هموم العظماء
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: هموم العظماء

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    الجزائر الحبيبة
    المشاركات
    205

    افتراضي هموم العظماء

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كانت العرب تقول: " تكلموا تُعرفوا "؛ إذ إن كلام الإنسان يعبر عنعقله وقيمه ونظرته للأمور، والحقيقة أن الناس على مدار التاريخ كانوا يتشوّقون إلىمعرفة ما هو جوهري في حياة الإنسان، ومعرفة ما يمكِّنهم من الوقوف على ذلك الجوهري،وكان من أهم ما يسيطر عليهم في هذا الشأن معرفة (العظمة). وكل ما يجعلمن الإنسان شيئاً عظيماً، وإذا استعرضنا الوعي الشعبي في هذا، فإننا سنجد أن العظيمأو الكبير هو من يجمع بين الثروة الظاهرة والنفوذ الاستثنائي، ولم يقع الاختيار علىذلك اعتباطاً أو مصادفة؛ إذ إن بين الثروة والنفوذ تغذية متبادلة، فالمزيد منالنفوذ يأتي بالمزيد من الثروة، والمزيد من الثروة يُمكِّن من المزيد من النفوذ،ومنهما معاً تتشكل صورة الرجل الكبير، وهذا في الحقيقة هو كبير الدنيا وعظيمالمؤقت.


    أماالكبير في نظر المنهج الرباني الأقوم، وفي نظرخاصة الخاصة، فإنه ذلك الشخص الذي استطاع الإفلات من الدوران في فلك ذاته،والاستغراق في رعاية مصالحه الخاصة كي يدور في فلك أمته ويحمل همومها، ويستغرق فيخدمة أهدافها...وعلى هذا فإن المرء يكون كبيراً على مقدار اتساع دائرةهمومه واهتماماته، ويكون صغيراً على مقدار ضيق تلك الدائرة، ولا أرى في هذا أي شيءمن التعسف في الحكم أو التحامل على أحد، وذلك لأن كون كل مكاسب الدنيا صغيرة ومؤقتةيجعل المحظوظين فيها صغاراً مهما ملكوا من الثروة والنفوذ،ولايكون العظيم عظيماً إلاّ إذا كانت هناك إمكانية لأن يكون عظيماً في الآخرة إلى جانبالعظمة في الدنيا، كما قال ـ سبحانه ـ : (إذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُإِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُمَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَالْمُقَرَّبِين.)هذه قمة العظمة.



    لكن مجرد خروج المرء من دائرة همومه الصغيرة يُعدّكافياً لأن يقترب من منظومة العظماء، وإذاكانت نوعية الهموم التي تسيطر على الواحد منا هي الفيصل في تصنيفه،فما هموم الكبار وما الذي يقلقهم؟ وكيف ينظرون إلىالأمور؟


    والحقيقة أن هذا سؤال كبير،والجواب عليه مستعرض ومستطيل، لكن يمكن أن نتناوله بطريقة خاطفة على النحوالتالي:


    1ـيحاول الكبار أن يعيشواروح الحياة لا شكلها، ولهذا فإن الهاجس الذي يهجس به الواحد منهم هونوعية الإنجازات التي يمكن أن ينجزها في هذه الحياة، ومن ثم فإن حياةالكبار لا تُقاس بالسنين والأنفاس، وإنما بالعطاءات والإنجازات، أماالصغار فإن الهمّ الذي يسيطر عليهم هو: كيف يمكن لهم أن يعيشوا في هذه الحياةبالطول والعرض، أي كيف يمكن لهم أن يعيشوا أطول مدة ممكنة مع العبِّ من ملذاتهاوشهواتها إلى الحد الأقصى.
    الكبار إذن يسيطرعليهم همُّ نوعية العطاء الذي يقدمونه للحياة، والصغار يسيطر عليهم همّ كمية مايستولون عليه من الحياة والأحياء..!!


    2ـيسيطر على الكبار همّرعاية التوازن في حياة أمتهم. إنهم يريدون لها أن تعيش فيرفاهية ورغد من العيش، لكن دون أن تنسى أن هناك آخرة تحتاج إلى عملومجاهدة، يريدون لها أن تمتلك كل الوسائل الحديثة دون أن تنسى أهدافهاالكبرى، يريدون لها أن تختلف حتى لا تقع في قبضة الجمود، ويريدون لها أن تعرف كيفتوقف خلافها عند حدود معينة حتى لا تصير إلى التشتت وذهاب الريح، يريدون لها أنتحافظ على كيانها وترعى مصالحها دون أن تنسى واجبها تجاه العالم الذي هي جزءمنه...


    3ـعلى مدار التاريخ كانالكشف عن العوامل التي تؤدي إلى انهيارالأمم وتخلفها هو الشغل الشاغل للمصلحينوالمفكرين الكبار، ومن هنا فإنعظماء الأمة هم الذين يساعدونهاعلى فهم طبيعة الأسباب التي تجعلها تتراجع أو تتجمد في مكانها، وهم من أجل ذلكيبحثون ويدرسون ويتأملون ويقارنون ويحاولون بعد كل هذا أن ينقلوا ما تحصّل لديهم منذلك إلى عقول أمتهم وأعصابها, ويمارسون من أجل ذلك النقد، مع أنهم يعرفون أن الحسالشعبي يرتاح للمديح وينفر ممن يشيرون إلى الجراح, لكن الشعور بالمسؤولية الأخلاقيةتجاه أهليهم وجماعتهم يجعلهم يتحملون تكاليف ذلك عن طيب خاطر. الكباريحاولون عزل أنفسهم عن السياق العام لمجتمعهم حتى يروه على نحو جيد، كما يقف قائدجيش على مكان مرتفع كي يرى كل أرض المعركة, وهذه العزلة تسبب لهم الكثير منالإشكالات وتعرّضهم لسوء الفهم من لدن الكثرة الكاثرة, وهم راضون بذلك؛ لأنه جزء منتبعات الريادة الفكرية والاجتماعيةالتي يحظون بها.


    4ـ الاهتمام بالعدل وحماية العناصر الضعيفة من بطش الجبارينواستغلال الماكرين... من أهم ما يميز بين صغار القوم وكبارهم, الصغاريبحثون عن الظروف الأكثر ملاءمة لبسط نفوذهم وتكثير أموالهم، ويجدون في التفاوتالطبقي الواسع ضالّتهم المنشودة, أما الكبار فيعلمون أن حماية الضعيف مجلبة لرحمةالرحمن، ومظلة أمان من التحلل الذاتي والانهيار الداخلي, ويعلمون كذلك أن العدلالمتوخى هو عدل بين الناس والأمكنة والأجيال, فلا يصح لجيل أن يستنفد ثروات البلد،ويلوث بيئته من غير اعتبار لمن سيأتي بعده من الأسباطوالأحفاد...


    هذه بعض معالم طريق الكبار، ويمكن للمرء أن يسير على طريقهم وفي ركابهم إذا تحلى بصفة واحدة منصفاتهم، وإن الأمة الكبيرة هي التي حظيت بأكبر عدد من الكبار، والأمة الصغيرة هيالتي يتلفت أطفالها يمنة ويسرة فلا يرون إلاّ مشغولاً بنفسه ومهموماً بدنياه... ولله الأمر من قبل ومن بعد.



    الدكتور عبد الكريم بكار
    المصدر: الإسلاماليوم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    نجد
    المشاركات
    1,176

    افتراضي رد: هموم العظماء

    جزاك الله خيرا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •