الاستعانة بالله نعيم القلب
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الاستعانة بالله نعيم القلب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    المشاركات
    824

    افتراضي الاستعانة بالله نعيم القلب

    كتبه/دكتور ياسر برهامي
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
    أمر هام ينبغي أن نتفكر فيه، هل الذي جعله الله -سبحانه وتعالى- ينصر الدين في وسط إشراقه وانتصاره أفضل، أمّن جعله الله -سبحانه وتعالى- ينصر الدين في وسط إظلام الدنيا وإدبارها وابتعاد الناس عن الدين؟؟ لماذا سبق السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟ لأنهم التزموا حينما كانت الدنيا ظلاماً. لأنهم التزموا حينما كان أكثر أهل الأرض ليسوا على الإيمان ولا يعمل أحد لأجل إعلاء كلمة الله في الأرض، وإنما بقي على دين الأنبياء قلة، لكنها اكتفت أن تعبد الله في الصوامع والبيع.
    انظر... شرف عظيم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لأنهم سبقوا إلى الله في الدلجة، عندما كانت الدنيا مظلمة، فسبقهم لا يصل إليه أحد، لأن الله -سبحانه وتعالى- جعلهم هم على الإسلام في وقت كانت الأرض فيه كلها ظلام، وكل من شابههم في جزء من صفاتهم كان له نصيب من ثوابهم.
    فعندما يتسمى الناس بالإسلام -والحمد لله على ذلك- دون أن يعمل به أكثرهم أو من أجله، ثم يجعلك الله -سبحانه وتعالى- تلتزم به وتدعو إليه في هذه الظروف، فذلك لأن الله ـسبحانه وتعالى- اجتباك لذلك واصطفاك وشرفك بأن تعمل للدين في أحلك الظروف، فإذا شاهدت قضاء الله وقدره وشهدت منته وفضله لم تعجب بنفسك، ولم تصب بالكبر والغرور، ولم تنسب الفضل إلى نفس جاهلة ظالمة، بل إن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي منَّ عليك بالإسلام والإيمان، إن كنت صادقاً فلا تمنّ على أحد بطاعتك وعملك وإسلامك (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(الحجرات:17).
    فإذا شهدت قضاء الله وقدره فيمن يخالف الإسلام، وشهدت قضاء الله وقدره فيمن يطيع الله -سبحانه وتعالى-، وتعبدت الله بمقتضى ذلك من شهود فضله وشهود ملكه، وأنه -سبحانه وتعالى- هو الذي بيده الأمر كله، وله الحمد كله وبيده الخير كله -سبحانه وتعالى-، وإذا علمت أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وشهدت ذلك شكرت نعمة الله -سبحانه وتعالى- عليك.
    ثم هذا الشهود لقضاء الله وقدره وملكه وسلطانه وربوبيته هو الذي يجعلك تنتقل إلى مشهد الاستعانة، حيث طلب العون من الله وحده لا شريك له، وهو من أشرف المقامات في مراتب العبودية، وهى إحدى العبادات، ولكن ذكرت هذه العبادة مؤكدة بعد دخولها في عموم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فأمرنا الله -سبحانه وتعالى- أن نقول: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مع أن الاستعانة عبادة لله -سبحانه وتعالى-؛ لأنه بدونها لا تتم العبادة، لأنه بدون الاستعانة بالله وبدون توفيقه لا تكون العبودية له -سبحانه-، استعينوا بالله... ومن أين تحصل هذه الاستعانة؟ من شهود أن الأمر بيد الله، وأن الملك ملكه، وأن الخلق كلهم نواصيهم بيده.
    اسمع إلى قول المستعين حقاً بالله -سبحانه وتعالى- من أنبياء الله -عز وجل- وكيف كان موقفهم ممن يمكرون بهم؟ اسمع إلى قول الله -عز وجل- عن نوح -عليه السلام- فيما ذكر عنه فيما قال لقومه أنه قال: (يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ)(يونس:71)، لا يقول لهم: كفوا عنى أو ابتعدوا عنى، ولا تؤذوني، وإنما يقول لهم: اجمعوا كل ما عندكم أنتم وشركاؤكم وكيدوني بكل ما تقدرون عليه من كيد ولا تؤخروني لحظة، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن عليكم أمركم غمة، لا تترددوا (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ) لأنه توكل على الله -عز وجل، سبحانه وتعالى-.
    وقال هود -عليه السلام- مثلها حين قال قومه له: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ)(هود:54-55)، (كِيدُونِي) أي اجتمعوا على كيدي (ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ) أي لا تؤخروني ولا تعطوني مهلة، لماذا؟ (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(هود:56)، سبحان الله... هذا القدر العظيم من التوكل على الله والاستعانة بالله جعله يحثهم -استهتاراً بمكرهم واستهانة بملكهم وتخطيطهم- يحثهم على أن يكيدوا له وأن يجتمعوا على ذلك، لأنه متوكل على من خلق كلهم نواصيهم بيده (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا).
    كان يدعو النبي ]- بمثل ذلك كل ليلة، عندما يقول قبل أن ينام: (اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها)رواه مسلم، -وفى الرواية الأخرى: (أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنى الدين وأغنني من الفقر)رواه أبو داود، وصححه الألباني.
    وبذلك نقول أن الاستعانة تحصل في قلب العبد إذا استشعر أن الله هو الذي بيده نواصي الخلق، أمورهم كلها بيده، وكذلك إذا استحضر أنه ملك لله يفعل به ما يريد، وهو مطلوب منه أن يفعل ما أمر به من العبادة.
    قال النبي ]- لمعاذ -رضي الله عنه-: (والله إني لأحبك فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود، وصححه الألباني، فأنت تستعين بالله على أن تظل ثابتاً وعلى أن تظل عابداً شاكراً (أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
    قد طلب موسى -عليه السلام- المؤازرة بهارون، لكي يسبحا كثيراً قال: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي . هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا . قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)(طه: 29: 36).
    فالاستعانة بالله -عز وجل- تنبع من شهود أن الأمر بيده، من شهود القضاء والقدر، ومرتبة الاستعانة -أي طلب العون من الله- إنما هي استعانة على عبادته -سبحانه وتعالى-، والله -عز وجل- جعل الناس في هذه المنزلة مراتب وأنواعاً، فمنهم من يستعين بالله -سبحانه وتعالى- على قضاء مصالحه الدنيوية فهو يتوكل على الله في أمر الرزق، وفى أمر الأولاد، وفى أمر الوظيفة، وفى أمر العمل وغير ذلك، وهذا وإن كان حسناً إلا أنه ليس فقط هو المطلوب.
    وكثير من الناس يستعين بالله -عز وجل- ويدعوه لنيل المحرم والعياذ بالله، فهو يتوجه إلى الله وليس في باله أن يطيع الله -عز وجل-، ربما وجدت من يخرج لأكل الربا يقول توكلت على الله ونجده فعلاً يسأل الله التوفيق في هذا العمل، لأنه حصل له الجهل المركب والعياذ بالله، ولم يعبأ بأن يبحث عن الشرع، ولم يتعلم شرع الله -سبحانه وتعالى-، ولذلك ظن الجاهل أنه يتوكل على الله لنيل معصية وربما حصل له ذلك.
    وإبليس لم يتوجه لغير الله لطلب المد في عمره، قال: (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(ص: 79)، من سأل؟ ربنا -سبحانه وتعالى-، وأعطاه الله ما سأل والعياذ بالله، لماذا؟ لكي يستعين بهذا العمر الطويل على إضلال الناس، على محاربة الله، يا للعجب!! أيظن أن الله لا يدرى ولا يعلم ما في نفسه حتى كتم هذا الأمر إلى أن تأكد أن الله أنظره فقال: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُم ْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)(ص:82-83)، لكنها نوعية عجيبة، ونوعية من المخلوقات غريبة، تستعين بالله على الكفر به ومعاداته ومعصيته وتطلب منه وتستعين به على ذلك، نوعية غريبة، لكنها موجودة بالفعل ولا تسغربها.
    وأعلى الناس قدراً في أمر الاستعانة هو من يستعين بالله على عبادته... على طاعته... لأنه يعلم أنه لا يقدر على الطاعة إلا بتوفيق الله -سبحانه وتعالى-.
    فالله -سبحانه وتعالى- يحب من يذكره فهذا الأمر الأول: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ)(الأعراف:128)، أما الأمر الثاني: (وَاصْبِرُوا)(الأعراف:128).
    فتأمل معي في استنفسار من يحاربون المسلمين بالفعل في كل المشارق والمغارب ألا يصيبهم من الجراح والقتل والمتاعب والشقاء؟ يصيبهم كثيراً وأمراض وبلاء، ومع ذلك هم على ما هم عليه صابرون، فهناك من يصيبه ذلك وهو في إثم عاقبه، وهناك من تسلب صحته جزاء إفراطه في ظلم الناس ويبدل بها ضعفاً.
    أخ من الأخوة بالأمس يحكى لي يقول: أجل كان من شهرين أو من شهر ونصف في كمال القوة والعافية، وكان من عادته أن يظلم كثيراً من الناس، فيقول: مررت به الأسبوع الماضي وقد أصيب بورم -يعنى سرطاني- فأخذت حنجرته كلها وأصبح في هزال شديد، من شهر ونصف فقط.
    وهناك من يجيء له الألم بسبب طاعة الله -سبحانه وتعالى- وهذا في الحقيقة ألم له مرارة، ولكن حلاوة الطاعة أذابته.
    نقول أن أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة، مجتمعة فيمن يطيع الله -سبحانه وتعالى- في وقت الشدة، لماذا؟ لأنك أثناء الشدة تحتاج إلى صبر شديد، الكل يريد أن يبعدك عن الطاعة، ابعد عن هذه الطاعة كي تسير حياتك بسهولة، لا والله الحياة لا تسير بسهولة بغير طاعة، وإن ظن الناس أنهم يعيشون حياة سهلة، فانظر والله على متاعب الناس الذين ابتعدوا عن الإسلام وابتعدوا عن الدين، هل يعيشون حياة سهلة أم ضنكاً؟!
    والله إنها حياة ضنكٍ وشقاء بأنواعه، حتى الأغنياء وحتى الملوك والرؤساء والكبراء، وحتى السادة المبرزون المشهورون فإن حياة الضنك تحيط بهم كما توعد الله فقال: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)(طه:123-126)، ولو لم يكونوا في ضنك فلماذا يشربون الخمر؟! ولماذا يستعملون المخدرات؟! ولماذا يريدون أن يسيحوا في الأرض وينطلقوا بحثاً عن اللذات؟ لو أن الإنسان كان سعيداًً فلماذا يبحث عن أسباب أقوى للمتعة؟ لماذا يغيب عقله؟!
    ثم ننتقل بعد ذلك إلى مقام الصبر، الصبر بأنواعه الثلاثة: وهى مجتمعة في من يطيع الله، في فترات الشدة والمحن، هي مجتمعة بالفعل، لأن الصبر صبر على الطاعات: وهو أعلى أنواع الصبر، وصبر عن المعاصي: وهو حبس النفس عنها، وصبر على أقدار الله المؤلمة، والإنسان تصيبه أشياء مؤلمة. على أي الأحوال لا تخلو الحياة من ألم، منذ نزل آدم -عليه السلام- والإنسان يشقى، الدنيا فيها ضنك، لا بد من وجود ألم في الدنيا، ولكن من الناس من يجرى عليه الألم وهو في معصية الله، وهناك من يجرى عليه الألم بغير طاعة ولا معصية، بل مصيبة تصيبه، وهناك من يجري عليه الألم من الكفار وهم في الكفر -والعياذ بالله-.
    أما الصبر عن المعاصي فالكل يدعوك إلى المعاصي، وانتشار الفساد يجعل المعصية سهلة، يجعل المعاصي في متناول كل إنسان، إذا أراد شاب مثلاً: أن ينال من فتاة شيئاً أيصعب عليه ذلك في وسط هذا الكم الهائل من التسيب والانحلال والإباحية؟ ولذلك فالصبر في هذا المقام أعظم من الصبر عن هذه المعصية في مجتمع مسلم كل الفتيات فيه محجبات، والرجال فيه -رجال- يمنعون نساءهم من الاختلاط المحرم الفاسد، ويمنعون بناتهم وأخوتهم ذلك، المجتمع كله يذم من يزني ويذم من ينظر ويذم من يعاكس، ويتوعده بالعقاب، أي الصبرين أعظم؟!
    مع ما يوجد في المجتمع المسلم وهو مأمور بالصبر وكان ثوابه عظيماً، فكيف في وسط الفساد المنتشر في الأرض المبثوث في كل مكان، الذي يسهل معه أن ينال ما يريد إذا لم يكن يتقي الله -سبحانه وتعالى-.
    أما الصبر على أقدار الله المؤلمة فإنما يصيبه بسبب طاعته، لأنه يتوعد ويخوف (وَيُخَوِّفُونَ َ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)(الزمر:36)، وقد يصيبه في ذلك فيحتسب عند الله -سبحانه وتعالى-، ويصبر ويكون بذلك قد حصل أعظم أنواع الصبر.
    استعينوا بالله واصبروا: هذه الكلمة الخالدة التي يحتاجها كل مسلم عبر التاريخ ثم يورث الله -سبحانه وتعالى- الأرض لعباده المتقين، قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(السجدة:24).
    اليقين بوعد الله -سبحانه وتعالى- والصبر على دينه في فترات الشدائد، كل ذلك من أعظم الواجبات، عندما يقال لك ما قيل للرسل من قبل، عندما تقبل على الالتزام بطاعة الله -سبحانه وتعالى- يكون اليقين بوعد الله من أعظم مقامات العبادة، والإيمان أن توقن أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، توقن أن العاقبة للمتقين، لا تغتر بما يرى من بداية: ترى فيها الموازين لصالح الكفر، وترى القوى في العالم بأسره بأيدي المشركين، والله إن ذلك اختبار لك لكي تستحضر ما أخبر الله -سبحانه وتعالى- به من أن المؤمنين هم المنتصرون، وتتذكر ذلك لتزداد يقيناً بوعد الله، هذه الآية الكريمة من المبشرات: (إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(الأعراف:128).
    قال -عز وجل- في معنى هذه الآية آيات كثيرة لكي نستيقن بوعد الله -سبحانه وتعالى-، قال -عز وجل-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ)(الأنبياء:105- 106)، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ) أي في جنس الكتب المنزلة على الأنبياء وهي: الكتب التي تزبر -أي تكتب- (مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أي من بعد كتابه ذلك في اللوح المحفوظ (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، العبادة والصلاح وصف الوارثين للأرض.
    إذاً حقق الصلاح واجتهد في العبودية لكي تكون ممن يرث الأرض كما قال بعدها: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ)، إذاً نحتاج في هذا المقام إلى الاجتهاد في العبادة، وإلى أن نكثر من الصلاة والصيام والدعاء والتضرع إلى الله -سبحانه وتعالى- وخصوصاً إذا خوفت كما قال -عز وجل-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(آل عمران:173- 175).
    لذلك أنت تحتاج إلى تتبع رضوان الله، افعل ما يرضي الله... أكثر من الطاعة... أكثر من العبادة، ومن الذكر ومن الدعاء... فإن ذلك من أعظم ما يعينك على الثبات على دين الله -سبحانه وتعالى.
    ومن أعظم ما يحتاج إليه المؤمن أن يكون مع إخوانه في الله، يوثق علاقته بهم، ويتعاون معهم على نصرة الدين وإقامة شرع الله، ولا يبتعد عنهم.
    فمجتمعنا الذي كان في يوم من الأيام مجتمعاً مثالياً يعيش الناس فيه بالإسلام وللإسلام ينجو بأفراده وجماعاته لا يعبأ بالفتن، ولا تنال منه المحن، ولا تستميله الشهوات، ولا تضله الشبهات، ابتَعد شيئاً فشيئاً عن حقيقة الالتزام بدين الله ولم يبق منه على الخير إلا بقية قليلة لاذوا بقوارب النجاة وتحصنوا بالدعوة على الله وملازمة المساجد ومصاحبة أهل الخير ممن يدعون إلى إقامة دين الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بحكمة وبصيرة، وهؤلاء هم الأحياء -أحياء القلوب- الذين نجوا بسفينة السنة، وفطنوا لشراك البدعة فأفلتوا منها.
    نحن كنا كركاب سفينة كبيرة، ولكنها غرقت وبقيت لنا قوارب نجاة يجتمع فيها بعض من يلتمس النجاة وأسماك القرش في البحر المتلاطم الأمواج تحيط بقوارب النجاة من كل جانب وتنهش في جوانبه، وهى ليست كالسفينة شديدة محكمة، بل هي مطاطية، أسماك القرش ربما تأخذها من جوانبه وتفزع كل من فيها، ومع ذلك أتظنون عاقلاً يقول: أسماك القرش تحيط بالقارب وأنا أريد إنقاذ نفسي، سوف ألقي بنفسي في البحر، أيكون عاقلاً هذا الذي يلقي بنفسه وسط الأسماك ويترك قارب النجاة الوحيد؟؟!!
    لا شك أنه هالك قبلهم، وأسماك القرش تفعل ذلك لكي يلقي الناس أنفسهم إليها لكي يأكلوهم أكلاً، وأما العاقل فهو يسعى إلى سد ثغرات القارب ونزح المياه التي تأتي عليه من البحر. لا شك أن أمواج الفتن عالية ورياحها عاتية والأخطار محدقة ونذر الهلاك كثيرة.
    لكن لا بد أن نتعاون على حفظ هذا القارب، المجتمع الذي كان في يوم من الأيام مجتمعاً مثالياً يعيش الناس فيه بالإسلام وللإسلام منذ مئات السنين غرق تدريجياً إلى أن صار بعيداً عن حقيقة الالتزام بالإسلام، وبقيت فيه قوارب النجاة وهى من يدعو إلى الله -عز وجل- ويلتزم من أهل المساجد ومن أهل الخير وممن يدعون إلى إقامة دين الله، فهذه قوارب النجاة، أما أسماك القرش حولك -وهي أهل الفتن- الذين يقولون لك:
    "ابتعد عن هؤلاء لكي تطمئن"، لماذا هم المقصودون؟ لأنهم هم الباقون لأن الآخرين قد غرقوا، لا يريد أحد أن يبحث عن هؤلاء الموتى وإنما يريدون هؤلاء الأحياء -أحياء القلوب- لذلك الخطر كل الخطر أن تذهب بنفسك إلى أمواج الفتن، وأن تبتعد عن أسباب طاعة الله -سبحانه وتعالى-.
    هذه أمور لا بد أن تكون على بينة منها لكي تثبت على دين الله -سبحانه وتعالى-، وكي تستمر على طريق الهداية رغم كل أنواع المعوقات والعقبات التي تموج بنا في الطريق.
    وكذلك وصية أخرى نختم بها كلامنا، أعظم ما يحيى القلب هو ما أنزله الله روحاً من عنده: "كتاب الله -سبحانه وتعالى-"، لا بد أن نستمد منه الحياة: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ)(الشورى:52-53).
    ولا أعني بذلك مجرد تصحيح اللسان وحفظ الحروف والكلمات -وإن كان ذلك هو الخطوة الأولى اللازمة-، ولكن لا بد بعدها من التدبر وإمرار الآيات على القلوب (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ)(ص:29)، وليكن تصحيحك للحروف والكلمات وسيلة إلى تدبر قلبك لها، كما قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- للنبي ]-: (لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيراً)، أي لزينت لك القرآن بصوتي تزييناً، وأنت تريد بتصحيح الكلمات والحروف أن تتفهم القرآن أكثر، لأن من لا يحسن القراءة ربما يفوت على نفسه خيراً كثيراً من التدبر في القراءة بسبب عدم إتقانه للقراءة.
    فنصيحتي إلى إخواني وأبنائي الشباب: أن يستغلوا هذه الفرصة، فأنت في مرحلة يمكنك أن تحفظ، ولكن كما ذكرت لا يكون همك أنهم سيقولون عنك متقن أو ستعطى إجازة تفخر بها وتعلقها على الجدران، أو تعمل بها في أوقات تحتاج إلى العمل فيها.
    ولكن اجعل ذلك وسيلة إلى الغاية المقصودة فإنما أنزله الله للتدبير (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ).
    نسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا منهم، وأن يثبت قلوبنا على دينه، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك واجعلنا من عبادك المخلصين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .
    صوت السلف

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    المشاركات
    824

    افتراضي رد: الاستعانة بالله نعيم القلب

    لها تكملة تابغونا ان شاء الله

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •