بقلم: محمد ساجد القاسمي(*)

صبيحة يوم الخميس: 19/ صفر 1431هـ الموافق 4/فبراير2010م ارتفع من منائر الحرم الجامعي للجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند، صوت حزين في الصمت الشامل الذي بسط رداءه على المدينة، وهو نعي وفاة العالم المحدِّث الشيخ نصير أحمد خان، إنَّا لله وإنَّا إليه رَاجِعون.
صليت الفجر، ويممت وجهي نحو منزل الشيخ أُسرِع الخُطى، والحزنُ والأسفُ قد ملأ فؤادي، فلما وصلت إليه فإذا خيط غير منقطع من طلاب الجامعة و أهالي المدينة يندفعون صوب منزل الشيخ ليروه رؤيةً أخيرةً. اخترقت الصفوف حتى وصلت إلى جِنازته، وألقيت عليه نظرةً أخيرةً بقلب حزين وعينين باكيتين؛ فيا لروعة الموقف ويا لكآبة المنظر!
كان أساتذة الجامعة وطلابها وأهالي المدينة حزَانَى آسفين، كأنهم فُجِعوا بأحب أفراد الأسرة وأعزهم لديهم، فكان يُعزِّي بعضهم بعضًا في هذا المصاب العظيم، ويذكرون الشيخ بالخير ويعدون محاسنه.
وانتشر نبأ وفاته عبرَوسائل الاتصال الحديثة السريعة في مشارق الأرض ومغاربها انتشارالنار في الهشيم، فخرج الناس من القرى والمدن القريبة على بكرة أبيهم ليودعوا هذا المحدِّث الفقيد الوداع الأخير. فقدماجت ساحات الجامعة وطرقها بالمتوافدين، وصلى عليه بالناس فضيلةُ الشيخ المقرئ محمد عثمان – حفظه الله – في الثانية والنصف ظهرًا، وذهبوا بجنازته في موكب عظيم إلى المقبرة القاسمية، ودفنوه بجواره شقيقه وأستاذه الشيخ بشيرأحمد – رحمه الله – وحثوا على قبره التراب واجمين آسفين.
***

ُولِد الشيخ 21/ ربيع الأول عام 1337هـ الموافق 1919م في قرية’’ بسي‘‘(Basi) من أعمال مديرية ’’ بلندشهر‘‘ بولاية أتراديش الهندية، وكانت أسرته معروفة بالعلم وا لدين. التحق بمدرسة منبع العلوم بـ ’’كلاؤتي‘‘ في مديرية بلندشهر، فحفظ القرآن على المقرئ عبد الكريم، وتعلَّم اللغة الفارسية، ودرس مختلف العلوم على شقيقه الشيخ بشيرأحمد، ثم التحق بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند، وأخذ العلوم المختلفة عن كبار العلماء في ذلك الوقت، أمثال شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، وشيخ الأدب إعزاز علي الأمروهوي، والشيخ عبدالخالق الملتاني، والمقرئ حفظ الرحمن، والشيخ فخرالحسن، والقاضي شمس الدين الكيملفوري، وشقيقه الشيخ بشيرأحمد الذي كان قد تمَّ تعيينه أيامئذ مدرسًا في الجامعة، وتخرج فيها عام 1362هـ .
ثم درس الكتب دراسةً موسعةً نحوسنتين. وفي سنة 1365م عُيِّنَ مدرِّساً في الجامعةالإسلامي ة دارالعلوم/ ديوبند، فدرَّس معظم المقررات الدراسية للمنهج الدراسي المتبع عندنا في المدارس الإسلامية الأهلية في شبه القارة الهندية. وكان له شغف بالغ بالحديث و التفسير وعلم الهيئة. كما حلَّى بالهامش جيدَ الرسالة الفتحية في الهيئة.
وُلِّي منصب نائب رئيس الجامعة عام 1391هـ، وعُيِّنَ شيخًا للحديث بعد وفاة الشيخ شريف الحسن عام 1397هـ، كما عُيِّن نائبَ رئيس لهيئة التدريس في العام نفسه، ثم رئيسا لها بعد وفاة الشيخ معراج الحق. واعتذر عن تدريس صحيح البخاري، ومنصب رئاسة هيئة التدريس لكبرسنه وشيخوخته قبل وفاته بسنتين. هكذا درَّس العلوم الإسلامية نحو63عاما، ودرس عليه نحو أربعين ألفا خلال مدة تدريسه الطويلة، كما تولَّى المناصب الهامة في الجامعة بأهلية وجدارة.
لقد أسعدني الله بأن درست عليه المجلد الأول من صحيح البخاري عام 1414هـ، كماعملت مدرسًا أيامَ رئاسة هيئة تدريسه منذ عام 1422هـ. فوجدته أستاذاً عطوفًا ومسؤولا رحيمًا.
***

كان الشيخ ينحدر من الأصول الأفغانية، وكان من آبائه أقيال وإقطاعيون يملكون أراضي واسعة، وكان أبوه ضابطًا كبيرًا في الجيش الإنجليزي، وكان متدينًا وغيورًا على الإسلام، فلما قاد العلماء حركة صيانة الخلافة العثمانية في شبه القارة الهندية، وأفتى شيخ الهند محمود حسن الديوبندي بأن موالاة الإنجليز والتعاون معهم والتنجد في جيشهم حرام، استقال من وظيفته مدفوعا بالغيرة الإسلامية، واشتغل بالفلاحة والزراعة في قريته. وكان يُحبُّ العلماء والصالحين، فكان يستضيفهم بين الفينة والفينة. وأما أمه فكانت عالمةً مربيةً قدحوَّلت منزلها مدرسةً لأبناء أهالي القرية وبناتهم تُعلِّمهم فيها العقيدة والفقه وضرورات الدين. وأما شقيقه الشيخ بشيرأحمد فكان عالما جليلا، وكان يدرس معظم العلوم الإسلامية في مدرسة منبع العلوم بمدينة كلاؤتي، ثم عُيِّن مدرسًا في الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند، وظل مدرسًا فيها إلى أن وافاه الأجل.
***

كان الشيخ وَقُورًا زميتًا، يأتي الجامعة ويدرس فيها ويرجع منها إلى منزله، وكل حركة من حركاته ملؤها الوقار والرزانة. وإذا عقدت الجامعة اجتماعا للأساتذة في بداية العام الدراسي، تصدَّر الاجتماع، وألقي كلمته الوجيزة في نهايته، يذكِّرهم بواجباتهم ومسؤولياتهم نحوالطلاب الذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستيصاء بهم خيرًا. ثم ينتهي الاجتماع بدعائه. كان لايتورط في قضايا الأساتذة والطلاب إلا بما ينفعهم، فلايمارس مايُخِلُّ بوقاره ومروءته، أويدعو إلى الإساءة إليه. كل ذلك جعله محبوبا لدى الأساتذة والطلاب جميعا.
كان جمَّ التواضع؛ فلااستكبار ولاخيلاء، فصيح اللسان؛ فلايلتوي على فهم سامعه كلمة، قنوعًا بمارزقه الله صبورًا شكورًا؛ فلايرفع عينيه إلى مافي أيدي الناس من الوسائل المادِّية، ولايجري وراء حطام الدنيا، وكان يعيش حياةً رتيبةً مليئةً بعبادة الله وذكره وتلاوة القرآن وتدريس الحديث، ومطالعة كتب الحديث لاسيما قراءة صحيح البخاري.
أكبرمزاياه وأعظمها في نظري هو قناعته وبُعده عن المال والمادَّة، ونأي الجانب عن كل ما يسيئ إلى الناس، واحتفاظه بحياته الروتينية التي لم يحِدْعنها قيدأنملة مدى عمره.
جزاه الله عن عظيم خدماته وجليل أعماله، وأسكنه بحبوحة جنانه، وعوَّضنا عن خسارته.

(*) أستاذ الأدب العربي بالجامعة الإسلامية : دارالعلوم، ديوبند .