علاقة التعسف في استعمال الحق بقاعدة مراعاة الخلاف في المذهب المالكي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: علاقة التعسف في استعمال الحق بقاعدة مراعاة الخلاف في المذهب المالكي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    78

    افتراضي علاقة التعسف في استعمال الحق بقاعدة مراعاة الخلاف في المذهب المالكي

    الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله ، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :
    أما بعد :
    فيقول الإمام أبو العباس أحمد بن أبي كف الولاتي الشنقيطي المالكي رحمه الله ( 1330 هـ ) في نظم : " ايصال السالك في أصول الإمام مالك " ص : 5 :

    أدلة المذهب مذهب الأغر **** مالك الإمام ستة عشــــر
    نص الكتاب والظاهر من **** سنة من بالفضل كله قمن
    ثم الدليل من كــتاب الله **** ثم دليل سنـــــــــة الأواه
    ومن أصوله التي بها يقول **** تنبيه قرءان وسنة الرسول
    وحجة لديه مفهوم الكتاب **** من سنة الهادي إلى نهج الصواب
    ثمت تنبيه كتاب الله ثم **** تنبيه سنة الذي جاها عظم
    ثمت إجماع وقيس وعمل ****مدينة الرسول أسخى من بذل
    وقول صحبه والاستحسان **** وهو اقتفاء ما له رجحان
    وقيل بل هو دليل ينقذف **** في نفس من بالاجتهاد متصف
    ولكن التعبير عنه يقصر **** عنه فلا يعلم كيف يعبر
    وسد أبواب ذرائع الفساد **** فمالك له على ذه اعتماد
    وحجة لديه الاستصحاب **** ورأيه في ذلك لا يعاب
    وخبر الواحد حجة لديه **** بعض فروع الفقه تنبني عليه
    وبالمصالح عنيت المرسلة **** له احتجاج حفظته النقلة
    ورعي خلف كان طورا يعمل **** به وعنه كان طورا يعدل
    هذه هي مجمل الأدلة التي يستند إليها المذهب المالكي في تعامله مع الوقائع ، وإن تعددت الأقوال في عددها بين مكثر فيها ومقل بين المالكية أنفسهم ، فقد نقل ابن هلال في نوازله عن الإمام أبي بكر بن العربي المعافري الإشبيلي رحمه الله دفين فاس ( 543 هـ ) أنها عشرة ( ص : 8 ) ، في حين أن القاضي أبا الفضل عياضي بن موسى اليحصبي السبتي رحمه الله صاحب ترتيب المدارك لم يتجاوز بها الأدلة الأربعة ، وأقصد بها الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، بينما يذهب الإمام أبو العباس أحمد بن ادريس القرافي ( 648 هـ ) في شرح تنقيح الفصول إلى أنها بلغت تسعة عشر أصلا وهي : الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وإجماع أهل المدينة ، والقياس ، وقول الصحابي ، والمصلحة المرسلة ، والاستصحاب ، والبراءة الأصلية ، والعوائد ، والاستقراء ، وسد الذرائع ، ولاستدلال ، والاستحسان ، والأخذ بالأخف ، والعصمة ، وإجماع أهل الكوفة ، وإجماع العترة ، وإجماع الخلفاء الأربعة . ( 445 ) ، وإن كان القرافي رحمه الله قد غالى في عددها فإنه أدرج بينها أصولا لا يقول بها المالكية ولا يعملون بها كإجماع العترة والعصمة ، وقد احتج الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ في كتابه : " مراعاة الخلاف في المذهب المالكي وعلاقتها ببعض اصول المذهب وقواعده "للإمام القرافي بأن قال : " ... لذلك فإننا نرى أن القرافي هنا لم يرد عد أصول المالكية ، وإنما أراد ذكر مجمل الأصول التي أخذ بها أصحاب المذاهب حتى وإن كانت تلك المذاهب شاذة ". ( 72 ) .
    ولكن الراجح المعتبر في ما ذهب إليه القرافي رحمه الله هو أن مجمل الأدلة أربعة عشر دليلا إذا ما حذفنا الخمسة الأخيرة ، وهو الحد الأدنى المتفق عليه بين عدد كبير من أئمة المذهب رحمهم الله .
    والذي عليه متأخرو المالكية أن أدلة المذهب بعد الاستقراء والمقارنة هس ستة عشر دليلا ، وهي التي ذكرها الإمام بن أبي كف في منظومته ، واختارها الشيخ حسن بن محمد المشاط رحمه الله ( 1339 هـ ) في كتابه الموسوم ب : "الجواهر الثمينة في أدلة عالم المدينة " ص : 115 ، وهذه الأدلة كما هي مذكورة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وعمل أهل المدينة ، وقول الصحابي والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب وسد الذرائع والعرف والعوائد ومراعاة الخلاف . فنرى أن هؤلاء الأئمة قد نحوا منحى الإمام القباب واللإمام ابن عرفة الورغمي رحمه الله والإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في اعتبار مراعاة الخلاف أصلا من أصول مذهب مالك رحمه الله تعالى وهو ما عبر عنه الإمام بقوله :
    ورعي خلف كان طورا يعمل **** به وعنه كان طورا يعدل
    ، في حين أن عددا آخر من أعلام المذهب لم يروا فيه حجية أصلا ، كالإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر ، ولقاضي عياض رحمهما الله تعالى .
    هذه الأدلة بتوافرها هي التي جعلت إماما كبيرا كالشيخ أبي زهرة يقول في شهادته عن المذهب المالكي : " وقد اختبره العلماء في عصور مختلفة فاتسع لمشاكلهم واختبره علماء القانون في عصرنا الحاضر فكان مسعفا لهم في كل ما يحتاجون إليه من علاج ، لكثرة مجتهديه وكثرة أصوله ، ونوع الأصول التي أكثر منها وأنه أكثر المذاهب أصولا " :الإمام مالك : ص : 376 .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    78

    افتراضي رد: علاقة التعسف في استعمال الحق بقاعدة مراعاة الخلاف في المذهب المالكي


    1- تحديد المصطلحات :
    جرت العادة عند الأصوليين حين تعاملهم مع الحدود ذات الطبيعة التركيبية أن لا يعرفوها إلا من خلال تعريف أجزاء المركب الإضافي ، ومفهوم مراعاة الخلاف لا يخرج عن هذا الإطار ن ومن هنا يكون لزاما أن نعرف مركبات اللفظ ، باعتبار الإضافة ، وباعتبار كونه علما على أصل من أصول المذهب المالكي .
    أ- تعريف المراعاة :
    -من حيث اللغة : تناولت كتب اللغة مفهوم المراعاة ، ووضعت له معاني كثيرة ومتعددة ، لكننا لن ندرج منها إلا ما كان أقرب رحما ، وأمس صلة بالمعنى الإصطلاحي لذي نريد أن نصل إليه ، ومن تلك المعاني ما ذكره الإمام ابن منظور رحمه الله في لسان العرب ، حيث يقول : " المراعاة : المناظرة والمراقبة : يقال : راعيت فلانا مراعاة ورعاء إذا راقبته وتأملت فعله ... والنظر إلى الشيء وملاحظته ومراقبته واعتباره والنظر إلى ما يصير إليه ..." 329 327/14 329 327/، وفي القاموس : " يقال :رعى الشيء رعيا اي حفظه ولاحظه محسنا إليه " 169/1 .
    -من حيث الاصطلاح : إن المعنى الاصطلاحي لا يبتعد عن المعنى اللغوي ويجري مجراه ، بمعنى أن الناظر في الوقائع والنوازل يلاحظ ويرعى قول غيره ويضعه في اعتباره ، ويبني عليه ، ويعتد به .
    ب- تعريف الخلاف :
    -من حيث اللغة هناك جدل في العلاقة بين الاختلاف والخلاف وإن كان البعض يرجح أن معناهما عند الفقهاء واحد (( لمن أراد النظر في ذلك فليرجع إلى كليات أبي البقاء الكفوي ، وكشاف التهانوي ))، ولكن الذي يهمنا أساسا هو التعامل مع المسمى كما هو في كتب الأصول ، ونقصد بذلك : مراعاة الخلاف . والخلاف في اللغة نقيض الوفاق ، كما يناقض الاختلاف الاتفاق ، والاختلاف كما يقول الراغب أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله وأقواله ، والخلاف أعم من الضد ، لأن كل ضدين مختلفان ، وليس كل مختلفين ضدين . مفردات ألفاظ القرءان : 294.
    -من حيث الاصطلاح : هو أن تكون اجتهادات الفقهاء وآراؤهم وأقوالهم في مسألة ما متغايرة ، كأن يقول بعضهم : هذه المسألة حكمها الوجوب ، ويقول البعض : حكمها الندب ، ويقول البعض : حكمها الإباحة ، وهكذا ...مراعاة الخلاف لمحمد الأمين ولد سالم الشيخ : 86-87.
    ج- تعريف مراعاة الخلاف :يذهب الدكتور يحيى سعيدي في كتابه :" مراعاة الخلاف في المذهب المالكي " ( 68 ) إلى أن أول من وضع حدا لمفهوم مراعاة الخلاف هو الإمام أبو عبد الله بن عبد لسلام الهواري التونسي ( 749 هـ ) وإن لم يذكر المؤلف مصدره ودليله في دعواه هاته ، ولكن بالبحث وجدنا مظانها في كتاب المنتخب للإمام المنجور ، ومنار أهل الفتوى للقاني ، وكتاب المعيار المعرب عن فتاوى أهل افريقية والمغرب ، للإمام العلامة الونشريسي رحمه الله تعالى ، وتبعه في ذلك الإمام أبو العباس أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن القباب الفاسي المغربي ( 779 هـ )، ثم الإمام أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي ( 803 هـ ) ، ثم إمام الأئمة أبو اسحاق ابراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي رحمه الله تعالى ، ويمكننا التسليم بقوله هذا فيما يتعلق بمحاولة وضع الإطار الحدي لهذا الأصل ، وإلا فإن عادة قدماء المالكية أنهم كانوا يراعون الخلف دون كبير عناية بمعنى حقيقة هذه المراعاة .
    وفيما يلي تعريف كل واحد من هؤلاء الأئمة :
    *تعريف الإمام ابن عبد السلام :قال رحمه الله : "هو إعمال كل واحد من الدليلين فيما هو أرجح فيه " منار أهل الفتوى للقاني : 301 ، والمعيار 388/6 .
    *تعريف الإمام القباب : قال عليه رحمة الله : " وحقيقة مراعاة الخلاف هو إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه "المعيار : 388/6. ويمضي رحمه الله في بيان ذلك فيقول : " إن الأدلة الشرعية منها ما تتبين قوته تبينا يجزم الناظر فيه بصحة أحد الدليلين والعمل بإحدى الأمارتين ، فها هنا لا وجه لمراعاة لخلاف ولا معنى له ، ومن الأدلة ما يقوى فيها أحد الدليلين وتترجح فيها إحدى الأمارتين قوة ما ورجحانا ما لا ينقطع معه تردد النفس وتشوفها إلى مقتضى الدليل الآخر، فها هنا تحسن مراعاة الخلاف ، فيقول الإمام ويعمل ابتداء على الدليل الأرجح لمقتضى الرجحان في غلبة ظنه ... فإذا وقع عقد أو عبادة على مقتضى الدليل الآخر ، لم يفسخ العقد ولم تبطل العبادة ، لوقوع ذلك على موافقة دليل له في النفس اعتبار ، وليس إسقاطه بالذي تنشرح له النفس ، فهذا معنى قولنا : إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه " 388/6.
    *تعريف الإمام ابن عرفة :قال غفر الله له : " هو إعمال دليل في لازم مدلوله الذي أًعمل في نقيضه دليل آخر "شرح حدود ابن عرفة للرصاع : 623/2 . ويزيد كلام ابن عرفة وضوحا ، كلام الإمام أبي عبد الله محمد بن قاسم الرصاع الأنصاري التلمساني ( 894 هـ ) ، حيث يقول في شرح كلام ابن عرفة : " هو رجحان دليل المخالف عند المجتهد على دليله في لازم قوله المخالف " .
    *تعريف الإمام الشاطبي : يقول مفخرة المالكية عليه رحمة الله تعالى : " إعطاء كل واحد منهما أي دليلي القولين ما يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه هو معنى مراعاة الخلاف " ، ثم يشرح كلامه فيقول : " وذلك بأن يكون دليل المسألة يقتضي المنع ابتداء ، ويكون هو الراجح ، ثم بعد الوقوع يصير الراجح مرجوحا لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف ، فيكون القول بإحداهما في غير الوجه الذي يقول فيه بالقول الآخر "الموافقات151/4.
    ويمكننا أن نضيف تعريفا آخر للإمام أبي محمد محمد صالح الهسكوري الفاسي ( 653 هـ ) ذكره عنه الإمام محمد الحجوي الثعالبي في كتابه :" الفكر السامي في تريخ الفقه الإسلامي: حيث يقول : " الأخذ بأقوى الدليلين معا من بعض الوجوه " 544/1 .
    بعد هذا السرد ، نلاحظ أن تعريف الإمام ابن عرفة والإمام الرصاع والإمام الهسكوري تعاريف تصب في معنى واحد ، وهي أدق وأشمل لكونها تتضمن معنى إضافيا يتمثل في كون المجتهد حين مراعاته للخلاف يعمل بدليل مخالفه ويثبت جميع الآثار الشرعية المترتبة على هذا الدليل ، وبذلك يكون قد رجح أحد الدليلن ، والترجيح لا يكون إلا إذا كان صفة ملازمة لأحد المتعارضين كما نلحظ أن تعريف الإمامين ابن عبد السلام والقباب تضمنا نوع قيد لمراعاة الخلاف ، والمقصود به وقوع التعارض بين دليل المجتهد ودليل مخالفه .
    وفي هذا المقام يعجبني جدا أن أميل إلى تعريف أحد الباحثين المعاصرين لمفهوم مراعاة الخلاف ، وهو الدكتور محمد أحمد شقرون في كتابه : " مراعاة الخلاف عند المالكية وأثره في الفروع الفقهية " ، فقد أورد الدكتور مجمل التعاريف السابقة وعقب عليه بعدد من الإعتراضات تصلح أن تكون ضابطا لتحديد مفهوم دقيق لمعنى مراعاة الخلاف ، هذا المفهوم الذي حاول أن يسهم في إيجاده من خلال تدارك ما فات الأئمة الالتفات إليه ، يقول الدكتور شقرون معرفا مراعاة الخلاف : " ترجيح المجتهد دليل المخالف بعد وقوع الحادثة ، وإعطاؤه ما يقتضيه أو بعض ما يقتضيه " ص : 73 ، فهو في تعريفه أشار إلى قضية مهمة وهي أن مراعاة الخلاف هي بعد وقوع الفعل وليس قبله ، حتى لا يظن ظان أن مجرد المخالة بين دليلين موجب لمراعاة أحدهما ، وهو ما فات الأئمة ذكره ، وإن كان هو نفسه قد وقع فيما اعترض فيه على بعض الأئمة ، وإن كنت أرى أنه استفاد كثيرا من كلام الشاطبي رحمه الله في صياغة المعنى الذي ذهب إليه ، حيث يفهم معنى الترجيح الواضح ذكره في كلام الشاطبي الآنف.
    2- موقع مراعاة الخلاف من أصول مذهب مالك رحمه الله تعالى
    3- قعد الإمام الشاطبي رحمه الله قواعد نظرية مآلات الأفعال ، والتي هي بحق مسلك الناظر في الوقائع ، المجتهد في النوازل ، الباحث عن موارد الأحام ، المتثبت من مداركها الشرعية ، المحقق لمناطاتها ، وهو رحمه الله حين صاغ هذه النظرية لم يكن ذلك عنده من قبيل التصور التجريدي ، بل إن أبعاد النظرية عنده ممتدة في أصول وقواعد التشريع .
    ولذلك أول ما نلحظه في موافقات الإمام حين تقعيده للنظرية هذه الكلمات الجميلة : " { النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك أن المجتهد لا يحكم علي فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالأقدام أو بالإحجام إلا بعد نظرة إلي ما يؤول إليه ذلك الفعل ، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب ، أو لمفسدة تدرأ ، ولكن له مآل علي خلاف ما قصد فيه ، وقد يكون غير مشروع لمفسده تنشأ عنه ، أو مصلحة تندفع به ، ولكن له مآل علي خلاف ذلك .
    فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدي استجلاب المصلحة فيه إلي مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية ، وكذلك إذ أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدي استدفاع المفسدة إلي مفسدة تساوي أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد ، إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب ، جار علي مقاصد الشريعة.}. الموافقات : 4/194-195.كانت هذه الكلمات هي عمق النظرية ، ثم انطلق رحمه الله في تفصيل متضمناتها والقواعد التي تندرج تحتها ، والتي تشكل بمجموعها قواعد النظر الاجتهادي ، والتي لا يتسير لمجتهد أن يقوم بوظيفته الشرعية دون أن يكون لنظره من هذه القواعد نصيب .
    واختصارا للموضوع ، نورد هنا فقط ما تعلق بالقواعد التي ذكرها الشاطبي رحمه الله تعالى ، دون أن نعمق الحديث فيها لأن غرضنا هنا فقط هو الاستفادة من هذه القواعد في تحصيل المعاني التي أردناها من هذا المبحث .
    1- سد الذرائع :يقول الشاطبي رحمه الله : " وهذا الأصل - النظر في مآلات الأفعال - ينبني عليه قواعد كثيرة ، منها قاعدة الذرائع التي حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه ، لأن حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة ... " 4/198 .
    2- الاستحسان : " ... فهذا كله يوضح أن الاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة ، إلا أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها ... والحاصل أنه مبني على اعتبار مآلات الأعمال ، فاعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق ... " 4/209 .
    3- مراعاة الخلاف : يقول رحمه الله تعالى : " ومنها قاعدة مراعاة الخلاف ، وذلك أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت فلا يكون إيقاعها من المكلف سببا في الحيف عليه بزائد على ما شرع له من الزواجر أو غيرها ... وهذا كله نظر إلى ما يؤول إليه ترتيب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى مفسدة توازي النهي أو تزيد ... " 4/198 .
    4- قاعدة الحيل : قال الشاطبي : " فإن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهرإلى حكم آخر ، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع ... " .فالحاصل إذن من هذا أن هذه القواعد ومن بينها مراعاة الخلاف تشكل في مجموعها نظرية مآلات الأفعال ، وهذه القواعد تخول للمجتهدأن يحقق مناطات الأحكام ويضبط مواضع تنزيلها ، ومن ثم يوازن بين الصالح والمفاسد ، ويترصد نتائج ذلك .
    وتظهر علاقة مراعاة الخلاف بالإستحسان بشكل أوضح ، كيف ذلك ؟الجواب :من المعلوم أن الأصوليين قسموا الإستحسان إلى أنواع ، وقد جزم الشاطبي رحمه الله أن مراعاة الخلاف هي نوع من الإستحسان ، ويمكن أن نرصد مظاهر هذه العلاقة فيما هو آت :
    * إذا كان الإستحسان عند الكثيرين عدولا عن القياس لمعنى مؤثر ، فإن مراعاة الخلاف هي أيضا صورة لهذا العدول مع خلاف ظاهري ، وهو أن المستحسن إنما يعمل بمقتضى دليله ، في حين أن مراعي الخلاف يعمل بمقتضى دليل مخالفه ، وفي ذلك يقول أبو الحسن بن القاسم التجيبي الزقاق ( 912 هـ )في لاميته :
    وهل يراعى الاختلاف لا نعم**** وعاب اللخمي عياض عدم
    قيس وقد أجاب نجل عرفه **** بأنه إعمال من قد عرفه
    * إن الإستحسان ترخص واستثناء لوجود معارض ، ومرعاة الخلاف كذلك ، والمعارض هنا دليل المخالف .
    * إن الإستحسان ليس من القواعد المطردة ، وكذلك مراعاة الخلاف ، وهذا ما عبر عنه ابن أبي كف في قوله : " ورعي خلف .... " .
    * إن المصلحة والمفسدة هما معيارا العمل بالإستحسان ، وقد بين الشاطبي كل ذلك ضمنيا حين حديثه عن مراعاة المآل آنفا ، وكذلك مراعاة الخلاف فإن معيار اللجوء إليه هو المصلحة والمفسدة ، وذلك عندما يقع الفعل على مقتضى قوله ، فيصححبعد وقوعه بعد أن كان ممنوعا ابتداء ، درءا لمفسدة تترتب على عدم تصحيحه ، أو جلبا لمصلحة تحصل بتصحيحه . ابن الشيخ : 159..
    من هنا تتضح علاقة مراعاة الخلاف ببعض أصول مذهب مالك رحمه الله ، وموقعها منها ، ومدى ارتباطها بمبدأ المصالح والمفاسد ، ومن ثم نقول : إن مراعاة الخلاف ليست عبثا فكريا أو اجتهاديا ، إنما هي قاعدة أوأصل العمل بها إنما هو لمصلحة تستجلب أو لممفسدة تدفع ، فلا تخرج بذلك عن مقتضيات أحكام الشريعة ، والروح العامة للتشريع .
    عضو الإدارة العلمية لمنتديات شبكة الشريعة التخصصية
    www.sharee3a.com


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    78

    افتراضي رد: علاقة التعسف في استعمال الحق بقاعدة مراعاة الخلاف في المذهب المالكي

    التعسف في استعمال الحق-
    1-مفهوم الحق : لن ندخل هنا في البحث عن تعريف الحق ، ذلك أن القدامى من الفقهاء لم يعنوا كبير عناية ببيان مفهوم الحق لوضوحه عندهم استنادا إلى المعاني اللغوية وإن كان الأصوليون تناولوه ضمن مباحث المحكوم به ، لكن الفقهاء المعاصرين وفي ظل التطورات العصرية الحديثة ، وأهم من عني بهذا الأمر الدكتور فتحي الدريني ، وخاصة في كتابه : " الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده ".أورد الدكتور فتحي الدريني تعريفا متعددة وضعها عدد من الفقهاء المعاصرين لمفهوم الحق ، ترددت بين كونه مصلحة في حد ذاته وكونه وسيلة إلى مصلحة ، وبين كونه اختصاصا أو استيفاء ، وكلها تعاريف تعقبها الدكتور الدريني ببيان أوجه القصور فيها ، ليخلص في الأخير إلى تعريف جامع مانع في نظره ، حيث يقول : " الحق اختصاص يقر به الشرع سلطة على شيء أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقا لمصلحة معينة " الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده : 193 .والبحث يتبنى هذا التعريف لكونه يتماشى مع السياق العام للمبحث الذي نحن بصدده ، وهنا لا بد من إيراد التحليل الذي وضعه الدكتور الدريني لتعريفه بتصرف يسير :
    - اختصاص : هو انفراد أو استئثار ، وعلاقة بين المختص والمختص به الذي قد يكون هو الله تعالى ، وقد يكون شخصا حقيقيا أو معنويا ، وهو بذلك لا يعتبر الإباحة أو الرخصة ، مما هو مباح للعموم الانتفاع به دون استئثار .
    - يقر به الشرع : أي أن هذا الاختصاص شرعي ، بمعنى أن الاختصاص الواقعي مفتقر إلى إقرار الشرع له ، ومثال ذلك أن الغاصب ليس بمالك للمغصوب رغم كون الحيازة متحققة في الواقع ، فلا يعطيه الشرع حق التصرف في المغصوب لأنه ليس في ملكه شرعا ، والاختصاص الشرعي مقيد كذلك بحتمية ألا يكون في تصرف المختص بالحق إضرار بالغير .
    - سلطة على شيء أو اقتضاء أداء من آخر : ومعنى ذلك أن هذا الاختصاص يمكن المختص سلطة شرعية على ما اختص به كحق المالك فيما يملكه ، وحق الدائن في ما أخذه المدين ، وحق الراهن في ما أخذه المرتهن ، ومنفعة الأجير ....
    - تحقيقا لمصلحة معينة : فصاحب الحق مطلوب منه أن يتغيى تحقيق المصلحة التي من أجلها اختُصَّ به ، فمتى وقع منه ما يخالف ما قصده الشارع انتفت المشروعية عن سلطته في استعمال حقه ووجب تقييده .
    2- التعسف في استعمال الحق : قال الشاطبي رحمه الله : " لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين ، فغذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال ، وإن كان الظاهر موافقا ، والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع ، لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها ، وإنما قصد بها أمور هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لأجلها ، فالذي عمل من ذلك على غير هذا لوضع فليس على وضع المشروعات "الموافقات : 2/385.بهذه المقالة يلخص الشاطبي رحمه الله نظرية التعسف في استعمال الحق ضمن إطار تاصيله لقاعدة مراعاة المآل ، فهو رحمه الله يربط التعسف بمبدأ التعدي بطريق التسبب ، وهذا معيار ذاتي ينضاف إليه معايير موضوعية تتمثل في إحداث الضرر دون قصد من الملكف ولا نية ، وذلك في إطار الموازنة بين المصلحة والضرر ، والمقارنة بين الأضرار . التعسف في استعمال الحق في ضوء القانون المغربي : الدكتور محمد رياض : 143 .هذه الموازنة والمقارنة هي بغرض مراعاة المقاصد التي توخى الشارع تحقيقها ، والتي يزيدها وضوحا قول الشاطبي : " النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك أن المجتهد لا يحكم علي فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالأقدام أو بالإحجام إلا بعد نظرة إلي ما يؤول إليه ذلك الفعل ، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب ، أو لمفسدة تدرأ ، ولكن له مآل علي خلاف ما قصد فيه ، وقد يكون غير مشروع لمفسده تنشأ عنه ، أو مصلحة تندفع به ، ولكن له مآل علي خلاف ذلك . فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدي استجلاب المصلحة فيه إلي مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية ، وكذلك إذ أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدي استدفاع المفسدة إلي مفسدة تساوي أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد ، إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب ، جار علي مقاصد الشريعة " 4/194-195 .
    ويزيد ما ذكرناه آنفا وضوحا أن الأفعال الإنسانية الماذون فها وما ينشأ عنها متعلقة بضرورة موافقة قصد المكلف لقصد الشارع وفق ضابط محدد يبينه الشاطبي بقوله : " وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة ، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله ، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول ، فإن قبلتها فلك أن تكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم ، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم ، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية " 4/191.
    فإذا كان يترتب على فعل ما ضرر ما لجهة ما ، وسوا كانت النية المستفادة من القرائن الحالية أنه قصد به الإضرار فهذا التعسف يجب أن يدرأ ، أو كان الضرر دون نية إحداثه فهذا أيضا يستوجب الدرء ، على اعتبار أن مناقضة قصد الشارع في تصرف مأذون فيه شرعا
    فهو باطل ." (نظرية التعسف في استعمال الحق للدكتور فتحي الدريني : 57) ، وذلك بناء على قاعدة : " كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة " . الموافقات
    عضو الإدارة العلمية لمنتديات شبكة الشريعة التخصصية
    www.sharee3a.com


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    78

    افتراضي رد: علاقة التعسف في استعمال الحق بقاعدة مراعاة الخلاف في المذهب المالكي


    3- علاقة مراعاة الخلاف بالتعسف في استعمال الحق في المذهب المالكي
    لقد قرر الشاطبي رحمه الله أن الشريعة أساس الحقوق، فالحق ليس اختيارا من المكلف ، بل هو ثابت بما تثبت به الأحكام من الأدلة الشرعية، وعلى هذا المعنى يقرر رحمه الله أن الحق الثابت بأصل الشرع ما هو إلا وسيلة لتحقيق المقاصد التي قصدها الشارع، وليس غاية ، قال رحمه الله :" ما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية؛ فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقًا والمصلحة مخالفة؛ فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها ، وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها؛ فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع؛ فليس على وضع المشروعات" .الموافقات ، 3/121.
    ومن هنا كان الواجب على كل مكلف بعينه وهو يمارس حقه " أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع حركاته وأقواله واعتقاداته؛ فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها، حتى يرتاض بلجام الشرع، وقد مر بيان هذا فيما تقدم، فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رخص المذاهب، وكل قول وافق فيها هواه؛ فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه" . الموافقات، 3/123.
    والحاصل من هذا أن سلب المشروعية عن فعل صدر من المكلف أو إثباتها له رهن مدى مطابقة هذا الفعل لقصد الشارع من وضع الأحكام والتكليف بمقتضيات الشرع، فيكون قوام الحكم على الفعل هو ما ينجم عنه من من مصلحة غالبة تدعو إلى مشروعيته، أو مفسدة راجحة تحتم منعه وسد السبل المفضية إليه بقطع النظر عن تكييف أصل الفعل شرعا، وعلى قدر إفضاء الوسيلة إلى المصلحة يكون الحكم عليها بالمشروعية، وعلى قدر إفضائها إلى المفسدة تكون درجة منعها وحظرها، لأن قوة الطلب والمنع على قدر الدليل . " قواعد المقاصد عند الشاطبي للدكتور الكيلاني، ص: 359 .
    إن نظرية التعسف في استعمال الحق تمثل مقوما من مقومات الحكم على أفعال المكلفين، ذلك أنه إذا كان مآل الفعل معيارا موضوعيا يوازن به بين مصلحة أصل الفعل وبين ما يلزم عنه من المفاسد، فإن مقصد المكلف هو المعيار الذاتي والنفسي الذي يستجلى به باعث المكلف على ما صدر منه من أفعال .
    ولا يفهم معنى الذي أنف إلا بالعودة إلى ما قرره الشاطبي رحمه الله من قواعد تندرج تحت أصل المآل ذلك أنه رحمه الله حين تناول اعتبار المآل وما يقوم عليه كاصل مقصدي، حدد مجموعة من القواعد التي هي في الحقيقة قواعد ترجيحية وليست أصلا بالمفهوم الأصولي لمعنى الأصل الذي هو الدليل أو ما يبنى عليه الحكم ، وقد تناول ضمن هذا الأصل :
    1- قاعدة سد الذرائع .
    2- قاعدة الحيل .
    3- قاعدة الاستحسان .
    4- قاعدة مراعاة الخلاف .
    ولا يهمنا هنا التفصيل في كل قاعدة على حدة، إنما الذي يهمنا هو الحديث عن قاعدة مراعاة الخلاف في علاقتها بالتعسف، ولا يستقيم الحديث عن هذا الموضوع دون الحديث عن علاقة مراعاة الخلاف بالاستحسان.
    وبرجوعنا إلى ما كتبه الشاطبي رحمه الله عن الاستحسان في الاعتصام والموافقات ، نجد أنه يقرر أن الاستحسان هو تقديم للاستدلال المرسل على القياس عن غلوه، ومبناه على اعتبار المآل في جلب المصالح أو درء المفاسد على الخصوص من خلال الاستثناء من الحكم العام الذي مقتضاه المنع، وهذا لا يخرج عن إطار التيسير الذي يندرج ضمن مقصدين جوهريين هما : المصلحة والعدل .
    وقد قرر رحمه الله في الاعتصام أن مراعاة الخلاف هي من جملة الاستحسان، ووجه العلاقة هو أن الاستحسان استثناء من المنع إلى الإباحة للتوسعة أو اعتبارا للمصلحة أو الضرورة ، أو اعتبارا للعرف، ومراعاة الخلاف هو إعمال دليل المخالف وترجيح له على دليل المذهب، والذي اقتضى هذا الترجيح هو الحفاظ على المصلحة التي ستفوت وهي أكبر من المفسدة التي من أجلها كان المنع إذا ما قورنت بها ، فمتى رأى المجتهد أن تعدية الحكم بالمنع بعد وقوع الفعل مؤداه إلى مناقضة قصد الشارع عدل عن دليله إلى دليل آخر تحريا لمقصد العدل.
    إن العلاقة التي نريد جلاءها هنا بين قاعدة مراعاة الخلاف والتعسف في استعمال الحق تتمثل في أن اعتبار هذه القاعدة والعمل بها يدخل في النظر في مآلات التطبيق من حيث هو مصلحة مقصودة شرعا، وما أجدر المالكية بالاعتداد بقول شمس الئمة السرخسي الحنفي : " كان شيخنا الإمام يقول الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس وقيل الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام وقيل الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة وقيل الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر وهو أصل في الدين قال الله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. المبسوط ، 10/250.
    من هنا فالمجتهد في نطاق المذهب المالكي إذا صادف نازلة نشأ عنها واقع لا يخضع لدليل مذهبه، فإنه يعتد بهذا الواقع والآثار الناتجة عنه ما دام ذلك يخضع لدليل مذهب مخالف، ويشهد لهذا قول الشاطبي رحمه الله :" وإذا ثبت هذا، فمن واقع منهيا عنه، فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي بحكم التبعية لا بحكم الأصالة، أو مؤد إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي، فيترك وما فعل من ذلك، أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل، نظرًا إلى أن ذلك الواقع وافق المكلف فيه دليلًا على الجملة، وإن كان مرجوحًا، فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه؛ لأن ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي، فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع، لما اقترن به من القرائن المرجحة، كما وقع التنبيه عليه في حديث تأسيس البيت على قواعد إبراهيم، وحديث ترك قتل المنافقين، وحديث البائل في المسجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتركه حتى يتم بوله؛ لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه، ولحدث عليه من ذلك داء في بدنه، فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر، وبأنه ينجس موضعين وإذا ترك، فالذي ينجسه موضع واحد.
    وفي الحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل" ، ثم قال: "فإن دخل بها، فلها المهر بما استحل منها". وهذا تصحيح للمنهي عنه من وجه، ولذلك يقع فيه الميراث ويثبت النسب للولد، وإجراؤهم النكاح الفاسد مجرى الصحيح في هذه الأحكام وفي حرمة المصاهرة وغير ذلك دليل على الحكم بصحته على الجملة، وإلا كان في حكم الزنى، وليس في حكمه باتفاق. " الموافقات : 5/190.
    عضو الإدارة العلمية لمنتديات شبكة الشريعة التخصصية
    www.sharee3a.com


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •