إخوتي الكرام وأخواتي الكريمات، هذه أول مشاركة لي في هذا المنتدى الرائع، وأسأل الله العظيم أن يبارك في جهود القائمين عليه والمشاركين فيه، ويسدد الجميع لما فيه الخير والصلاح.

بسم الله الرحمن الرحيم



وردت الآية الكريمة التي صدرت بها موضوعي في سورة البلد كما تعلمون، ويقول السعدي - رحمه الله - في تفسيرها: " يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم. وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد..." إلى آخر تفسيره لهذه الآية وما يليها لكن هذا موضع الشاهد.
قبل ثلاثة أيام، قال الشيخ محمد المنجد - حفظه الله - في برنامجه المتميز ( الراصد ) في حلقة بعنوان ( التعامل مع المعاناة ) أن الإنسان لم يوصف في الآية ب ( مكابداً ) وإنما ب ( في كبد ) لأن ( في ) تفيد أنه مغمور في الكبد غمراً.
فما هو الكبد إذاً؟
كما ورد في المعجم الوسيط، فإن الكبد هو التعب والمشقة. وهذه هي الحقيقة التي أقسم الله تعالى ببلده الأمين والوقت الذي حل فيه رسوله الكريم به وبآدم وذريته - كما ورد في تيسير الكريم الرحمن -، حقيقة يجهلها أو يتغافل عنها كثير من الناس، يريدون حياة خالية من المنغصات والأكدار ناسين ومتناسين أنهم يسبحون في أعماق محيط الكبد. نتعب أيما تعب للقيام باحتفال أياً كانت المناسبة المنشودة، ونستعد قبلها بأيام بل بأسابيع وربما أشهر، وتنقضي المناسبة في سويعات وتخلف ورائها تعب السهر والترتيب وإعادة كل شيء مكانه، وهلم جراً في كل شؤون الحياة حتى الأمور التي نحبها وتستهوينا.
وبما أن حياتنا الدنيوية مختوم عليها بهذا الختم، فلماذا نجلب الكبد لأنفسنا ونحن أصلاً مكبودون؟ قرأت مقالاً في أحد الجرائد المحلية يتذمر فيه الكاتب من منع الحكومة الحجاج وزوار مسجد النبي صلى الله عليه وسلم زيارة مقابر شهداء أحد وغيرها من المقامات هناك على حد تعبيره، معرباً عن أسفه لحال هؤلاء الزوار المساكين - وهم حقاً مساكين - عندما يأتون من أصقاع مختلفة من المعمورة وتقابل رغبتهم بالزيارة بالرفض، ويقول - وهنا الطامة - أن المسجد النبوي أصلاً لم يقم إلا لأن فيه قبر الرسول!!!
قلت في نفسي: على رسلك يا أخي! أظن أنك نسيت أن القبر لم يدخل ضمن المسجد النبوي إلا بعد وفاة الرسول بكثير وكثير جداً هذا أمر، والأمر الآخر، أن الله تعالى نسخ بديننا هذا جميع الأديان والشرائع التي قبلنا والتي كان التكلف والمشقة في تشريعاتها واضحة بينة، وجاء الإسلام سهلاً لينا سمحاً، فلم يوجب عليك يا أخي أن تذهب لمدينة النبي وتتكلف عناء السفر حتى تسلم عليه عند قبره، بل أخبرك الصادق المصدوق أن صلاتك عليه تبلغه حيث كنت، ليس هذا فحسب، بل إن صلاة واحدة منك - حيثما كنت - جزاؤها عشر صلوات من رب الأرباب جل وعلا. ولنفرض أن الزائر للمدينة النبوية كان حاجاً أو معتمراً لبيت الله، من الأصل لا تجب عليك العمرة أو الحج إلا مرة واحدة في عمرك المديد بإذن الله في طاعته ومرضاته، هذا إن كنت مستطيعاً قادراً عليهما من حيث القوة الجسدية والقدرة المالية والمحرم بالنسبة للمرأة، ومن رحمته أن جعل من الأنساك نسكين جامعين للحج والعمرة معاً حتى تنتهي منهما مرة واحدة، ولم يفرض في أي واحد الذهاب للمدينة، فإن أكرمك الله بزيارة طيبة الطيبة فبها ونعمت، وإن لم تقدر فالله رفع عنك الحرج وترك باب أجر السلام على نبيه مفتوحاً في كل مكان وزمان.
وعلى هذا فقيسوا الكثير من أنواع العبادات التي تكبدنا عناء - تأليفها - وتركنا الوارد منها في كتاب الله وسنة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، خاصة فيما يتعلق بالأذكار والأدعية، فهناك أدعية الزوج والأبناء والاختبارات وغيرها مما لم يرد في السنة المطهرة، ونسى هؤلاء أن ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) شفاء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم، ولم تظهر هذه الأدعية السابقة إلا من الهم بهذه الأمور - وعلاج الهم في الكتاب والسنة أكثر من أن أحصيه هنا -.
فأسأل الله أن يكون جهادنا في هذه الدنيا ومكابدتنا مصاعبها في سبيله وابتغاء وجهه الكريم بما يرضيه ويوافق سنة رسوله .