موقفين من مواقف عبد الله بن مسعود ـ رضى الله عنه ـ
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: موقفين من مواقف عبد الله بن مسعود ـ رضى الله عنه ـ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    513

    افتراضي موقفين من مواقف عبد الله بن مسعود ـ رضى الله عنه ـ

    بسم الله الرحمن الرحيم ..


    الحمد لله الذي رفع أهل الإيمان والعلم درجاتٍ على كثيرٍ ممن خلق ، ومنَّ بإرادة الخيرية والاصطفاء لمن في دينه فقه ، ثمّ خصّ بالقرب وأعالي الجنان مَنْ منهم صدقَ وإليه سبق ، والصلاة والسلام على سيد الفقهاء والفصحاء أكرم مَنْ خطب وبالتوحيد نطق ، وعلى آله وصحبه ومَنْ تبعهم بإحسانٍ واقتفى الأثر ولحق ..
    وبعدُ :
    فمما لا يخفى على أدنى طالب علمٍ قول الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ (مَنْ يُرد الله به خيرًا يُفقه في الدين) ، ولقد تبوَّأ صحابة النبي ذروة سنام الفقه في الدين في هذه الأمة الميمونة الخاتمة؛ فهُم الذين اختارهم الله لصحبه نبيه وإقامة دينه ..

    وبهذه الكلمات اليسيرة القليلة ، حاولت التجلية عن بعض فقه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وإظهار بعضٍ مِنْ عِظَمِ شأنه وعلو كعبه ، وتصدّره لطالعة فقهاء هذه الأمة ؛ فإنه ـ رضي الله عنه ـ مِنْ أفقه الصحابة ، وقد عدّه السيوطي ـ رحمه الله ـ أفقه الصحابة بعد الخلفاء الراشدين ..
    وليس هذا بغريب ولا عجيب ؛ فقد قال فيه الحبيب : {إنك غليم معلم } ..
    وقال له: {إذنك على أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك} ..
    وكان صاحب النعلين ، قال فيه أبو موسى الأشعري: كنا نحسبه من آل البيت ..

    ويظهر فضل هذا الصحابي الجليل بتوصية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأمة بأن تقتفي أثر عبد الله بن مسعود ؛ فقد صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ [فيما رواه الإمام أحمد والحاكم وغيرهما] ، أنه قال : «تمسكوا بعهد ابن أم عبد».
    يعني : إذا عهد إليكم عهدًا فتمسكوا به..

    وإنما أردتُ بهذا الموضوع عرض موقفين مِنْ مواقف عبد الله بن مسعود ، قد وقعا ونزلا في النفس منزلاً عظيمًا ؛ لما فيهما من فقه نفسه ـ رضي الله عنه ـ :

    1.قال ابن مسعود رضي الله عنه : (والذي لا إله غيره ما نزلت أية من كتاب إلا وأنا أعلم فيمن نزلت و أين نزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته)
    [أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما] ..

    قال النووي رحمه الله :
    وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان نَفْسه بِالْفَضِيلَةِ وَالْعِلْم وَنَحْوه لِلْحَاجَةِ ، وَأَمَّا النَّهْي عَنْ تَزْكِيَة النَّفْس فَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ زَكَّاهَا وَمَدَحَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، بَلْ لِلْفَخْرِ وَالْإِعْجَاب ، وَقَدْ كَثُرَتْ تَزْكِيَة النَّفْس مِنْ الْأَمَاثِل عِنْد الْحَاجَة كَدَفْعِ شَرٍّ عَنْهُ بِذَلِكَ ، أَوْ تَحْصِيل مَصْلَحَة لِلنَّاسِ ، أَوْ تَرْغِيب فِي أَخْذ الْعِلْم عَنْهُ ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ . فَمِنْ الْمَصْلَحَةِ قَوْل يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وَمِنْ دَفْع الشَّرّ قَوْل عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي وَقْت حِصَاره أَنَّهُ جَهَّزَ جَيْش الْعُسْرَة ، وَحَفَرَ بِئْر رُومَة . وَمِنْ التَّرْغِيب قَوْل اِبْن مَسْعُود هَذَا ، وَقَوْل سَهْل بْن سَعْد : مَا بَقِيَ أَحَد أَعْلَم بِذَلِكَ مِنِّي ، وَقَوْل غَيْره : عَلَى الْخَبِير سَقَطْت ، وَأَشْبَاهه . وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الرِّحْلَة فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَالذَّهَاب إِلَى الْفُضَلَاء حَيْثُ كَانُوا . وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابَة لَمْ يُنْكِرُوا قَوْل اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ ، وَالْمُرَاد أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّه كَمَا صَرَّحَ بِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَم مِنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَغَيْرهمْ بِالسُّنَّةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَفْضَل مِنْهُمْ عِنْد اللَّه تَعَالَى ، فَقَدْ يَكُونُ وَاحِد أَعْلَم مِنْ آخَر بِبَابٍ مِنْ الْعِلْم ، أَوْ بِنَوْعٍ ، وَالْآخَرُ أَعْلَم مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَة . وَقَدْ يَكُون وَاحِد أَعْلَم مِنْ آخَر ، وَذَاكَ أَفْضَل عِنْد اللَّه بِزِيَادَةِ تَقْوَاهُ وَخَشْيَتِهِ وَوَرَعِهِ ، وَزُهْدِهِ وَطَهَارَةِ قَلْبِهِ ، وَغَيْر ذَلِكَ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَة كُلّ مِنْهُمْ أَفْضَل مِنْ اِبْن مَسْعُود .

    2. لما كان ـ رضي الله عنه ـ عالمًا داعيًا مُربيًا فقيهًا بحقٍّ ، تبعه مِنَ الناس الكثير ، فلما رأى ذات مرّة عدد مَنْ يتبعه وقد كثُر، إذ به يقول لهم كلمته المباركة : (لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان، ولحثيتم التراب على رأسي، ولوددت أنّ الله غفر لي ذنبا من ذنوبي، وأني دعيت عبد الله بن روثة). [أخرجه الحاكم وغيره] ..

    يقول : (لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان) ..
    وفي رواية أخرى قال: ((لو تعلمون ـ يقسم ويقول ـ والله الذي لا إله غيره لو علمي لحثيتم التراب على رأسي)) ..

    قال الشيخ صالح آل الشيخ ـ حفظه الله ـ مُعلقًا على هذه الكلمات :
    (وهذه الكلمات مدرسة ولا شك؛ لأن البروز في الناس متوقع، إذا تميز أحد في الناس بشيء، ربما عظموه، وربما مدحوه، وربما تتابعوا خلفه يمشون، والمرء كلما ازداد علمه بالله جل وعلا علم أنَّ ذنوبه كثيرة كثيرة كثيرة، ولا عجب أنْ أوصى النبي ( أبا بكر -وهو أفضل هذه الأمة من صحابة رسول الله ، الصديق الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر». علمه النبي أن يدعو آخر صلاته بدعاء فيقول فيه: «ربي إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت». القائل الموصِي النبي ، والموصَى أبو بكر الصديق رضي الله عنه «ربي إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك»، كلما ازداد علم المرء بربه خشي الله جل وعلا، وخشي أن يطأ عقبه اثنان، خشي أن يعظم في الخلق، خشي أن يُرفع في الناس؛ لأنه يعلم من الله جل وعلا، ومما يستحقه الله جل وعلا ما يوقن بأنه لن يبلغ أن يوفي الله جل وعلا حقه، فيكون مقصرا في الشكر، وذلك ذنب من الذنوب.
    ومقام الشهرة مقام مزلة عظمة، ولهذا ابن مسعود أوصى وصية على نفسه يبين فيها حاله، ويبين فيها ما يجب أن يكون عليه كل من كان له تبع، فيقول: لو تعلمون ذنوبي ما وطئ عقبي اثنان ولحثيتم التراب على رأسي. لابد فيمن كان على شهرة، أو كان ممن ينظر إليه الناس أن يحتقر نفسه دائما بينهم، ويظهر ذلك لا ليرتفع بينهم، ولكن ليرتفع عند الله جل وعلا، ومدار ذلك الإخلاص، فإن من الناس من ربما يزدري نفسه أمام الناس ليظهر بينهم، وهذا من الشيطان، ومنهم من يزدري نفسه من الناس والله جل وعلا مطلع على قلبه أنه صادق في ذلك، يخشى لقاء الله جل وعلا، يخشى يوم يوفى ما في الصدور يوم يطلع على ما في القلوب، ولا تخفى على الله خافية، ولا يكتمون الله حديثا).اهــ.

    فتأمل ـ يرعاك الله ـ فقه نفس هذا الصحابي الجليل في الموقفين ، إذ لمّا كان الموقف الأول يتطلّب إظهار علمه للناس ، فعلَ وما تردد ؛ ليصرفهم وليأخذ بقلوبهم وهممهم وعزائمهم إلى طلب العلم وشرفه ، وليرشدهم لأخذ العلم مِنْ منبعه الصافي النقيّ ألا وهم العلماء الربانيون، أما لمّا تكاثرت الجموع عند بابه ، ورأى منهم تعظيمهم له ورفعته بينهم، علم أنه عبدٌ لله مُقصّر ، ولو بلغ مِنَ الرُّتب الشرائف ومِنْ الأعمال العظائم ؛ فلن يفي لله حقّه ، ولا نعمةً مِنْ عظيم نعمه ؛ فأعلن ـ رضي الله عنه ـ على الملأ فقره لله سبحانه ، وخشيته له ، واحتياجه لعفوه ورحمته وغفرانه ، وهذا مِن عظيم فقه عبد الله بن مسعود ، وثمرةٌ مِنْ نتاج علوِّ شأنه ورفعته في العلم (النافع) ، الذي متى ما ناله العبد وحصّله ، أورثَ خشيةً لله وذلاً ؛ فكلما كثُر علم المرء الفقير ، ازداد خشيةً للعليم القدير ؛ فرضي الله عن عبد الله ابن مسعودٍ ما أفقهه مِنْ رجل ..!

    "جزى الله خيرا من قام بصياغة الموضوع "
    إذا استفدت من مشاركتي أو لم تستفد منها فادع الله أن يغفر لي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    3,434

    افتراضي رد: موقفين من مواقف عبد الله بن مسعود ـ رضى الله عنه ـ

    جزاك الله خيرًا، ونفع بك.
    وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا
    ـــــــــــــــ ـــــــــــ( سورة النساء: الآية 83 )ــــــــــــــ

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •