شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)

    شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    أُصُولُ الفِقْهِ: دَلَائِلُ الفِقْهِ الإِجْمَالِيَّة ُ، وَقِيلَ: مَعْرِفَتُهَا.
    وَالأُصُولِيُّ: العَارِفُ بِهَا، وَبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِهَا ، وَمُسْتَفِيدِهَ ا.
    وَالفِقْهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المُكْتَسَبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّ ةِ.
    وَالحُكْمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ.
    وَمِنْ ثَمَّ: لَا حُكْمَ إِلَّا للهِ.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي الكلام في المقدمات:

    (الكَلَامُ فِي المُقَدِّمَاتِ):
    المقدمات: المقدِّمات جَمْع مقدِّمة، وفي دالها حركتان:
    الكسرُ؛ على الفاعلية؛ فإنها تُقَدِّم إلى الشارع في أمر من الأمور ما يتوقَّف عليه شروعُهُ فيه.
    والفتحُ؛ على المفعولية، على معنى أن الطالب يقدِّمُها بين يديه؛ نَظَرًا وتأمُّلا قبل شروعِهِ في بحث ما يتوقف على تلك المقدمة، والمعنى العرفي للمقدِّمة يرجِّح ضبطها بالكسر على الفاعلية.
    وأما في استعمال العلماء: فأشهر مَنِ استعمل المقدِّمة مصطلحًا -: الحكماءُ والمناطِقَةُ، ويريدون بها جزءَ الدليل، الذي يلزم من التسليم به مع غيره التسليمُ بغيرهما، والقياس الصوري عندهم يحوي مقدمتين على الأقلِّ، يَنتج من التسليم بهما التسليمُ بنتيجة القياس؛ كقولهم:
    ـ العالم حادث.
    ـ كل حادث فله محدِث.
    فينتج:
    العالم له محدِث.
    والمعنى العامُّ للمقدِّمة، المستفيضُ استعمالُهُ في العلوم، لا سيما في مقدمات الفنون ومقدمات الكتب -: أنها: ما يتوقف عليه الشروع في غيره، والمقدمة مأخوذة من الجزء الأماميِّ للجيش العظيم، المتقدِّم على غيره؛ فإن الخميس عندهم: الجيش العظيم الذي يتألف من خمس كتائِبَ؛ هي: القلب، والجناحان (المَيْمَنَةُ والمَيْسَرَةُ)، والمقدِّمة، والساقة.

    وأما مقدمات جمع الجوامع: فهي المباحث التي ينبغي للباحث فهمُها وتحصيلُها قبل الشروع في فن الأصول، فإن النفس لا تتوجه إلى طلب المجهول من كل وجه، لكنها تطلب ما تعلمه علما إجماليا، فتطلب علمه على وجه التفصيل؛ كأنْ تُلِمَّ النفسُ بأهمية علم من العلوم؛ فيدعوها علمُها بقيمته إلى تفهُّمِهِ وعلمِهِ على وجه التفصيل.
    ومقدمات أصول الفقه: هي المباحث المَعْنِيَّة بالحكم الشرعي الذي يهدُفُ أصولُ الفقه إلى بيانِ طُرُقِ تحصيلِهِ، ومسالِكِ استنباطِهِ، ولما كان الحكم على الشيء فرعا عن تصوُّرِهِ، احتاج الأصوليُّ - قبل تعلُّم الأصول وقواعده - إلى العلم بالحكم الشرعي؛ ليدرك قيمة ما هو بصدد تحصيله.
    وموضوعات مقدمة الأصول: تبدأ بمقدِّمةٍ في المصطلحات والمفاهيم (كتعريف أصول الفقه، والفقه، والحكم الشرعي)، يَعقبها بيان الحكم الشرعي، حقيقته، ومقوماته، ومصادره (الشرع، أو العقل، أو هما معا)، وأنواعه (التكليفي، والوضعي)، وأحكام كل نوع.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي تعريف أصول الفقه:

    (أصول الفقه: دلائل الفقه الإجمالية، وقيل معرفتها):
    بدأ المصنف بتعريف أصول الفقه ليكون الطالب على بصيرة بما يطلبه، حتى لا يشرع فيما لا يتصوَّرُهُ، أو يعلمُ قيمتَهُ، فإن العلم بحقيقة هذا الفن وقيمتِهِ يُنَشِّط النفس لطلبه، ويدفع طالب العلم إلى بذل المجهود في سبيل تحصيله.
    وقد اقتصر المصنف هنا على شرح المعنى اللَّقَبِيِّ لأصول الفقه، باعتبار أصل الفقه لَقَبًا على العِلم المخصوص، وقد يُخَرَّجُ هذا الصنيعُ على مناسبته لطبيعة المَتْنِ المبنيِّ على الاختصار، وترك التوسُّع بعد ذلك للشروح، وقد عُنِيَ الأصوليون في مصنفاتهم ببيان معنى أصول الفقه باعتباره مركبا إضافيا قبل تعريفه بالمعنى اللَّقَبِي، ؛ للإشارة إلى وجه التسمية، وإلى الثمرة، إذ الاصطلاحات الفنية المتوافَق عليها يطَّرِد فيها لَمْحُ معنى الأصل المنقولة منه، إذ الاصطلاحات إنما هي إطلاق الأسماء على معان خاصة بالنقل، والمنقولات لا تطلق إلا بعد مناسبة بين المنقول إليه والمنقول منه؛ إما بوضوح؛ لكون المنقول إليه جزئيا من المنقول منه؛ كالصلاة في لسان الشرع، وهو غالب المنقولات، وإما بخفاء؛ كإطلاق الجوهر على الذات عند الفلاسفة؛ لأنها لنفاستها وقيام الأعراض بها أشبهت الجواهر، (وانظر بسط الكلام في ترجيح هذه الطريقة في نفائس الأصول للقرافي: 1/111-113، التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح للعلامة محمد الطاهر بن عاشور: 1/25).
    والدلائل: جمع دَلَالَةٍ، وفيها ثلاث لغات: الفتحُ، والكسرُ، والضمُّ، غير أن لغة الضم منها تقلب ألفها واوا؛ فتكون: ((الدُّلُولَة))، وقيل هي جميعا بمعنًى، والفتح أفصحها، وقيل بالتفريق بينها، باختصاص الفتح بالمعنويات؛ كدلالة الدليل على مدلوله، والكسر بالحسيات؛ كدلالة العَقْدِ على الأرقام، والأعلام على حدود البلدان، وأكثر اللغويين لم يذكروا لغة الضم.
    وقد كان الأَوْلَى للمصنف - رحمه الله تعالى - أن يعرِّف الأصول بأدلة الفقه الإجمالية لا بالدلائل:
    لأن الأدلة هي المرادة في هذا السياق، لا الدلائل:
    ومن غريب ما يُذكَر هنا: أن والد المصنف الإمامَ تقيَّ الدين السبكيَّ الكبيرَ – رحمه الله تعالى - قد انتقد تعريف الأصول بالدلائل؛ فقال – في شرح تعريف البيضاوي لأصول الفقه -: ((وقول المصنف: ((دلائل)): لو قال: ((أدلة)) كان أحسن؛ لأن ((فَعِيلًا)) لا يُجمَع على: ((فعائِلَ))، إلا شاذًّا)). الإبهاج في شرح المنهاج: (1/24-25)، والمصنف مع ذلك لم يتعرض لاستخدامه هذه اللفظة بتعليل في منع الموانع.

    (الإجمـاليـة):
    المراد بالإجمالية الكلية، التي تستخدم في استنباط الأحكام بواسطةٍ، بخلاف الدليل التفصيليِّ المستخدَمِ في استنباط الحكم الشرعي مباشَرَةً، بدون واسطة؛ فاستدلال الفقيه على تحريم الميتة بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}: تدخل الآية في استدلاله بشكل مباشر؛ فإن استفادة التحريم من هذه الآية مباشرة، فتكون الآية دليلا تفصيليا، والدليل الإجمالي غير المباشر في هذه العملية الاستدلالية، هو: ((القرآن كلام الله تعالى؛ فيكون حُجَّة في استفادة الأحكام الشرعية منه))، فحجية القرآن دليل كُلِّيٌّ مُرَاعًى في استنباط الأحكام من الأدلة التفصيلية.
    وتفسير وصف إجمالية الأدلة بالكلية أولى من تفسير أبي الحسين البصري للإجمال – في هذا السياق - بعدم التعيين؛ حيث قال: ((فإن قيل: فما معنى وصفكم أصول الفقه بأنها طرق الفقه على جهة الإجمال؟:
    قيـل: معنى ذلك أنها غير معيَّنَةٍ؛ ألا ترى أنا إذا تكلمنا في أن الأمر على الوجوب، لم نُشِرْ إلى أمرٍ معيَّنٍ))؛ انتهى من المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري: (1/10)، وانظر: تشنيف المسامع: (1/81):
    فإن أدلة الفقه معيَّنَةٌ في نفسها؛ كالكتاب والسنة والإجماع والقياس،،، وغيرها، لكنها عامَّة كلية، لا جزئية تفصيلية.
    وقد اختلف الأصوليون في تحديد موضوع أصول الفقه على أقوال؛ أهمها:
    ـ أن موضوعه: الأدلة.
    ـ أن موضوعه: الأحكام.
    ويسوق الأصوليون في مصنفاتهم ترجيحات بين القولين، مع أن القولين ليس بينهما تعارُضٌ – صَرَّحَ بذلك العلامة الشنقيطي في نثر الورود: 1/32، وكذا في مُذَكِّرتِهِ على روضة الناظر - وذلك لأن موضوع كل عِلْمٍ يتضح ببيان مقصد العلم ووظيفته؛ فالطبُّ وظيفته العناية ببدن الإنسان صحَّةً ومرضًا، وقايَةً وعلاجًا، فكان موضوعه بدن الإنسان، من حيث ما قد يعتريه من أمراض وأسقام، وطُرُقُ علاجِها، وسُبُلُ الوقاية منها قبل حدوثها؛ فكذلك علم أصول الفقه؛ فإن وظيفته ومَقْصِدَهُ بيانُ القواعد ورسم المنهج الذي يستطيع المجتهد بإعماله أن يتوصَّلَ إلى الأحكام الشرعية المستفادة من الأدلة التفصيلية.
    وتأسيسا على ذلك: يكون موضوع أصول الفقه: أدلة الفقه من حيث كونها موصِّلَةً إلى استنباط الحكم الشرعي:
    ولهذا يَحسُن تقييد تعريف أصول الفقه بأنه: ((أدلة الفقه الإجمالية من حيث كونها موصلة إلى الفقه))؛ وذلك لأن أدلة الفقه الإجمالية لها اعتبارات أخرى لا يبحثها الأصولي؛ فالكتاب – من أدلة الفقه الإجمالية - يَبحث فيه المفسِّرُ باعتبارات أخرى؛ كبحث إعجاز القرآن، وبلاغته، وطريقة نزوله، وتجزيئه وتحزيبه وتربيعه، وأسباب نزوله،،، إلى آخر مباحث علوم القرآن، وكذلك السنة النبوية وغيرها من أدلة الفقه الإجمالية.
    وقد يستغنى عن المطالبة بهذا التقييد لحد الأصول؛ بالنظر إلى إضافة الأدلة إلى الفقه، فينظر إلى الأدلة من جهة كونها أدلة الفقه دون غيره، وإن كان في التقييد رفع الالتباس، وإن كان المصنف نفسه راعى مثل هذا القيد في تعريف الحكم الشرعي؛ حيث عرفه بأنه: ((خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ))، وسيأتي قريبا بيان هذا القيد وقيمته في بابته.
    وأنواع الأدلة الإجمالية تذكر باعتبارات مختلفة:
    فتُصَنَّفُ باعتبار مصدرها إلى:
    أدلة أصلية؛ وهي: الكتاب والسنة.
    وأدلة ثانوية: ويدخل فيها سائر الأدلة الإجمالية من الإجماع والقياس والأدلة المختلَف فيها؛ فإنها جميعا راجعة إلى الكتاب والسنَّة، ومستفيدةٌ حُجِّيَّتَهَا منها.
    وتصنف باعتبار قوة الدلالة على مدلولاتها إلى:
    أدلة قطعية: وهي ما كان من الكتاب قطعيَّ الدَّلالة؛ كالعدد والمؤكَّد ونحوهما مما لا يقبل الصرف عن معناه الوضعي بنحو مجاز أو تأويل، ومن القطعي أيضا خبرُ التواترِ القطعيُّ الدَّلالة، وكذلك الإجماع بإطلاق؛ فإنه لا يكون إلا قطعي الدَّلالة.
    ظني الدَّلالة: ويحوي سائر الأدلة من غير ما ذكر في الفقرة السابقة.
    وتصنف باعتبار مصدرها إلى:
    الأدلة النقلية: وهي الأدلة المعتمدة على السمع والخبر، ويشمل هذا النوع الأدلة النقلية؛ من الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي، والعرف.
    الأدلة العقلية: ونعني بها الأدلة العقلية الخالصة، غير المستندة إلى النقل، ويدخل فيها القياس العقلي المصلحي؛ فإن قوامه النظر العقلي في تقدير المصالح والمفاسد، والترجيح بينهما عند التزاحم.
    الأدلة العقلية النقلية (المركبة): وهي الأدلة المستفادة من إعمال العقل في فهم الدليل النقلي للوصول إلى الحكم الشرعي، ويدخل فيها قواعد فهم النصوص، وهو ما يعرف عند الأصوليين بباب دَلالات الألفاظ، كما يدخل فيها القياس الفقهي (قياس التمثيل)، وغيرها.
    وتصنف باعتبار اعتمادها لدى الأصوليين إلى:
    الأدلةُ المتفَقُ عليها: وأفرادها الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
    الأدلةُ المختلَفُ فيها: وأفرادها سائر الأدلة غير الأربعة المتفَق عليها؛ ومنها: الاستصحاب، والاستحسان، والاستقراء، والمصلحة المرسلة، العرف، قول الصحابي، شرع من قبلنا،،، وغيرها، ويجمعها عند بعض الأصوليين بابُ الاستدلال، وقد توسع بعض الأصوليين في تعداد الأدلة المختلَف فيها؛ حتى أوصلها بعضهم إلى بضع وعشرين دليلا، وأدخل فيها كل وجه للاستدلال لأدنى ملابسة، حتى أَحْصَوْا منها الرؤيةَ، والإلهام، والاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول، والأخذ بأقل ما قيل، وبأكثر ما قيل، والعمل بالأحوط، والعمل بالظاهر، والقرعة، وشهادة القلب، وتحكيم الحال، وعموم البلوى،،، وغيرها، ومن أكثر من توسع في عدِّ الأدلة المختلف فيها الإمام الخادمي في كتابه النافع: ((مجامع الحقائق والقواعد وجوامع الروائق والفوائد)).
    ومن الجدير بالذكر في هذا السياق: أنه كان من المتوقع للأصوليين أن يُعْنَوْا ببحث منهج الاستدلال الأصولي، وهو ما يسمى في الفلسفة الحديثة بنظرية المعرفة؛ فيتعرضوا لمباحث من مثل: طبيعة المعرفة، وإمكان المعرفة، وآلة المعرفة، والطرق الموصلة إلى معرفة القواعد الأصولية والأدلة الكلية، وحقيقة الدليل الأصولي ومقوماته، وأنواعه، ومصادرها، والترتيب بينها:
    وقد كان الأصوليون أولى من غيرهم بتحرير هذه المباحث، وصوغها في نظرية كاملة المباحث، مستوفية الأركان.
    ومن الغريب أيضا أن الأصوليين لم يتعرضوا لصياغة منهج الاستدلال الأصولي، إلا ما كان من محاولة اثنين من كبار علماء الأصول، تكلموا في مثل هذه المباحث؛ هما القاضي أبو بكرٍ البَاقِلَّانِيّ ُ في التقريب والإرشاد: (1/174-228)، وتبعه إمام الحرمين الجويني في البرهان: (1/111) وما بعدها، بدءا من عنوان: ((القول في العلوم ومداركها وأدلتها)).
    لم يهتم الأصوليون بعدهما بدراسة منهج البحث الأصولي مع أن أقطاب الأصوليون هم أنفسهم كانوا أئمة في علم الكلام، وقد تناولوا مثل هذه المباحث في مصنفاتهم الكلامية، كان أول من سلك هذا الطريق الإمام أبو منصور الماتريدي في كتابه ((التوحيد))، والمَاتُرِيدِيّ ُ نفسُهُ له كتاب في الأصول؛ هو كتاب: ((مآخذ الشريعة))، ثم تَبِعَهُ الإمام القاضي أبو بكر البَاقِلَّانيُّ ؛ فصاغ مقدمة نظرية في أحكام النظر العقلي والأدلة الكلامية وأنواعها وترجيح بعضها على بعض، في كتابه: ((التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والمرجئة والشيعة والمعتزلة))، وقد كان أحرى بالإمام أبي حامد الغزالي أن يهتم بتحرير هذه المباحث بدلا من أن يضيف المنطق الصوريَّ السِّينَوِيَّ بعُجَرِهِ وبُجَرِهِ إلى أصول الفقه.
    وأخيرا: لا يفوتني هاهنا أن أَلفت انتباه الإخوة الكرام إلى جهود الإمام العلامة أبو إسحاق الشاطبيِّ في هذا المجال في ثنايا كتابه الحافل الماتع ((الموافقات))؛ لا سيما في مقدمات الكتاب، إلا أن جهوده لم تجد من يُعْنَى بها ويكمل بحثها ليخرج لنا صياغة ناضجة للمنهجية المعرفية عند الأصوليين.

    (وَقِيـلَ: مَعْرِفَتُـهَا):
    أي: وقيل في تعريف أصول الفقه: إنه معرفة أدلة الفقه الإجمالية، اعتمد هذا التعريف ابنُ الحاجب في مختصره، والبَيْضَاويُّ في المنهاج، وعبر المصنف عنه بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه وترجيحِ التعريف الأول، وقد عقد المصنف بحثا في ترجيح تعريف أصول الفقه بالأدلة لا بمعرفتها في منع الموانع: 88-92، ، فليراجع ثمَّة.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي تعريف الأصولي:

    (وَالأُصُولِيُّ: العَارِفُ بِهَا وَبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِهَا وَمُسْتَفِيدِهَ ا):
    الأصولي:المنسوب إلى احتراف فن أصول الفقه؛ كالنَّحْوِيِّ، والعَروضي، والأخباريِّ، والأصل أن النسبة تكون بإضافة ياء النسب المشدَّدة إلى المفرد، ولا تكون النسبة إلى الجمع إلا إذا كانت النسبةُ إلى المفرد غيرَ مأمونةِ الالتباس بغيرها؛ كالنسبة إلى الأنصار، بالأنصاري، بدلا من النسبة إلى المفرد لالتباس النسبة إلى المفرد بالنصارى، ومن النسب الحديثة إلى الجمع النسبة إلى مقاصد الشريعة؛ فيقال: ((المقاصدي)).
    والمراد بالأصولي: المرء الأصولي، من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وهو كثير في لغة العرب، ومن شواهد قول طَرَفَةَ بنِ العبد – في وصف ناقته من معلقته –:

    وَإِنِّي لَأُمْضِي الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ *** بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي

    أي: بناقة عوجاء، ومنه قوله أيضا:

    تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ *** وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ

    أي: تباري نوقا عتاقا:
    ومن شواهد حذف الموصوف والاكتفاء بالصفة في القرآن الكريم – وهي كثيرة - قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ}؛ أي: إلا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا لقتال، أو رجلا متحيزا إلى فئة.

    فالأُصُـولِيُّ: هو العارف بأدلة الفقه الإجمالية، التي من أفرادها تُستَمَدُّ الأحكام الشرعية.
    العارف بطرق استفادتها، وفسَّر الزركشيُّ في ((التشنيف)) طرق استفادتها بباب التراجيح بين الأدلة، أي: ترتيب الأدلة عند التعارض، وتقديم الراجح منها على المرجوح، والأقوى على القويِّ؛ ثبوتا ودَلالة، والأَوْلَى تفسيرُ الطُّرُقِ هنا بما هو أعمُّ من ذلك؛ ليشمل ما ذكره الإمام الزركشيُّ، وليشملَ معه طُرُقَ استثمار الحكم من الدليل، المعروف عند الأصوليين بباب دَلالات الألفاظ، فإن فيها رسما لطريق استفادة الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي، وبدونها لا تفيد الأدلة أحكاما؛ فإنها الواسطة بينهما، والقنطرة الواصلة لهما.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي تعريف الفقه:

    (وَالفِقْـهُ: العِلْمُ بِالأَحْـكَامِ الشَّرْعِيـَّةِ العَمَلِـيَّةِ المُكْتَسَـبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيـلِيّ َةِ):

    (الفِقْـهُ: العِلْمُ):
    ـ عَرَّفَ الفقه بالعلم؛ مراعاةً للعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ إذ المنقولات لا تطلق إلا بعد مناسبة بين المنقول إليه والمنقول منه، يشهد لهذا المعنى ما ينسب إلى عبد المُطَّلِبِ في تسمية نبينا – صلى الله عليه وسلم – محمَّدًا، وقد سئل عن ذلك، فأجاب: ((ليكون محمودا في الأرض والسماء))، ومن شواهد هذا المعنى قول شاعرهم:

    سَمَّيْتُهُ يَحْيَى لِيَحْيَى وَلَمْ يَكُنْ *** إِلَى رَدِّ أَمْرِ اللهِ فِيهِ سَبِيلُ
    تَيَمَّمْتُ فِيهِ الفَأْلَ حِينَ رُزِقْتُهُ *** وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الفَأْلَ فِيهِ يَفِيلُ

    وقال جرير من الطويل
    فَمَا زَالَ مَعْقُولاً عِقَالٌ عَنِ النَّدَى ... وَمَا زَالَ مَحْبُوسًا عَنِ المَجْدِ حَابِسُ

    وفي العربية تضاف لام التعريف إلى بعض الأعلام للَمْحِ معنى الأصل المنقول منه العَلَمُ؛ كالعباس، والحسين، والفضل، والحارث، والنعمان، فيكون معنى اللام - حينئذ – لَمْحَ الصفةِ التي اشتق منها العلَم؛ وعقد الإمام ابن مالك هذا المعنى؛ فقال:

    وَبَعْضُ الاَعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا *** لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
    كَالفَضْلِ وَالحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ *** فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَانِ

    وأراد الإمام ابن مالك التسويةَ بينهما في التعريف والتنكير لا في المعنى، خلافا للإمام قاضي القضاة ابن عقيل - رحمه الله - الذي تعقَّب هذه التسويةَ؛ لأثر هذه اللام في تحقيق معنى لمح أصل الصفة.
    ويشهد لهذا المعنى في التشريع: الأمرُ بإحسان الأسماء، والنهيُ عن التسمية بما يشعر بتزكية النفس؛ فقد غيَّر النبي – صلى الله عليه وسلم – اسم ((بَرَّةَ)) إلى: ((زينب))، وعلله بقوله: ((تزكي نفسها))، وغير اسم ((زيد الخيل)) إلى: ((زيد الخير)).
    وفي الأدب المفرد للإمام البخاري عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن جده، أنه أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال:«ما اسمك؟» قال: حَزن، قال: «أنت سهل»، قال: لا أُغَيِّر اسما سمَّانِيهِ أبي. قال الإمام سعيد ابن المسيب: فما زالت الحُزُونَةُ فينا بعد.
    وأراني أطلت في تقرير هذا المعنى لخفائه في باب المصطلحات والمفاهيم، ولأهميته في شرح الحدود.
    وليس المراد بالعلم في حد الفقه ما اصطلح عليه المناطقة من أنه إدراك الذهن الجازم المطابق لموجب؛ بل مرادهم به مطلق حصول المعنى في الذهن، من غير حكم عليه بقطع أو ظن، وذلك لأن الفقه أكثرُهُ من باب الظنون؛ لأن القطعية تستفاد من دليل قطعيِّ الثبوت قطعيِّ الدَّلالة، فلو اعتور الدليلَ ظنٌّ من أحد جهتيه كان مدلوله ظنيا، إذ من القواعد المنطقية أن النتيجة تتبع أخس المقدمتين، فينتج عن هذا أن احتمال القطع في الأحكام نسبتُهُ نسبةُ الواحد إلى الثلاثة، فهذا دليل كون أكثر الفقه ظنيا.
    وهذا التأويل أولى من تعليل المسألة بالقطعية في لزوم العمل؛ على ما علله به إمام الحرمين في البرهان، فإن الجهة منفكَّة، فالكلام هنا في حد الفقه في نفسه، والعلم مرتبط في هذا الحد بالأحكام الفقهية في نفسها، بينما ارتبط جواب أبي المعالي بالعمل بالحكم الشرعي في حق المجتهد، وقد أشار العلامة ابن عاشور إلى ضعف هذا التخريج في حاشيته على شرح تنقيح الفصول.

    (الفِقْـهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ):
    الأحـكام: جمع حكم، وحقيقته النسبة والإضافة؛ إذ فيه إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه؛ فقولك: ((زيد قائم))، حكمٌ، وفيه نسبة القيام إلى زيد، وكذا قولك: ((زيد ليس بقائم))، حكمٌ أيضا؛ فإن فيه نَفْيَ القيام عن زيد، فيخرج بقيد الأحكام - عن حد الفقه – ما لم يحوي نسبة بين شيئين، فخرج التصور؛ لأنه إدراكٌ لمعنًى مفردٍ لا تركيبَ فيه، ولا نسبة، وسيأتي كلام المصنف في تعريف التصور والتصديق، وبيان الفرق بينهما.
    وللأحكام أنواع متعددة بحسب مصدرها، يبلغها بعضهم من الأحكام عددا، إلا أنها – عند التحقيق - راجعة إلى ثلاثة أحكام، ليس غير؛ هي:
    ـ الأحكام العقلية.
    ـ والأحكام النقلية.
    ـ والأحكام الحسية.
    ـ فالحكم العقلي: يشمل الأحكام البَدَهِيَّةَ الضروريَّةَ؛ كاستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، ووجوب إثبات السبب لكل مسبَّب، والأحكام العقلية الضرورية عاملة في مساحتى الوجوب العقلي، والمستحيل العقلي، ولا عُلْقَةَ لها بباب الإمكان العقلي، ومن الأحكام العقلية ما هو مستفاد من العلم الكسبيِّ الاستدلاليِّ، المستفادِ من النظر الذي هو حركة النفس في المعقولات، ولا يختص العلم الكسبي بوجوب أو استحالة أو إمكان؛ بل يحكم في هذه الثلاثة الأنواع.
    كما يختص الحكم العقلي بالكليات، دون الجزئيات، والقول المشهور عن العلماء اختصاصُ الإنسان بالعقل لاختصاصه بالعلم بالكليات دون غيره من سائر أنواع الحيوان، ممن أشار إلى هذا المعنى الآمدي في ((أبكار الأفكار))، والرازي في ((المطالب العالية))، وانظر خلاف هذا القول عند ابن الوزير اليماني في ترجيح أساليب القرآن، وفي: ((إيثار الحق على الخلق)).
    ـ والحكم النقلي: هو الحكم المستفاد من النَّقْل والخبر، كالتاريخ، واللغات،،، وغيرهما.
    ومما ينبغي الالتفات إليه: أن الأدلة النقلية من الكتاب والسنة، إنما هي أدلة نقلية عقليه؛ فإنها نقلية باعتبار مصدرها؛ الذي هو الوحي، وعقلية استدلالية باعتبار معناها.
    ـ والحكم الحسي: هو الحكم المستفاد من الحواس الخمس: السمع، والبصر، واللمس، والذوق، والشم، وتختص الأحكام الحسية بالأحكام الجزئية، إذ ليس للحواس إلا قضيةٌ في عَيْنٍ.
    وما سوى هذه الأنواع الثلاثة إنما هو داخل فيها، أو مركب منها؛ فالدليل الشرعي داخل في الدليل الوضعي؛ فإن الشريعة من باب الأحكام الوضعية؛ ولذلك جاز فيه التغيير بالنسخ، والتدرج في التشريع، يقول الإمام الشاطبي – في هذا المعنى-: ((الوضعيات قد تجاري العقليات في إفادة العلم القطعي، وعلم الشريعة من جملتها؛ إذ العلم بها مستفاد من الاستقراء العامِّ الناظِمِ لأشتات أفرادها، حتى تصير في العقل مجموعةً في كلياتٍ مطردَةٍ عامَّةٍ ثابتةٍ غيرِ زائلة ولا متبدِّلة، وحاكمة غير محكوم عليها)). الموافقات: (1/77).
    والأحكام التجريبية ككون النار محرقة من أفراد الحكم الحسي، والأحكام العرفية كذلك مستفادة من الحكم الوضعي، فإنها استقرار تواضع مجموعة من الناس على معنى من المعاني واطراد هذا التواضع حتى يصير عرفا مستقرا معمولا به شرعا.

    (الفِقْـهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ):
    تقييد الحد بالأحكام الشرعية أخرج ما سواها من الأحكام العقلية المحضة، والأحكام الحسية استقلالا، وإنما قيدناها بالاستقلال؛ لأن ثَمَّة أحكاما مستفادة من العقل ومن الحس، بعد اعتبار حجيتها شرعا؛ كالقياس العقلي المصلحي، والإثبات بالخبرة ورؤية الهلال، ورؤية المبيع،،، وغيرها من الأحكام العقلية والحسية المعتبرة شرعا.

    (الفِقْـهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ):
    وتقييد الحد بالأحكام العملية أخرج - من الفقه - العلمَ بالأحكام الشرعية العلمية؛ ومنها قضايا العقائد من العلم بالأسماء والصفات، وأحكام الأفعال، والنبوات، وأحكام السمعيات؛ من تفاصيل البرزخ واليوم الآخر من الصراط والميزان والحوض والجنة والنار،،، وغيرها، وإن أمكن عدُّ الأحكام العلمية العَقَدِيَّة أحكاما تكليفية باعتبار توجُّه الأمر الشرعي بالإيمان بها، وما يترتب على هذا الإيمان – بعد ذلك – من الأحكام الشرعية المبنية عليها، خاصة ما في باب الأسماء والأحكام؛ من القضايا التي يترتب عليها الحكم بإسلام صاحبها أو بكفره، أو رِدَّتِهِ.
    كما أن الأحكام العَقَدِيَّة لها ثمرة عملية لا شك فيها، وهي الأثر القلبي المترتب على الإيمان بأحكام العقائد، فإن لها أثرا بالغا في إخبات القلب وسكينته، كما أن لها أثرا عمليا في سلوك المكلف يظهر على جوارحه؛ فمن آمن بأن الله عز وجل هو الرب الخالق الرازق، لم يذل نفسه لغيره، وإذا آمن العبد بسَمْعِ الله تعالى وبَصَرِهِ وعِلْمِهِ؛ راعى هذه الإحاطة به في تصرفاته؛ فحَرَصَ على أن لا يَسمعَ الله من أقواله إلا خيرا، ولا يرى من أفعاله إلا بِرًّا، وإذا آمن بالقضاء والقدر خيرِهِ وشرِّهِ، كان له في هذا الإيمان أكبرُ العون على الصبر على نوائب الدهر، وقوارع الحدَثان.
    ومن أَجْمَعِ ما قرأته في هذا المعنى كلام الإمام عزِّ الدين ابن عبد السلام؛ حيث يقول: ((أما ما قرن بالآيات من الصفات، فإنه جاء أيضا حاثًّا على الطاعات، وزجرًا عن المخالفات؛ مثل أن يذكر سَعَةَ رحمته؛ ليرجوه؛ فيعملوا بالطاعات، ويذكُرَ شدَّةَ نقمته؛ ليخافوه؛ فيجتنبوا المخالفات، ويذكر نظره إليهم، ليستحيوا من اطلاعه عليهم؛ فلا يعصوه، ويذكُرَ تفرُّدَهُ بالضر والنفع؛ ليتوكلوا عليه، ويُفَوِّضُوا إليه ، ويذكُرَ إنعامه عليهم وإحسانه إليهم؛ ليُحِبُّوه ويطيعوه ولا يخالفوه، فإن القلوب مجبولة على حب من أنعم عليها وأحسن إليها، وكذلك يذكر أوصاف كماله ليعظموه ويهابوه، ويذكر سمعه ليحفظوا ألسنتهم من مخالفته ، ويذكر بصره؛ ليَسْتَحْيُوا من نظر مراقبته، ويجمع بين ذِكر رحمته وعقوبته، ليكونوا بين الخوف والرجاء؛ فإن السَّطْوَةَ لو أُفرِدَتْ بالذِّكر، لخِيفَ من أدائها إلى القنوط من رحمته، ولو أُفرِدَتِ الرحمةُ بالذِّكر، لخِيفَ من إفضائها إلى الغرور بإحسانه وكرامته، مثل قوله : {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم}، وقوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب}، وقوله : {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم}، وقد يجمع المدائح في بعض المواضع، ليتعرف بها إلى عباده فيعرفوه بها ويعاملوه بمقتضاها))، قواعد الأحكام في مصالح الأنام: (1/27-28).
    وقد اختار بعض الأصوليين تقييد حد الفقه بالأحكام الفرعية دون العملية، وتوسَّع المصنف – رحمه الله – في منع الموانع في ترجيح قيد العملية على الفرعية؛ وهذا تمام كلامه:
    ((وأما قولنا - في حد الفقه- ((العملية)): معقولنا: ((الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف)): فلا منافاة فيه.
    وقولكم: ((الاعتقادات الدينية؛ كأصول الدينأحكام)):
    جـوابه: أن أصول الدين منه ما يثبت بالعقل وحده؛ كوجود الباري، ومنه ما لا يثبت إلا بكلٍّ منَ العقل والسمع، وهذان خرجا بقولنا: ((الشرعية))، وتفسيرنا إياها نحن وغيرنا بما يتوقف علي االشرع، ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع؛ كمسألة أن الجنة مخلوقة،،، ونحوها:
    فنقول: المراد بالحكم: الإنشائيُّ لا الخبريُّ، وما لا يثبت إلا بالسمع ينظر إليه من جهتين:
    إحداهما: أصل ثبوته، وذلك ليس بإنشاء؛ لأن السمع فيه مخبرٌ لا منشئٌ؛ كقولنا: الجنة مخلوقة، والصراط حق.
    والثانية: وجوب اعتقاده، وذلك حكم شرعيٌّ إنشائيٌّ، وهو عندنا عمليٌّ، من مسائل الفقه، وهو داخل في قولنا: ((الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف)).
    وقولكم: هل تسمى الاعتقادات والنيات والأقوال أفعالا؟:
    جـوابه:أنها تسمى، وأما كون ذلك بالحقيقة أو المجاز، فيتوقف على نقل اللغة، والأظهر عندي أنه بالحقيقة.
    ومن هنا يُعلَم: أن عدول الآمديِّ وابن الحاجب وغيرِهما عن لفظ العملية إلى لفظ الفرعية؛ احتجاجا بأن النية من مسائل الفروع، وليست عملا ليس بجيد؛ لأنها عمل.
    فإن قلت: فلفظ: ((الفرعية))، أوضح من العملية، فلمَ لا اخترتموه؟:
    قلت: لأنه لا يدخل فيه وجوب اعتقاد مسائل الديانات التي لا تثبت إلا بالسمع؛ فإنها عندي فقه، وليست فرعية.
    وفي كلام الشيخ الإمام الوالد - رحمه الله تعالى- في شرح المنهاج ما يقتضي أن لفظ الفرعية أجود، وأن الأظهر أن وجوب اعتقاد ما ثبت من الديانات بالسمع لا يسمى فقها، ولكني لست أوافق على ذلك))، منع الموانع: (92-95).


    (الفِقْـهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المُكْتَسَبُ):

    تقييد حد الفقه بالعلم الاكتسابي؛ يراد به العلمُ النظريُّ الاستدلاليُّ، وأول من قيد حد الفقه بالاكتساب هو الإمام الرازيُّ؛ اعتمادا على ترجيح تفسير الأستاذ أبي إسحاق الشيرازي للفقه في اللغة باختصاصه بإدراك الأشياء الخفية وفهم المعاني الدقيقة (انظر: شرح اللمع للشيرازي: 1/157 (تحقيق: عبد المجيد التركي)، ونفائس الأصول: 1/119-120)؛ فإنَّ فهم الدقائق لا يتأتى إلا بنظر واستدلال، وهذا التقييد يُخرِجُ العلمَ الضروريَّ، صرح بذلك الإمام القرافي في شرح تنقيح الفصول؛ حيث عرف الفقه بأنه: ((العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَا لِ))، ثم شرح هذا التعريف؛ فقال:
    ((وَقَوْلِي: ((بِالِاسْتِدْلَ الِ)): احْتِرَازًا عَنِ المُقَلِّدِ، وَعَنْ شَعَائِرِ الإسلامِ؛ كوُجُوبِ الصلاةِ وَالصِّيامِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذلكَ؛ ممَّا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالِ، فَالعِلْمُ بِهَا لَا يُسَمَّى فِقْهًا اصْطِلَاحًا لِحُصُولِهِ لِلْعَوَامِّ والنِّسَاءِ والبُلْهِ)).
    وقلتُ في تعليقي على هذا الموضع من تحقيق شرح تنقيح الفصول وحاشية العلامة ابن عاشور عليه، يسَّرَ الله إتمامَهُ!!:
    قد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – هذا القولَ بأنه: ((لم يُعلَمْ أحدٌ منَ المتقدِّمينَ قاله، ولا احترز بهذا القيد أحدٌ، إلا الرازيُّ ونحوُهُ، وجميع الفقهاء يذكرون فى كتب الفقه: وجوبَ الصلاة، والزكاةِ، والحجِّ، واستقبالِ القبلةِ، ووجوبَ الوضوءِ، والغُسْلِ من الجنابة، وتحريمَ الخَمْرِ والفواحشِ،،، وغيرَ ذلك؛ مما يعلم من الدين ضرورةً)). مجموع الفتاوى: 13/118، واعتراضه وَجِيهٌ، له حظٌّ منَ النظر، يضاف إليه أن هذا القيد يؤول بالفقه إلى أن يرادف الاجتهاد، وهو ما لم يقل به أحدٌ)).
    وينص الأصوليون على أن تقييد حد الفقه بالعلم المكتسب يُخرِجُ العلم بالأحكام الشرعية العملية من غير طريق الاكتساب والاستدلال:
    ـ كعلمِ الله - عز وجل - بالأحكام؛ فإنه ليس علما استدلاليا؛ لشمول علم الله – تبارك وتعالى - وإحاطته بالكليات والجزئيات على السواء، فلا يحتاج إلى استدلال.
    ـ وكذلك يخرج علمُ جبريلَ عليه السلام؛ فإنه يَحصُلُ له بالخبر عن الله تعالى.
    ـ كما يخرج به علم المقلد، فإن علمه بالأحكام يحصله من المفتي مباشرة بدون نظر واستدلال.
    ـ وكذلك علم الخلافيِّ المَعْنِيِّ بأخذ الحكم مسلَّمًا به عن إمامه، ثم يعنى الخلافيُّ بعد ذلك بتقريره ودفع ما يعترض عليه به.

    (الفِقْـهُ: العِلْمُ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المُكْتَسَبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّ ةِ):

    المراد بالأدلة التفصيلية: الأدلة الخاصة بالحكم المستنبَطِ منها، المستدَلُّ بها عليه مباشرة من غير واسطة؛ فإن الاستدلال المباشر هو الفارق بين الدليل التفصيلي والدليل الإجمالي، فالكتاب دليل من الأدلة الإجمالية الأصولية، والآية المعينة دليل تفصيلي على ما يستفاد منها من أحكام.
    والضمير في قوله: ((أدلتها))، يعود إلى الأحكام، فيكون المعنى أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلة الأحكام التفصيلية، فإذا سَلِمَ هذا التفسير من الاعتراض، توجه عليه هذا الإيراد:
    إيراد على حد الفقه: تقييد الفقه بالمستنبط من أدلة الأحكام غير جامع، فإن الأئمة المجتهدون لا يقتصرون في الاستدلال على أدلة الأحكام دزون غيرها، بل قد يستنبط الحكمُ الشرعيُّ من الخبر، ومن القَصَص؛ بل قد يستنبط الحكم الشرعي العملي من الأسماء والصفات؛ ومن شواهد ذلك في اجتهادات الفقهاء:
    ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[المائدة: 33-34]، فقد استدل الفقهاء على سقوط حد الحرابة ، بختـم الآية بقوله تعالى: {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
    ـ الدليل الأشهر للفقهاء على جواز الجعالة هو قوله تعالى – في قصة يوسف عليه السلام -: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}، وليست الآية معدودة من آيات الأحكام، بل هي من آيات القصص القرآني.
    ـ دليل الفقهاء على جواز الكفالة (وتُسَمَّى: الحَمَالةَ، والضمان الشخصي) قوله تعالى – في قصة يوسف عليه السلام أيضا -: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}.
    دليل تحريم المعازف مأخوذ من حديث البخاري في الخبر عما سيكون بيد يدي الساعة من وقوع العذاب على مقترفي الزنا واستعمال المعازف وشرب الخمر؛ في قوله - -: ((يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف))، وليس الحديث مصنفا ضمن أحاديث الأحكام.
    بل إن الأدلة الواردة في شرع من قبلنا الذي اعتبره بعض الأصوليين دليلا شرعيا، واستدل بأدلته التفصيلية بعضُ الفقهاء على استنباط الأحكام الشرعية -: جميع أدلته من هذا القبيل.
    وتأسيسا على هذا: ينبغي أن يُحَرَّرَ التعريفُ من إضافة الأدلة إلى الأحكام ليعم كل دليل صالح للاستدلال به، وإن لم يكن مصنفا ضمن أدلة الأحكام.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)

    (وَالحُكْـمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ):

    (الحُكْـمُ):
    المراد بالحكم هنا الحكم الشرعي الذي هو من علم الأصول ثمرة تمامه، وصُرَّةُ إحكامه.

    واحتيج إلى تعريفه في التصنيف الأصولي لأمرين:
    أحدهما: أن الحكم هو ثمرة الأصول وغايته القصوى، ولا بد قبل الشروع في الأصول من الإحاطة بثمرته وفائدته، حتى لا يقع العبث في عمل مَن شرع في تعلُّمِهِ من غير دراية بقيمته ووظيفته المنوطة به.
    والآخر: أنه عرَّف الفقهَ - قبلا - بالعلم بالأحكام؛ فاحتاج إلى تعريف الحكم، حتى يفهم الطالب حد الفقه على تمامه.
    والمراد بالحكم هنا: الحكم الشرعي، على اعتبار أن لام التعريف فيه للعهد الذهني، إذ إن الحكم الشرعي هو مراد الأصوليين من بحوثهم.

    (وَالحُكْـمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى):

    المراد بالخطاب الكلام الموجَّه إلى آخر بقصد الإفهام، وللأصوليين اعتراض مشهور في هذا السياق متعلق بقدم الخطاب، فكيف يتعلق القديمُ بالمُحْدَثِ، والجواب الإجمالي: أن هذا الاعتراض مبنيٌّ على مذهب الأشاعرة في إثبات الكلام النفسيِّ، والقول بِقِدَمِ الكلام، وسيأتي تفصيل القول فيه عند بيان قول المصنِّفِ – رحمه الله -: ((وَالكَلَامُ فِي الأَزَلِ: قِيلَ: لَا يُسَمَّى خِطَابًا، وَقِيلَ: لَا يَتَنَوَّعُ)).

    (وَالحُكْـمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ):

    إضافة الخطاب إلى مسمى لفظ الجلالة أخرج به خطاب غيره، من خطاب العقل الموجب والمحيل في المبادئ العقلية الضرورية البدهية، وأخرج خطاب غيره من الآباء والمشايخ والسادة، ومن كل خطاب يحمل معنى الطلب من غير الشارع الحكيم، فإنه لا حجة فيه مطلقا، إلا ما اعتبره الشرع القويم، فضلا عن أن يصادم الأمر الشرعي، ولذلك نحى الله – عز وجل - باللائمة على من اعتذر عن كفره ومخالفته بتقليد الآباء أو السادة:
    فقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}، وقال تعالى: {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}، وقال تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا}، وقال تعالى - في إنكار تقليد الآباء والأجداد -: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.
    وقد يستفيد غير الكتاب والسنة حُجيَّتَهُ من الدليل الشرعي؛ فيكون حاكما؛ كتحكيم العقل في القياس العقلي المصلحي، وكالاجتهاد في فهم النص، وتحكيم المحكَّمين، واعتبار تقويم المقوِّمِينَ شرعا؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}.
    وتقييد الخطاب بفعل المكلف أخرج أربعة أنواع من الخطاب مما لا يتعلق بفعل المكلف؛ هي:
    ـ الخطاب المتعلق بذات الله - عز وجل – وأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ كقوله تعالى: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ}.
    ـ خطاب الله المتعلق بأفعاله سبحانه وتعالى؛ كقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}.
    ـ خطاب الله المتعلق بالجمادات؛ كقوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ}.
    ـ خطاب الله المتعلق بذوات المكلفين؛ كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}.

    (وَالحُكْـمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ):

    في الحق أن هذه العبارة بالغة الأهمية في تحرير حدِّ الحكم الشرعي؛ لأنها خَلَّصَتْ حدَّ الحكم من إيراد قويٍّ يَرِدُ على التعريفات الأخرى له عند بعض الأصوليين: مفاد هذا الإيراد أن هناك نصوصا متعلقة بأفعال المكلفين لا لقصد الامتثال، فتكون داخلة في حد الحكم لولا هذا الاحتراز؛ من ذلك قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، وقوله تعالى: {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا}، وقوله تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}، فهذه النصوص جميعا وأمثالها متعلقة بأفعال المكلفين، لكنها لم ترد بقصد الامتثال، فلا تدخل في الحد، وهي داخلة في الحد لولا تقييده بفعل المكلف من حيث إنه مكلف، وهذا الإيراد يفتح باب البحث والتأمل في تعريف الفقه، بغض النظر عن تقييده بما يراد منه الامتثال، فَلْيُتأمَّلْ.

    (وَالحُكْـمُ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ المُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ):

    إيراد على تعريف الحكم:
    تعريف الحكم بخطاب الشارع هو ما اعتمده جمهرة الأصوليين، لكنه يرد عليه أن الحكم الشرعي نسبة كلامية موضوعها ما يصح فعلا للمكلف، ومحمولها يفيد معنى الطلب للفعل أو الترك بإلزام، أو بغير إلزام، أو بتخيير، وخطاب الشارع، لا يسمى حكما على هذا المعنى؛ فإنك إذا ذهبت تقول لعربي فصيح: ((إن قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} حكم شرعي، ويجب عليك امتثال هذا الحكم))، لاتَّهَمَ بيانك بالعِيِّ، ولسانك بالعُجْمة؛ فإن الحكم الشرعي إنما هو مدلول هذا الخطاب ومقتضاه لا الخطابُ نفسُهُ، وهذا المعنى ينسبه الأصوليون إلى الفقهاء، ولم أقف عليه في كلامهم، (انظر نسبة هذا القول إلى الفقهاء في: الإحكام للآمدي: (1/90-91)، روضة الناظر لابن قدامة: 1/95)، ولذلك عرَّف ابن أمير الحاج الأحكام الشرعية بأنها ((آثار خطابِهِ تعالى المتعلِّقِ بأفعال المكلفين طلبا أو وضعا)) انظر: التقرير والتحبير: 1/18.
    وحد الحكم بمدلول الخطاب هو المنقول هن الإمام أحمد رضي الله عنه؛ انظر: شرح الكوكب المنير: 1/333، التحبير شرح التحرير للمرداوي: 2/790.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)

    (وَمِـنْ ثَـمَّ: لَا حُكْمَ إِلَّا للهِ):

    أي: لأن الحكم خطاب الله؛ اختص الحكم بالخطاب الشرعي؛ فلم يفترقا، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا حكم إلا لله عز وجل، وهذه المسألة مرتبطة بما يأتي بعدها من الكلام على التحسين والتقبيح العقلي، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام في خلاف المتكلمين فيه، وتحرير مذاهبهم، ومذاهب الأصوليين، والكلام على الحاكم الذي منه تستفاد الأحكام الشرعية، وليكن هذا - بعون الله تعالى وحُسن توفيقه - أوَّلَ موضوعات الحلقة القادمة.

    والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,098

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)

    أين أنت يا شيخنا الكريم؟!
    اشتقنا لدروسكم، أسأل الله أن ييسر لكم الأمور.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    327

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)

    بارَك الله في الشيخ مصطفى، وأصلح بالَه، في انتظار الحلقة الخامسة - إن شاء الله.
    إذَا لم يكنْ عَوْنٌ من اللهِ للفَتَى * * * فأوَّلُ ما يَجْنِي عليه اجتهادُهُ

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    327

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الرابعة ـ الكلام في المقدمات (1)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو أروى الدرعمي مشاهدة المشاركة
    بارَك الله في الشيخ مصطفى، وأصلح بالَه، في انتظار الحلقة الخامسة - إن شاء الله.
    أين أنت يا شيخُ مصطفى؟! لقد اشتَقنا إلى كتاباتِك!
    إذَا لم يكنْ عَوْنٌ من اللهِ للفَتَى * * * فأوَّلُ ما يَجْنِي عليه اجتهادُهُ

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •