب عنه:
بأن يزيد بن الأصم العامري ثقة، وثقة أبو زرعة، والنسائي، وغيرهما، وخرج له مسلم في الصحيح، وهذا ضرب من التوثيق، وتفرده بالحديث لا يدل على عدم ثبوته كما زعم كاتب الرسالة، فالقاعدة في الأصول: [ أن تفرد الثقة بالخبر لا يقدح في ثبوته]، وبعبارة أخرى: [لا يشترط لقبول الخبر تعدد المخبرين]، ومأخذ هذه القاعدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الدعاة والرسل إلى الأمصار آحادا، ولو كانت الحجة لا تقوم بخبر الواحد لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ممتثلا للأمر بالبلاغ !.
انظر: [أصول السرخسي ( 331 /1)، إحكام الفصول للباجي (518/1)، التبصرة للشيرازي (ص: 312)، روضة الناظر لابن قامة (336/1)].
وجواب آخر: (من باب التنزل مع الخصم الذي يرى اعتبار الخرص في رد الخبر).
أن التفرد في طبقة التابعين غير مستنكر، والسبب في ذلك يرجع إلى الظروف التي كانوا يعيشونها، والتي قد تمنع من انتشار الرواية، وكثرة المتحملين لها، ولو لم يكن من تلك الظروف إلا صعوبة التنقل والسير في البلدان لكفى !
.............................. .............................. .....................
الثاني:
أن هذا الحديث في إسناده ((عبيد الله بن عبد الله بن الأصم))، وهو مجهول، إذ لم يوثقه إمام معتبر، ومدار الخبر عليه، وجهالة الراوي تقتضي الضعف.
وأجيب بجوابين:
1-أن الإمام ابن حبان -رحمه الله- ذكره في الثقات، والقاعدة في الأصول: [أن العدل الواحد يكفي في تعديل المخبر]، ومأخذ هذه القاعدة: الأدلة الدالة على وجوب قبول خبر الواحد فيما نُقل من أقواله وأفعاله -صلى الله عليه وسلم- .
انظر: [ فواتح الرحموت (150/2)، إحكام الفصول (565/1)، البحر المحيط (286/4)، العدة (934/3)].
ونوقش: بأن ابن حبان -رحمه الله- له مذهب في التوثيق لا يساعده فيما ذهب إليه، إذ هو يذهب إلى أن الثقة من لا يعرف بجرح، والحق على خلاف ذلك، وبحث المسألة محله الأصول.
انظر: [كشف الأسرار (400/2)، إحكام الفصول (561/1)، البدر الطالع (81/2)، شرح الكوكب (410/2)].
2-أن الإمام مسلما -رحمه الله- خرج له في الصحيح، وقد اشترط الصحة في كتابه، ومن المعلوم أن صحة الخبر متوقفة على كون رواته متصفين بالعدالة والضبط، إذا تقرر ذلك فيلزم من تخريج مسلمٍ لهذا الراوي الحكم بتوثيقه ((التوثيق الضمني))، والقاعدة في الأصول:[أن العدل الواحد يكفي في تعديل المخبر].
وقد جاء في صحيح الإمام مسلم -رحمه الله- (191/1): " قال أبو إسحاق: قال أبو بكر بن أخت أبي النضر في هذا الحديث: فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان ؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة ؟ فقال: هو صحيح. يعنى: " وإذا قرأ فأنصتوا ". فقال: هو عندي صحيح. فقال: لم لم تضعه هاهنا ؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا !، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه ".
وقال الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي -رحمه الله- في شروط الأئمة الخمسة (ص17): " اعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير منقطع ".
وقال الإمام شمس الدين الذهبي -رحمه الله- في الموقظة (ص79): " من احتجا به، أو أحدهما، ولم يوثق، ولا غمز فهو ثقة، حديثه قوي ".
وقد يناقش هذا الجواب:
بأنه قد فهم من مقدمة الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- لصحيحه (2/1) أنه قد يخرج لبعض الرواة الضعفاء أمثال: عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم وأضرابهم، ومن ثم فلا يصح التعويل على كل من خرج له، والحكم بصحة خبره!.
وردت المناقشة:
بأن الرواة الذين خرج لهم الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في الصحيح على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أهل الإتقان، أمثال: منصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن عون، وأيوب السختياني.
وهذا القسم هو المقدم في الصحيح، وهو الذي يقوم عليه بناؤه.
قال -رحمه الله- في المقدمة بعد ذكره لهذا القسم (2/1): " فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم ".
القسم الثاني: ثقات دونهم: أمثال: عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وأشعث بن عبد الملك الحمراني.
وهذا القسم يخرج لهم في الصحيح في الأصول، أي: أنه يحتج بهم، وإن كانوا أقل من القسم الأول في المرتبة.
قال -رحمه الله- في المقدمة (2/1): " وفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنت بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبى جميلة وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم ولكن الحال ما وصفنا من المنزلة عند أهل العلم ".
القسم الثالث: صدوقون ليسوا بموصوفين بالحفظ والإتقان، أمثال: عطاء ابن السائب، ويزيد بن أبى زياد، وليث بن أبى سليم.
وهذا القسم لا يخرج لهم في الأصول بل في المتابعات، وذلك حيث وافقوا أصحاب القسمين الأولين، ويكون الإيراد بقصد التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة تنبه على فائدة في الأصول.
قال -رحمه الله- في المقدمة (2/1): " فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم كعطاء ابن السائب، ويزيد بن أبى زياد، وليث بن أبى سليم وأضرابهم من حمال الآثار ونقال الأخبار ".
وبناء على ما تقدم فالحكم بالتوثيق الضمني لأحد رواة مسلم متوقف على تخريجه له في الأصول، وهذا هو حال الراوي الذي نحن بصدده.
انظر: الصحيح (293/1) رقم: 653.
(( فائدة )):
قال الحاكم -رحمه الله- في المدخل إلى كتاب الإكليل (ص:34 ): " وقد أراد مسلم بن الحجاج أن يخرج الصحيح على ثلاثة أقسام في الرواة، فلما فرغ من هذا القسم الأول أدركته المنية وهو في حد الكهولة -رحمه الله- ".
قلت: وكلامه هذا ينافي ما تقدم تقريره، وهو ضرب من الغلط !، ولعل السبب الذي أوقعه في هذا الوهم، أن الإمام مسلم -رحمه الله- نص على لفظ القسم الأول في مقدمة صحيحه، حيث قال -رحمه الله-: " فأما القسم الأول "، ولم يفعل ذلك في القسمين الآخرين، والعجيب غفلته عن واقع الصحيح مع أنه إمام واسع الإطلاع، فإن من تأمل صنيع مسلم -رحمه الله- في صحيحه علم أنه ذكر جميع الأقسام.
وقد تابعه على غلطه الحافظ أبو بكر البيهقي -رحمه الله-.
(انظر: صيانة صحيح مسلم لأبي عمرو ابن الصلاح ص: 91 ).
وقد رد مقالة الحاكم ومن وافقه القاضي عياض اليحصبي في كتابه إكمال المعلم (86/1) حيث قال -رحمه الله-: " إن هذا غير مُسلَّم لمن حقق نظرَه ولم يتقيَّد بتقليد ما سمعه، فإنَّك إذا نظرت تقسيم مسلم في كتابه الحديث - كما قال - على ثلاث طبقات من الناس، فذكر أن القسم الأوّل: حديثُ الحفاظ، ثم قال بأنَّه إذا تقصَّى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان، مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطي العلم، وذكر أنهم لا يلحقون بالطبقة الأولى، وسمَى أسماء من كل طبقة من الطبقتين المذكورتين، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع أو اتفق الأكثَرُ على تهمته، وبقي من اتهمه بعضهُم وصحَّحهُ بعضُهم فلم يذكره هنا، ووجدتُه - رحمَهُ الله - قد ذكر في أبواب كتابه وتصنيف أحاديثه حديث الطبقتين الأوليين التي ذكر في أبوابه، وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التي سمَّاها، وحديثها، كما جاء بالأولى على طريق الاتباع لحديث الأولى والاستشهاد بها ".
.............................. .............................. .....................
الثالث: أن هذا الحديث في إسناده ((مروان بن معاوية الفزاري))، وقد تفرد به، وتفرده غير محتمَل، إذ قال عنه أبو حاتم الرازي-رحمه الله-: يكثر روايته عن الشيوخ المجهولين، وقال ابن نمير: كان يلتقط الشيوخ من السكك، وقال عبد الله بن علي ابن المديني عن أبيه: ثقة فيما يروي عن المعروفين، وضعفه فيما يروي عن المجهولين.
(( فائدة )):
قول ابن نمير إنه كان يلتقط الشيوخ من السكك، المراد به أنه لا يتحرز عمن يأخذ الحديث، وهو في معنى ما ذكره أبو حاتم -رحمه الله تعالى-.
وأجيب:
بأن مروان بن معاوية الفزاري ثقة، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وجماعة، والقاعدة في الأصول:[أن رواية الثقة عن الضعفاء والمجهولين لا تقدح في عدالته]، ومأخذ هذه القاعدة: أن روايته عنهم ليست إخبارا بعدالتهم وضبطهم، وقد يكون له في روايته عنهم أغراض، ويحتمل أنه روى عنهم ثقة بعدالتهم، أو أنه لا يعرفهم، وهو ممن يرى الناس على العدالة، ولا يتوجه كون صنيعه هذا غشا في الدين، وذلك لأنه التزم لنا النقل، ولم يلتزم لنا ثقة من ينقل عنه، وقد وكَل ذلك إلى اجتهادنا ونظرنا، ثم لو قدح في الراوي بسبب روايته عن شيوخه الضعفاء والمجهولين لسقطت عامة رواية الأئمة الأثبات !.
انظر:[التبصرة للشيرازي (ص 339 )، إحكام الفصول للباجي (570/1) ].
قال الإمام أبو أحمد ابن عدي -رحمه الله- في الكامل في الضعفاء (33/2): " ثنا بن حماد ثنا العباس سمعت يحيى يقول قيل: ليحيى بن سعيد:ما تقول في بكير بن عامر؟، فقال: كان حفص بن غياث تركه، وحسبه إذا تركه حفص، قال يحيى: كان حفص يروي عن كل أحد ".
قلت: فهذا حفص بن غياث ثقة فقيه، وهو يروي عن كل أحد، وليس ذلك بقادح فيه، وقد استدل يحيى بن سعيد القطان بتركه الرواية عن بكير بن عامر البجلي على شدة ضعفه.
وقال الإمام شمس الدين الذهبي -رحمه الله- في ميزان الاعتدال في نقد الرجال (145/3) في ترجمة يزيد بن الهاد: "من ثقات التابعين وعلمائهم، لم أذكره إلا لأن أبا عبد الله بن الحذاء أورده في باب من ذكر بجرح من رجال الموطأ، فلم يأت بشيء أكثر من قول ابن معين: (يروي عن كل أحد)، وما هذا بجرح؛ فإن الثوري كذلك يفعل، وهو حجة ".
والذي يظهر لي أن الإمام أبا حاتم -رحمه الله- لم يذكر كثرة رواية مروان الفزاري عن الشيوخ المجهولين بقصد القدح فيه، إذ إنه حكم له في مبدأ كلامه بأنه صدوق، وهذا عندهم ضرب من التوثيق.
(انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص: 238 ).
فإن قيل: لماذا ذكر ذلك ؟
الجواب:
ذكر ذلك ليتنبه لشيوخه، وأنهم مظنة للجهالة.
وقد وافقه على ذلك الإمام الذهبي -رحمه الله- حيث قال عن الفزاري في ميزان الاعتدال (93/4): " ثقة عالم صاحب حديث، لكن يروي عمن دب ودرج، فيستأنى في شيوخه ".
((فائدة )):
تقدم الجواب عن تضعيف الإمام ابن المديني -رحمه الله- للفزاري بسبب روايته عن المجهولين، لكن يناقش هنا من جهة أن تبعيض التوثيق على الوجه الذي ذكره لا يصح، ووجه ذلك: أنه لا يرجع إلى تغير الحال بالنسبة للعدالة والضبط، وكل تبعيض لا يقع على هذا الوجه فهو باطل، إذ هو قدح في غير محل القدح!، فإن قيل: إنما ضعفت روايته عن المجهولين لتضمنها الجهالة، فالجواب: أن الحمل بناء على هذا التقرير إنما يكون على المجهول، وابن المديني -رحمه الله- أضاف الضعف إليه!.
(( فائدة )):
نقل كاتب الرسالة عن الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-أنه قال عن الفزاري بأنه مدلس تدليس شيوخ (انظر: التقريب:ص932 )، فهل هذا يعتبر قادحا فيه أم لا ؟.
الجواب:
أولاً: الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في إضافته تدليس الشيوخ إلى مروان الفزاري اعتمد على كلامٍ للإمام ابن معين - رحمه الله - ، فقد جاء في تهذيب التهذيب (53/4): " قال الدوري: سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن معاوية عن علي بن أبي الوليد، قال: هذا علي بن غراب، والله ما رأيت أحيل للتدليس منه".
ثانياً: أن ثبوت هذا الوصف للراوي لا يقتضي رد روايته، إذ القاعدة في الأصول:[أن التدليس بالتسمية غير المشهورة (تدليس الشيوخ) ليس قادحا في عدالة الراوي]، ومأخذ هذه القاعدة: أنه أخف شأناً من إغفال ذكره، فإذا لم يقتضِ إغفالُ الذكر القدحَ، فهذا الوجه من باب أولى، ويستثنى من ذلك: ما إذا كان بقصد إخفاء ضعفه، أو تكثراً لمعنى دنيوي، أو طلب منه الفسر ولم يفسر، أما الأول فلأنه غش وخيانة، وأما الثاني فلأنه تلبس بما لم يعط وقد جاء الشرع بتحريم ذلك، وإنما قيدته بالدنيوي؛ لأن بعضهم يعمد إليه ليكثر الآخذون عنه، وهذا ضرب من التأويل المانع من التفسيق، وأما الثالث فلأنه كاتم للعلم بعد السؤال عنه.
انظر: [كشف الأسرار (71/3)، تحفة المسؤول (383/2)، البدر الطالع (108/2)، شرح الكوكب (444/2) ].
.............................. .............................. .....................
الرابع: أن هذا الحديث منكر ((نكارة المتن ))، ووجه ذلك: أنه مخالف لما هو ثابت في الباب، فقد جاء في الصحيحين من حديث محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، فلم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددت يا رسول الله، أنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتخذه مصلى، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سأفعل إن شاء الله" قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك" قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر....الحديثَ.
ومما يدل على نكارته أيضا مخالفته لقوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج}.
وأجيب عنه:
بأنه قد تقدم بيان صحة إسناد هذا الخبر، والقاعدة في الأصول: [أن مخالفة الخبر لخبرٍ أقوى منه إسناداً لا يقدح في ثبوته]، وبعبارة أخرى: [إذا وقع التعارض في الظاهر بين خبرين ولو كانا متفاوتين في قوة الإسناد فالعمل على الجمع لا الترجيح]، وتأييد كاتب الرسالة تقديمه حديث عتبان رضي الله عنه على حديث الأعمى بما ذكر من الآية ليس بشيء، لأن القاعدة في الأصول: [إذا وقع التعارض في الظاهر بين الكتاب والسنة فالعمل على الجمع لا الترجيح].
انظر:[فواتح الرحموت (392/2)، شرح التنقيح (ص: 420 )، البدر الطالع (344/2)، شرح الكوكب المنير (628/4)].
ومأخذ القاعدتين السابقتين: قرره الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه الله- في الإحكام (174/1) حيث قال: "ويبين صحة ما قلنا من أنه لا تعارض بين شيء من نصوص القرآن ونصوص كلام النبي صلى الله عليه وسلم وما نقل من أفعاله قول الله عز وجل مخبرا عن رسوله عليه السلام: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)، وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )، وقال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، فأخبر عز وجل أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم وحي من عنده، كالقرآن في أنه وحي، وفي أنه كل من عند الله عز وجل، وأخبرنا تعالى أنه راض عن أفعال نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنه موفق لمراد ربه تعالى فيها لترغيبه عز وجل في الائتساء به عليه السلام، فلما صح أن كل ذلك من عند الله تعالى، ووجدناه تعالى قد أخبرنا أنه لا اختلاف فيما كان من عنده تعالى - صح أنه لا تعارض، ولا اختلاف في شيء من القرآن والحديث الصحيح، وأنه كله متفق كما قلنا ضرورة، وبطل مذهب من أراد ضرب الحديث بعضه ببعض، أو ضرب الحديث بالقرآن، وصح أن ليس شيء من كل ذلك مخالفا لسائره، علمه من علمه، وجهله من جهله ".
وبناء على ما سبق فالبحث في المخالفة المدعاة بين حديث عتبان رضي الله عنه وحديث الأعمى الذي نحن بصدده من شأن الدلالة لا من شأن الثبوت، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفقرة التالية تقرير الموافقة بينهما، وتزييف المخالفة.
.............................. .............................. .....................
القسم الثاني:
<< البحث في دلالة الخبر >>:
( 1 ) - في هذا الحديث دليل على وجوب صلاة الجماعة (( حكمٌ تكليفي ))، وبهذا قال بعض الحنفية، وهو وجه عند الشافعية، قال به: ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وهو مذهب الحنابلة، والظاهرية.
انظر: [البناية للعيني الحنفي (381/2)، المجموع للنووي الشافعي (184/4)، صحيح ابن خزيمة (368/2)، الإقناع لابن المنذر (111/1)، صحيح ابن حبان (411/5)، الإنصاف للمرداوي الحنبلي (210/2)، المحلى لابن حزم الظاهري (188/4)].
ومأخذ الحكم من الحديث من قوله: "فأجب" فهذا أمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق للوجوب]، هذا تقرير الوجوب في حق الأعمى دون غيره، إذ الخطاب موجه إليه، وأما تقريره في حق سائر الأمة فيقال في ذلك: ثبت الوجوب في حق بعض الأمة (أي: الأعمى)، والقاعدة في الأصول: [أن ما ثبت في حق بعض الأمة يثبت في حق جميعها ما لم يرد دليل بخلافه]، ولا دليل !، النتيجة: صلاة الجماعة واجبة على سائر الأمة.
وقرر بعضهم الوجوب على سائر الأمة من جهة الإلحاق الأولوي، ووجه ذلك: أنه ثبت الوجوب في حق الأعمى الذي لا يجد قائدا يقوده إلى المسجد، فثبوته في حق غيره من المبصرين من باب أولى، والقاعدة في الأصول:[أن الإلحاق الأولوي حجة في إثبات الأحكام الشريعة].
انظر: [ المغني لابن قدامة (6/3) ].
وأجيب عنه بجوابين:
((الجواب الأول)): أن الأمر الوارد في هذا الحديث مصروف من الإيجاب إلى الندب، والصارف له حديث عتبان بن مالك -رضي الله عنه- المخرج في الصحيحين، والذي قد تضمن إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- له على ترك صلاة الجماعة بسبب العمى، والقاعدة في الأصول: [أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز]، ومن ثم يحمل الأمر في هذا الحديث على الندب، إذ القاعدة في الأصول: [أن إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن ترك المأمور به دليل على صرف الأمر من الإيجاب إلى الندب].
ونوقش هذا الجواب بما يلي:
أنه قد جاء في حديث عتبان بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: "يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، فلم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم".
ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص له في ترك صلاة الجماعة أي: أباح له تركها، وقد اقترن بهذا الحكم وصفان اثنان: العمى في قوله: "أنكرت بصري"، وحيلولة السيل بينه وبينهم في قوله: "سال الوادي الذي بيني وبينهم، فلم أستطع أن آتي مسجدهم"، وقد ألغى المخالف اعتبار الوصف الثاني، مع أنه وصف معتبر، جرت عادة الشارع باعتباره في موارده وأحكامه، ومن ثم لا يصح توسيع الحكم بحذفه، والقول بجواز ترك صلاة الجماعة للأعمى الذي لم تحل السيول بينه وبين المسجد.
قال الإمام ابن حبان -رحمه الله- في صحيحه (413/5): "باب ذكر العذر السادس وهو خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد".
وللفائدة انظر: [مبحث تنقيح المناط في روضة الناظر لابن قدامة: (803/3)].
قال جلال -غفر الله له-: وبناء على ما سبق فلا تعارض بين الحديثين حتى يقال بصرف الأمر الوارد بإجابة النداء، فحديث أبي هريرة رضي الله عنه يدل على أن العمى ليس عذرا في التخلف عن صلاة الجماعة، وحديث عتبان بن مالك -رضي الله عنه- يدل على جواز التخلف عنها عند حيلولة السيول بين المرء والمسجد.
((الجواب الثاني)): أنه ليس في الحديث تعيين النداء الذي يجب إجابته، ومن ثم فيحمل على نداء الجمعة، وذلك لأنه النداء الذي يجب إجابته باتفاق.
ونوقش هذا الجواب:
بأن الحديث جاء عاما في كل نداء، ومأخذ العموم من قوله: "هل تسمع النداء بالصلاة "، فقوله: النداء مفرد محلى بـ أل الاستغراقية، والقاعدة في الأصول: [أن المفرد المحلى بـ أل الاستغراقية يفيد العموم]، وقصر اللفظ العام على بعض أفراده ضرب من التأويل، والقاعدة في الأصول: [أنه يجب العمل بالألفاظ على ظاهرها، ولا يجوز تأويلها إلا بدليل]، ولا دليل !، ومما يشهد لهذا أيضاً سياق الخبر !.
قال أبو الوليد ابن رشد -رحمه الله- في بداية المجتهد (333/1): " وأما أولئك فزعموا: أنه يمكن أن يحمل حديث الأعمى على نداء يوم الجمعة؛ إذ ذلك هو النداء الذي يجب على من سمعه الإتيان إليه باتفاق، وهذا فيه بعد -والله أعلم- ؛ لأن نص الحديث هو: أن أبا هريرة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم، قال: فأجب"، وظاهر هذا يبعد أن يفهم منه نداء الجمعة ".
(( فائدة متعلقة بحديث عتبان -رضي الله عنه- )):
جاء حديث عتبان بن مالك -رضي الله عنه- عند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في المسند بلفظ آخر، قال -رحمه الله-: حدثنا سفيان،عن الزهري، فسئل سفيان: عمن؟ قال: هو محمود -إن شاء الله- أن عتبان بن مالك كان رجلا محجوب البصر، وأنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم التخلف عن الصلاة، فقال له: " هل تسمع النداء ؟ "، قال: نعم، قال: فلم يرخص له"، وجاء عند غيره بلفظ: "ما أجد لك عذرا إذا سمعت النداء".
وقد قدح في ثبوته الإمام الشافعي-رحمه الله- من جهة أن سفيان بن عيينة وهم فيه، ومأخذه في ذلك ما جاء في الروايات الأخرى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رخص لعتبان بن مالك-رضي الله عنه-، وقد وافقه على ذلك البيهقي -رحمه الله-، وذكر أن اللفظ الذي رواه ابن عيينة إنما هو في قصة ابن أم مكتوم الأعمى.
انظر: [122/4].
قلت: هذا حديث صحيح، رجاله ثقات، وإسناده متصل، وكلام الشافعي -رحمه الله- ليس بشيء، فسفيان بن عيينة: ثقة ثبت حافظ إمام !، والقاعدة في الأصول:[لا يجوز توهيم الراوي الثقة إلا بدليل ]، وما ذكره -رحمه الله- من ورود الروايات الأخرى بترخيص النبي -صلى الله عليه وسلم- لعتبان لا يصلح أن يكون دليلا، وذلك لعدم وجود التعارض، فمحل الترخيص إنما هو في حال حيلولة السيل بينه وبين المسجد فقط، وما عدا هذه الحال فيجب عليه الصلاة في الجماعة، وكونه ورد بلفظ قريب من لفظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه لا يدل على الوهم، فمن جائز عقلا تعدد القصة على نحو متقارب في اللفظ، ولهذا شواهد من السنة الثابتة.
وبناء على ما سبق فيقلب الدليل على الخصم، فيقال له:
حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه دليل على وجوب صلاة الجماعة، بل هو نص في ذلك، ومأخذ الوجوب من قوله: " ما أجد لك عذرا "، ونفي العذر يقتضي الإلزام، والقاعدة في الأصول: [أن الإلزام يدل على الوجوب]، ومأخذ القاعدة: أن هذه حقيقته.
ووجه كونه نصا: أن نفي العذر لا يحتمل غير الوجوب، وهذه حقيقة النص عند الأصوليين.
انظر: [البدر الطالع للجلال المحلي (183/1)].
وبناء على ذلك فلا يجوز حمله على الندب مطلقا، ووجه ذلك: أن القاعدة في الأصول: [لا يجوز تأويل النص]، ومأخذ القاعدة:
أن التأويل: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المعنى المرجوح لدليل، والنص لا يحتمل إلا معنى واحدا.
انظر: [البرهان لإمام الحرمين الجويني (227/1) ].
.............................. .............................. .........................
( 2 ) - في الحديث دليل على أن الجماعة شرط لصحة الصلاة المكتوبة في حق غير المعذور (( حكمٌ وضعي ))، وبهذا قال الإمام أحمد رحمه الله- في رواية، اختارها طائفة من الحنابلة كـ: ابن عقيل، وابن أبي موسى، وهو مذهب الظاهرية، وانتصر له الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى- .
انظر: [ الإنصاف للمرداوي (2/210)، المحلى لابن حزم (4/188)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (24/101)]
ومأخذ الحكم من الحديث من قوله: "فأجب"، فهذا أمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق للوجوب]، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر بالشيء نهي عن ضده]، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق يقتضي الفساد]، وإنما قيدت الحكم في أصل المسألة بغير المعذور لأن الأمر بإجابة النداء متعلق به دون غيره.
ومأخذ قاعدة اقتضاء النهي الفساد: الخبر المخرج في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "، أي: مردود غير مقبول، وهذه حقيقة الفساد.
انظر: [الفصول للجصاص (2/171)، إحكام الفصول للباجي (1/377)، التبصرة للشيرازي (ص: 100)، روضة الناظر لابن قدامة (2/655)].
وقد يجاب عنه بجوابين:
(( الجواب الأول )):
أن النهي هنا ليس نهيا صريحا (نهي التزامي)، والقاعدة في الأصول: [ أن النهي الالتزامي لا يقتضي الفساد ].
(( فائدة )):
المراد بالنهي الالتزامي -هنا- النهي المستفاد من قاعدة: ( الأمر بالشيء نهي عن ضده)، فالتحقيق أن دلالة الأمر على النهي عن ضده من باب الدلالة العقلية: ( دلالة الالتزام )، إذ لا يمكن عقلا فعل المأمور به إلا بترك الضد.
ونوقش هذا الجواب:
بأن القاعدة في الأصول على الصحيح-: [أن النهي الالتزامي يقتضي الفساد]، ومأخذ هذه القاعدة: عموم حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين مرفوعا: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "، بل إن هذا الفرد من أفراد النهي يدخل في العموم دخولا أولويا ، وذلك من جهة أنه اسم الأمر في الحديث يصدق عليه مطابقة. ولبعضهم في تثبيت هذه القاعدة: أن النهي الالتزامي في معنى الصريح فوجب أن يتفقا في إفادة الفساد.
انظر: [شرح الإلمام للإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله- (4/463) ].
(( فائدة )):
الصحيح من أقوال أهل العلم أن المراد بالأمر في حديث عائشة -رضي الله عنها- طلب الفعل، ومأخذ ذلك: أن هذا هو الأصل في الاستعمال عند العرب، وحمله على الشأن من باب المجاز، والقاعدة في الأصول:[أنه يجب حمل الألفاظ على الحقيقة، ولا يجوز حملها على المجاز إلا بدليل]، ولا دليل !.
(( الجواب الثاني )):
أن النهي الالتزامي المستفاد من الأمر بإجابة النداء ليس مطلقا، إذ قد قام الدليل على عدم اقتضائه للفساد، وهو حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- المخرج في الصحيحين وغيرهما، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة "، ووجه دلالته على عدم الفساد: أنه قد تضمن إثبات الفضل في صلاة عموم المنفردين سواء كانوا معذورين أم غير معذورين، ووجه العموم: من قوله:" الفذ "، فهو مفرد محلى بـ أل الاستغراقية، والقاعدة في الأصول: [أن المفرد المحلى بـ أل الاستغراقية يفيد العموم]، فيشمل كل فذ أي: منفرد ولو كان غير معذور، والقاعدة في الأصول: [أن إثبات الفضل فرع الصحة].
ونوقش هذا الجواب:
أن الحديث محمول على من تركها بعذر، وجه ذلك: أنه قد جاء عاما في سائر المنفردين، ويخصص منه غير المعذور بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، فهو جاء بصيغة الأمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر بالشيء نهي عن ضده]، والقاعدة في الأصول:[أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه]، وبناء على ذلك فصلاة غير المعذور فاسدة، ولازم ذلك أن لا فضل فيها، فتعارض حديث أبي هريرة الخاص مع حديث ابن عمر العام، والقاعدة في الأصول:[أنه إذا تعارض العام والخاص قدم الخاص].
وردت هذه المناقشة:
بأن المعذور يثاب ثواب العمل الذي كان يعمله في حال عدم العذر، ودليل ذلك: ما جاء عند البخاري في الصحيح من حديث أبي موسى -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا ".
وبناء على ما سبق فلا يصح تخصيص غير المعذور من عموم حديث ابن عمر رضي الله عنه- !.
( قام الدليل على دخول هذا الفرد في العموم ).
وأجيب عن هذا الرد:
بأن حديث أبي موسى رضي الله عنه- عام في كل عمل، ووجه العموم: من قوله: "ما" فهي موصولة بمعنى الذي، والقاعدة في الأصول:[أن الأسماء الموصولة تفيد العموم]، وحديث ابن عمر رضي الله عنه- خاص بالصلاة، والقاعدة في الأصول: [أنه إذا تعارض العام والخاص قدم الخاص].
.............................. .............................. .........................
( 3 ) - في الحديث دليل على وجوب صلاة الجماعة وجوبا عينيا، وبهذا قال: من تقدم ذكره في المسألة الأولى، أما مأخذ الوجوب فقد تقدم تقريره، وأما مأخذ كونه عينيا فمن وجهين اثنين:
1-أن القاعدة في الأصول: [الأصل في الواجبات أنها على الأعيان].
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعمى بإجابة النداء، و لم يكتفي بصلاته وصلاة من معه من أصحابه، ولو كانت صلاة الجماعة على الكفاية لاكتفى بها. ( دليل مؤيد للأصل ).
(( فائدتان )):
1- الواجب ينقسم إلى قسمين:
خاص، وغيره، والخاص قسمان: بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبغيره، وغير الخاص قسمان: عيني، وكفائي، والعيني: ما يجب على كل مكلف بذاته، والكفائي: ما يجب على بعض غير معين.
2- من القرائن الدالة على أن الواجب على الكفاية:
أ- أن يصرح بوجوبه على بعض غير معين، نحو: " ولتكن منكم أمة "، " فليؤذن أحدكم ".
ب- أن يتعذر فعله من الجميع، نحو: " كفنوه في ثوبيه ".
.............................. .............................. .........................
( 4 )- في الحديث دليل على وجوب إتيان الجماعة بسماع النداء مباشرة، أما مأخذ الوجوب فقد تقدم تقريره، وأما مأخذ كونه بسماع النداء مباشرة فمن قوله: ( فأجب )، فهذا أمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق يقتضي الفور]، ومأخذ هذه القاعدة: قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم...}، وقوله: {فاستبقوا لخيرات}، والمسارعة والاستباق في اللغة في معنى الفور، والقاعدة في الأصول: [ أن الأمر المطلق للوجوب].
انظر: [ الفصول للجصاص (2/105)، شرح التنقيح للقرافي (ص: 128)، الإحكام للآمدي (2/165)، روضة الناظر لابن قدامة (2/623)، الإحكام لابن حزم (3/375)].
(( فائدة )):
المراد بالفور: فعل المأمور به في أول وقت الإمكان.
انظر: [كشف الأسرار (1/520)، التلخيص (1/321)].
وأجيب عنه:
بأن الأمر بإجابة النداء ليس مطلقا، إذ قام الدليل على أنه على التراخي، وهو حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المخرج في الصحيحين وغيرهما، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا "، ووجه دلالته على عدم الفور: أن مفهوم المخالفة الشرطي لقوله: " إذا سمعتم الإقامة فامشوا " أنه لا يجب المشي إذا لم تسمع الإقامة، والقاعدة في الأصول عند جماعة-: [أن مفهوم المخالفة الشرطي حجة في إثبات الأحكام].
ونوقش هذا الجواب من وجهين:
1- أن القاعدة في الأصول على الصحيح-:[أن مفهوم المخالفة الشرطي ليس بحجة في إثبات الأحكام].
2- أن حديث الأعمى يدل على الوجوب من باب المنطوق، والحديث المذكور في الجواب يدل على عدمه من باب المفهوم، والقاعدة في الأصول عند المخالف-: [أن المنطوق مقدم على المفهوم عند التعارض]، ومأخذه في ذلك: أنه أقوى، ووجه قوته: عدم وقوع الخلاف في اعتباره بخلاف الآخر.
انظر: [ المعونة للشيرازي ( ص:276 )، المحصول للفخر الرازي (2/2/579)، مفتاح الأصول للشريف التلمساني ( ص: 638)].
(( فائدة )):
قرر بعض العلماء وجوب إتيان الجماعة بسماع النداء مباشرة من الفاء في قوله: "فأجب"، إذ القاعدة في الأصول: [أن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب]، والتعقيب: وقوع ما بعدها في إثر ما قبلها.
وأجيب عنه:
بأن الفاء هنا ليست عاطفة، بل هي جوابية تفيد الربط، إذ قد وقعت جوابا لشرط مقدر، والقاعدة في الأصول:
[أن الفاء الجوابية لا تفيد التعقيب] ومأخذ هذه القاعدة: قوله تعالى:{لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ}، ووجه الاستدلال: أن الإسحات لا يقع عقب الافتراء، وإنما يتأخر إلى الآخرة.
انظر: [ إحكام الفصول للباجي (308/1)].
ونوقش هذا الجواب:
بأن الصحيح من أقوال الأصوليين أن الفاء الرابطة للجواب تفيد التعقيب أيضا، وأجابوا عن الاستدلال بالآية بأنه مجاز، لأن الإسحات لما تحقق وقوعه نزل منزلة الواقع عقبه.
انظر: [البحر المحيط ( 264/2 )].
.............................. .............................. .........................
( 5 ) في الحديث دليل على وجوب صلاة الجماعة في المسجد، وبهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى- في رواية- ليست المشهورة في المذهب - اختارها الإمام ابن تيمية رحمه الله-، وهو مذهب الظاهرية.
انظر: [المغني لابن قدامة (3/8)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (23/254)، المحلى لابن حزم (4/188) ].
ومأخذ الوجوب قد تقدم تقريره، وأما مأخذ كونه متعلقا بالمسجد فمن قوله "فأجب" أي: النداء الذي في المسجد كما يظهر من السياق، والإجابة في اللغة بمعنى الطاعة والامتثال ، ولا يكون ذلك إلا بأداء الصلاة في المسجد مع الإمام، والقاعدة في الأصول:[أن اللغة معتبرة في تفسير كلام الشارع].
وأجيب عنه:
بأنه قد قام الدليل على أن الأمر بإجابة النداء للندب لا للإيجاب، وهو حديث عائشة رضي الله عنها- في الصحيحين وغيرهما، وفيه أنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما... الحديث. انظر: [ المغني لابن قدامة (3/8)].
ومأخذ ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على ترك الصلاة في المسجد، والقاعدة في الأصول: [أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز]، ومن ثم يحمل الأمر في هذا الحديث على الندب، إذ القاعدة في الأصول:[أن إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن ترك المأمور به دليل على صرف الأمر من الإيجاب إلى الندب].
ونوقش هذا الجواب:
أنه لم يرد في الحديث هل كانت الصلاة فريضة أم نافلة ؟ !، وهو محتمل للأمرين، والقاعدة في الأصول: [أن الاحتمال -أي المساوي- يسقط الاستدلال]، ولا يقال بأنه عام في الفريضة والنافلة، وذلك لأنه فعل، والقاعدة في الأصول: [ أن الفعل لا عموم له ].
وردت هذه المناقشة:
بأنه قد جاء عند أبي داود وغيره من حديث جابر رضي الله عنه- أنها كانت صلاة فريضة، ولفظه: "ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرسا بالمدينة فصرعه على جذم نخلة فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا، قال: فقمنا خلفه فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى، نعوده فصلى المكتوبة جالسا، فقمنا خلفه فأشار إلينا، فقعدنا..." الحديث.
وإذا تقرر ذلك فلا يجب صلاة الجماعة في المسجد.
وأجيب عن هذا الرد من وجهين:
الأول / أن هذا الحديث من رواية أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر رضي الله عنه، وهي صحيفة ( أي: وجادة) قاله شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة رحمهما الله تعالى [انظر: تهذيب التهذيب (3/244)]، وهي عند الجمهور ضرب من المنقطع، والقاعدة في الأصول: [أن الانقطاع في الخبر يقتضي رده]، وبعبارة أخرى: [لا يجوز العمل بالوجادة في إثبات الأحكام].
انظر: [شرح الكوكب (2/526-528)].
الثاني/أنه ليس في الحديث أن الصحابة الذين صلوا معه صلى الله عليه وسلم- كانوا يصلونها فريضة، فيحتمل أنهم صلوا الفريضة في المسجد، ثم أتوا إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- فصلوا معه نافلة، والمطلوب في هذا المقام لا يتحقق إلا بمعرفة نوع الصلاة الحاصلة منهم، إذ هي محل الإقرار، ولا يلزم من كون صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فرضا أن تكون صلاتهم كذلك !.
ومن أدلة المخالفين على عدم وجوب صلاة الجماعة في المسجد:
ما أخرجه أحمد والثلاثة من حديث يزيد بن الأسود -رضي الله عنه- أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَاةَ اَلصُّبْحِ , فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا, فَدَعَا بِهِمَا, فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا, فَقَالَ لَهُمَا: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟" قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا, إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمْ, ثُمَّ أَدْرَكْتُمْ اَلْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ, فَصَلِّيَا مَعَهُ, فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ".
وجه الاستدلال بالخبر على عدم الوجوب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقر هذين الرجلين على ترك صلاة الجماعة في المسجد، والقاعدة في الأصول: [أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز]، ومن ثم يحمل الأمر في حديث الأعمى على الندب، إذ القاعدة في الأصول: [أن إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن ترك المأمور به دليل على صرف الأمر من الإيجاب إلى الندب].
وقد يجاب عنه بجوابين:
((الجواب الأول)): {من جهة الثبوت}:
ويقال فيه: أن هذا الخبر مردود، إذ فيه راويان مجهولان، وهما: يعلى بن عطاء، وجابر بن يزيد، والقاعدة في الأصول: [أن جهالة الراوي تقتضي رد خبره].
ونوقش هذا الجواب:
بأن يعلى بن عطاء الليثي ثقة، وثقة ابن معين والنسائي وخرج له مسلم (( التوثيق الضمني )) [انظر: تهذيب التهذيب (451/4 )].
وجابر بن يزيد بن الأسود ثقة، وثقه النسائي [انظر: تهذيب التهذيب (283/1)]، والقاعدة في الأصول:[أن العدل الواحد يكفي في تعديل المخبر].
إذا تقرر ذلك، وتقرر أن القاعدة في الأصول: [ إذا تعارض التوثيق والتجهيل فالحكم للتوثيق ]، فلا يصح التعويل على هذا الجواب !.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في التلخيص الحبير (30/2): "، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: إسْنَادُهُ مَجْهُولٌ.قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْأَسْوَدِ لَيْسَ لَهُ رَاوٍ غَيْرُ ابْنِهِ، وَلَا لِابْنِهِ جَابِرٍ رَاوٍ غَيْرُ يَعْلَى، قُلْت:يَعْلَى مِنْ رِجَال مسْلِمٍ، وَجَابِرٌ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ وَجَدْنَا لِجَابِرِ بْنِ يَزِيدَ رَاوِيًا غَيْرَ يَعْلَى.خْرَجَه ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ ذِي حِمَايَةٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرٍ".
(( الجواب الثاني )): {من جهة الدلالة}:
ويقال فيه: ليس في الحديث أنهما سمعا النداء، وأنهما كان غير معذورين بترك الجماعة في المسجد، فيحتمل أنهما لم يسمعا، أو سمعا ولكن كانا معذورين، والقاعدة في الأصول:[أن الاحتمال أي: المساوي- يسقط الاستدلال]، ولا يصح القول بالعموم، لأنه فعل، والقاعدة في الأصول:[أن الفعل لا عموم له]، ومما يقوي احتمال عدم سماعهما للنداء أنه قد جاء في بعض روايات الحديث أن هذه الواقعة كانت في الحج في مسجد الخيف [سنن النسائي (112/2)].
ونوقش هذا الجواب:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل منهما، والقاعدة في الأصول: [أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال]، فيشمل ما إذا سمعا أولم يسمعا، وما إذا كان معذورين أو غير معذورين.
وردت هذه المناقشة:
بأن القاعدة في الأصول -على الصحيح-:[أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال لا ينزل منزلة العموم في المقال]، ومأخذ هذه القاعدة: احتمال علمه صلى الله عليه وسلم بخصوص الحال، ومن ثم لم يقع الاستفصال.
قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله- في البرهان بعد ذكره لاستدلال الشافعي -رحمه الله- بالقاعدة السابقة في قصة غيلان -رضي الله عنه- (237/1) : " وهذا فيه نظر- عندي- من حيث إنه لا يمتنع أن الرسول -عليه السلام- كان عرف ذلك، فنزل جوابه على ما عرف، ولم ير أن يبين لرجل حديث العهد بالإسلام علة الحكم ومأخذه وعليه يجري معظم الفتاوى، والمفتي يطلق جوابه للمستفتي إذا رأى الجواب منطبقا على وفق الحادثة، وإن كان ذلك الحكم لو أرسل لفصل، فهذا وجه، وإن تحقق استبهام الحال على الشارع -صلى الله عليه وسلم- وصح مع ذلك أنه أرسل جوابه فهذا يقتضي لا محالة جريان الحكم على التفاصيل واسترساله على الأحوال كلها، ولكنا لا نتبين في كل حكاية تنقل إلينا أنها كانت مبهمة في حق الرسول وجوابه المطلق كان مرتبا على استبهامها فمن هذه الجهة لا يبقى مستمسك في محاولة التعميم وادعاء قصد ظهوره في حكايات الأحوال المرسلة ".
.............................. .............................. .........................
( 6 )- في الحديث دليل على تحريم الانشغال-بجميع صوره- عن إتيان المسجد بعد سماع النداء ( ومن ذلك: فتح المحلات التجارية، وتعاطي البيع والشراء)، ومأخذ الحكم من قوله: " فأجب " فهذا أمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر بالشيء نهي ضده ]، والقاعدة في الأصول: [أن النهي المطلق للتحريم]، والقاعدة في الأصول: [أن وسيلة المحرم محرمة].
.............................. .............................. .........................
أكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم.
كتبه / جلال بن علي بن حمدان السلمي.

مكة المكرمة