فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية - الصفحة 2
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 33 من 33

الموضوع: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد الثامن بحمد الله.
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    321

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك ... بارك الله فيك ...
    لو وضعت على ملف ورد لكان أحسن وأفضل

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    لو وضعته في ملف وورد فلن يقرأه أحد ( ابتسامة )
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    930

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    بارك الله فيكم ..و الرازي و ان كان سبق الكوثري في وصف كتاب ابن خزيمة بالشرك ووصفه بالجهل و غير ذلك الا انه لا يكفره بدليل احتجاجه بأقواله ...رحم الله الجميع

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    [ بيان تلبيس الجهمية - الفوائد المنتقاة من المجلد الأول]


    57
    فإن دعوى العلم الضروري فيما ليس كذلك بمنزلة إنكار الضروري فيما هو ضروري

    60
    [الرازي] بل جمع عظيم من المسلمين اختاروا مذهبهم [الفلاسفة] مثل معمر بن عباد السلمي من المعتزلة ومثل محمد بن نعمان من الرافضة ومثل أبي القاسم الراغب وأبي حامد الغزالي من أصحابنا

    63
    ومن المعلوم أن هذه المسألة هي من أعظم مسائل أصول الدين، التي يتكلم فيها عامة طوائف بني آدم، فمن لم يكن له خبرة بمقالات بني آدم، كيف يحكم على جمهور العقلاء المعتبرين وهو لم يعرف من مقالات عقلاء بني آدم إلا مقالات طوائف قليلة بالنسبة إلى هؤلاء، فأما أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم فلا خبرة له ولا أمثاله بمقالاتهم في هذا الباب كما تشهد به مصنفاته ومصنفات أمثاله، وكذلك لا خبرة له بمقالات الفقهاء وأئمة أهل الحديث والتصوف، وكذلك لا خبرة له بمقالات طوائف من متقدمي أهل الكلام ومتأخرين من المرجئة / والشيعة وغيرهم، ممن قد حكى أقوالهم طوائف كالأشعري وغيره، فإن كتبه تدل على أنه لم يعرف مقالات / أولئك، بل لا خبرة له أيضا بحقائق مقالات أئمة أصحابه كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وكأبي العباس القلانسي وأمثالهم، بل لا خبرة له بحقائق مقالات الأشعري التي ذكرها في نفس كتبه، ولهذا لا ينقل شيئا من كلام الأشعري نفسه من كتبه كالموجز والمقالات والإبانة واللمع وغير ذلك، بل كثير من مقالات أئمة الأشعرية في هذا الباب وغيره من مسائل الصفات وفي مسائل القدر وغير ذلك لم يكن يَخبُره كما تدل عليه مصنفاته، وهو أيضا إنما يخبر من مقالات غير الإسلاميين ما يخبره من مقالات الفلاسفة / المشائين ونحوهم ممن توجد مقالته في كتب ابن سينا وأمثاله من الدهرية والثنوية والمجوس وغيرهم أو يخبر / ما يجده في كتب أبي الحسين وأبي المعالي ونحوهما من الإسلاميين، وأما سائر مقالات الفلاسفة الأوائل والأواخر فلا يخبره، وهذا تفريط في العلم والصدق في القول والاطلاع على أقوال أهل الأرض في مقالاتهم ودياناتهم.

    82
    قلت: هذا الذي ذكرناه هو ألفاظ أبي بكر بن فورك التي نقل بها ما ذكره وهو في الغالب نقل ألفاظ أبي الحسن الأشعري من كتاب المقالات وفي مواضع غير كلامه بزيادة ونقصان تارة غلطا وتارة عمدا باجتهاده لاعتقاده أن الصواب هو الذي ذكره دون ما وجده فيما ذكره أبو الحسن

    100
    فما كان إنما علم بالعقل فقط والعقل يحيله لم يقل فيه بلا كيف كسائر الممتنعات

    137
    قال [ابن عساكر] ولم تزل الحنابلة ببغداد في قديم الدهر على ممر / الأوقات والأيام تعتضد بالأشعرية حتى حدث الاختلاف في زمن أبي نصر القشيري [485] ووزارة النظام ووقع بينهم / الانحراف من بعضهم على بعض لانحلال النظام

    146
    وهذا أصل معروف لكثير من أهل الكلام والفقه؛ يسوغون أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسبة قولية توافق ما اعتقدوه من شريعته حتى يضعوا أحاديث توافق ذلك المذهب وينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ابن فورك لم يكن من هؤلاء وإنما هو من الطبقة الثانية الذين ينسبون إلى الأئمة ما يعتقدون هم أنه الحق، فهذا واقع في كثير من طائفته حتى أنه في زماننا في بعض المجالس المعقودة قال كبير القضاة: إن مذهب / الشافعي المنصوص عنه كيت وكيت، وذكر القول الذي يعلم هو وكل عالم أن الشافعي لم يقله، ونقل القاضيان الآخران عن أبي حنيفة ومالك مثل ذلك، فلما روجع ذلك القاضي قيل له: هذا الذي نقلته عن الشافعي من أين هو؟ أي أن الشافعي لم يقل هذا، فقال: هذا قول العقلاء والشافعي عاقل لا يخالف العقلاء، وقد رأيت في مصنفات طوائف من هؤلاء ينقلون عن أئمة الإسلام المذاهب التي لم ينقلها أحد عنهم، لاعتقادهم أنها حق، فهذا أصل ينبغي أن يعرف

    186
    قال أبو عمر: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل الثقات أو جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فهو علم يدان به وما أحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فهو بدعة وضلالة
    [قال المحقق: لم أجد هذا النص في التمهيد ولا في الجامع لابن عبد البر]
    [قلت: النص في جامع بيان العلم برقم 1114]


    196
    وهشام بن عبيد الله هو أحد أعيان أصحاب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة الفقيه، وفي منزله مات محمد.

    203
    وحماد بن زيد وهو الإمام المطلق في زمن مالك والثوري والليث، وكان يقال: إنه أعلم الناس بما يدخل في السنة من الحديث

    216
    [أبو محمد المقدسي] واعلم رحمك الله أنه ليس من شرط صحة التواتر الذي يحصل به اليقين أن يوجد عدد التواتر في خبر واحد، بل متى نقلت أخبار كثيرة في معنى واحد من طرق يصدق بعضها بعضا ولم يأت ما يكذبها أو يقدح فيها حتى استقر ذلك في القلوب واستيقنته فقد حصل التواتر فيها / وثبت القطع واليقين، فإنا نتيقن جود حاتم وإن كان لم يرد بذلك خبر واحد مرضي الإسناد، لوجود ما ذكرنا، وكذلك عدل عمر وشجاعة علي وعلم عائشة، وأنها زوج النبي  وابنة أبي بكر وأشباه هذا، لا يشك في شيء من ذلك، ولا يكاد يوجد تواتر إلا على هذا الوجه، فحصول التواتر واليقين في مسألتنا مع صحة الأسانيد ونقل العدول المرضيين وكثرة الأخبار وتخريجها فيما لا يحصى عدده ولا يمكن حصره في دواوين الأئمة والحفاظ وتلقي الأمة لها بالقبول وروايتهم لها من غير معارض يعارضها ولا منكر لمن يسمع منه شيء منها أولى لا سيما وقد جاءت على وفق ما جاء في القرآن العزيز

    228
    وإن نازع في غيره [يعني أن غير النبي يرى الله في الدنيا!] بعض من لم يعرف السنة، ومذهب الجماعة من بعض المتكلمة وجهال المتصوفة ونحوهم.

    293
    كما يقوله الفلاسفة في العقول والنفوس الناطقة، وكذلك لو قيل المخالف للجسمانيات والروحانيات على لغة العامة الذين يفرقون بين مسمى الجسم والروح إذ الجسم عندهم أخص مما هو عند المتكلمين ولهذا يفرقون بين الأجسام والأرواح، وأما اصطلاح المتكلمين فلفظ الجسم عندهم يعم هذا كله.

    304
    فالإلزام إنما يكون لمن لا يقر بمضمون الحجة، والقوم من أعظم الناس قولا بموجب هذه الحجة

    316
    ومنه قول الشاعر:
    أني رأيت مخيلة لمعت ............ وتلألأت كمواقع القطر
    [المحقق: لم أعرف قائل هذا البيت بحثت عنه فلم أجده فيما بين يدي من المصادر]
    [قلت: البيت يروى في قصة الكاهنة فاطمة الخثمعية مع عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم من قولها، رواها بسنده الخرائطي في هواتف الجنان، وأبو نعيم في دلائل النبوة، وابن عساكر في تاريخ دمشق، بلفظ (بحناتم القطر)، والقصة مشهورة في كتب السيرة والتواريخ]

    317
    واسم الجنس إذا كان يعم نوعين أحدهما أشرف من الآخر فقد يخصون / في العرف النوع الأشرف باسمه الخاص، ويبقون الاسم العام مختصا بالنوع المفضول، كما في لفظ الحيوان والدابة وذوي الأرحام والجائز والممكن والمباح وغير ذلك، فلهذا كثيرا ما يخص بلفظ الوهم والخيال النوع الناقص وهو الباطل الذي لا حقيقة له، وأما ما كان حقا مما يتخيل ويتوهم فيسمونه باسمه الخاص من أنه حق وصدق ونحو ذلك، ومن أنه معلوم ومعقول

    346
    [المحقق: المائية والماهية معناهما واحد فهما من المصادر المشتقة من الجمل الاستفهامية المولدة مثل الماهية والمائية والكيفية والحيثية وقد تقدم الكلام عن الماهية في ص 256-257]

    419
    [عن الرازي] وأن أشرف العلوم العلم بالله لكنه [الصواب لكونه] العلم بالذات والصفات والأفعال وعلى كل واحد من ذلك عنده [قال المحقق: في ط عقدة. قلت: أظنها عقده أي عقد بابا لكل واحد من هذه]: هل الوجود هو الماهية أم قدر زائد؟ وهل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وهل الفعل مقارن أو محدث

    425
    وقود [كذا] مقالتهم يوجب مثل تلك المقالة

    427
    والمقصود أن هذا وأمثاله وإن كان في هذا المقام يتجوه* بمخالفة الدهرية وليس* الرد على الدهرية معلوما من طريقهم
    [كذا ولعل الصواب: يتفوه ... فليس الرد]

    435
    فلو كان في الإحساس الباطن والظاهر ما يرد حكمه مطلقا حتى يوافقه إحساس آخر لكان ذلك أيضا مردودا وليبين [كذا والصواب ولبين] ذلك كما بين نظيره

    473
    والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات

    480
    التعديل والتجويز
    [كذا وتكررت عدة مرات، ولعل الصواب : والتجوير بالراء]

    481
    والمحدث لا بد له من محدِث والممكن لا بد له من واجب، وهذا مما لا ينازع فيه أحد من بني آدم

    482
    وإن فرض أن قائلا يقول أو يخطر له: إن الفلك ليس بقديم واجب بنفسه ولا معلول علة قديمة بل يقول: حدث بنفسه بعد أن لم يكن، وهذا لا نعلم به قائلا، وقد ذكر أرباب المقالات أنهم لم يعلموا به قائلا، لكن هو مما يخطر بالقلب ويوسوس به الشيطان
    [المحقق: بحثت فلم أجد في القديم من قال بهذا القول، وفي العصر الحاضر هذا القول يوافق قول الطبيعيين الذين يقولون الطبيعة أوجدت نفسها ويعنون بالطبيعة الكون نفسه]
    [قلت: هذا القول منهم يعنون به أن الطبيعة قديمة أزلية، ولا يعنون أنها حدثت بعد أن لم تكن، وهو قول الدهرية]


    508
    [آخر كلام الخطابي الذي ذكر المحقق أن كتابه مفقود]

    514
    وكيف يكون ملكا عندهم من لا يقدر على إحداث شيء ولا دفع شيء ولا له تصرف لا بنفسه ولا في غيره بوجه من الوجوه، بل هو بمنزلة المقيد بحبل معلق به من لا يقدر على دفعه عن نفسه. وما يثبتونه من غناه وافتقار ما سواه إليه يتناقضون فيها، فإنهم يصفونه بما يمتنع معه أن يكون غنيا وأن يكون إليه شيء ما فقير

    515
    لكن [ليس] في هذا ما يدل على أنه ليس له إرادة وقصد
    [قلت: الصواب بزيادة ليس]

    539
    وأكثر عقول الناس تبخس دون تأمل هذا؛ إذ أحدهم يرى نفسه إما أن يقول حقا ويقول ما ينقضه، أو يقول حقا ويكذب بحق آخر، وتناقض القولين باطل، والتكذيب بالحق باطل، والحق الصريح لا يرى قلبه يستطيع معرفته كما لا يستطيع أن يحدق [كذا ولعل الصواب يحرق] بصر عينيه في نور الشمس، بل كما لا يستطيع الخفاش أن يرى ضوء الشمس

    [انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد الأول بحمد الله]
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    [ الفوائد المنتقاة من بيان تلبيس الجهمية - المجلد الثاني]

    10
    [الرازي] القضايا المبنية على الشرف والخسة قضايا غير علمية بل خطابية، فلا يمكن بناء القواعد العلمية عليها

    11
    وهذا جواب ضعيف وقد تعلمه من ابن سينا فإنه هو القائل في الشفاء (إن القضايا المبنية على الشرف والخسة قضايا خطابية) وليس الأمر كذلك
    [المحقق: لم أجده بهذا النص فيما وقفت عليه من كتاب الشفاء]
    [قلت: هو موجود في الشفاء، ولكن بغير هذا النص، وقد علق عليه الطوسي في عدة مواضع ببيان ما هو المراد من كلامه]


    13
    فأما أن تكون الغاية المقصودة له بذاتها هي مجرد نفعهم من غير مقصود آخر يكون أشرف من هذا فهذا إنما يقوله جاهل شديد الجهل بالمقاصد والنيات.

    26
    وجميع ما يخالفون به أهل الملل إنما هو مبني على إنكار ذلك، وإلا فمتى وقع الاعتراف بأن صانع العالم فاعل مختار انهارت هذه الفلسفة

    28
    وهذا الكلام [ابن رشد] كالصريح في تجويز قيام الحوادث بالرب

    40
    الموجود الواجب بذاته أدنى خصائصه امتناع العدم عليه وهؤلاء يجعلون ما وجد وعدم من واجب الوجود لذاته، وأصل ضلالهم ظنهم أن الوجود المطلق له وجود في الخارج فقالوا بوحدة الوجود أي الوجود الواحد ولم يعلموا أن الوجود المطلق لا وجود له في / الخارج وإنما الموجود في الخارج موجودان كل منهما متعين متميز عن الآخر وليس أحدهما هو الآخر بعينه ولا نفس وجود هذا هو نفس وجود هذا

    41
    ولهذا يقول كبير هؤلاء الاتحادية في وقته التلمساني:
    / ( ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل )

    45
    لأنهم إنما يتكلمون على ما شهدوه من الموجود المطلق الذي لا يوجد في الخارج
    [الصواب من الوجود المطلق]

    52
    وقال أبو المعالي – وهؤلاء نفاة التعليل – (معنى قولنا: إنه حكيم في أفعاله أنه مصيب في ذلك ومحكم لها؛ لأنه مالك الأعيان فيتصرف تصرف مالك الأعيان في ملكه من غير اعتراض، وقد يراد بالحكمة العلم بالمعنى بكونه حكيما في فعله أنه خلقه على الوجه الذي أراده وعلمه وحكم به، ثم لم يكن علمه وإرادته علة لفعله ولا موجبا له لقدم هذه الصفات وحدوث متعلقا)

    54
    لام الصيرورة إما أن تكون لمن لا يريد الغاية وذلك إنما يكون لجهل الفاعل بالغاية كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا}، وإما لعجزه عن دفعها وإن كان كارها لها كقول القائل:
    / لدوا للموت وابنوا للخراب
    وللموت ما تلد الوالدة
    فأما العالم بالعاقبة القادر على وجودها ومنعها فلا يتصور أن تكون العاقبة إلا وهو عالم بها قادر عليها
    ......... ومريد الغاية التي للفعل لا يكون اللام في حقه لام الصيرورة، إذ لام الصيرورة إنما يكون في حق من لا يريد،

    82
    فبالحري أن يشترط ذلك في الحاكم على الموجودات
    [الصواب فبالحَرَى]

    96
    وليس يلزم من كونهم أهل برهان في علم الحساب والطب والهندسة أن يكونوا أهل برهان في معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما أنه لا يلزم من كون الرجل ذا برهان في الهندسة والحساب أن يكون ذا برهان في الطب مع أن كليهما صناعة حسية، وكثيرا ما يحذق الرجل فيهما، ومن المعلوم أن العلم بهذه الأمور أبعد عن الطب والحساب من بعد أحدهما عن الآخر.

    105
    [ابن رشد عن الغزالي] هو مع الأشعرية أشعري، ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف

    106
    قلت: أما عده أبا حامد ممن لا يقر بمعاد الأبدان، فهو وإن كان قد قال في بعض كتبه ما نسب لأجله إلى ذلك* فالذي لا ريب / فيه أنه لم يستمر على ذلك، بل رجع عنه قطعا وجزم بما عليه المسلمون من القيامة العامة كما أخبر به الكتاب
    [المحقق: انظر في ذلك ما ذكره في كتاب المظنون [كذا] به على غير أهله]

    109
    فأما شيوخ الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل أبي القاسم الجنيد وسهل بن عبد الله / التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبي العباس بن عطاء بل مثل أبي طالب المكي وأبي عبد الرحمن / السلمي وأمثال هؤلاء فحاش لله أن يكونوا من أهل هذا المذهب، بل هم من أبعد الطوائف عن مذهب الجهمية في سلب الصفات

    113
    ولعل شبهتهم في ذلك [في الحاشية : في ط (شبههم)]
    [قلت: الصواب شَبَهَهم]

    124
    مسمى الحشوية في لغة الناطقين به ليس هو اسما لطائفة معينة لها رئيس قال مقالة فاتبعته كالجهمية والكلابية والأشعرية، ولا اسما لقول معين من قاله كان كذلك، والطائفة إنما تتميز بذكر قولها أو بذكر رئيسها، ولهذا / كان المؤمنون متميزين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    127
    وإذا كان كذلك فأول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ عمرو بن عبيد رئيس / المعتزلة فقيههم وعابدهم، فإنه ذكر له عن ابن عمر شيء يخالف قوله فقال: كان ابن عمر حشويا نسبه إلى الحشو وهم العامة والجمهور، فإن الطوائف الذين تميزوا عند أنفسهم بقوله تميزوا به عما عليه جماعة المسلمين وعامتهم يسمونهم بنحو هذا الاسم

    132
    وهذا جهل منهم وقول بلا علم، فإن أحدا من هؤلاء لم يقل: إن الله تعالى لا يعرف إلا بمجرد خبر الشارع الخبر المجرد، فإن هذا لا يقوله عاقل، فإن تصديق المخبر في قوله إنه رسول الله بدون المعرفة أنه رسول ممتنع، ومعرفة أنه رسول الله ممن لا يعرف أن الله موجود ممتنع، فنقل مثل هذا / القول عن طائفة توجد في الأمة أو عن عالم معروف في الأمة من الكذب البين، وهو من جنس وضع الملاحدة للأحاديث المتناقضة على المحدثين ليشينوهم بذلك عند الجهال

    136
    فيقال: من الوجوه الصحيحة أن ما نطق به الكتاب وبينه أو ثبت بالسنة الصحيحة، أو اتفق عليه السلف الصالح فليس لأحد أن يعارضه معقولا ونظرا أو كلاما وبرهانا وقياسا عقليا أصلا، بل كل ما يعارض ذلك فقد علم أنه باطل علما كليا عاما، وأما تفصيل العلم ببطلان ذلك فلا يجب على كل أحد، بل يعلمه بعض الناس دون بعض، وأهل السنة الذين هم أهلها يردون ما عارض النص والإجماع من هذه وإن زخرفت بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان

    137
    وكذلك من الوجوه الصحيحة أن موارد النزاع لا تفصل بين المؤمنين إلا بالكتاب والسنة، وإن كان أحد المتنازعين يعرف ما يقوله بعقله، وذلك أن قوى العقول متفاوتة مختلفة وكثيرا ما يشتبه المجهول بالمعقول، فلا يمكن أن يفصل بين المتنازعين قول شخص معين ولا معقوله، وإنما يفصل بينهم الكتاب المنزل من السماء والرسول المبعوث المعصوم فيما بلغه عن الله تعالى

    142
    [الخطابي] فما قامت الحجة عليهم كان* في الاستدلال على إثبات الصانع وحدوث العالم
    [قلت: كذا ولعل الصواب كافٍ في الاستدلال]

    155
    [الخطابي] إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال
    .........
    إذ لا يمكن أحدٌ من الناس أن يروي في ذلك عنه ولا عن واحد من أصحابه من هذا النمط حرفا واحدا
    [الصواب لا يمكن أحدا]

    169
    ولا يكاد تفصيل الباطل ينضبط

    173
    فإن المصنفات في أخبار الزهاد ثلاثة أقسام:
    قسم جردوا النقل لأخبار القرون المفضلة من الصحابة / والتابعين ونحوهم كما ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله في كتابه المشهور في الزهد فإنه صنفه على الأسماء وذكر فيه زهد الأنبياء والصحابة والتابعين وإن كان آخرون من المصنفين في الزهد كعبد الله بن المبارك وهناد بن السري / صنفوا ذلك على الأبواب.
    وقسم ذكروا أخبار الزهاد المتأخرين من حيث حدث اسم التصوف، كما فعل أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه في (طبقات الصوفية) وكما فعل أبو القاسم القشيري في / رسالته وابن خميس في (مناقب الأبرار) ونحو هؤلاء.
    وقسم ذكروا المتقدمين والمتأخرين كما فعل الحافظ أبو نعيم الأصبهاني وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهما.

    187
    ومن زعم من المنتسبين إليهم [الصوفية] أنهم يجدون في الكشف ما يناقض صريح العقل، أو أن أحدهم يرد عليه أمر يخالف الكتاب والسنة بحيث يكون خارجا عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره، أو أنه يحصل له علم مفصل بجميع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر به فهو عندهم ضال مضل، بل زنديق منافق، لا يجوزون قط طريقا يستغنى به عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به الرسول ويأمر به فضلا عن أن يسوغ له مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في أمره وخبره.

    197
    [الهروي] يردون على اليهود قولهم {يد الله مغلولة} فينكرون الغل وينكرون اليد فيكونون أسوأ حالا من اليهود؛ لأن الله تعالى أثبت الصفة ونفى العيب، واليهود أثبتت الصفة وأثبتت العيب، وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب.

    200
    [الهروي] وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة وإنما اعتقادهم القرآن غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة والأشعرية الإناث بعشر مرات

    202
    [الهروي] ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسنة، فقالوا: لا نفسرها نجريها عربية كما وردت، وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة، أرادوا بهذه المخرقة أن يكون عوام المسلمين أبعد عيابا عنها وأعيا ذهابا منها ليكونوا أوحش عند ذكرها وأشمس عند سماعها، وكذبوا، بل التفسير أن يقال وجه ثم لا يقال كيف، وليس كيف في هذا الباب من مقال المسلمين، فأما العبارة فقد قال الله {وقالت اليهود يد الله مغلولة} وإنما قالوها / بالعبرانية فحكاها الله عنهم بالعربية وكان يكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبا بالعربية، فيها أسماء الله وصفاته فيعبر بالألسنة عنها ويكتب إليه بالسريانية فيعبره له زيد بن ثابت رضي الله عنه بالعربية، والله تعالى يدعى بكل لسان باسمه فيجيب / ويحلف بها فيلزم وينشد فيجاز ويوصف فيعرف.

    211
    [الهروي] فمما ظهر في المسلمين من زيغ الدين الكلام في التوحيد تكلفا وهي الزندقة الأولى وهي ثلاث قواعد نجم بعضها على أثر بعض: الأولى منها القول بالقدر، وهي فتنة البصرة، ثم قصب السلف، وهي فتنة الكوفة، ثم إنكار الكلام لله، وهي فتنة المشرق.

    252
    وإمام المتكلمين من الفلاسفة والمتكلمين أبي عبد الله الرازي؛ فإنه في كتابه بعد أن بين توقف المعاد على ثبوته [الجوهر الفرد] وذكر ذلك غير مرة في أثناء مناظرته للفلاسفة قال في المسألة بعينها لما أورد حجج نفاة الجوهر الفرد فقال: وأما المعارضات التي ذكروها فاعلم أن من العلماء من مال إلى التوقف في هذه المسألة بسبب تعارض الأدلة فإن إمام الحرمين صرح في كتاب التلخيص في أصول الفقه أن هذه المسألة من محارات / العقول. وأبو الحسين البصري هو أحذق المعتزلة توقف فيه ونحن أيضا نختار هذا التوقف.
    فأي ضلال في الدين وخذلان له أعظم من هذا؟!

    369
    وقال بعضهم: الاستحالة والامتناع لا يعلل أي هي ثابتة للذات
    [الصواب لا بِعِلَل]

    376
    ولهذا كان يقول غير واحد من أفاضل زماننا من الفضلاء العالمين بالفلسفة والشريعة: (ما ثم إلا مذهب المثبتة أو الفلاسفة وما بينهما متناقض، وثبت أن الفلاسفة أكثر / تناقضا)
    [ذكر المحقق أنه ابن النفيس]

    401
    [عثمان بن سعيد الدارمي عن المريسي] فأقر الجاهل بالحديث وصححه وثبت روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تلطف لرده وإبطاله بأقبح تأويل وأسمج تفسير، ولو قد رد الحديث أصلا كان أعذر له من تفاسيره هذه المقلوبة التي لا يوافقه عليها أحد من أهل العلم ولا من أهل العربية، فادعى الجاهل أن تفسير قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنكم سترون ربكم لا تضامون في رؤيته) تعلمون أن لكم ربا لا تشكون فيه

    424
    ثم قال أبو سعيد [الدارمي] (فهذه أحاديث كلها وأكثر منها قد رويت في الرؤية على تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه من مشايخنا ولم يزل المسلمون قديما وحديثا يروونها ويؤمنون بها لا يستنكرونها ولا ينكرونها ومن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال)

    425
    [أبو سعيد الدارمي] (وقال بعضهم إنا لا نقبل هذه الآثار ولا نحتج بها. قلت: أجل ولا كتاب الله تعالى تقبلون!! أرأيتم إن لم تقبلوها أتشكون أنها مروية عن السلف مأثورة عنهم مستفيضة فيهم يتوارثونها عن أعلام الناس وفقهائهم قرنا بعد قرن؟ قالوا: نعم، قلنا: فحسبنا بإقراركم بها عليكم حجة لدعوانا أنها مشهورة مروية تداولها العلماء والفقهاء فهاتوا عنهم مثلها حجة لدعواكم التي كذبتها الآثار كلها، فلا تقدرون أن تأتوا فيها بخبر ولا أثر، وقد علمتم إن شاء الله تعالى أنه لا يستدرك سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأحكامهم وقضاياهم إلا بهذه الآثار والأسانيد على ما فيها من الاختلاف وهي السبب إلى ذلك / والنهج الذي درج عليه المسلمون وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله تعالى منها يقتبسون العلم وبها يقضون وبها يفتون وعليها يعتمدون وبها يتزينون يورثها الأول منهم الآخر ويبلغها الشاهد منهم الغائب احتجاجا بها واحتسابا في أدائها إلى من لم يسمعها يسمونها السنن والآثار والفقه والعلم ويضربون في طلبها شرق الأرض وغربها يحلون بها حلال الله تعالى ويحرمون بها حرامه، ويميزون بها بين الحق والباطل والسنن والبدع ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه وأحكامه

    426
    [الدارمي] فإن كنتم من المؤمنين وعلى منهاج أسلافهم فاقتبسوا العلم من أثرهم، واقتبسوا الهدى في سبيلهم، وارضوا بهذه الآثار إماما كما رضي بها القوم لأنفسهم إماما، فلعمري ما أنتم أعلم بكتاب الله منهم ولا مثلهم، بل أضل وأجهل، ولا يمكن الاقتداء بهم إلا باتباع هذه الآثار على / ما تروى، فمن لم يقبلها فإنه يريد أن يتبع غير سبيل المؤمنين

    434
    حتى إن أئمة أصحاب الأشعري المتأخرين كأبي / حامد وابن الخطيب وغيرهما لما تأملوا ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة أو قريب منه، وفسروها بزيادة العلم كما يفسرها بذلك الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية الثابتة بالنصوص والإجماع المعلوم جوازها بدلائل المعقول، بل المعلوم بدلائل العقول امتناع وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن تعلقها به

    438
    [ابن رشد] وذلك أنه يشبه أن يكون في الحجج ما يوجد في الناس، أعني أنه كما يوجد في الناس الفاضل التام الفضيلة، فيوجد فيهم من هو دون ذلك في الفضل، ويوجد فيهم من يوهم أنه فاضل وليس بفاضل، وهو المرائي، وكذلك الأمر في الحجج؛ أعني أن منها ما هو في غاية اليقين، ومنها ما هو دون اليقين، ومنها حجج مرائية؛ وهي التي توهم أنها يقين وهي كاذبة، والأقاويل التي سلكها الأشعرية في هذه المسألة منها أقاويل في / دفع دليل المعتزلة، ومنها أقاويل لهم في إثبات جواز الرؤية لما ليس بجسم وأنه ليس يعرض من فرضها محال.

    443
    وقد اضطر المتكلمون لمكان هذه المسألة وما أشبهها أن يسلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع والأصوات ممكنة أن ترى، وهذا كله خروج عن الطبع وعما يمكن أن يعقله الإنسان

    446
    ولولا النشوء على هذه الأقاويل وعلى التعظيم للقائلين بها لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة

    451
    وإن كانوا قد لا يعلمون أن ذلك نفاقا وزندقة
    [كذا ولعل الصواب أن في ذلك]

    464
    أن جميع العقلاء الذين خبروا كلام أرسطو وذويه في العلم الإلهي علموا أنهم من أقل الناس نصيبا في معرفة العلم الإلهي، وأكثر الناس اضطرابا وضلالا، فإن كلامه وكلام ذويه في الحساب والعدد ونحوه من الرياضيات مثل كلام بقية الناس، والغلط في ذلك قليل نادر، وكلامهم في الطبيعيات دون ذلك غالبه جيد، وفيه باطل، وأما كلامهم في الإلهيات ففي غاية الاضطراب مع قلته، فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل / هو قليل كثير الضلالة عظيم المشقة، يعرفه كل من له نظر صحيح في العلوم الإلهية، فكيف يستدل بكلام مثل هؤلاء في العلم الإلهي وحالهم هذه الحال؟!

    495
    ومن العجب أنه [الرازي] ذكر في نهايته على لسان منازعيه إجماع المسلمين على تكفير المشبهة، وأنه ليس هو الذي يذهب إلى كون الله تعالى وتقدس شبيها بخلقه من كل الوجوه، فإن هذا لم يذهب إليه عاقل. فتعين أن يكون هو الذي يثبت الإله على صفة يشبهه معها بخلقه، ثم ذكر هو إجماع المسلمين على كون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه / فالذي ذكر أولئك إجماع المسلمين على تكفير قائله ذكر هو إجماع المسلمين على القول به!!

    514
    وإذا كانت الدعوى مجملة تحتمل مورد النزاع وما هو أعظم منه وما هو أخص منه لم تكن إقامة الدليل عليها دافعة للخصم وهذا بين


    518
    وذلك أنه يمتنع أن يكون كل من الشيئين علة للآخر؛ لأن العلة متقدمة للمعلول، فيلزم أن يكون كل منهما علة للآخر ومعلولا له، فيلزم تقدمه عليه وتأخره عنه، وذلك يستلزم تقدمه على نفسه بدرجتين وتأخره عن نفسه بدرجتين، ويستلزم كونه علة لنفسه ومعلولا لنفسه؛ لأنه يكون علة علته ومعلول معلوله جميعا، ولا يمتنع أن يكون كل من الشيئين مقارنا للآخر، بحيث لا يوجد إلا معه كالأمور المتضايفة مثل الأبوة والبنوة ونحو ذلك، وهذا دور / الشروط، فيجوز أن يكون وجود كل من الأمرين شرطا في وجود الآخر بحيث لا يوجد إلا معه، فهذا جائز ليس بممتنع

    523
    الوجه الثالث: أن تعين الشيء في اقتضائه لنفي وجوب المثل كما هو في اقتضائه لنفي وجود المثل، ثم من المعلوم أنه إذا كان امتناع حصوص التعين في الغير يقتضي نفي المثل وجب أن لا يكون لشيء من الأشياء نظير ولا شبيه ولا مثل؛ فإنه ما من شيء إلا له عين مخصوصة يمتنع حصولها في غيره، فإن كان عدم حصول عين الشيء في غيره يقتضي عدم مثله ونظيره فليس في الوجود ما له نظير وشبيه، وهذا من أبطل الأشياء، وإذا لم يكن تعين الشيء مانعا من وجود النظير لم يكن مانعا من وجوب النظير، فإنه لا يدل على هذا ولا هذا.

    547
    [الأشعري] وحكي عن رجل كان يعرف بأبي شعيب أن الباري يُسر بطاعة أوليائه / وينتفع بها وبإنابتهم، ويلحقه العجز بمعاصيهم إياه)

    563
    فمن ذلك أن الجاحظ ذكر عن النظام أن هشاما قال في التشبيه في سنة واحدة خمسة أقاويل، قطع في آخرها أن معبوده بشبر نفسه سبعة أشبار

    565
    قال [أبو عيسى الوراق]: وليس من هؤلاء أحد جرد القول بالجسم ولكنهم كانوا يقولون هو نور على صورة الإنسان، وينكرون قول القائل بالجسم، فقاس من حكى ذلك عنهم عليهم، وحكى من طريق القياس، إذ كان الحاكي لذلك يعتقد أن الصور لا تكون إلا للأجسام فغلط عليهم، وهكذا غلط كثير من أهل الكلام

    605
    [الدارمي] وهي كلمة [يعني الحد] لم يبلغنا أنه سبق جهما إليها أحد من العالمين، فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك أيها الأعجمي؛ تعني أن الله تعالى لا شيء؛ لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدا موصوف لا محالة، ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك لا حد له تعني أنه لا شيء.

    [انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد الثاني بحمد الله]
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    135

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    شكرا لك ... بارك الله فيك ...
    ###

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    شكر الله لك هذا الانتقاء.

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    [الفوائد المنتقاة من بيان تلبيس الجهمية - المجلد الثالث]

    10
    [لاحظت أن المحققين يكررون ما سبق التعليق عليه من بعضهم، كالتعريف بالأعلام والفرق وتخريج الأحاديث، ونحو ذلك]

    11
    وذكر ابن بطة عن ابن / الأعرابي قال: أرادني ابن أبي دواد أن أطلب في بعض لغات العرب ومعانيها الرحمن على العرش استولى، فقلت: والله ما يكون هذا ولا أصبته

    22
    [أبو يعلى] ورأيت بخط أبي إسحاق ثنا أبو بكر أحمد بن نصر الرفاء
    [المحقق: لعله أبو إسحاق الإسفراييني - ولم يجد المحقق ترجمة لهذا الرفاء]

    32
    وفي رواية قال [ابن راهويه لعبد الله بن طاهر] رواها من روى الطهارة والغسل والصلاة والأحكام وذكر أشياء، فإن يكونوا مع هذه عدولا وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع، فقال له: شفاك الله كما شفيتني أو كما قال

    36
    ولهذا يوجد للخطابي وأمثاله من الكلام ما يظن أنه متناقض حيث يتأول تارة ويتركه / أخرى وليس بمتناقض، فإن أصله أن يثبت الصفات التي في القرآن والأخبار الموافقة له، أو ما في الأخبار المتواترة دون ما في الأخبار المحضة أو دون ما في غير المتواترة، وهذه طريقة ابن عقيل ونحوه، وهي إحدى طريقي أئمة الأشعرية كالقاضي أبي بكر ابن الباقلاني، وهم مع هذا يثبتونها صفات معنوية

    48
    فإن القرآن يدل على المعنى تارة بالمطابقة، وتارة / بالتضمن، وتارة بالالتزام، وهذا المعنى يدل عليه القرآن تضمنا أو التزاما.

    49
    ولم يقل أحد من أئمة السنة إن السني هو الذي لا يتكلم إلا بالألفاظ الواردة التي لا يفهم معناها، بل من فهم معاني النصوص فهو أحق بالسنة ممن لم يفهمها، ومن دفع ما يقوله المبطلون مما يعارض تلك المعاني وبين أن معاني النصوص تستلزم نفي تلك الأمور المعارضة لها فهو أحق بالسنة من غيره

    127
    قلت: مذهب النصارى لكونه متناقضا في نفسه لا يعقل -إذ لا حقيقة له، كما لا تعقل الممتنعات- صاروا يضطربون في قوله؛ فكل طائفة منهم تفسره بغير ما تفسره الأخرى، وكذلك يضطرب الناس في نقله، فلهذا ذكر هذا أن الأقانيم عندهم أبعاض كأركان الإنسان، وإن كان الآخرون من النصارى / لا يقولون ذلك، فإن عندهم كل واحد من الأقانيم إله يدعى ويعبد مع قولهم: إن الثلاثة إله واحد، وبعض الإله ليس هو إلها، ولكن عندهم الذات الموصوفة بالأمور الثلاثة مع كل صفة أقنوم، ثم يقولون: إن الواحد هو المتحد بالمسيح، فإن كان متحدا لصفة فالصفة ليست إلها يخلق ويرزق وعندهم المسيح إله، وإن كان المتحد الذات فيكون المسيح هو الأب والابن والروح القدس إله وهم لا يقولون ذلك، وإنما يقولون المتحد به الكلمة التي هي الابن، ويقولون هو ابن الله لذلك، ويقولون أيضا هو الله؛ لأن المتحد به هو الذات التي هو الله، فيجعلون المتحد به هو الذات بصفة دون الذات بالصفتين الأخريين، ومن المعلوم أن الصفات لا تفارق الذات، وقد يكونون يقولون كما حكى هذا الأقانيم أبعاض وأجزاء كل منهما إله أيضا.

    130
    اللهم إلا أن يكون بعض من لا أعلم من الجهال الضلال قد جوز على الله أن ينفصل منه بعضه عن بعض، كما يحكى ذلك عن بعض الكفار، فبنو آدم لا يمكن حصر ما يقولونه، وإنما المقصود أن المقالات المحكية عن طوائف الأمة لم أجد فيها من حكى هذا القول عن أحد من الطوائف.

    146
    أما في اللغة فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن وغيره من الكلام العربي متطابق / على ما هو معلوم بالاضطرار من لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسما، إذ المخلوقات إما أجسام وإما أعراض عند من يجعلها غيرها وزائدة عليها، وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدا امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء

    206
    اللفظ المشهور بين العامة والخاصة لا يكون مسماه ما قد تنازع الناس في إثباته ولا يعلم إلا بدقيق النظر إن سلم ثبوته.

    208
    والشيء لا يقال فيه ثبت إلا إذا كان معلوما بالبديهة أو قد أقيمت عليه حجة

    213
    فسواء سمى المسمي هذا تعدادا أو تركيبا أو لم يسمه هو ثابت في نفس الأمر لا يمكن دفعه، والحقائق الثابتة لا تدفع بالعبارات المجملة المبهمة وإن شنع بها الجاهلون.

    254
    [أشار شيخ الإسلام هنا إلى قاعدة عظيمة في كون الحديث المتلقى بالقبول لا يطعن فيه بعلة محتملة]
    وهذا الحديث قد يطعن فيه بعض المشتغلين بالحديث انتصارا للجهمية وإن كان لا يفقه حقيقة قولهم وما فيه من التعطيل، أو استبشاعا لما فيه من ذكر الأطيط كما فعل أبو القاسم المؤرخ، ويحتجون بأنه تفرد به محمد بن إسحاق / عن يعقوب بن عتبة عن جبير، ثم يقول بعضهم: ولم يقل ابن إسحاق حدثني.
    فيحتمل أن يكون منقطعا، وبعضهم يتعلل بكلام بعضهم في ابن إسحاق، مع أن هذا الحديث وأمثاله وفيما يشبهه في اللفظ والمعنى لم يزل متداولا بين أهل العلم خالفا عن سالف، ولم يزل سلف الأمة وأئمتها يروون ذلك رواية مصدق به راد به على من خالفه من الجهمية متلقين لذلك بالقبول، حتى قد رواه الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه في التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بأحاديث الثقات / المتصلة الإسناد

    257
    وممن احتج به الحافظ أبو محمد بن حزم في مسألة / استدارة الأفلاك، مع أن أبا محمد هذا من أعلم الناس لا يقلد غيره ولا يحتج إلا بما تثبت عنده صحته

    259
    فمن رد تلك الأحاديث المتلقاة بالقبول واحتج في نقضها بمثل هذه الموضوعات فإنما سلك سبيل من لا عقل له ولا دين، وكان في ذلك ممن يتبع الظن وما تهوى الأنفس، وهو من المقلدين لقوم لا علم لهم بحقيقة حالهم

    277
    ولكن قوله (يلزم الافتقار) من باب التعارض، فيحتاج إلى الجمع بين موجب الآية وبين هذا الدليل؛ لا تكون / الآية -لأجل ما يقال إنه يعارضها- تدل على نقيض مدلولها، هذا لا يقوله عاقل.

    295
    ولهذا يوجد في متكلمة الجهمية من المعتزلة ونحوهم شبه كثير [يعني باليهود] حتى إن من أحبار اليهود من يقرر الأصول الخمسة التي للمعتزلة

    296
    وحتى إن من النصارى من / يأخذ (فصوص الحكم) لابن عربي فيعظمه تعظيما شديدا ويكاد يغشى عليه من فرحه به، وبهذا يوجد في شيوخ الاتحادية موالون للنصارى ولعلهم يوالونهم أكثر من المسلمين.

    303
    كما يروى أن عمرو بن عبيد قال لأبي عمرو بن العلاء: أحب أن تقرأ هذا الحرف {وكلم الله موسى تكليما} ليكون موسى هو الذي كلم الله ولا يكون في الكلام دلالة على أن الله كلم أحدا، فقال له: وكيف تصنع بقوله {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه}

    305
    والنافية الكلية السالبة تناقض بإثبات معين كما في قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى}

    449
    والكلام عنهم [السمنية] أنهم لا يقرون من العلوم إلا بالحسيات، ولكن قد يقول بعض الناس: إنهم أرادوا بذلك أن ما لا يدركه الإنسان بحسه فإنه / لا يعلمه حتى يقولوا عنهم: إنهم ينكرون المتواترات والمجربات والبديهيات، وهذا -والله أعلم- غلط عليهم.
    كما غلط هؤلاء في نقل مذهب السوفسطائية فزعموا أن فرقة من الناس تنكر وجود شيء من الحقائق، ومن المعلوم أن أمة يكون لها عقل يفارقون به المجانين لا يقولون هذا، ولكن قد تقع السفسطة في بعض الأمور وبعض الأحوال، وتكون كما فسرها بعض الناس أن السفسطة هي كلمة معربة، وأصلها / يونانية (سوفسقيا) ومعناها الحكمة المموهة، فإن لفظ (سوفيا) يدل في لغتهم على الحكمة، ولهذا يقولون (فيلاسوفا) أي محب الحكمة، فلما كان من القضايا ما يعلم بالبرهان ومنه ما يثبت بالقضايا المشهورة، وبعضها يناظر فيه بالحجج المسلمة وبعضها تتخيله النفس وتشعر به فيحركها وإن لم / تكن صادقة وهي القضايا الشعرية، ومنها ما يكون باطلا لكن يشبه الحق، فهذه الحكمة المموهة هي المسماة بالسفسطة عند هؤلاء، وقد تكلمنا على هذا في غير هذا الموضع.
    فهؤلاء السمنية يكون قولهم إن ما لا يدرك بالحواس لا يكون له حقيقة، ثم الرجل قد يعلم ذلك بحواسه وقد يعلم ذلك بإخبار من علم ذلك بحواسه، ويدل على ذلك أن هؤلاء قوم موجودون، فالرجل منهم لا بد أن يقر بوجود أبويه وجده وولادته وحوادث بلده الموجودة قبله وما يحتاج إليه من أخبار الناس والبلاد وهذه الأمور كلها لا يعلمها أحدهم إلا بالخبر فإنه لا يدرك بحسه ولادته وإحبال أبيه لأمه ونحو ذلك لكن المخبرون يعلمونها بالإحساس ولا يتصور أن يعيش في العالم أمة يكذبون بكل ما لا يحسونه، بل هذا يلزم أن بعضهم لا يزال غير مصدق لبعض في معاملاتهم واجتماعاتهم، والإنسان / مدني بالطبع لا يعيش إلا مع بني جنسه، ومن لم يقر إلا بما أحسه لم يمكنه الاستعانة ببني جنسه في عامة مصالحه.

    455
    قال الإمام أحمد: وجد الجهم ثلاث آيات من القرآن من المتشابه قوله {ليس كمثله شيء} {وهو الله في السموات وفي الأرض} {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله  وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرا، وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشرا كثيرا واتبعه على قوله / رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية.

    462
    فإن اسم السيد يقتضي الجمع والقوة، ولهذا يقال: السواد هو اللون الجامع للبصر، والبياض اللون المفرق للبصر، ويقال للحليم: السيد؛ لأن نفسه تجتمع فلا تتفرق وتتميز من الغيظ والواردات عليها، وكذلك هو الذي يصبر على الأمور / والصبر يقتضي الجمع والحبس والضم، وضده الجزع الذي يقتضي التفرق وكذلك التعزي والتعزز وعززته فتعزى أو هو لا يتعزى هو ضد الجزوهن فإن التعزز والتعزي يقتضي الاجتماع والقوة والجزع يقتضي التفرق والضعف.

    465
    وذلك أن لفظ (ص م د) يدل على الاجتماع والانضمام المنافي للتفرق والخلو والتجويف، كما يقال صمد المال وصمده تصمدا [تصميدا] إذا جمعه وضم بعضه إلى بعض ومنه في الاشتقاق الأكبر الصمت والتصمت فإن التاء والدال أخوان متقاربان في المخرج، والاشتقاق الأكبر هو ما يكون فيه الكلمتان قد اشتركت في جنس الحرف / فالكلمتان اشتركتا في الصاد والتاء، والتاء والدال أخوان يقال صمت صماتا وصموتا وأصمت إصماتا وهو جمع وضم ينافي الانفتاح والتفريج ولهذا يقال للعظام ونحوها من الأجسام منها أجوف ومنها مصمت.

    493
    لهذا تغلط الأذهان هنا كثيرا؛ لأن بين ما في الأذهان وما في الأعيان مناسبة ومطابقة وهو من وجه مطابقة العلم للمعلوم، ومخالفة من وجه وهو أن ما في النفس من العلم ليس مساويا للحقيقة الخارجة، فلأجل ما بينهما / من الائتلاف والاختلاف كثر بين الناس الائتلاف والاختلاف، ومن فهم ما يجتمعان فيه ويفترقان زاحت عنه الشبهات في هذه المحارات.

    511
    فهذا شأن كل من أراد أن يُظهر خلاف ما عليه أمة من الأمم من الحق إنما يأتيهم بالأسهل الأقرب إلى موافقتهم، فإن شياطين الإنس والجن لا يأتون ابتداء ينقضون الأصول العظيمة الظاهرة فإنهم لا يتمكنون.

    515
    وإنما الغرض التنبيه على أن دعاة الباطل المخالفين لما جاءت به الرسل يتدرجون من الأسهل والأقرب إلى موافقة الناس إلى أن ينتهوا إلى هدم الدين، وهذا مما يفعله بعض أهل الحق أيضا في دعوة الناس إلى الحق شيئا بعد شيء بحسب ما تقتضيه الشريعة وما يناسب حاله وحال أصحابه.

    538
    وكان أبو المعالي الجويني كثير المطالعة لكتب أبي / هاشم بن أبي علي الجبائي، وكان من أذكياء العالم، وكان هو وأبو الحسن الأشعري كلاهما تلميذا لأبي علي الجبائي، لكن الأشعري رجع إلى مذهب الأثبات [كذا] الذين يثبتون الصفات والقدر ويثبتون خروج أهل الكبائر من النار ولا يكفرون أحدا من أهل الإيمان بذنب ولا يرون القتال في الفتنة فناقض المعتزلة في أصولهم الخمس التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة ....... وأما أبو هاشم فكان على هذه الأصول مع أبيه وإن / كان يخالفه في كثير من المسائل.
    وكان أبو المعالي كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، فصار هو وغيره يقودون [لعلها يطردون] الأصول التي وافق قدماؤهم فيها المعتزلة فرأوا أن من لوازمها نفي أن يكون الله على العرش فتظاهروا بإنكار ذلك موافقة للمعتزلة ولم يكن الخلاف في ذلك مع المعتزلة من المسائل المشهورة لما قدمناه، وأما مسألة الرؤية والقرآن فهي من شعائر المذهبين، فجعلوا ينصبون الخلاف مع المعتزلة في مسألة الرؤية ويسلمون لهم نفي علو الله على / العرش وهذا عكس الواجب.
    ولهذا صارت المعتزلة تسخر منهم حتى يقول قائلهم: من سلم أن الله ليس في جهة وادعى مع ذلك أنه يرى فقد أضحك الناس على عقله

    576
    اعترف هنا أنه يكون أشد حقارة من الجوهر الفرد وأن يكون معدوما إذا كان ذا حيز ومقدار وقلنا إنه لا يمكن أن يشار إليه ولا يمكن أن يحس، وقد ذكر هنا أنه لا يمكن أن يشار إليه ولا يمكن أن يحس به فلزم أن يكون معدوما أحقر من الجوهر الفرد ولا ريب أن هذا حقيقة قولهم وقد اعترف هو بمقدمات ذلك لكن مفرقة لم يجمعها في موضع واحد، إذ لو جمعها لم يخف عليه وهذا شأن المبطل!

    595
    فإن أهل الإثبات متنازعون في إثبات لفظ (الجهة) وفي ذلك نزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم، كما أنهم متنازعون في اسم (الحد) أيضا، وفي ذلك نزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم

    597
    ومن لم يكن لسانه وراء قلبه كان كلامه كثير التقلب والتناقض

    625
    وهؤلاء الجهمية دائما يشركون بالله ويعدلون به ويضربون له الأمثال بأحقر المخلوقات بل بالمعدومات كما قدمنا التنبيه عليه غير مرة، فلما رأوا أن المستوي على الفلك أو الدابة أو السرير يستغني عنه مكانه قالوا يجب أن يكون الله أيضا يستغني عنه مكانه تشبيها له بهذا المخلوق العاجز الضعيف

    628
    وإنما الرجل [الرازي] غلط أو خالط في المقدمتين فإنه قد سمع وعلم أن الجسم لا يكون إلا متحيزا فلا بد لكل جسم من حيز، ثم سمى حيزه جهة، وقد قرر قبل هذا أن الجهة أمر وجودي، فركب أن كل جسم يفتقر إلى حيز وجودي منفصل عنه، وهذا الغلط نشأ من جهة ما في لفظ الحيز والجهة من الإجمال والاشتراك، فيأخذ أحدهما بمعنى ويسميه بالآخر، ثم يأخذ من ذلك الآخر المعنى الآخر، فيكون بمنزلة من قال: المشتري قد قارن زحل، وهذا هو المشتري الذي اشترى العبد، وقد قارن البائع، فيكون البائع هو زحل، أو يقول: هذه / الثريا، والثريا قد نكحها سهيل وقارنها، فتكون هذه الثريا قد قارنها سهيل ونحو ذلك، ومن المعلوم أن الجهة التي نصر أنها وجودية وهي مستغنية عن الحاصل فيها ليست هي الحيز الذي يجب لكل جسم.

    638
    وهؤلاء عمدوا إلى هذا اللفظ فاستعملوه في غير المعنى المعروف في اللغة، وسموا لزوم صفاته له افتقارا إلى الغير، فلما عبروا عن المعاني الصحيحة، بل المعاني التي يعلم بضرورة العقل ثبوتها في نفس الأمر، بل لا يستريب في ثبوتها أحد من العقلاء ما دام عاقلا، عبروا عنها بالعبارات المشتركة المجملة التي قد تستعمل في معان فاسدة يجب تنزيه الباري سبحانه وتعالى عنها كان هذا الاشتراك مما أشركوا فيه بين الله وبين خلقه، وهو من نوع شركهم وعدلهم بالله، حيث أشركوا بين المعاني الواجبة لله والممتنعة عليه في لفظ واحد ثم نفوا به / ما يجب لله، وكانوا مشركين معطلين في اللفظ كما كانوا مشركين معطلين في المعاني كما تقدم التنبيه على ذلك غير مرة.

    675
    المثبتة للصور أعظم تنزيها لله عن مماثلة الخلق من نفاتها؛ لأن الأمور السلبية لا ترفع المماثلة، بل الأعدام متماثلة، وإنما يرتفع التماثل بالأمور الوجودية، فكل من كان أعظم إثباتا لما توجبه أسماء الله وصفاته كان رفعه المماثلة عن الله أعظم، وظهر أن هؤلاء الجهمية الذين يزعمون أنهم يقصدون تنزيهه عن المشابهة هم الذين جعلوا له أمثالا وأندادا فيما أثبتوه وفيما نفوه كما تقدم بيان ذلك

    683
    هذه الحجة هي من جنس قولهم لو كان فوق العرش لكان إما أن يكون أصغر منه أو بقدره أو أكبر منه ببعد متناه، أو غير متناه وهذه الحجج من حجج الجهمية قديما، كما ذكر ذلك الأئمة وذكروا أن جهما وأتباعه هم أول من أحدث في الإسلام هذه الصفات السلبية وإبطال نقيضها، مثل قولهم ليس فوق العالم ولا هو داخل العالم ولا خارجه وليس في مكان دون مكان وليس بمتحيز ولا جوهر ولا جسم ولا له نهاية ولا حد ونحو هذه العبارات، فإن هذه / العبارات جميعها وما يشبهها لا تؤثر عن أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة الدين المعروفين ولا يروى بها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا توجد في شيء من كتب الله المنزلة من عنده، بل هذه هي من أقوال الجهمية ومن الكلام الذي اتفق السلف على ذمه لما أحدثه من أحدثه، فحيث ورد في كلام السلف ذم الجهمية كان أهل هذه العبارات داخلين في ذلك، وحيث ورد عنهم ذم الكلام والمتكلمين كان أهل هذه العبارات داخلين في ذلك، فإن ذلك لما أحدثه المبتدعون كثر ذم أئمة الدين لهم وكلامهم في ذلك كثير قد صنف فيه مصنفات، حتى إن أعيان هذه العبارات وأمثالها ذكرها السلف والأئمة فيما أنكروه على الجهمية وأهل الكلام المحدث.

    708
    لفظ الحد عند كل من تكلم به يراد به شيئان: يراد به حقيقة الشيء في نفسه، ويراد به القول الدال عليه المميز له، وبذلك يتفق الحد الوصفي والحد القدري؛ كلاهما يراد به الوجود العيني والوجود الذهني، فأخبر أبو عبد الله أنه على العرش بلا حد يحده أحد أو صفة يبلغها واصف

    767
    ولا يلزم من الإجماع على الحكم أن يكونوا مجمعين على دليل معين
    .......
    والإجماع من أعظم الأدلة

    784
    ولهذا يقال فيهم: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا وهذا هو نهاية التعطيل، ومتصوفتهم يعبدون كل شيء وهذا نهاية الإشراك

    796
    وقد يراد بالحيز أمر عدمي وهو ما يقدر فيه الأجسام وهو المعروف من لفظ الحيز عند المتكلمين الذين يفرقون بين لفظ الحيز والمكان فيقولون الحيز تقدير المكان

    802
    تجدد النسب والإضافات عليه [الله] جائز باتفاق العقلاء

    803
    للناس في كونه فوق العرش والعالم قولان مشهوران لعامة الطوائف من المتكلمين وأهل الحديث والفقهاء والصوفية من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم
    (أحدهما) أنه مجرد نسبة وإضافة بين المخلوق والخالق أو بين العرش والرب، تجددت [بخلقه] للعرش من غير أن يكون هو في نفسه تحرك أو تصرف بنفسه شيئا، وهذا قول من يقول يمتنع حلول الحوادث بذاته وتمتنع الحركة عليه.
    و(القول الثاني) هو المشهور عن السلف وأئمة أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفية من الطوائف الأربعة وغيرهم أنه استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض كما دل عليه القرآن فيكون قد استوى عليه بعد أن لم يكن مستويا عليه، وكذلك استواؤه إلى السماء ومجيئه وإتيانه كما وردت بذلك النصوص المتواترة الصحيحة

    805
    ومن قال إن تقدير الزمان وتقدير المكان وجوديان قال بقدمهما جميعا كما يقول ذلك طائفة من الصابئة ومن اتبعهم

    810
    وقوله في الخامس (أنه يكون كالمفلوج الذي لا يمكنه الحركة وهو نقص، وهو على الله محال) فيقال: أنت تقول إن نفي النقص عن الله لا يعلم بالعقل، وأنت أيضا تقول: لا يجوز عليه الحركة ...

    [انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد الثالث بحمد الله]

    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    [الفوائد المنتقاة من بيان تلبيس الجهمية - المجلد الرابع]

    5
    وكذلك المتكلم قد ينازع في هذا [كروية الأرض] بطرق جدلية، وكذا المتفقه قد ينازع في هذا زعما منه أن هذا مخالف للشريعة، وليس مع واحد منهما دليل شرعي ولا عقلي يخالف ذلك، ولا يمنع كون الأفلاك مستديرة ولا ينقل عن أحد من أئمة الإسلام وعلمائه النزاع في ذلك، بل قد ذكر غير واحد من علماء المسلمين مثل الشيخ أبي الحسين بن / المنادي أحد العلماء المشاهير ذوي التصانيف الكثيرة من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد.
    ومثل أبي محمد بن حزم ومثل أبي الفرج ابن الجوزي إجماع المسلمين على أن الأفلاك مستديرة، وأبو / الحسين من أعظم الناس اطلاعا وكذلك هؤلاء، وإذا ذكر هو أو غيره إجماع علماء المسلمين على أن الأفلاك مستديرة كان من نازع بعد هذا الإجماع من متكلم ومتفقه وغيرهما مسبوقا بالإجماع، وما علمت منازعا في ذلك إلا نقل الإجماع الذي ذكره أبو الحسين بن المنادي، وإن كان قد نقل عن بعض السلف نزاع في حركة الأفلاك لكن ما علمت عنهم نزاعا في استدارتها.

    27
    لكنه لم يستوف الحجة ويظهرها بل كلامه في ذلك كلام الشادي فإن القدر المرئي من الخسوف عند أهل المشرق لا يجب أن يكون هو القدر المرئي من الخسوف عند أهل المغرب حتى يقال إن أهل المشرق والمغرب يرون الخسوف في ساعة واحدة، ويكون أول ليل هؤلاء آخر ليل هؤلاء، بل قد يخسف القمر عند قوم دون قوم، وقد يكون الخسوف عند قوم كليا لجميع القمر وعند بعضهم جزئيا يخسف بعضه، ولكن يشترك أهل المشرق والمغرب إذا اشتركوا فيه في طرفيه؛ فإن الخسوف في القمر يبدأ فيه من جانبه الشرقي وفي الشمس من جانبها الغربي، وإذا بدأ الخسوف في القمر من جانبه الشرقي لا يخسف / حينئذ عند أهل المغرب، وكذلك طلوع الشمس وكسوفها وقد يكون ضد ذلك.

    29
    كان الواجب إذا احتججت بما ذكرته من أمر الهيئة أن تتم ما يقولونه هم وما يعلمه الناس كلهم فإنه لا نزاع بينهم ولا بين أحد من بني / آدم أن الأرض هي تحت السماء حيث كانت وأن السماء فوق الأرض حيث كانت، وهذا وهم متفقون مع جملة الناس على أن الجهة الشرقية سماؤها وأرضها ليست تحت الغربية ولا الجهة الغربية سماؤها وأرضها تحت الشرقية ومتفقون على جهل ما يجعل إحدى الجهتين في نفسها فوق الأخرى أو تحتها.

    41
    [تكلم بكلام نفيس عن التفسير اللغوي للفظ (دون)]

    45
    مثل هذه الحجة غير مقبولة كما ذكرت ذلك في نهايتك في ترتيب الطرق الضعيفة في أصول الدين، وذكرت منها الإلزام؛ وهو الاستدلال بموافقة الخصم في صورة على وجوب موافقته على الأخرى لملازمة بينهما يذكرها / المستدل، وقلت: هذا النوع من الحجة لا يصلح لإفادة اليقين وهذا ظاهر ولا لإفحام الخصم أيضا وبيانه هو أن للخصم أن يقول إني إنما اعترفت بالحكم في محل الوفاق لعلة غير موجودة في محل النزاع فإن صحت تلك العلة بطل القياس لظهور الفارق، وإن بطلت تلك العلة منعت الحكم في محل الوفاق فهذه الحجة دائرة بين منع الحكم في الأصل وبين ظهور الفارق بينه وبين الفرع.

    47
    وهذا الكلام مع أنه في غاية الإنصاف في المناظرة ففيه / كمال تحقيق الحقائق على ما هي عليه وتبيين تطابق ما علم بالفطرة العقلية الضرورية وبالحساب العقلي الهندسي وما جاءت به الرسل وكمال ما بعث الله به الرسل من بيان أسمائه وصفاته، وهذا هو شأن الحق أن يتيقن ويتشابه ولا يختلف كما يختلف كلام هذا المؤسس وأمثاله الذي هو من عند غير الله فلذلك يكون فيه اختلاف كثير.

    50
    قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} فمخالفو الرسل ومنهم مخالفو ما جاء به الكتاب والسنة لا يأتون بقياس يردون به بعض ما جاءت به الرسل فيكون / قياسا أقاموا به باطلا إلا جاء الله فيما بعث به الرسل بالحق وبقياس أحسن تفسيرا وكشفا وإيضاحا للحق كما أن الحجج الفطرية الضرورية التي تبين أن مذهب المؤسس يستلزم أن يكون الله معدوما هي مع أنها حق فهي أحسن بيانا وإيضاحا وتفسيرا للمطلوب من قياسه هذا الذي بين به أن وصفه بالعلو والفوقية يستلزم وصفه بالسفول والتحتية.

    54
    [ذكر هنا كلاما نفيسا عن جواب الإشكال في حديث النزول وأنه يستلزم أن لا يزال نازلا]

    73
    وعلم بالاضطرار أن اعتقاد حدوث العالم على هذا الدليل ونحوه في غاية الفساد وهذا من أخبث الكلام الذي كان السلف يذمونه ويذمون أصحابه، بل مثل هذه الحجج لا تصلح للمسائل الظنية فكيف تصلح لأصول الدين وقواعد الإيمان وأنت تعترف بهذا في مواضع، لكن إنما تحتج هنا بذلك تهويلا على من لا يعرف القضية، وتوهم الناس أن هذا يقدح في قاعدة من قواعد الدين، وليس الأمر كذلك، وإنما تظهر به فساد ما سمعته [لعلها سميته] أنت وأصحابك أدلة الدين وأصولا له، وأنت دائما تقدح فيها، فإن كانت هذه الأدلة هي أصول دين المسلمين فأنت من أعظم الناس هدما لها في مواضع، وإلا فلا يضر القدح فيها.

    75
    فإذا كان المنازعون لك القائلون بأنه على العرش يلزمهم كلهم القول بأنه جسم فكيف تحتج عليهم بأن هذا يستلزم أن لا يقطع بحدوث كل الأجسام، وهذا عندك حقيقة المذهب، فهل تحتج على إبطال المذهب بنفس حكاية المذهب مع ظهور القول بالنزاع فيه؟!

    96
    وهذا أمر يشهد له الحس، فإن أجزاء الماء وإن تفرقت وتصاغرت ليست في الحقيقة مثل أجزاء التراب، ولا أجزاء الذهب وإن تصاغرت مثل أجزاء الفضة، وإن كانت هذه الأجزاء / الصغار ليست هي الجواهر المنفردة بل تلك أصغر منها فإما أن يستدل بما شهد في المحسوسات على ما لم يعلم منها وبقياس غائبها عن الإدراك على شاهدها فهذا من أوضح القياس وأثبته، وهو قياس الأجزاء المتساوية في الحقيقة بعضها على بعض في حكم تلك الحقيقة، فإن تفاوتها بالصغر والكبر لا يوجب اختلاف حقيقتها وصفتها، وإما أن لا يقال [كذا] إن ذلك الجزء الذي لا ينقسم لا يعلم حكمه.
    [قال المحقق: هكذا في (ل) و(ط)، ولعلها: فلا يقال]
    [قلت: لعل الصواب: وإما أن يقال]

    100
    ومن طلب الموافقة على ثبوت الشيء بدون لازمه ليحتج بذلك على نفي اللازم لم يكن علينا أن نوافقه، بل لم يكن لنا أن نوافقه؛ فإن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، فإذا وافقناه على ثبوت الملزوم كنا في الحقيقة موافقين له على نفي الملزوم الذي قد وافقناه في الظاهر على ثبوته، وإذا كانت الموافقة على ثبوت الشيء تقتضي نفيه لم تجز الموافقة عليه.

    111
    فالنافي لا ينفي شيئا قط إلا ما له نظير فيما أدركه؛ لأن نفس المنفي ما علمه أصلا؛ لأن النفي المحض لا يعلم بنفسه فإن النفس لا تباشر المعدوم حتى تشعر به وإنما تباشر الموجود وتقيس له نظيرا فينفي ذلك النظير عما هو منتف عنه مثل نفيها لجبل ياقوت وبحر زئبق ونحو ذلك بعد أن علمت البحر والزئبق والجبل والياقوت، ثم قدرت معلوما مؤلفا من شيئين نظيرهما / موجود ثم نفته

    126
    إذ العلوم الكلية الذهنية مسبوقة بالعلوم المعينة الوجودية، فلو لم يكن في الأجسام ما هو واحد امتنع حكم الذهن بأن الواحد نصف الاثنين، وهذا من أوائل العلوم البديهية التي يضرب بها المثل في النظر والمناظرة

    127
    وإذا كانت هذه الحجة تستلزم هذا الكفر فهي تستلزم أيضا / نقيض المطلوب؛ لأن المقصود بنفي وحدة الجسم إثبات تركيبه من الأجزاء المفردة التي كل منها واحدا [كذا] فإذا نفيت وحدة الجوهر الفرد استلزمت إبطاله، وإذا بطل الجوهر الفرد امتنع كون الجسم مركبا من الجواهر المنفردة فيلزم أن يكون واحدا فصارت هذه الحجة المذكورة لنفي وحدة الجسم مستلزمة لوحدته ونافية لوحدة الجوهر الفرد أيضا وكل هذا تناقض، واعجب من هذا!

    134
    ثم إذا كانوا في الأجسام المشهودة قد اضطربوا أو تحيروا في تركيبها وانقسامها وعدوا ذلك من محارات العقول كيف يصح منهم الحكم على رب العالمين بمثل هذه الأمور نفيا وإثباتا، وهذا بين ولا حول ولا قوة إلا بالله

    157
    أما إدخال الله وغيره من المخلوقات تحت قضية كلية تتضمن قياس / شمول، وكل قياس شمول متضمن لقياس تمثيل، فإن هذا / لا يجوز، لا لما يثبت من الصفات ولا لما ينفى.

    167
    هب أنه يمكن فرض [الصواب فرضه] متيامنا عن العالم أو متياسرا

    168
    ومنازعة الإنسان فيما لا يعتقده تضييع زمان ونوع من الكذب والبهتان.

    171
    ولا ريب أنهم إنما عدلوا به في هذه المعاني لينفوها عنه ظانين أن هذا تنزيه لله وتقديس، لم يقصدوا أن يثبتوا له مثلا، ولكن قدر المثل لينفوه لكن لزمهم التمثيل من وجهين:
    أحدهما: أنهم سووا بين الله وبين غيره في هذه المقاييس الشمولية المنطقية وهي الأمثال التي ضربوها له فجعلوه فردا من أفراد تلك الأمور العامة وحكموا عليه بمثل ما حكموا به على سائر الأفراد .....
    الوجه الثاني: أن هذه المعاني التي ينفونها هي ثابتة في نفس الأمر معلومة بالكتاب والسنة وبالفطرة والعقل وبالقياس أيضا، فإذا مثلوه فيها بالمخلوقات فقد صرحوا بجعل الأنداد / له والأمثال والأسماء ثم إنهم عطلوا فجحدوا الحقائق التي هي ثابتة للرب وعطلوا ما في الكتاب والسنة والإجماع من بيان ذلك والدلالة عليه وعطلوا ما في القلوب من المعرفة الفطرية والقياسية فصاروا معطلين للحقيقة الخارجية والعلوم الثابتة بالنبوات المعروفة بالقلوب، فعطلوا الشرع والعقل جميعا مع دعواهم العقليات كما عطلوا التوحيد مع دعواهم أنهم هم الموحدون.

    173
    وكل واحدة من هاتين الدعوتين [كذا والصواب الدعويين] ممنوعة

    184
    فأما إذا كان الحيز هو حده ونهايته فالجهة كونه بحيث يشار إليه لم يكن هناك غيرا [كذا] له عند الصفاتية

    195
    بل لو كان المتنازعان مبطلين كأهل الكتاب والمشركين إذا تجادلوا أو تقاتلوا كان المشروع نصر أهل الكتاب على المشركين بالقدر الذي يوافقهم عليه المؤمنون إذا لم يكن في ذلك مفسدة تقاوم هذه المصلحة فإن ذلك من الحق الذي يفرح به المؤمنون كما قال تعالى [غلبت الروم]

    206
    وهؤلاء القوم من أعظم الناس إتيانا بحشو القول الكثير الذي تقل فائدته أو تعلم مضرته

    213
    وإذا سلمتَ لهم لم يكن لك أن تنازعهم فيه، فإن هذا رأس المسألة فيكون التقدير باتفاق منك ومنهم

    231
    السمعيات إما نص وإما إجماع

    234
    تسليم العلم الضروري الذي يستلزم نفي علم ضروري تسليم لتنافي العلمين الضروريين وذلك باطل، فلا يجب تسليم الباطل

    235
    [المحقق: قد ذكرت أن المؤلف رحمه الله اطلع على نسختين لكتاب الرازي (نهاية العقول) حيث أوجد الفرق بينهما، وأثبت ما اختلفت به النسختان.
    وهذا مما يدل على دقته رحمه الله وأمانته في النقل ويبعث على الإعجاب به رحمه الله]

    252
    فكونه أبا وابنا مغايرا [كذا والصواب مغايرٌ] لذاته المخصوصة

    256
    [الرازي] وما الدليل على هذا الحصر؟ أقصى ما في الباب أن يقال: سبرنا وبحثنا فلم نجد قسما آخر، إلا أنا بينا في الكتب المطولة أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، وشرحنا أن هذا السؤال هادم لكل دليل مبني على تقسيمات منتشرة غير محصورة بين النفي والإثبات.


    299
    فإن من ظهر خطؤه على كل تقدير أولى بالخطأ ممن لم يظهر خطؤه في المسألة الواحدة – وهي المقصودة الكبرى على التقديرين جميعا – وخطؤه في المسألة الأخرى، وهي مسألة الجسم إنما يظهر على إحدى التقديرين فقط، وهذا بين ظاهر

    307
    وأما الحجة التي ذكرها عن ابن الهيصم فلم يذكر ألفاظها لكن ذكر أنه نظمها أحسن من نظمه، ونحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها، فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل: إما عمدا وإما خطأ، فإن الإنسان إن لم يتعمد أن يلوي لسانه بالكذب أو يكتم بعض ما يقوله غيره، لكن المذهب الذي يقصد الإنسان إفساده لا يكون في قلبه من المحبة له ما يدعوه إلى صوغ أدلته على الوجه الأحسن حتى ينظمها نظما ينتصر به، فكيف إذا كان مبغضا / لذلك؟!

    315
    الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في الرؤية ليست من الضعف كما يظنه أتباع الأشعري مثل الشهرستاني والرازي وغيرهما، بل لم يفهموا قعرها ولم يقدروا الأشعري قدره، بل جهلوا مقدار كلامه وحججه، وكان هو أعظم منهم قدرا وأعلم بالمعقولات والمنقولات ومذاهب الناس من الأولين والآخرين كما تشهد به كتبه التي بلغتنا دع ما لم يبلغنا، فمن رأى ما في كتبه من ذكر المقالات والحجج ورأى ما في كلام هؤلاء رأى بونا عظيما.

    317
    [عن الأشعري] أنه ليس موجودا [كذا والصواب موجودٌ] إلا وجايز أن يريناه

    319
    وذلك أن الله على كل شيء قدير، وهذا لفظ عام لا تخصيص فيه، فأما الممتنع لذاته فليس بشيء باتفاق العقلاء وذلك أنه متناقض لا يعقل وجوده، فلا يدخل في مسمى الشيء حتى يكون داخلا في العموم، مثل أن يقول القائل هل يقدر أن يعدم نفسه أو يخلق مثله، فإن القدرة تستلزم وجود القادر وعدمه ينافي وجوده، فكأنه قيل: هل يكون موجودا معدوما، وهذا متناقض في نفسه لا حقيقة له، وليس بشيء أصلا، وكذلك وجود مثله يستلزم أن يكون الشيء موجودا معدوما، فإن مثل الشيء ما يسد مسده ويقوم مقامه فيجب أن يكون الشيء موجودا معدوما قبل وجوده مفتقرا مربوبا فإذا قدر أنه مثل الخالق تعالى لزم أن يكون واجبا قديما لم يزل موجودا غنيا ربا ويكون الخالق فقيرا ممكنا معدوما مفتقرا مربوبا، فيكون الشيء الواحد قديما محدثا فقيرا مستغنيا واجبا ممكنا موجودا معدوما ربا مربوبا، وهذا متناقض لا حقيقة له، وليس بشيء أصلا، فلا يدخل في العموم، وأمثال ذلك.

    328
    فكل صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم لا تكون صفة كمال بخلاف الصفات التي تثبت للموجود دون المعدوم فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود آخر هو أكمل منها، وكل صفة لا تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص، فإنها لا تكون إلا صفة كمال

    332
    إذ كل ما هو مساوٍ للوجود في العموم أو هو أعم منه كالمعلوم والمذكور يلزم من نفيه نفي الوجود وهو من لوازم الوجود

    337
    جميع النقائص التي يجب تنزيهه تعالى عنها فإنما هو لاستلزامها العدم، وأما الوجود من حيث هو وجود فهو كمال فلا يجوز نفيه عنه

    338
    ونكتة هذه الحجة أن كل حكم ثبت لمحض الوجود فالوجود الواجب أولى به من الممكن، وكذلك من الأمثال المضروبة وهي الأقيسة العقلية، ولله المثل الأعلى؛ أن كل كمال ثبت لموجود فالواجب أولى به من الممكن، وكل كمال يوجد في المربوب فالرب أولى به من العبد، وهذا مما سلكه الفلاسفة

    344
    فمن منع أن يكون المشهود لا يخلو عن أحد هذين الوصفين [المحايثة والمباينة] فقد منع أن تنقسم المشهودات إلى الجواهر والأعراض، ومعلوم أن هذا خلاف اتفاق الخلائق من الأولين والآخرين، وخلاف ما يعلم بالضرورة والحس، فإن الشيء المشهود إما قائم بنفسه وهو مباين لغيره وإما قائم بغيره وهو محايث له.

    346
    والمستدل إذا استدل بدليل يبطل مذهب منازعيه في الصورة التي تنازعا فيها وفي غيره مما لم يذكره لم يكن للمنازع أن ينقض دليله بمجرد مذهبه في صورة النزاع، ولا يجب على المستدل أن يخص كل صورة بدليل خاص، إذا كان العام يتناول الجميع.

    347
    وهذا المؤسس من كتب ابن سينا يأخذ مذاهب الفلاسفة / وكثيرا ما يقول اتفق الفلاسفة ولا يكون عنده إلا ما ذكره ابن سينا، وليس ما يذكره ابن سينا قول جميع الفلاسفة، بل الفلاسفة أعظم تفرقا وأكثر طوائف من أن يحصر قولهم كلام ابن سينا أو غيره. وقد حكى من صنف في المقالات من المسلمين مثل أبي الحسن الأشعري والنوبختي والباقلاني وغيرهم من مقالات الفلاسفة أضعاف أضعاف ما يذكره ابن سينا وهذا المؤسس.
    وكذلك حكايته عن جمهور المعتزلة إثبات إرادات وكراهات وفناء لا في محل. وهذا إنما هو قول بعض البصريين وهم أبو علي وأبو هاشم ونحوهما، وليس هؤلاء جمهور المعتزلة، بل لهم في الإرادة والكراهة وفي الفناء أقوال / كثيرة معروفة هذا واحد منها.

    357
    البحث التام والسبر التام والاستقراء / التام قد يفيد اليقين تارة كما يفيد الظن القوي أخرى، وهذا مما يقال في مواضع، وقول القائل: الشهادة على النفي غير معلومة ليس بصحيح، بل النفي قد يعلم تارة كما يعلم الإثبات.

    358
    والمسائل التي تنازع بنو آدم فيها لأن يحصل للإنسان فيها ظن غالب خير من أن يكون في الحيرة والجهالة، أو يكون في التقليد أو الحجج الفاسدة، كما هو الواقع كثيرا

    364
    فالمحدث الذي يصدق عليه أنه قابل للوجود والعدم إنما هو الحقيقة الذهنية التي لا وجود لها في الخارج فهي تقل [الصواب تقبل] أن تكون موجودة وأن تكون معدومة، وأما الوجود فلا يقبل ذلك.

    373
    وهؤلاء من أعظم الخلق تمثيلا لربهم بكل شيء، وتشبيها له بكل شيء، وقد جعلوا كل شيء ندا له وكفوا، حيث جعلوا حقيقته هي الوجود المطلق، وذلك يثبت لكل موجود فهم أعظم الخلق إشراكا بالله، ومن هنا قال الاتحادية منهم: إنه وجود كل شيء وإنه وجود الموجودات كلها، ونحو ذلك مما هو من أعظم الإشراك والتعطيل.

    381
    الحجج التي يستدل فيها باللفظ لا بد أن يكون لفظها منقولا عمن يجب اتباع قوله وهو الكتاب والسنة أو الإجماع، فكيف باللفظ الذي لا ينقل عن إمام في الدين ولا أحد من سلف الأمة.

    389
    بل إذا أثبت الرجل معنى حقا ونفى معنى باطلا، واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب لأنها من لغة المخاطب ونحو ذلك لم يكن ذلك منهيا عنه؛ لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه، وهذا جائز بل مستحب أحيانا، بل واجب أحيانا وإن لم يكن ذلك مشروعا على الإطلاق كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته وأصول الدين / باصطلاحهم الخاص إذا كانت المعاني التي تبين لهم هي معاني القرآن والسنة تشبه قراءة القرآن بغير العربية، وهذه الترجمة تجوز لإفهام المخاطب بلا نزاع بين العلماء.

    394
    وجوب العدم أو التفرق لا يجوز تعليله بالوجود فإن الوجود نفسه لا يوجب التفرق والعدم، فإن العدم ينافي الوجود والشيء لا يكون موجبا لما ينافيه، وكذلك التفرق هو نوع من عدم الكمال، فإن الاجتماع صفة كمال وقوة والافتراق ينقص تلك القوة والكمال. وكذلك يسمى الشيء جميلا، والجمال مشتق من الإجمال، الذي هو الجمع والضم، ولهذا يقال: كل ألم في العالم فأصله من تفرق واجتماع. فكون الشيء موجودا أو مقصودا بحيث يحصل به الفرح والسرور لا يناسب تفرقه واختلاله وإنما يناسب اجتماعه وإكماله

    396
    وأما الموجودات المقدرة فحكمها لا يعلم بحس ولا ضرورة، وإنما / يعلم بالقياس على ما علم وجوده.

    397
    فاحتجاجه بهذا على أن الباري موصوف بأحد هذه الأقسام هو استدلال بالشيء على نفسه، فالدليل هو غير [كذا والصواب عين] المدلول

    401
    ولهذا يعترف هذا الرازي بأن النزاع بينهم وبين المعتزلة في الرؤية قريب من اللفظي.

    420
    وهذه عادته [الرازي] في كثير من مناظرته يحتج بالباطل من السفسطة وفروعها بما لا يحتج بمثله للحق

    427
    لأن المدح بنفي الخاص مع كون العام منتفيا لا يحسن، كما لا يحسن أن يقال: لا يقدر بنو آدم على إفناء جميعه، أو لا يقدرون على إفناء ذاته وصفاته، فإن هذا غير مقدور لا لبني آدم ولا لغيرهم، بل هو ممتنع في نفسه، وكذلك لا يقال: الآدميون لا يقدرون على إعدامه أو إماتته أو على سلب قدرته وعلمه ونحو هذا، لأن هذه الأمور ممتنعة في / نفسها لا يختص بنو آدم بنفي الاقتدار عليها، بل تخصيصهم بذلك يوهم أنه هو يقدر على ذلك

    462
    وكلام الأشعري في مسألة الرؤية والعلو يقتضي تلازمهما وهذا هو الذي ذكره هذا المؤسس عن الكرامية

    470
    وهذه عادته [الرازي] يعجز عن مناظرة أهل الباطل، ويأخذ ما يحتجون به فيحتج به على أهل الحق فلا ينصف أهل الحق ويتبعهم، ولا يرد أهل الباطل ويدفعهم، وإنما فيه جدال وحجاج لبس فيه الحق بالباطل مع هؤلاء وهؤلاء

    475
    وتعدد الأدلة على المطلوب الواحد ليس بممتنع

    521
    فالحجة تارة بما يجده الإنسان من العلم الضروري في نفسه، وتارة بما يخبر به الناس عن أنفسهم من العلم الضروري، وتارة بما يدل على العلم الضروري في حق الناس، وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة، فإنه إذا كان إجماع المسلمين وحدهم لا يكون إلا حقا، فإجماع جميع الخلق الذين منهم المسلمون أولى أن لا يكون إلا حقا

    553
    ومن نادى رجلا بعينه قال: يا رجل، كقول موسى عليه السلام: ثوبي حجر، ثوبي حجر

    557
    والممتنع لذاته يمتنع الأمر الشرعي به باتفاق المسلمين

    560
    وحركة الإنسان بل كل جسم لا يكون إلا في جهة وإلى جهة إذ الحركة مستلزمة للجهة. وتقدير متحرك بلا جهة كتقدير حركة بلا متحرك، وهذا مما لا نزاع فيه بين العقلاء، لكن غلاة المتفلسفة قد يزعمون أن القلب والروح ليسا جسما وأنه لا داخل البدن ولا خارجه ولا داخل العالم ولا خارجه، وهذا معلوم فساده بالحس والعقل والسمع كما قد بيناه في غير هذا الموضع.

    572
    ولا منافاة بين كون الشيء يعلم بالبديهة والضرورة ويكون عليه أدلة

    592
    وأعجب من ذلك أن كثيرا منهم يظن أن هذا مما لا اختلاف فيه بل القول بأن معرفة الله التي هي الإقرار بالصانع لا تحصل إلا بالنظر أمر متفق عليه بين النظار، فإذا ذكر له أن في ذلك خلافا بين أهل الكلام بعضهم مع بعض تعجب من ذلك، وذلك لأن من سلك طريقة من هذه الطرائق لا يكاد يعرف غيرها، فلهذا تجد في كتب أهل الكلام مما يدل على غاية الجهل بما قاله الرسول والصحابة والتابعون وأئمة الإسلام مما يوجب أن يقال: كأن هؤلاء نشأوا في غير ديار الإسلام. ولا ريب أنهم نشأوا بين من لم يعرف العلوم الإسلامية حتى صار المعروف عندهم منكرا والمنكر معروفا، ولبستهم فتن ربي فيها الصغير وهرم فيها الكبير، وبدلت السنة بالبدعة والحق بالباطل.
    ولهذا أنا أنقل من مقالات كبارهم حكاية الخلاف في ذلك ليستأنس بذلك من يعتمد على نقلهم وإن كان في ذلك النقل من / التحريف ما فيه، كما ذكره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في بيان ما يدرك عقلا وما لا يدرك عقلا. قال: (قال أهل الحق: العلم والعقل واحد واختلاف الناس في العقول لكثرة العلوم وقلتها. إذا كمل عقل الإنسان وسلم من الآفة أمكنة الاستدلال بما وجد من الأفعال على حدوث العالم، إذ في مجرد العقول أدلة عليه وعلى افتقاره إلى محدث أحدثه، وفيها أدلة على قدم محدثه، وأوصافه التي تدل عليها أفعاله. وما يجوز منه / ويستحيل عليه. ونفي ما يدل على حدوثه عنه. وجواز وصفه بالقدرة عليه، وغير ذلك من المسائل التي لا تتعلق بحقيقة يسوغ الرد فيه فإن لصانع العالم أن يبعث الرسل ويأمر الخلق بالشرائع تعبدا وله أن لا يبعثهم ولا يكلفهم استغناء. وليس في العقول بمجردها أدلة على تغيير الشرائع وإيجاب العبادات وكيفية العقود.

    619
    العلوم الكلية والعقلية لبني آدم جميعها من هذا الباب، فإن الإنسان يشهد بحسه الباطن والظاهر أمورا معينة جزئية على صفات ثم يعقل بما يجعله الله في عقله من العبرة والقياس أن الأعيان التي لم يشهدها هي / كالأعيان المشهودة في تلك الصفات، وعلم عقله بالتماثل والاختلاف كإحساسه بالأعيان فقد يكون علما قطعيا وقد يكون ظنا غالبا وقد يكون صوابا وقد يكون خطأ، وكل من الحس والعقل يعرض له الغلط لأسباب، والناس متنازعون أي الإدراكين أكمل إدراك الحس أو العقل، وأيهما الذي يرجح / على الآخر، وبكل حال فلا يقوم بنفسه قضية كلية عقلية ضرورية أو غير ضرورية إلا بتوسط قياس واعتبار، حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الجسم لا يكون في مكانين، وأن الضدين لا يجتمعان: هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة وعقل أن ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك وأن الحكم لا يفترق واحد وواحد وجسم وجسم ولون ولون وضد وضد يحكم بذلك حكما عاما كليا.

    [انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد الرابع بحمد الله]

    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    [الفوائد المنتقاة من بيان تلبيس الجهمية - المجلد الخامس]


    18
    والأمور السلبية لا تتباين بها الحقائق ولا تختلف ولا تتماثل، إلا أن تكون مستلزمة لأمور وجودية؛ لأن المتماثلين ما قام بأحدهما من الأمور الوجودية مثل ما قام بالآخر، والخلافين اختص أحدهما بأمور وجودية خالف بها الآخر، إذ عُدِمَ [كذا والصواب عَدَمُ] ما به التماثل والاختلاف مستلزمٌ لعدم التماثل والاختلاف

    23
    هذا الموضع من أصعب المواضع على الجهمية فإنهم لما نفوا مباينته للعالم بالجهة ذهب بعضهم إلى عدم محايثته أيضا كما ذكره هذا وهو المشهور من قول / متكلميهم وذهب بعضهم إلى محايثته للعالم وأنه بكل مكان وهو قول كثير من عبادهم وبعض متكلميهم فتعارض كل طائفة بقول الأخرى

    29
    فليس في النسخة ذكر القسم الآخر [يعني من كلام الرازي في نهايته] وهو أن يكون جائزا فلا أدري هل سقط من النسخة أم من التصنيف ولكن ما ذكره يدل على نظيره


    44
    العرض مفتقر إلى الجوهر والجوهر مستلزم للعرض، وقد يقال: هو محتاج إليه أيضا

    50
    هؤلاء الجهمية لا يفرون من شيء من الحق لما يظنونه شبهة إلا وقعوا في أضعاف مضاعفة من الباطل التي يلزمها ذلك المحذور عندهم فهم دائما متناقضون فإن كل من نفى عن الله أن يكون فوق العرش لا بد أن يحتج بحجة تقتضي السلب والنفي، فهو مع قوله بالمحايثة أو قوله بالمباينة بلا محايثة يكون مثبتا لكل ما سلبه ولأضعافه أو يلزمه ذلك فلم يستفيدوا إلا التناقض في المقال وجحدوا الخالق وهذا من أعظم الضلال

    69
    الذين نقلوا إجماع السلف أو إجماع أهل السنة أو إجماع الصحابة والتابعين على أن الله فوق العرش بائن من خلقه لا يحصيهم / إلا الله

    85
    فإذا كان العبد المخلوق الموصوف بما شاء الله من النقص والعيب الذي يجب تنزيه الرب عنه لا يجوز أن يكون حيث تكون النجاسات ولا أن يباشرها ويلاصقها لغير حاجة، وإذا كان لحاجة يجب تطهيرها، ثم إنه في حال صلاته لربه يجب عليه التطهير، فإذا أوجب الرب على عبده في حال مناجاته أن يتطهر له ويتنزه عن النجاسة كان تنزيه الرب وتقديسه عن النجاسة أعظم وأكثر للعلم بأن الرب أحق بالتنزيه عن كل ما ينزه عنه غيره.

    91
    أصل ذلك أن علم الإنسان كله إنما يحصل بطريق: الإحساس والمشاهدة الباطنة والظاهرة، أو بطريق القياس والاعتبار العقلي، أو بطريق السمع والخبر والكلام، كما قال تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} والعبد الصادق يحصل له من المشاهدة الباطنة ما ينكشف له به أمور كانت مغطاة عنه ويفهم من كلام الله ورسوله والسلف معاني يشهدها لم يكن قبل ذلك يشهدها بل يظهر له قوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ثم قال: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} أي أو لم يكف بشهادته وعلمه التي أخبرهم عنها في كتابه؟

    96
    وهذا حال عامة الكفار وأهل البدع إنما ضلالهم في التكذيب بما لم يعرفوه من الحق، لا بما علموه من الحق، لكن يضمون إلى ذلك التكذيب ظنونا كاذبة تنشأ عن الهوى يصدقون لأجلها بالباطل

    150
    وهؤلاء يؤمنون ببعض أسماء الله تعالى ويكفرون ببعض ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ولهذا تنازع الناس في إيمانهم وكفرهم بما ليس هذا موضعه، ولا ريب أن فيهم الجاهل المتأول الذي لا يجوز أن يحكم عليه بحكم الكفار وأن قوله من قول الكفار، كما أن فيهم المنافق الزنديق الذي لا ريب في نفاقه وكفره.

    171
    والأقدم أبلغ من القديم، والقديم فعيل من قدم يقدم ومنه قولهم: أحدثي فيما قدم وما حدث
    [قال المحقق: أحدثي كذا في الأصل، ولعلها أحداثي، وهذا أقرب ما ظهر لي]
    [قلت: الصواب: أخذني ما قدم وما حدث، وهي جملة مشهورة عند العرب،
    والمحقق أشار إلى لسان العرب مادة (قدم) مع أن اللسان ذكر هذه الجملة في هذه المادة وفي غيرها أيضا مثل (حدث) و(قرب)]

    210
    وكما يقول منهم من يقول بالقدماء الخمسة* وأمثال ذلك مما فيه إثبات شيء غني عنه شريك له، وإن كان منهم من يحيل ذلك بل محققوهم يحيلون ذلك للبدلاء لهم إذ الواحد من كل وجه لا يكون علة / ولا مولدا، وهذا ضد قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فإن المعلوم بالحس والعقل أن الواحد لا يصدر عنه شيء ولا يصدر شيء ويتولد شيء إلا عن شيئين

    230
    وقد بينا قبل أن الله لا يجوز أن يجعل هو وغيره سواء لا في قياس تمثيل ولا في قياس شمول، بل إنما يستعمل في جانبه قياس الأولى والأحرى، فما كان من باب المدح والثناء في المخلوق فهو أحق به، وما كان من باب العيب والنقص الذي يتنزه عنه المخلوق، فالخالق أحق بتنزيهه عنه

    263
    وقد كنت في أوائل معرفتي بأقوالهم بعد بلوغي بقريب وعندي من الرغبة في طلب العلم وتحقيق هذه الأمور ما أوجب أني كنت أرى في منامي ابن سيناء، وأنا أناظره في هذا المقام / وأقول له: أنتم تزعمون أنكم عقلاء العالم وأذكياء الناس وتقولون مثل هذا الكلام الذي لا يقوله أضعف الناس عقلا وأورد عليه مثل هذا الكلام فأقول: العقل الأول إن كان واحدا من جميع الجهات فلا يصدر عنه إلا واحد لا يصدر عنه عقل ونفس وفلك، وإن كان فيه كثرة فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد، ولو قيل: تلك الكثرة هي أمور عدمية فالأمور العدمية لا يصدر عنها وجود، ثم إذا جوزوا صدور الكثرة عن العقل الواحد باعتبار ما فليجوزوا صدورها عن المبدع الأول بمثل هذا الاعتبار بدون هذه الواسطة كقولهم باعتبار وجوبه صدر عنه عقل وباعتبار وجوده صدر عنه نفس وباعتبار إمكانه صدر عنه فلك، فإن هذه الصفات وإن كانت أمورا ثبوتية فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد، وإن كانت إضافة أو سلبا أو مركبا منهما فالمبدع الأول عندهم يتصف بالسلب والإضافة والمركب منهما، فبطلانُ كلامهم في هذا المقام الذي هو أصل توحيدهم يظهر من وجوه كثيرة متعددة تبين فيها أن القوم من أجهل الخلق وأضلهم وأبعدهم عن معرفة الله وتوحيده، فإن عوام اليهود والنصارى الذين لم نوافقهم أعلم بالله من خواص هؤلاء الفلاسفة المبدلين الصابئين.

    293
    هذا من الأجوبة القياسية الإلزامية وأنت قد قررت في أول نهايتك أن مثل هذا الكلام باطل لا ينفع في النظر، ولا يقبل في المناظرة كما تقدم نظير ذلك غير مرة / إذ حاصله الاستدلال بخطأ المنازع في موضع على صواب المستدل في موضع آخر، فمضمونه بيان تناقض المنازع، فإنه يقول له كما قلت ذلك فقل هذا لازم له، فيقول المنازع: أنا اعتقدت عدم التلازم، فإن كان اعتقادي صحيحا لم يلزم، وإن لم يكن صحيحا فقد يكون خطئي في نفس اللازم لا في إثبات الملزوم التي تنازعنا في ثبوته
    [هذا المعنى كرره ابن تيمية مرارا، ولكن لعل هذا أوضح موضع له]

    297
    وإنما هذا بمنزلة شخص احتج على شخص في مسألة بنص أو إجماع فقال: أنا وأنت قد خالفنا النص والإجماع في نظير هذه المسألة فنخالفه فيها، ومعلوم أن هذا كلام فاسد


    316
    الظواهر إذا تعاضدت على مدلول واحد صار قطعيا كأخبار الآحاد إذا تواردت على معنى واحد صار تواترا، فإن الظنون إذا كثرت وتعاضدت صارت بحيث تفيد العلم اليقيني


    363
    وأيضا فمن تأمل كلام الرازي وجده في كثير من مسائله لا ينصر القول الذي ينصره إلا للتقية دون الاعتقاد، كما فعله في مسألة الرؤية والقرآن ونحوهما فإن كلامه يقتضي أن الرجل منافق لأصحابه الذين هم متأخرو الأشعرية فضلا عن قدمائهم

    407
    الداشمندية

    411
    واستعمالنا في هذا الموضع وفي غيره لفظ الضرورة مثل قولنا معلوم بالضرورة وبالاضطرار وهذا من العلوم الضرورية ومما يضطر الإنسان إلى العلم به ونحن مضطرون إلى العلم بكذا ونحو ذلك هو من باب المخاطبة لهم بلغتهم وعرفهم واصطلاحهم، وهذا الاصطلاح قد اشتهر حتى صار ظاهرا في ألسنة أهل العلم من عامة الطوائف والذي يضطر إليه الإنسان / قد يكون علما وقد يكون عملا، وقد يراد بالاضطرار إليه وجوده بغير اختياره، وقد يراد احتياجه إلى وجوده، فإن هذا في الأصل مشتق من الضرر

    415
    يقال: هذا مبني على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة وهذا فيه نزاع مشهور، فالمؤسس من الموافقين في هذا الأصل، فالمنازع يقول ... إلخ
    [المحقق: أي أن الرازي يقول بإثبات الجوهر الفرد، وأن الجسم مركب من أجزاء متناهية كل واحد منها لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه]
    [قلت: ذكر شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من المجلدات السابقة أن الرازي من الواقفين في هذه المسألة، فالصواب (الواقفين)]

    440
    فليس لأحد قط أن يحصر الفارق بين الله وبين غيره في شيء معين من جنس ما يجده من الفوارق بين الله وبين غيره في شيء معين من جنس ما يجده من الفوارق بين المخلوقات حتى يقول إنه ليس بينه وبين غيره من الفرق إلا مثل ما بين كذا وكذا


    454
    ويعلم أن الظهور والبطون من الأمور النسبية فقد يظهر لشخص أو طائفة ما لا يظهر لغيرهم؛ تارة لأسباب تقترن بالكلام أو المتكلم وتارة لأسباب تكون عند المستمع، وتارة لأسباب أخر

    455
    وضع اللفظ حال الإفراد قد يخالف وضعه حال التركيب، بل غالب الألفاظ كذلك

    464
    متى كان للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مرادا بلا نزاع

    468
    فثبوت نوع من التوسع والتجوز فيما جعل فيه لا يوجب ثبوت التوسع والتجوز فيه

    511
    قلت: ذكرنا كلام هؤلاء النفاة مع كلام المثبتة، فإن أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم، والمرجع بعد ذلك إلى الحجة

    521
    وأما ثبوت ألفاظه عن ابن عباس [يعني تفسيره نور السموات بالهادي] ففيها نظر؛ لأن الوالبي لم يسمعه من ابن عباس ولم يدركه، بل هو منقطع، وإنما أخذه عن أصحابه، كما أن السدي أيضا يذكر تفسيره عن ابن مسعود / عن ابن عباس وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وليست تلك ألفاظهم بعينها، بل نقل هؤلاء شبيه بنقل أهل المغازي والسير، وهو مما يستشهد به ويعتبر به ويضم بعضه إلى بعض فيصير حجة.
    وأما ثبوت شيء بمجرد هذا النقل عن ابن عباس فهذا لا يكون عند أهل المعرفة بالمنقولات، وأحسن حال هذا أن يكون منقولا عن ابن عباس بالمعنى الذي وصل إلى الوالبي إن كان له أصل عن ابن عباس، وغايته أن يكون لفظ ابن عباس وإذا كان لفظه قول ابن عباس فليس مقصود ابن عباس بذلك أن الله هو نفسه ليس بنور، وأنه لا نور له، فإنه قد ثبت بالروايات الثابتة عن ابن عباس إثبات النور لله تعالى

    523
    ولكن عادة السلف من الصحابة والتابعين كل منهم يذكر في / تفسير الآية أو الاسم بعض معانيه التي يصلح للسائل، كما ذكروا مثل ذلك في اسمه الصمد واسمه الرحمن وغيرهما من أسمائه لا يريدون بذكر ما يذكرونه نفي ما سواه مما يدل عليه الاسم، وكذلك في سائر تفسير القرآن مثل تفسير قوله {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} حيث يذكر كل منهم بعض أنواع هذه الأصناف، وهذا كثير في التفسير

    [انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد الخامس بحمد الله]
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    [الفوائد المنتقاة من بيان تلبيس الجهمية - المجلد السادس]

    8
    والإنزال هو من العلو حيث كان
    وهذا من المعلوم بالضرورة في اللغة وهو من اللغة العامة الشائعة

    21
    لفظ (مع) قد استعمل في القرآن في مواضع كثيرة وفي سائر الكلام ولا يوجب في عامة موارده أن يكون الأول في الثاني ولا مختلطا به، ومعنى اللفظ وظاهره و[كذا] إنما يؤخذ من موارد استعمالاته

    51
    ومعلوم أن ذكر الصلاة لله وأمر بالسجود [لله] فقوله {واقترب} أيضا أمر بالاقتراب إلى الله، وحذف مثل هذا المفعول للاختصار كثير في كلام العرب، لدلالة الكلام ودلالة الحال عليه

    86
    وكون اللفظ مجازا لا يمنع أن يكون هو ظاهر الخطاب، فإن المجاز المقرون بالقرائن اللفظية [المبينة] نص في معناه، ليس للخطاب ظاهر إلا ذلك المعنى.

    98
    ودعواه كثرة احتياج الأخبار إلى التأويل هو لقلة معرفتهم بها، فإنهم لا يميزون بين صدقها وكذبها، فكثيرا ما يسمعون الكذب ويعتقدونه من جنس الصدق مبدلا مغيرا إما مزيدا فيه وإما منقوصا منه وإما مغيرا في إعرابه كما وجدنا ذلك لهم، ثم يكون حاجته إلى التأويل بحسب ذلك، وهذا لا يمكن / في القرآن لأن حروف القرآن محفوظة

    103
    ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه شبرا وذراعا ومشيا وهرولة، لكن قد يقال: عدم ظهور هذا هو للقرينة الحسية العقلية، وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه، وذلك لا يمنع أن يكون ظاهر اللفظ متروكا
    يقال: هذه القرينة الحسية الظاهرة لكل أحد هي أبلغ من القرينة اللفظية [فيكون] بمعنى [معنى] الخطاب ما ظهر بها / لا ما ظهر بدونها، فقد تنازع الناس في مثل هذه القرينة المقترنة باللفظ العام هل هي من باب التخصيصات المتصلة أو المنفصلة؟ وعلى التقديرين فالمتكلم الذي ظهر معناه بها لم يضل المخاطب ولم يلبس عليه المعنى بل هو مخاطب له بأحسن البيان.

    120
    فإن أحمد بن حنبل لم يبتدع من عنده شيئا، ولكن كان أعلم أهل زمانه بما أنزل الله على رسوله وما كان عليه الصحابة والتابعون وكان أتبع الناس لذلك وابتلي بالمخالفين من أهل الأهواء ومناظرتهم بالخطاب والكتاب والرد عليهم فأظهر من علوم السلف ما هو متبع فيه كسائر الأئمة قبله، وما من قول يقوله إلا وقد قاله بلفظه أو بمعناه ما شاء الله من الأئمة قبله وفي زمانه، وعليه من الدلائل ما شاء الله، فلهذا اتخذته الأمة إماما لأن الله تعالى يقول: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}
    وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ممن آتاه الله من الصبر واليقين بآيات الله ما استحق به الإمامة حتى اشتهر ذلك عند الخاصة والعامة فصار لفظ الإمامة مقرونا باسمه أكثر وأشهر مما يقترن باسم غيره

    123
    وأبو حامد [الغزالي] كانت مواده في العلوم الإلهية من المتكلمين والفلاسفة والصوفية الذين فهِم كلامَهم

    153
    وأصحاب أحمد فيهم من النفي والإثبات ما يوجد في غيرهم، لكنهم أقرب إلى الاعتدال في الطريقين [الطرفين] وأقل غلوا فيهما من غيرهم؛ لأن الإمام أحمد له من تقرير أصول السنة ما لا يوجد لغيره فلا يمكن أتباعَه أن يغلوا في الانحراف عن السنة والاعتدال كانحراف غيرهم، وإن كان يوجد فيهم من قد ينحرف إلى النفي أو الإثبات أو كليهما جميعا على وجه التناقض أو لاختلاف الاجتهاد

    170
    ومثل هذا لا نزاع فيه، فإنه إذا كان في الحديث الواحد متصلا به ما يبين معناه فذلك مثل التخصيص المتصل، ومثل هذا لا يقال فيه إنه خلاف الظاهر، بل ذلك هو الظاهر بلا نزاع بين الناس

    234
    [الخطابي:] والأصل أن الخطاب في الكتاب والسنة وبيان الشريعة محمول على ما تعقله العرب وتستعمله في كلامها / فإن الله تعالى لم يخاطبنا بما لا نعقله ولا نفهمه، إلا أنا لا ننكر التأويل في بعض ما تدعو إليه الحاجة من الكلام والعدول عن ظاهر اللفظ وموضوعه لقيام دليل يوجبه أو ضرورة تلجئ إليه، فأما أن يكون الظاهر المفهوم – وهو الحجة والبيان – بلا حجة ولا بيان فلا يجوز ذلك

    252
    القرينة الظاهرة للمخاطبين المعلومة بالبديهة والحس العام هي من القرائن المتصلة بالخطاب، وهي أبلغ من القرائن اللفظية المتصلة

    253
    الألفاظ التي يسميها النحاة ظروفا يتنوع تعلقها بمعاني الأسماء والأفعال التي يسميها النحاة مظروفة بحسب حقائق تلك المظروفات، وهذا الموضع من لم يهتد لهذا التنوع فيه وإلا ضل، كما ضل كثير من الناس حتى وجدوا ما يسميه أهل اللغة ظروفا وأوعية من شأنه ألا يكون هو المظروف الموعى فيه كالمائعات في الآنية وكالجامدات فيما يحيط بها من الملابس والمساكن وغير ذلك، ورأوا النحاةَ يسمون ألفاظا ظروفا فاعتقدوا أن معنى هذه في اللغة أن تكون محيطة بالمظروف حاوية له كما يحيط ظرف اللبن والخمر والماء بذلك ويقول أحدهم (في) للظرفية، فالظرف يكون حاويا للمظروف، وهذا غلط، فإن العرب لم يقولوا (في) للظرفية حتى يجعل معنى أحد اللفظين في كلامهم هو معنى الآخر، لأن الأصل عدم الاشتراك، بل نطقوا بهذه / الأدوات في مواضعها مستوفين لتعلقها بما تعلقت به بحسب تلك الحقائق، وإن كان يكون بين تلك المعاني قدر مشترك لكن ذلك القدر المشترك مطلق لا وجود له في الخارج بل الذهن يجرده، إذ هم لم يتكلموا بهذه الأدوات مطلقة قط.
    ثم إن النحاة رأوا ذلك المعنى المشترك فيه نوع مشابهة لما تسميه العرب (من الأجسام ظرفا فسموه ظرفا حقيقة عرفية خاصة اصطلاحية ليست هي اللغة التي تكلم بها العرب) وجاء بها القرآن والحديث وهكذا سائر اصطلاحهم مثل الفاعل والمفعول والحال والصفة والتمييز والمعرب والمبني والمبتدأ والخبر ونحو ذلك، فإن العرب لا تفرق بين الجملة الاسمية والفعلية في تسمية كل منهما خبرا [صادقا أو كاذبا] ولا يسمى المفرد الذي لا يستقل بالإفادة خبرا، فتسمية المفرد الذي هو أحد ركني الجملة [خبرا] وتخصيص ذلك بالجملة الاسمية دون الفعلية بل تخصيص ذلك بالجزء الثاني منها دون الأول هذا لفظ النحاة واصطلاحهم، وإن كان بينه / وبين اللغة الأصلية نوع تعلق يجعله بالنسبة إليها مجازا، كما سمع بعض الأعراب قوما من النحاة يتحدثون باصطلاحهم فقال: قوم يتكلمون في كلامنا بغير كلامنا ليصلحوا به كلامنا.
    وكذلك اسم الفاعل هو الاسم الذي أسند إليه الفعل ونحوه متقدما عليه مثل قام زيد وأقام زيد ونحو ذلك ولا يسمون الاسم الظاهر في قولك زيد قائم فاعلا بل مبتدأ، ومن المعلوم أن لفظ الفاعل ليس لمسماه في اللغة لفظ، ولا يختص إذا جعل اسما لاسم الفاعل عن قديم أو آخر بل هذا اصطلاح احتاجوا إليه لبيان قوانين اللغة العربية في نحوها وتصريفها، وهو من أنفع الأشياء في معرفة الأدلة السمعية، واللغة العربية، لكن ينبغي أن يعرف اصطلاح اللغات ليحمل كلام كل متكلم على لغته وعادته، ومثال ذلك في الأدوات التي يسميها النحاة ظروفا أنهم يقولون: رأيت فلانا في داره ويقولون: رأيت فلانا في المرآة أو الماء ويقولون: رأيت فلانا في المنام، فلفظ (في) التي يسميها النحاة ظرف مكان موجود في المواضع الثلاثة، مع العلم بأنه ليس المعنى الظاهر ولا حقيقة اللفظ في قولهم: في البيت مثل قولهم: في المرآة / ولا مثل قولهم في المنام، وكل من الألفاظ الثلاثة حقيقة في معناه، وقوله رأيته في المرآة حقيقة ومعنى ظاهر لا مجاز ولا خلاف الظاهر، وكذلك قوله رأيته في المنام معناه ظاهر وهو أيضا حقيقة هذا اللفظ مع العلم بأن ظاهر اللفظ الأول أن ذاته قد كانت في داره، وليس ظاهر اللفظين الآخرين أن ذاته كانت في المرآة ولا في نفس الرائي، ومع العلم بأن كونه مرئيا في المرآة ووجوده في المرآة ليس مساويا لكونه مرئيا في المنام ولا لوجوده في نفس الرائي، وذلك لاختلاف حقائق المَحَالّ وتعلق الحال بها التي هي معاني لفظ الظرف، فليست الدار كالمرآة ولا المرآة كنفس الرائي، ولا وجود زيد في الدار كوجوده في المرآة أو نفس الرائي.
    إذا عرف هذا فلفظ (عند) هي من الألفاظ التي يسميها النحاة ظرف مكان، فتتنوع دلالتها بتنوع معنى الاسم أو الفعل الذي يسمونه مظروفا، ويتنوع أيضا بتنوع ما يضاف / إليه من الظروف، وهي في نفسها اسم ليست حرفا، بخلاف (في) فإنها حرف، وإذا كان كذلك فهم يقولون ويستعملون ذلك في بعض الأعيان القائمة بنفسها كقولهم فلان أو المال عند فلان، ....... ويستعملون ذلك أيضا فيما يقوم بغيره من الصفات والأفعال ..... ومعلوم أن الذي عنده هو قائم بنفسه

    258
    فإذا قيل: زيد في البيت كان التقدير استقر أو مستقر في البيت، أو كان أو حصل أو وجد أو كائن أو حاصل ونحو ذلك
    ويقولون إن ذكر عامل الظرف في خبر المبتدأ شريعة منسوخة، ومحققوهم يقولون: لم يكن هذا شريعة قط، فإن الناطقين باللغة لم ينطقوا بهذا قط، وإنما هو موجب بالقياس لكن عدل عن ذكره لوضوح المعنى بدونه، وعدم الحاجة إليه، فإن مقصودهم بذلك طرد القياس في أن الظرف إنما ينتصب بفعل مذكور أو مقدر، ومن الناس من تنازع [ينازع] في ذلك

    284
    قوله (فثبت بكل ما ذكرنا أن المصير إلى التأويل أمر لا بد منه لكل عاقل)
    يقال: قد ذكر تسعة عشر وجها على عدد خزنة جهنم، وليس فيها ما يوجب التأويل الذي يدعي نظيره، وهو وجوب صرف الخطاب عن معناه الذي يظهر للمستمعين إلى ما ينافي ذلك

    287
    لا خلاف بين المسلمين بل بين العقلاء أن التأويل حيث ساغ سواء كان في كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو كلام غير الله ورسوله إنما فائدته الاستدلال على مراد المتكلم ومقصوده ليس التأويل السائغ أن ينشئ الإنسان معاني لذلك اللفظ أو يحمله على معان سائغة / لم يقصدها المتكلم، بل هذا من أبطل الباطل وأعظمه امتناعا وقبحا باتفاق العقلاء، وهو الذي يقع فيه هؤلاء المتأولون المحرفون كثيرا، وبذلك أشعر لفظه، حيث قال: فعند ذلك قال المتكلمون: لما ثبت بالدليل أنه تعالى منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملا صحيحا

    288
    فمن فسر كلام الفقهاء كالشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة / بدقائق الأطباء التي يقصدها بقراط وجالينوس، أو فسر كلام الأطباء بما يختص بدين المسلمين من معاني الحج والصلاة وغير ذلك لكون ذلك المعنى يصلح لذلك اللفظ في الجملة كان -مع كونه من أكذب الناس وأعظمهم افتراء- من أبعد الناس عن العقل والدين وأشدهم إفسادا للعلوم والمخاطبات.
    فهكذا من نظر إلى ما يحتمله اللفظ من المعاني مما يصلح / أن يريده من ينشئ الخطاب بذلك اللفظ ففسر كلام الله وكلام رسوله به كان في إفكه وضلاله بل في كفره ونفاقه أعظم من أولئك؛ لأن الفرق بين كلام الله ورسوله وما يقصده الله ورسوله بالخطاب من معاني أسمائه وصفاته وبين الأعراب ونحوهم وما يقصدونه في خطابهم من وصف الإبل والشاء والمنازل والمياه والقبائل أعظم من الفرق بين كلام الفقهاء وكلام الأطباء.

    290
    وبهذا يتبين أن ما يذكره طائفة من الناس مثل هذا المؤسس وأمثاله في أصول الفقه أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين كان لمن بعدهم إحداث تأويل آخر بخلاف الأحكام قول باطل، فإن تأويل الأمة للقرآن والحديث هو إخبارهم بأن هذا هو مراد الله تعالى منه قطعا أو ظاهرا، فاتفاقهم في ذلك على قول أو قولين هو كاتفاقهم في الأحكام على قول أو قولين، ولو قدر أنه أريد بالتأويل تجويز الإرادة مثل أن تقول طائفة يجوز أن يكون هذا هو المراد، وتقول طائفة أخرى يجوز أن يكون هذا هو المراد، كانوا متفقين على / أنهم لم يعلموا لله مرادا غير ذينك الوجهين، فلا يجوز أن يكون من بعدهم هو العالم بمراد الله تعالى دونهم.

    319
    وأيضا فالفرق ظاهر بيّنٌ معلوم بالاضطرار من اللغة بين الاستفهام الذي يقصد به نفي وجود ما يظنه الإنسان وينتظره ويرجوه ويخبر به وبين ما لا يقصد به ذلك بل يقصد به تهديده وتخويفه من الأمور الكائنة الموجودة وتحذيره منها

    328
    فإن قوله (المصدر كما تحسن إضافته إلى المفعول فكذلك تحسن إضافته إلى الفاعل) إنما يصح في مصدر الفعل المتعدي، مثل ضرب وقتل وأكل وأضحك وأبكى وأمات وأحيا، فإنه يقال أكل زيد فأعجبني أكل الطعام، كما تقول أعجبني إبكاء هذا الفاجر وأعجبني إضحاك هذا المؤمن أو إضحاك الله فأما ضحك ففعل لازم لا يتصور أن يضاف مصدره إلى مفعول، فضحك مثل فرح وعجب وحزن وطرب فإذا قيل أعجبني ضحك زيد أو بكاؤه أو فرحه أو حزنه أو طربه أو عجبه لم يتصور أن يكون في هذا الكلام مفعول هو المضحَك والمبكى والمفرَح والمحزَن وهذا واضح لا خفاء به

    350
    ومن المعلوم أن إثبات الملزوم بدون اللازم أو نفي اللازم بدون الملزوم متناقض ممتنع

    404
    [أبو الحسن الكرجي في (الفصول في الأصول):] فأما إذا لم يكن السلف صحابيا نظرنا في تأويله فإن تابعه عليه الأئمة المشهورون من نقلة الحديث والسنة ووافقه الثقاة الأثبات تابعناه وقبلناه ووافقناه فإنه وإن لم يكن إجماعا حقيقة إلا أن فيه مشابهة الإجماع إذ هو سبيل المؤمنين، وتوافق المتقين الذين لا يجتمعون على الضلالة ولأن الأئمة لو لم يعلموا أن ذلك عن الرسول والصحابة لم يتابعوه عليه
    فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول، وإن صدر ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث (خلق الله آدم على صورته) فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل ولم يتابعه عليه من قبله من أهل الحديث

    406
    [أبو الحسن الكرجي:] وكذلك في تأويل الشيخ أبي أحمد محمد بن علي الفقيه الكرجي الإمام المعروف بالقصاب للآيات والأخبار الواردة في إحساس الميت بالعذاب وإطنابه في كتابه المعروف بـ(نكت القرآن) وذهابه إلى أن الميت بعد السؤال لا يحس طول لبثه في البرزخ ولا بالعذاب فنقول: هذا تأويل تفرد به ولم يتابعه الأئمة عليه، والقول ما ذهب إليه الجمهور وتفرده بالمسائل لا يؤثر ولا يقدح في درجاتهم.
    وعذر كل من تفرد بمسألة من أئمتنا من عصر الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا أن يقال: لكل عالم هفوة ولكل صارم نبوة ولكل جواد كبوة
    وكذلك عذر كل إمام ينفرد بمسألة على ممر الأعصار والدهور غير أن المشهور ما ذهب إليه الجمهور

    426
    [فإن قيل يجوز عود الضمير إلى ما لم يذكر] قيل: هذا إنما يكون فيما لا لبس فيه حيث لم يتقدم ما يصلح لعود الضمير إليه، إلا ما دل عليه الخطاب، فيكون العلم بأنه لا بد للظاهر من مضمر يدل على ذلك [كذا]، أما إذا تقدم اسم صريح قريب إلى الضمير فلا يصلح أن يترك عوده إليه ويعود إلى شيء متقدم لا ذكر له في الخطاب، وهذا مما يعلم باضرورة فساده في اللغات.

    435
    وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه وحكمته، وحسن كلامه وبيانه. كما يذكر أن بعض الزنادقة سمع قارئا يقرأ {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} فقال: وهل يذاق / اللباس؟! فقالت له امرأة: هبك تشك في بداية [كذا والصواب بدائه] العقول! أو يعلل حكم المحل بعلة لا تعلق لها به، فإن هذا مثل أن يقال: لا تضربوا وجوه بني آدم، فإن أباهم له صفات يختص هو بها دونهم، مثل كونه خلق من غير أبوين، أو يقال: لا تضربوا وجوه بني آدم، فإن أباهم خلق من غير أبوين.

    457
    وبمثل هذا أبطلنا قول من يقول إن الضمير عائد إلى المضروب. فإن المضروب متأخر عن آدم، ولا يجوز في مثل هذا الكلام أن / تكون الصورة التي خلق عليها آدم متأخرة عن حين خلقه سواء كانت هي صورته أو صورة غيره، فإذا قيل: عملت هذا على صورة هذا أو على مثال هذا أو لم يعمل هذا على صورة غيره أو لم يعمل على مثال أو لم ينسج على منوال غيره كما يقال في تمجيد الله تعالى خلق الله العالم على غير مثال، والإبداع خلق الشيء على غير مثال، ونحو ذلك من العبارات كان معناها المعلوم بالاضطرار من اللغة عند العامة والخاصة أن ذلك على صورة ومثال متقدم عليه، أو لم يعمل على صورة ومثال متقدم عليه، وذلك أن هذا اللفظ تضمن معنى القياس. فقوله: خلق أو عمل أو صنع على صورة كذا أو مثاله أو منواله تضمن معنى قيس عليه وقدر عليه.
    وإذا كان كذلك فجميع ما يذكر من التأويلات مضمونه أو صورته تأخرت عنه فتكون باطلة.
    / وأيضا فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها قبل صورته التي خلقها الله تعالى.

    440
    المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هو من الأمور المعلوم ببديهة العقل التي لا يحسن بيانها والخطاب بها لتعريفها، بل لأمر آخر .... / ونحو ذلك مما هو معلوم ببديهة العقل، ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيل جدا

    441
    فلا بد أن يبين وجه دلالة اللفظ على المعنى من جهة اللغة ويذكر له نظير في الاستعمال.

    443
    قد صححه [حديث الصورة] إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس.
    وأيضا فمن المعلوم أن عطاء بن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يكون قد سمعه من أحد، وإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه قد أخذه عن ابن عمر كان هذا بيانا وتفسيرا لما تركه وحذفه من الطريق الأخرى، ولم يكن هذا اختلافا أصلا.
    وأيضا فلو قدر أن عطاء لم يذكره إلا مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن المعلوم أن عطاء من أجل التابعين قدرا، فإنه هو وسعيد بن المسيب / وإبراهيم النخعي والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم .... ومعلوم أن مثل عطاء لو أفتى في مسألة فقه بموجب خبر أرسله لكان ذلك يقتضي ثبوته عنده، ولهذا يجعل الفقهاء احتجاج المرسِل بالخبر الذي أرسله دليلا على ثبوته عنده. فإذا كان عطاء قد جزم بهذا الخبر العلي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الباب العظيم أيستجيز ذلك من غير أن يكون ثابتا عنده أن يكون قد سمعه من مجهول لا يعرف أو كذاب أو سيء الحفظ؟!#

    445
    وأيضا فاتفاق السلف على رواية هذا الخبر ونحوه مثل عطاء بن أبي رباح وحبيب بن أبي ثابت والأعمش والثوري وأصحابهم من غير نكير سمع من أحد لمثل ذلك في ذلك العصر مع أن هذه الروايات المتنوعة في مظنة الاشتهار دليل على أن علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن، بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا.
    ....
    فمن الممتنع / أن يكون في عصر التابعين يتكلم أئمة ذلك العصر بما هو كفر وضلال ولا ينكر عليهم أحد، فلو كان قوله (خلق آدم على صورة الرحمن) باطلا لكانوا كذلك.
    وأيضا فقد روي بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة والحديث المروي من طريقين مختلفين لم يتواطأ رواتهما يؤيد أحدهما الآخر ويستشهد به ويعتبر به، بل قد يفيد ذلك العلم، إذ الخوف في الرواية من تعمد الكذب أو من سوء الحفظ، فإذا كان الرواة ممن يعلم أنهم لا يتعمدون الكذب أو كان الحديث ممن لا يتواطأ في العادة على اتفاق الكذب على لفظه، لم يبق إلا سوء الحفظ، فإذا كان قد حفظ كل منهما مثل ما حفظ الآخر، كان ذلك دليلا على أنه محفوظ، لا سيما إذا كان ممن جرب بأنه لا ينسى لما فيه من تحريه اللفظ والمعنى، ولهذا يحتج من منع المرسل به إذا روي من وجه / آخر، ولهذا يجعل الترمذي وغيره الحديث الحسن ما روي من وجهين ولم يكن في طريقه متهم بالكذب ولا كان مخالفا للأخبار المشهورة.

    448
    والمرسل إذا اعتضد به قول الصاحب احتج به من لا يحتج بالمرسل كالشافعي وغيره.

    451
    وقد قدمنا أنه يجوز الاستشهاد بما عند أهل الكتاب إذا وافق ما يؤثر عن نبينا بخلاف ما لم نعلمه إلا من جهتهم فإن هذا لا نصدقهم فيه ولا نكذبهم.
    ثم إن هذا مما لا غرض لأهل الكتاب في افترائه على الأنبياء، بل المعروف من حالهم كراهة وجود ذلك في كتبهم وكتمانه وتأويله، كما قد رأيت ذلك مما شاء الله من علمائهم

    458
    ثم إن هذا المؤسس مع كونه يحمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على رفع تأثير الأفلاك والعناصر ردا على الفلاسفة يقرر في كتب له أخرى دلالة القرآن على تأثير الأفلاك والكواكب تارة عملا بما يأمر به المنجمون من الأخبار وتارة أمرا بما يأمر به السحرة المشركون من عبادتها.

    460
    وهو قد أضحك العقلاء على عقله بما جحده من الحسيات والمعقولات وألحد في آيات الله بما افتراه من التأويلات وأخبر عن الرسول أنه أخبر بجحد الموجودات مع أن لفظه صلى الله عليه وسلم من أبعد شيء عن هذه الترهات.

    461
    ثم يسمون المفعول باسم المصدر سنة جارية لهم، فيقولون لما يوصف به من المعاني صفة، ثم قد يغلب أحد اللفظين في بعض الاصطلاحات كما اصطلح طائفة من الناس على أن جعلوا الوصف اسما للقول والصفة اسما للمعنى، كما أن طائفة أخرى جعلوا الجميع اسما للقول، والتحقيق أن كلا منهما يدل على هذا

    466
    وإن أراد به أن لفظ الصفة قد لا يراد به إلا ما يقوم بالأعيان من المعاني كالعلم والقدرة فهذا باطل، لا يوجد في الكلام أن قول القائل: صورة فلان يراد بها مجرد الصفات القائمة به من العلم والقدرة ونحو ذلك. بل هذا من / البهتان على اللغة وأهلها.

    468
    فهذه التأويلات التي هي ذكر دلالة اللفظ على معنى من المعاني تارة يكون المعنى باطلا، وتارة يكون اللفظ غير دال عليه، وتارة يكون اللفظ دالا على نقيضه، وضده، وتارة يجتمع من ذلك ما يجتمع، وهذا شأن أهل التحريف والإلحاد نعوذ بالله من الغي والزيغ ونسأله الهدى والسداد.
    ...
    إذ كل ما [؟] تقدم الزمان كان الناس أقرب إلى السداد في الثبوتات والقياسات الشرعيات والعقليات، وكان قدماء الجهمية أعلم بما جاء به الرسول وأحسن تأويلا من هؤلاء

    471
    وأيضا فتسمية ما قدر صورة ليس له أصل في كلام الله وكلام رسوله .... وإن كان من المتأخرين من يقول: لفلان عند فلان صورة عظيمة، وهذا الأمر مصور في نفسي، لكن مثل هذا الخطاب لا يجوز أن يحمل عليه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون ذلك من لغته التي خاطب بها أمته.

    478
    ولا يجوز أن يجمعوا على تكفير من لا وجود له.

    479
    [الرازي] وإن عنيتم بالمشبه من يقول: الإله جسم مختص بالمكان. فلا نسلم انعقاد الإجماع / على تكفير من يقول بذلك، بل هو دعوى للإجماع في محل النزاع فلا يلتفت إليه.

    480
    وهذا الكلام قد نبهنا عليه غير مرة في هذا، وفي الأجوبة المصرية، وفي جواب المسألة الصرخدية* وغير ذلك، وفي بيان شبهة التركيب والتجسيم وشبهة التشبيه.
    والاتفاق والاشتراك بين الموجودين يكون في مراتب الوجود الأربعة ....
    [المحقق: لم أقف على هذا الجواب مطبوعا، ولم أجد له ذكرا فيما اطلعت عليه من الكتب التي عنيت بذكر مصنفات شيخ الإسلام]

    485
    فلما كان لفظ التشبيه يقال على ما يجب انتفاؤه وعلى ما يجب إثباته لم يرد الكتاب والسنة به مطلقا لا في نفي ولا إثبات.

    488
    ولا يجوز أن يكون النفي مختصا بالقسم الأول [التشبيه من جميع الوجوه] لأن هذا لم يعتقده أحد من البشر

    535
    وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين [إضافة الصفة وإضافة المخلوق]
    لأن الأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله، فيعلمون أنها ليست إَافة صفة، وأما الصفات القائمة بغيرها فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به وتضاف إليه، فإذا أضيفت علم أنها أضيفت إلى الموصوف التي هي قائمة به.

    538
    هذا التشبيه من باب العبث؛ لأن العلة في المشبه به مثل من يقول لأحد ابنيه إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة

    540
    ومعلوم أن حمل الحديث على هذا يوجب سقوط فائدته .... ومثل هذا الكلام لا يضاف إلى أدنى الناس فضلا عن أن يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

    561
    والمقصود أنهم في تأويلهم مثبتون لنظير ما فروا منه، فإنهم فروا من التشبيه ولم يتأولوه إلا على التشبيه

    564
    فإن التشبيه إذا ساغ إنما يسوغ في صفات الكمال، وهذا تشبيه لله بخلقه في صفات النقص.

    566
    فيكون بيان هذا المعنى بهذا اللفظ خارجا عن قانون الخطاب ليس بحقيقة عندهم ولا مجاز، إذ من شرط المجاز ظهور القرائن المثبتة للمراد، وليس عند المخاطبين قرينة تبين ذلك.

    568
    فكيف يجوز أن يحمل عليه ألفاظ الرسول حتى يجعل متشابه كلامه مناقضا لمنصوصه ومحكمه.

    573
    وهذا وإن كان ابن عقيل يذكره في موضع فإنه في موضع آخر يتأوله على الصورة المخلوقة كما تقدم ذلك، فإن هؤلاء لا يثبت أحدهم على مقام بل هم كثيرو الاضطراب، وما من شيء يقوله المؤسس وأمثاله إلا وقد يقوله ابن عقيل ونحوه في بعض الأوقات والمصنفات وإن كان قد يرجع عن ذلك كما يرجع عن غيره.

    580
    وإنما المقصود هنا إبطال كل تأويل فيه تحريف الكلم عن مواضعه، وإلحاد فيه، ورد لما قصد بالنص، فيرد ما كذبوا به من الحق، لا ما قصدوا به من الحق، فإن هذا شأن المحرفين لنصوص الصفات، إذا حملوا الحديث على ما هو ثابت في نفس الأمر لم ننازع في ذلك المعنى الصحيح، ولا في دلالة الحديث عليه إذا احتمل ذلك

    581
    فإن خطأ النظار فيما كذبوا به ونفوه أكثر من خطئهم فيما صدقوا به وعلموه.

    583
    وأهل السنة وإن قالوا إن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة، فلا يقولون إن جنس الآدميين مطلقا أفضل من جنس الملائكة بل في بني آدم من هو شر من البهائم.

    589
    وإنما معنى كون آدم وداود والآدميين خلائف أنهم / يخلفون غيرهم من المخلوقات، لا أنهم يخلفون الخالق

    592
    ولهذا قيل للصديق: يا خليفة الله، فقال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسبي ذاك.

    594
    وذلك لأن الخليفة لا يكون إلا مع تغيب المستخلف، لا مع شهوده، والله شهيد على عباده، لا يغيب عنه شيء مدبر للجميع، فلا يستخلف من يقوم مقامه في ذلك، كما يستخلف المخلوق للمخلوق، بل هو الخالق لكل شيء.

    599
    وهؤلاء بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ولهذا جاءت الشريعة بذلك، فجعل الفقهاء الشركة في التصرف مبنية على الوكالة، وأن الشريك يتصرف لنفسه بحكم الملك، ولشريكه بحكم الوكالة والنيابة.

    613
    ثم إن صاحب الفصوص وهو مع كونه إمامهم فهو أبعدهم عن محض الإلحاد، لما يوجد في كلامه من لبس الحق بالباطل، يفرق بين الوجود والثبوت فيقول: إن الأشياء ثابتة بأعيانها في القدم ونفس الوجود الفائض عليها هو / وجود الحق، فيوافق من يقول إن المعدوم شيء في الخارج، لكن يجعل وجود الكائنات عين وجود الحق، ولا يجعل وجودا متميزا عن المخلوقين، ولهذا يضطرب فيجعله هو هو من وجه، وهو غيره من وجه، لأن الفرق بين الوجود والثبوت فرق باطل.

    [انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد السادس بحمد الله]

    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: فوائد منتقاة من (بيان تلبيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية

    [الفوائد المنتقاة من بيان تلبيس الجهمية - المجلد السابع]

    19
    وهذا الحديث من أجلّ حديث كان عند ابن شهاب الزهري أعلم الأمة بالسنة في زمانه وأحفظهم للعلم وأتقنهم له، وكان قد سمعه من سعيد بن المسيب أعلم الأمة وأجلها في زمان كبار التابعين، وسمعه أيضا من عطاء بن يزيد الليثي أحد أجلاء / التابعين عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضا، فكان يحدث به ابن شهاب الزهري عن أحدهما تارة، وتارة عنهما جميعا كما جرت عادة الزهري، فإنه لسعة علمه يكون الحديث عنده عن عدد من كبار التابعين، فيحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، وهذا معروف للزهري في مواضع كثيرة من الصحيح.

    45
    وأما حديث أبي رزين فهو مشهور في السنن والمسانيد، لكن أهل السنن يختصرون من الحديث ما يناسب السنن على / عادتهم.

    76
    علم بالاضطرار أن الذي يأتيهم في هذه الصورة هو رب العالمين نفسه لا ملك من الملائكة ولا مجرد بعض آياته، ومن صرف مثل هذه الأحاديث، وهذه الألفاظ الصريحة المنصوصة إلى ملك من الملائكة أو مجيء شيء من عذاب الله أو إحسان الله فإنه -مع جحده لما يعلم بالاضطرار من هذه الألفاظ- قد فتح من باب القرمطة وتحريف الكلم عن مواضعه ما لا يمكن سده؛ إذ لا يمكن بيان المخبر عنه بأعظم من هذا البيان التام، فمن جعل هذا محتملا لم يمكن قط أن يخبر أحد أحدا بشيء من الألفاظ المبينة لمراده قطعا، وهذا كله من أعظم السفسطة وجحد / الحسيات والضروريات التي لا يستحق جاحدها مناظرة، ولهذا كان السلف ينهون عن مجادلة أمثال هؤلاء / السوفسطائية القرامطة.

    79
    فإن (دخل) و(خرج) يتعدى إلى الظرف والمصدر، فإذا دخلته الهمزة صار الفاعل مفعولا به، والمعنى داخلا مدخل صدق، واجعلني خارجا مخرج صدق، وإذا عدي هذا المتعدي بالباء اقتضى أن الإتيان ألصق بذلك المجرور.
    فإذا قيل أتاهم بهذا أي جعل إتيانهم لاصقا بذلك المأتي / فيكون قد أتاهم ضرورة. وأما كون نفس الفاعل هنا جاء بنفسه أو لا يجب أنه جاء كما في قوله {فأتاهم الله} فهذا فيه تفصيل، فإن من الناس من يسوي بين أخرجه وأخرج به [كذا والصواب وخرج به] والصواب الفرق.

    82
    وأما نقلهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أتى بظلل من الغمام، بمعنى أنه يرسلها ولا يجيء هو. فهذا كذب على ابن عباس ولم يذكروا له إسنادا.

    86
    وأما الصفات مثل العلم والقدرة ونحو ذلك فإذا أضيف كانت إضافته إضافة نفسية إذا لم يتبين خلاف ذلك؛ إذ لم يعلم أن هذه الأمور تقوم بنفسها والصورة هي قائمة بذي الصورة، فليست من الأعيان المنفصلة عن المضاف إليه حتى تجعل بمعنى الملك، فلا يمكن أن تكون صورة الله التي يأتي فيها مخلوقا منفصلا عنه يبعثه وهو لا يأتي.

    86
    ومعلوم أن أحدا من الملائكة لا يقول للخلق: أنا ربكم، بل لا يدعي هذه الدعوى إلا كافر بالله / تعالى كفرعون والدجال والشيطان ... وإن كان الملك يقوله امتحانا فهذا لا يصلح كما لا يصلح أن يقول أحد من الأنبياء والمرسلين للناس: أنا ربكم، على سبيل الامتحان.

    89
    ولكن من شأن الجهمية أنهم يجعلون المخاطب للعباد بدعوى الربوبية غير الله، كما قالوا: إن الخطاب الذي سمعه موسى بقوله: {إني أنا ربك} كان قائما بمخلوق كالشجرة وكما قالوا في قوله (من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له) إنه يقول هذا ملك من الملائكة، وكما زعم هذا المؤسس في قوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} إن ربه ملك من الملائكة وهذا كله من الكفر والإلحاد.

    93
    فيكون تأويلهم لذلك بأن الآية التي يعرفونه بها حتى يسجدوا له هي الإحسان، كلاما متناقضا متهافتا؛ حيث جعلوا ما يتوقف معرفته به هو الإحسان، وجعلوه هناك الشدة والعذاب.

    95
    قال: ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويتمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير، قال: فيتمثل لهم الرب فيأتيهم .... / فلو كان الآتي هو ملك من ملائكة الله، أو شيء من مخلوقاته لكان بيان هذا أولى من بيان أولئك إنما جاءت أشباههم؛ إذ في هذا من المحذور ما ليس في ذلك، بل هذا التفريق بين هذا وهذا دليل واضح أن الذي أتاهم هو رب العالمين الذي تمثل لهم في الصورة، والذي اتبعه أولئك هو أشباه المعبودات، وشياطين الأنبياء، وذلك لأن الأنبياء لم يأمر بعبادتهم إلا الشياطين.
    والجمادات لم تقصد أن تعبد، فلا فرق عند عابديها بينها وبين أشباهها، والله سبحانه هو الذي أمر الخلق بعبادته وهو نفسه هو الذي عبده المؤمنون فلا يصلح أن يأتيهم غير من يتبعونه غيره.

    97
    فأحد الأمرين لازم: إما أن يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق، أو ما يقوله هؤلاء الجهمية؛ إذ هما متناقضان غاية التناقض، ومن عرف ما جاء به / الرسول صلى الله عليه وسلم ثم وافقهم فلا ريب أنه منافق.

    101
    السجود في حال إظهار الشدة أولى من السجود في حال إظهار النعمة، ولهذا كانت الصلاة عند إظهار الآيات مثل الكسوف والخسوف مشروعـ(ـة) باتفاق المسلمين، وهي أطول الصلوات وأكثرها قدرا وصفة.

    104
    فقول القائل: يأتيهم الله في صورته التي يعرفون أو التي لا يعرفون، أي في صفته التي يعرفون، أو التي لا يعرفون. ثم تأويل ذلك بمجيء بعض ما يخلقه من الضراء والسراء من أفسد الكلام؛ فإن النعم والنقم ليست من صفات الله التي يوصف بها، وإنما يوصف بأنه يخلقها ويحدثها ويفعلها، فلا يصح أن يكون مجيئها مجيء الله في صفته.

    108
    مضمون أقاويل الجهمية أنه يعبد غير الله في الدنيا والآخرة، وهذا من جملة شركهم، فإنهم دخلوا في الشرك من وجوه، منها إثباتهم خصائص الربوبية لغير الله حتى جعلوه يدعي الربوبية ويحاسب العباد ويسجدون له.

    116
    فهذا بعض كلامهم [الحلولية] في باب الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وهو أقرب شيء إلى كلام القرامطة الباطنية، لكن هؤلاء دخلوا من باب التصوف والتحقيق والكشوف، وأولئك دخلوا من باب التشيع وموالاة أهل البيت وما لهم من علوم الأسرار.
    وكلاهما من أكفر خلق الله وأعظمهم نفاقا وزندقة / وتبديلا لدين الإسلام وتحريفا للكلم عن مواضعه.

    119
    كما حدثني من كان مع رجلين من طواغيتهم مرا بكلب ميت أجرب فقال أحدهما للآخر: وهذا أيضا ذاتي؟ فقال: وهل ثم شيء يخرج منها؟

    132
    إن ربكم ليس بأعور ....
    وهذا المؤسس طعن في هذا الحديث قال: لأنه لا يحتاج إلى نفي الإلهية عن الدجال إلى هذا الدليل، ولو علم هذا ما في الأرض من الضلال عند أهل الاتحاد المطلق والمعين، لم يقل مثل هذا، فليت يرى المؤمن العالم كيف صار الحق الذي جاءت به الرسل؟ تارة تقابله طائفة بالتكذيب، وتارة يقابلونه بتمثيل غيره به، والتسوية بينهما، كما أن المشركين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الرسل.

    153
    هذان الحديثان لم يذكر لهما إسنادا – أعني الإسناد الذي يليق بكتابه – وهو أن يعزو الحديث إلى كتاب من كتب الحديث ليعرف أصله، وكأنه نقلها من كتاب (تأويل الأخبار) لأبي بكر بن فورك؛ فإنه هو الذي يعتمده في كثير مما يذكره من أخبار الصفات وتأويلها، وأبو بكر بن فورك جمع في كتابه من تأويلات / بشر المريسي ومن بعده ما يناسب كتابه، لكنه لم يكن من الجهمية المماثلين لبشر، بل هو يثبت من الصفات ما لا يثبته بشر، وكان قد سبقه أبو الحسن بن مهدي الطبري إلى كتاب لطيف في التأويل، وطريقته أجود من طريقة أبي بكر بن فورك، وأول من بلغنا أنه توسع في هذه التأويلات هو بشر المريسي وإن كان قبله وفي زمنه له شركاء في بعضها وتلقى / ذلك عنهم طائفة من الجهمية المعتزلة وغيرهم.

    155
    فإن الرازي هو في الحقيقة يجمع البدعتين؛ فلا يتبع الحق لا في إسنادها ولا في دلائلها، بل / لا يفعل ذلك في دلالة القرآن، ولهذا كانت طريقته صدا عن سبيل الله ومنعا للناس عن اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك لا يثبت إلا بالنقل وبدلالة الألفاظ، وهو دائما يطعن في الطريقين، وقد تكلمنا على كلامه في دلالة الألفاظ في غير هذا الموضع أيضا
    [في المجلد الثامن عند المحكم والمتشابه]

    162
    ولكن من أصحاب أحمد من جعل هذا رواية عنه، أنه يطلق الرؤية ولا يقيد بأحدهما [يعني رؤية النبي ربه بعينه أو قلبه]
    ولكن فرق بين السكوت عن التقييد وبين المنع من التقييد، فإن كان أحد يظن أن أحمد منع من التقييد فليس كذلك، وإن قال: إنه استحسن الإطلاق، فهذا حسن، وحينئذ فلا يكون روايتين، بل رواية واحدة تضمنت جواز الإطلاق والتقييد / بالقلب، لكن لم ير إطلاق نفي الرؤية؛ لأن نفيها يشعر بنفي الأمرين جميعا.

    164
    وأما ما يرويه بعض العامة أن أبا بكر سأله فقال: رأيته، وأن عائشة سألته فقال: لم أره، فهو كذب باتفاق أهل العلم، ولم يكن عند عائشة في هذا حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما / تكلمت في ذلك بالرأي والتأويل لا بحديث كان عندها.

    165
    والأثرم من أعلم أصحاب أبي عبد الله وأذكاهم وأعرفهم بالحديث والفقه.

    182
    قال محمد بن يحيى امتنع عليَّ إبراهيم بن الحكم في هذا الحديث، فخار الله لي أحلى* منه؛ يعني أن يزيد بن أبي حكيم أحلى* من إبراهيم بن الحكم، أي أنه أوثق منه.
    [في التوحيد لابن خزيمة (أجل) في الموضعين]

    187
    كما ذكره رزين بن معاوية في تفسيره [لم يقف عليه المحقق] فقال: وأما ما روي عن عائشة وابن عباس من الاختلاف في أمر الرؤية، فإنما دخل الأمر في ذلك على بعض الروايتين من حيث إطلاقهما اللفظ، فظنوا بهما الاختلاف، ولم يكونا ليختلفا في مثل هذا الأصل الجليل من أصول الدين، وقد روى غير أولئك الرواة عنهما لفظهما مقيدا فزال الإشكال، والمقيد يبين المجمل، فروي عن ابن عباس في بعض الروايات: رأى ربه بفؤاده، وهو تفسير قوله: رآه مطلقا. قال: وقد روي عن عائشة أنها قالت: يا أهل العراق إنكم تقولون أقوالا يخالفها كتاب الله عز وجل، وتزعمون أن محمدا / رأى ربه ببصره وقد قال: {لا تدركه الأبصار} وإنما رآه بفؤاده وذلك قوله {ما كذب الفؤاد ما رأى} وإنما رأى ببصره الحجاب.

    218
    قال القاضي أبو يعلى: فظاهر هذا التضعيف من أحمد لحديث أم الطفيل، قال: رأيت بخط أبي بكر الكبشي: قال / عبد العزيز [غلام الخلال]: سمعت الخلال يقول: إنما يروى هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء تصحيحا لغيره، ولأن الجهمية تنكره.

    238
    وقد تبين بما ذكرناه أن الحديث الذي فيه (أتاني ربي في أحسن صورة ووضع يده بين كتفي) إنما كان في المنام بالمدينة، ولم يكن ذلك ليلة المعراج كما يظنه كثير من الناس، وكنت مرة بمجلس فيه طوائف من أصناف العلماء في مجلس ابتداء تدريس لشيخ الحنفية، وجرى ذكر هذا الحديث، فظنوا أنه كان ليلة المعراج، فقلت: هذا لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا كان بالمدينة كما جاء مصرحا به، والمعراج إنما كان بمكة، كما قال تعالى: {سبحان الذي أسرى ..} وهذا مما تواترت به الأحاديث واتفق عليه أهل العلم ....

    243
    [عثمان الدارمي] ثم قال [يعني بشرا المريسي] بعدما فسر هذه التفاسير المقلوبة قال: ويحتمل أن يكون هذا من الأحاديث التي وضعتها الزنادقة فدسوها في كتب المحدثين.
    فيقال لهذا المعارض الأحمق، الذي تتلعب به الشياطين: وأي زنديق استمكن من كتب المحدثين مثل حماد بن سلمة وحماد بن زيد وسفيان وشعبة ومالك ووكيع ونظرائهم فيسدوا مناكير الحديث في كتبهم؟ وقد كان أكثر هؤلاء أصحاب حفظ، ومن كان منهم من أصحاب الكتب كانوا لا يكادون يُطلعون على كتبهم أهل الثقة عندهم، فكيف / الزنادقة؟! وأي زنديق كان يجترئ أن يتراءى لأمثالهم ويزاحمهم في مجالسهم. فكيف يفتعلون عليهم الأحاديث ويدسونها في كتبهم؟ أرأيتك أيها الجاهل إن كان الحديث من وضع الزنادقة فلم تلتمس له الوجوه والمخارج من التأويل والتفسير كأنك تصوبه وتثبته؟ أفلا قلت أولا إن هذا من وضع الزنادقة فتستريح وتريح من العناء والاشتغال بتفسيره، ولا تدعي في تفسيره على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل الجنة فرأى شابا من أولياء الله تعالى فقال: هذا ربي، غير أنك خلطت على نفسك فوقعت في تشويش وتخليط لا تجد لنفسك مفزعا إلى بهذه التخاليط ولن تجدي عنك شيئا عند أهل العلم والمعرفة، وكلما أكثرت من هذا وشبهه ازددت به فضيحة؛ لأن أحسن حجج الباطل تركه والرجوع عنه.

    253
    [ابن خزيمة في التوحيد] قال عبد الرزاق: فذكرت هذا الحديث لمعمر، فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس. قال أبو بكر بن خزيمة: لو كنت ممن أستحل الاحتجاج بخلاف أصلي، واحتججت بمثل مجالد، لاحتججت أن بني هاشم قاطبة قد خالفوا عائشة رضي الله عنها في مثل هذه المسألة، وأنهم جميعا كانوا يثبتون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه مرتين، فاتفاق بني هاشم عند من يجيز الاحتجاج بمثل مجالد أولى من انفراد عائشة بقول لم يتابعها عليه أحد من أصحاب / محمد يعلم ولا امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولا المبايعات.

    264
    وتبين بذلك أن كلام أحمد ليس بمختلف، بل كلام / أحمد نظير كلام ابن عباس رضي الله عنهما، تارة يقيد الرؤية بالقلب، وتارة يطلقها.

    265
    قال [أبو يعلى] والدلالة على إثبات رؤيته تعالى قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا} .... الثالث من غير رسول ولا حجاب وهو كلامه لنبينا في ليلة الإسراء، إذ لو كان من وراء حجاب أو كان رسولا دخل تحت القسمين، ولم يكن للتقسيم فائدة ... / قلت: هذه الحجة أخذها القاضي أبو يعلى من أبي الحسن الأشعري ونحوه، فإنهم احتجوا بها على أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وهذه حجة داحضة، فإن هذا خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون في تفسر الآية الكريمة.
    وأيضا فإن الله أخبر بأنه ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا على هذه الوجوه الثلاثة، فلو كان المراد بذلك أنه يكلم تارة مع المعاينة وتارة مع الاحتجاب وتارة بالمراسلة لم يكن لهذا الحصر معنى، ولم يكن فرق بين الله تعالى وبين غيره في ذلك، ولم يكن نفى بهذا الحصر شيئا، فإن المكلم من البشر إما أن يعاينه المخاطب أو لا يعاينه، وإذا لم يعاينه فإما أن يخاطبه بنفسه أو رسوله، فلو كان المراد ما ذكر لزم هذه المحاذير.

    268
    قال القاضي: ويدل عليه ما حدثناه ... / رأيت ربي مشافهة لا شك فيه ....
    قلت: هذا الحديث كذب موضوع على رسول الله / صلى الله عليه وسلم بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث، والقاضي لم يعلم أنه موضوع، ورواه له أبو القاسم الأزجي فيما خرجه في الصفات، وأبو القاسم ثقة، لكن الكذب فيه ممن فوقه، ولم يحدث بهذا روح بن عبادة ولا أبو الزبير أصلا، وأهل الحديث يعلمون ذلك، ولا يصلح أن يكون هذا اللفظ من ألفاظ رسول الله، فإن المشافهة إنما تقال في المخاطبة لا في الرؤية، فيقال: يخاطبه مشافهة، كما قال من قال من السلف كلم موسى تكليما أي مشافهة، لا يقال في الرؤية مشافهة، فإن المشافهة في الأصل مفاعلة من الشفة التي هي فينا محل الكلام، وأما الرؤية فيقال فيها مواجهة ومعاينة، فيشتق لها من الوجه والعين الذي تكون به الرؤية.

    285
    ولا ريب أن المثبت أولى من النافي فـ[ـيـ]ـما كان من باب الرواية كما قدم الناس رواية بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت على قول أسامة: / إنه لم يصل.
    وقد قالوا: هذا لا يقال بالقياس، وإنما يقال بالتوقيف فيكون من باب الرواية، لكن قد يقال: ونفي ذلك أيضا لا يؤخذ بالقياس وإنما يقال بالتوقيف، فإن كون رؤية محمد ربه وقعت أو لم تقع هو من الأخبار التي لا تعلم بمجرد القياس، وعائشة رضي الله عنها لما نفت ذلك لم تستند مع استعظام ذلك أن تكون في الدنيا إلا إلى ما تأولت من الآيتين وابن عباس ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى {ولقد رآه نزلة أخرى} فكلامه أيضا كان في تأويل القرآن.

    293
    [ابن خزيمة] لست أستحل أن أحتج / بالتمويه ولا أستجيز أن أموه على مقتبسي العلم

    317
    هذا الحديث كذب موضوع [يعني حديث لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة .... فوضع يده حتى وجدت فذكر كلمة ذهبت عني] على هذا الوجه بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث، ولهذا لم يذكره الإمام أحمد فيما ذكره من أخبار هذا الباب، ولا أحد من أصحابه الذين أخذوا عنه لا فيما يصححون ولا فيما عللوه، وكذلك ابن خزيمة لم يذكره، لا فيما صححه ولا فيما علله، ولا رووه الأئمة الذين جمعوا في كتب السنة أحاديث الباب، كابن أبي عاصم والطبراني وابن منده وغيرهم، لأنه من الموضوعات التي لا يجوز ذكرها لمن علم بها إلا أن يبين أنها موضوعة ...
    وهذا الحديث من أبطل الباطل عن سفيان الثوري، / والحسن بن صالح بن حي، لم يأت به عنهما أحد من أصحابهما مع كثرتهم واشتهارهم.

    322
    ولكن إنما اعتقد صحة هذا من لم يكن له بالحديث وألفاظه وروايته خبرة تامة، من جنس الفقهاء وأهل الكلام والصوفية ونحوهم، فلهذا ذكروه من بين متأول، ومن بين راد للتأويل. ثم المثبتة تزيد في الأحاديث لفظا ومعنى، فيثبتون بعض الأحاديث الموضوعة صفات! ويجعلون بعض الظواهر صفات! ولا يكون كذلك. والنافية تنقص الأحاديث لفظا ومعنى، فيكذبون بالحق، ويحرفون الكلم عن مواضعه.

    325
    فأما قوله في رواية الأثرم: يُضطرب في إسناده وأصل الحديث واحد، وقد اضطربوا فيه، فهذا كلام صحيح، فإنهم اضطربوا في إسناده بلا ريب. لكن لم يقل إن هذا يوجب ضعف متنه، ولا قال: إن متنه غير ثابت، بل مثل هذا الاضطراب يوجد في أحاديث كثيرة وهي ثابتة.
    وهذه الطرق مع ما فيها من الاضطراب لمن يتدبر الحديث، ويحسن معرفته، يدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ / صحيح الأصل، لا ريب في ذلك، بل قد يوجب له القطع بذلك كما نبهنا عليه أولا

    326
    والزيادة من الثقة مقبولة

    327
    والأشبه أن الاضطراب في هذه الرواية وقع من خالد نفسه، وأنه كان لا يذكر في أكثر الروايات إلا ابن عائش، ولهذا لم يذكر أبو قلابة عنه إلا ما يشتبه بابن عائش. وبالجملة فأي الروايتين كانت هي المحفوظة صح الحديث؛ إذ تعارضهما إما أن يوجب صحة إحداهما، أو يوجب الجمع بينهما، وعلى كل تقدير، فالحديث محفوظ، فأما طرحهما جميعا فإنما يكون إذا تعارض متنان متناقضان.

    327
    وأما ما ذكره ابن خزيمة / من كون يحيى مدلسا لم يذكر السماع فهذا لا يضر هنا؛ لأن غاية ما فيه أن يكون أخذه من كتاب زيد بن سلام. كما حكي عنه أنه كان يحدث من كتاب أبي سلام إما لمعرفته بخطه، وإما لأن الذي أعطاه قال له هذا خطه. وهذا مما يزيد الحديث قوة؛ حيث كان مكتوبا، ولهذا كان إسناده ومتنه تاما في هذه الطريق بحمله [لعلها بجمله أو بجملته] دون الأخرى. والاحتجاج بالكتاب (في) مثل هذا جائز، كالاحتجاج بصحيفة عمرو بن حزم، وصحيفة عبد الله بن عمرو التي رواها عمرو بن شعيب؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم / يكتب كتبه إلى النواحي فتقوم الحجة بذلك، فمن المعلوم أن هذا الطريق يبين أن الحديث عن ابن عائش، إذ مثل هذا الطريق إذا ضمت إلى طريق خالد بن اللجلاج كان أقل أحوال الحديث أن يكون حسنا، إذ روي من طريقين مختلفين ليس فيهما متهم بالكذب، بل هذا يوجب العلم عند كثير من الناس، ولهذا كان الأئمة يكتبون [من] الشواهد والاعتبارات ما لا يحتج به منفردا؛ والذي ذكر ابن خزيمة من أنه لم يثبت طريق معين من هذه الطرق هذا فيه نزاع بين أهل الحديث. لكن إذا ضمت بعضها إلى بعض صدق بعضها بعضا. فهذا مما لا يتنازعون فيه. لكن ابن خزيمة جرى على عادته أنه لا يحتج إلا بإسناد يكون وحده ثابتا. فإنه كثيرا ما يدخل في الباب الذي يحتج له من الشواهد والاعتبارات أشياء فلا يحتج بها. فما قاله لا ينافي ما اتفق عليه أهل العلم.

    334
    فالأشبه أن لفظ (أتاني آت) هو من رواية بعض الرواة بالمعنى، كأنه عدل عن لفظ ربي، إما خوفا على نفسه، أو على المستمع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا ريب أنه قال ذلك اللفظ كما تواترت به الطرق.

    339
    وكنت حين كتبت ما كتبته بمكان لا يصل إليَّ فيه الكتب وكنت أعلم أن هذا الحديث في جامع الترمذي؛ لكن لم يكن حاضرا عندي، فلما حضر إليّ بعد ذلك وجدته قد تكلم عليه نحوا مما تكلمت، وبين أنه حديث صحيح، وذكر عن البخاري أنه حديث صحيح
    [هذا دليل واضح للرد على من يقول إن ابن تيمية كان يصنف كل شيء من حفظه]

    344
    ثم رأيت أبا بكر بن أبي عاصم روى هذا الحديث في كتاب السنة من طرق أخرى
    [وهذا أيضا دليل آخر على ما سبق]

    356
    فإن ضعف إسناد الحديث لا يمنع أن يكون متنه ومعناه حقا، ولا يمنع أيضا أن يكون له من الشواهد والمتابعات ما يبين صحته. ومعنى الضعيف عندهم أنا لم نعلم أن راويه عدل، أو لم نعلم أنه ضابط. فعدم علمنا بأحد / هذين يمنع الحكم بصحته، لا يعنون بضعفه أنا نعلم أنه باطل، فإن هذا هو الموضوع، وهو الذي يعلمون أنه كذب مختلق. فإذا كان الضعيف في اصطلاحهم عائدا إلى عدم العلم، فإنه يطلب له اليقين والتثبيت.
    فإذا جاء من الشواهد بالأخبار الأخرى وغيرها ما يوافقه صار ذلك موجبا للعلم بأن راويه صدق فهي وحفظه والله تعالى أعلم

    359
    لأن من لغتهم أن ما يصلح للفاعل والمفعول لا يجوز فيه ترك الترتيب إلا إذا أمن اللبس، فلا يقولون: ضرب موسى عيسى، إلا إذا كان الأول هو الضارب، ويقول: أكل الكمثرى موسى، يقدمون المفعول لظهور المعنى بالرتبة، فقول القائل: في أحسن صورة، وفي حال حسنة، ونحو ذلك، لا يجوز تعليقه إلا بما هو الأقرب إليه، فإذا كان المفعول هو المتأخر هو الأقرب إليه تعلق به، وإذا أريد تعليقه بالفاعل أخر أو أعيد ذكره، مثل أن يقال: جئته وأنا في أحسن صورة، أو لم يأت الأمير إلا وأنا في أحسن صورة، ونحو ذلك. وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين قول القائل: دخلت على الأمير في أحسن هيئة، فإن دخوله على الأمير يشعر بأنه كان هو المتحول المتنقل والأمير يتجمل للقائه، ألا ترى أنه لو قال: رأيت الأمير في أحسن هيئة أو في أحسن صورةن لم يكن المفهوم منه إلا أن الأمير هو الذي في أحسن هيئة وأحسن صورة؟ فيعطى كل لفظ وتركيب حقه. لا يقاس هذا بهذا مع اختلاف تعيينها.

    366
    وهذا الذي أثبته الرازي من جواز رؤية الله في المنام / هو الحق الذي عليه عامة أهل الإثبات، وإن نازع فيه من نازع من الجهمية.

    371
    ومن المعلوم أن الحديث الواحد إذا رواه أحد بلفظ مختصر، ورواه جماعات فزادوا فيه ألفاظا تفسر ذلك الغلط وتبينه، كان ما رووه مفسرا مبينا لما رواه، هذا لو كانت رواية ابن عباس / محفوظة، فكيف وقد وقع فيها ما وقع؟

    374
    الوجه السادس: أن هؤلاء يعمدون إلى ألفاظ الحديث يقطعونها، ويفرقون بينها، ثم يتأولون كل قطعة بما يمكن وما لا يمكن.
    ومن المعلوم أن الكلام المتصل بعضه ببعض يفسر بعضه بعضا. ويدل آخره على معنى أوله، وأوله لا يتم معناه إلا بآخره. كما يقال (الكلام بآخره) وهذا كثيرا ما يفعله هذا المؤسس وأمثاله. وهم في مثل ذلك كما يحكى عن بعض متأخرة الزنادقة / المنافقين، أنه قيل له: ألا تصلي؟ فقال: إن الله يقول {فويل للمصلين} فقيل له: ألا تتمها {الذين هم عن صلاتهم ساهون} فقال: العاقل يكتفي بكلمة.
    وأنشد بعض هؤلاء:
    ما قال ربك ويل للألى شربوا .............. بل قال ربك ويل للمصلينا

    376
    اليد إذا عبر بها عن النعمة كان معها من القرائن ما يبين ذلك كسائر ألفاظ المجاز، كما أنه إذا قال: أياديك علينا كثيرة، مع كون هذا في سياق المدح، وأن ليس في كون ذات يده فوقه شيء من المدح، وأنه ليس له أياد كثيرة. وغير ذلك مما يبين أن المخاطبين قصدوا أن نعمتك وإحسانك قد استولى علينا واستعلى علينا، ولهذا كان هذا المعنى ظاهرا في مثل هذا الخطاب، وإن سمي مجازا.

    376
    وإن كان عرضا فلا بد أن يكسب ذلك المحل صفة؛ لأن العرض إذا قام بمحل عاد حكمه إليه. فيقتضي اتصاف كتفيه بوصف لا يوجد لبقية الأعضاء.

    382
    وأما قوله: وقد روي بين كنفي فعليه وجوه:
    أحدها: أن هذا تصحيف، وهو كذب محض إما عمدا، / وإما خطأ، فإن أهل العلم بالحديث متفقون على رواية بين كتفي (بالتاء)، وللجهمية من هذا الجنس أمثال يحرفون فيها ألفاظ النصوص تارة ومعانيها أخرى، كقول بعضهم (وكلم اللهَ موسى) وكرواية بعضهم (يُنَزِّل ربنا) وأمثال ذلك.

    387
    وما استشهد به من أنه يقال للملك الكبير ضع يدك على رأس فلان؛ أي اصرف عنايتك إليه، فهذا كلام باطل، لم يقل بمثل هذا المعنى أحدٌ يحتج به في اللغة، بل هذا من باب الافتراء المحض على اللغة العربية.
    ويمكن أن يتكلم بمثل ذلك بعض المولدين، والأعاجم، لكن مثل كلام هؤلاء، لا يجوز أن يحمل عليه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يحمل كلامه على اللغة التي كانت يخاطب بها، وليس في تلك اللغة أن يقال: (ضع يدك على رأسه) بمعنى (اصرف عنايتك إليه).

    388
    وأيضا فقول القائل: (وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي) نص لا يحتمل التأويل، والتعبير بمثل هذا اللفظ عن مجرد الاعتناء أمر يعلم بطلانه بالضرورة من اللغة، وهو من غث كلام القرامطة والسوفسطائية.

    390
    إذا تبين أن هذا كان في المنام، فرؤية الله تعالى في المنام جائزة بلا نزاع بين أهل الإثبات، وإنما أنكرها طائفة من الجهمية، وكأنهم جعلوا ذلك باطلا، وإلا فما يمكنهم إنكار وقوع ذلك.

    397
    وأما تأويل الشخص إذا ثبت إطلاقه بالذات المعينة، / والحقيقة المخصوصة. فهذا باطل في لغة العرب التي خاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته، وإنما يوجد مثل هذا في عرف المنطقيين ونحوهم. إذا قالوا: هذا ينحصر نوعه في شخصه، أو لا ينحصر نوعه في شخصه، وقالوا: الجنس ينقسم إلى أنواعه، والنوع ينقسم إلى أشخاصه، ونحو ذلك مما هو لفظ الشخص فيه بإزاء لفظ الواحد بالعين

    399
    لكن معرفة اللغات والعرف الذي يخاطب بها كل مخاطب من أهم ما ينبغي / الاعتناء به في فهم كلام المتكلمين وتفسيره، وتأويله، ومعرفة المراد به. فإن اللغة الواحدة تشتمل على لغة أصلية، وعلى أنواع من الاصطلاحات الطارئة الخاصة، والعامة. فمن اعتاد المخاطبة ببعض تلك الاصطلاحات يعتقد أن ذلك الاصطلاح هو اصطلاح أهل اللغة نفسها. فيحمل عليه كلام أهلها فيقع في غلط عظيم. وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء. فعلينا أن نعرف لغة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخاطب بها خصوصا، فإنها هي الطريق إلى معرفة كلامه، ومعناه، حتى أن بين لغة قريش وغيرهم فروقا من لم يعرفها فقد يغلط في ذلك.

    402
    لفظ (شخص) مفرد، جمعه أشخاص وشخوصـ وهذا يراد به الواحد بالعين ويراد به الجنس كسائر نظائرهـ مثل لفظ: إنسان وفرس، ونحو ذلك. وإرادة الجنس بهذا أظهر من إرادة الواحد بالعين؛ بدليل أنه إذا دخل عليه حرف النفي مثل (ما) في قولك: (ما عندي شخص، وما عندي إنسان) كان الظاهر من معناه أنه ناف للجنس، ويجوز أن يراد به نفي الواحد، فيقول: (ما عندي شخص، بل شخصان) إلا أن يدخل عليه ما يختص بالجنس. مثل (لا) النافية للجنس. ومثل (من) في قولك: (لا شخص عندي) أو (ما عندي من شخص) فهنا يجب إرادة الجنس.

    404
    وأيضا فكان [فكأن؟] هذا التأويل لو كان صحيحا، كان استعماله في لفظ الصورة حتى يقال: كل حقيقة معينة تسمى صورة من هذا الجنس، وحينئذ فيلزمهم تسمية كل شيء باسم كل شيء؛ إذ كل شيء له وحدة ويلزم ذاته. فإذا جاز لأجل ذلك أن يجعل اسمه اسما لمطلق الواحد حتى يقال لكل ذات معينة وحقيقة مخصوصة، ولا يكفي في اللزوم أنهم هم يستعملون ذلك، بل يلزم أنه يجوز لكل من سمع كلام غيره أن يحمل ما فيه من الأسماء على هذا كل شيء إذا قام عنده دليل على نفي إرادة المسمى، وهذا كله من أقبح السفسطة والقرمطة، وهو يجمع من الإشراك بالله في جواز تسميته بكل اسم للخلق، وجعل / كل شيء له شبيها ونظيرا من الإلحاد في أسمائه، وآياته ما لا يحصيه إلا الله. إذ هذا من أفسد قياس يكون في اللغة. فإنهم كما أفسدوا القياس في المعاني المعقولة، حتى قاسوا الله بكل موجود، وبكل معدوم، كما تقدم بيانه، كذلك أفسدوا القياس في الألفاظ المسموعة حتى لزمهم أن يجعلوا كل اسم لمسمى يصلح أن يكون لغيره، وأن يسمى الله تعالى بكل اسم من أسماء المخلوقات.

    405
    الوجه السادس: أن يقال: هب أن لفظ الشخص يلزمه أن يكون واحدا، فهل إطلاق المزوم على لازمه أمر مطرد؟ أم هو سائغ في بعض الأشياء؟ فإن جعل ذلك مطردا لزمه من المحال ما يضيق عنه هذا المجال، حتى يلزمه أن يسمي كل صفة لازمة للإنسان والفرس والشجرة والسماء والأرض باسم الموصوف، بل ويلزمه ذلك في صفات الله تعالى وأسمائه.

    406
    هذا وارد عليك في كل ما يسمى به الله من الأسماء والصفات. فإن مسماه في اللغة لا يكون إلا جسما، / أو عرضا، فعليك إذا أن تتأول جميع الأسماء والصفات، وأنت لا تقول بذلك، ولا يمكن القول به كما تقدم، فإن المتأول لا بد أن يفر من شيء إلى شيء. فإذا كان المحذور في الثاني كالمحذور في الأول امتنع ذلك. فتبين أن التأويل باطل قطعا.

    407
    إرادة المعنى المجازي باللفظ لا يسوغ إلا مع القرينة الصارفة عن معنى اللفظ الحقيقي إلى المجازي.

    410
    وقد قدمنا غير مرة أن الله لا يساوى في شيء من صفاته وأسمائه، بل ما كان من صفات الكمال فهو أكمل فيه، وما كان من سلب النقائص فهو أنزه منه، إذ له المثل الأعلى سبحانه وتعالى. فوصفه بأنه أغير من العباد، وأنه لا أغير منه، / كوصفه بأنه أرحم الراحمين، وأنه أرحم بعبده من الوالدة بولدها.

    414
    لا ريب أن الغيرة تستلزم المنع والزجر مما يغار منه وكذلك الغضب والبغض ونحو ذلك من الصفات، كما أن الحب والرضا يتضمن اقتضاء المحبوب المرضي وطلبه والأمر به. لكن كون الصفة تستلزم فعلا من الأفعال، أو كون اللفظ يتضمن ذلك لا يقتضي أن يكون الثابت مجرد اللازم دون الملزوم.

    416
    ولهذا تجد كل شيء من فروع هذه المقالة [الجهمية] متى قسته وطردته استلزم: عدم الصانع، أو التناقض بالجمع بين الإثبات والنفي في الشيء الواحد، أو نفي الإيجاب والامتناع في المتماثلين، وإلا فما من شيء يقرون به إلا لزمهم فيه نظير ما أنكروه فيما نفوه.

    416
    وإذا فسرته بمجرد اللفظ فلا بد من إثبات معنى يكون معنى اللفظ، وإلا فاللفظ بلا معنى هذيان .... وإذا لزم من نفي الغيرة إثباتها علم أن نفيها محال.

    419
    فلا يقال: هذا أجسم من هذا ويكون المراد بهما كثافة أحدهما وكبر قدر الآخر، بل يكون اللفظ دالا على المعنيين بالتواطؤ.

    420
    فلو لم يكن لقوله (إن الله يغار) معنى، إلا أنه ينهى ويزجر؛ كان قد عرفهم / بالأمر الواضح الجلي الذي يعلمونه بلفظ مشكل فيه تلبيس عليهم. وهذا لا يفعله إلا من يكون من أجهل الناس وأظلمهم. ولا ينسب هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا منافق زنديق، أو من يكون عظيم الجهل لا يدري لوازم قوله.

    427
    اعلم أن كلامه في هذا الفصل وإن كان فيه من لبس الحق بالباطل ما فيه، فهو أقرب ما ذكره، وذلك أنه جعل المراد بالنفس هو الذات، وهذا هو الصواب. فإن طائفة من متأخري أهل الإثبات جعلوا النفس في هذه النصوص صفة لله زائدة على ذاته، لما سمعوا إدخال المتقدمين لها في ذكر الصفات، ولم يكن مقصود المتقدمين ذلك، وإنما قصدهم الرد على من ينكر ذلك من الجهمية، وزعموا أن ذلك هو ظاهر النصوص، وليس الأمر كذلك، وقد صرح أئمة السنة بأن المراد بالنفس هو الذات، وكلامهم كله على ذلك كما في كلام الإمام أحمد فيما خرجه من الرد على الجهمية.


    442
    [عثمان الدارمي] ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال، تنفون بها عن الله حقائق الصفات، بعلل المجازات، غير أنا نقول: لا نحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، لكن تصرف معانيها إلى الأغلب من كلام العرب حتى يأتوا ببرهان، أنه عني بها الأغرب، وهذا هو / المذهب الذي هو إلى الإنصاف والعدل أقرب ..... لأن الله تعالى قال: {وهذا لسان عربي مبين} فأثبته عند العلماء أعمه، وأشد [كذا والصواب أشده] استفاضة عند العرب، فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين.

    447
    كما يذكر عن ثمامة بن أشرس النميري أحد أكابر المتكلمين أنه قال: ثلاثة من / الأنبياء مشبهة، موسى حيث قال: {إن هي إلا فتنتك} وعيسى حيث قال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} ومحمد حيث قال: (ينزل ربنا كل ليلة)
    [المحقق: لم أقف على كلامه هذا]

    450
    ولم يجئ فيهما ذكر لفظ حقيقته ونحو ذلك في أسماء الله، ولا لفظ ذات في الأحاديث الثابتة

    458
    أما قول من جعلها [الذات] صفة فالنزاع معه لفظي، فإنا لا ننازعه أن هذا الاسم يستلزم ثبوت صفة زائدة على مسمى الذات كالحياة والفعل ولكن المسمى هو الذات الموصوفة بذلك لا نفس الصفة.
    فأما جعل لفظ النفس اسما لنفس الصفة فيقال: هذا قول بلا دليل أصلا؛ لأنه ليس ظاهر الخطاب، فضلا عن أن يكون نصه مقتضيا أنها صفة، ليست هي الله، ومن زعم أن هذا ظاهر النصوص فهو مبطل في ذلك، كما أن من زعم أن ظاهرها يجب تأويله فهو مبطل في ذلك، وقد قدمنا أن كثيرا من الناس يغلطون في دعواهم على النصوص أن ظاهرها / كذا، سواء أقروه أو صرفوه، فإنه لا يكون ذلك ظاهر النص، وكل من سمع هذا الخطاب ابتداء، فإنه يفهم منه ابتداء أنه هو نفسه لا أنها صفة له.

    462
    وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله لفظ النفس يراد به صفة موصوف، لا في ذكر الخالق ولا في ذكر المخلوق .... فمن حمل قوله (على نفسه) أنه صفة من صفاته، فقد حمل على غير لغة العرب التي أنزل الله بها كتابه .... نعم يوجد في كلام بعض المولدين / ما يشبه أن يكون لفظ النفس صفة، كما يقولون: فلان له نفس، وفلان ليس له نفس، واترك نفسك وتعال، ونفسك حجابك، ونحو ذلك. فإن مقصودهم الصفات المذمومة، كالأهواء المتبعة، من الشهوة والغضب ونحو ذلك، وهذا ليس من اللغة التي يجوز حمل كلام الله ورسوله عليها، إذ مثل هذا لا يوجد إلا في كلام المتأخرين، وذلك -والله أعلم- أن هذا مثل قولهم: فلان له يد، وله لسان، أي يد باطشة ولسان ناطق، فيطلقون اسم الذات ويريدون به الصفة المشهورة فيها. فقول القائل: اترك نفسك، أو له نفس ونحو ذلك يريد به الذات على الصفة المخصوصة، وهي الصفة المذمومة، كما يقال: أمسك لسانك واكفف يدك، أو له لسان وله يد.

    465
    فمن اعتقد أن مسمى النفس في الخالق والمخلوق صفة وعرض لا موصوف وجوهر، وجعل مسمى لفظها من جنس مسمى لفظ الحياة والبقاء، فقد غلط على اللغة، وغلط على القرآن والحديث.
    قالوا: وهذا يؤدي إلى جواز القول بأن الله نفس، وأنه يجوز أن يدعى فيقال: يا نفس اغفر لنا، وقد أجمعت الأمة على منع ذلك.
    والجواب من وجوه:
    أحدها: أن هذا منقوض عليهم بلفظ ذات، وموصوف وقائم بنفسه، وحقيقة وبائن من خلقه، ونحو ذلك، فإنه إن جاز أن يقال: يا ذات يا موصوف يا قائما بنفسه يا حقيقة يا بائنا من خلقه، اغفر لنا، جاز أن يقال: يا نفس، وإلا فلا.
    الثاني: أن الله إنما يدعى بأسمائه الحسنى وهي الأسماء التي تدل عليه نفسه. وتبين من أوصافه ما فيه حمد وثناء عليه، فأما الألفاظ التي لا تدل إلا على مطلق الوجود ونحوه فلا يدعى بها، كما أنه سبحانه لا يدعى بالأسماء الدالة على خلقه للضرر / إلا مقرونا بالأسماء التي تدل على خلقه للنفع، فلا يقال: يا ضار ولا يا مانع، إلا مقرونا بيا نافع ويا هادي، ويا معطي، فإن الاقتران يقتضي عموم القدرة والخلق والحكمة، وهذا من أسمائه الحسنى بخلاف إفراد أحدهما.
    الثالث: أن هذا يرد عليهم فيما ادعوه، فإنهم جعلوا له نفسا هي صفة، فينبغي أن يقال: يا ذا نفس اغفر لنا.
    فإن قيل: الإضافة تقتضي المغايرة بين المضاف والمضاف إليه فلا يكون هو نفسه المضافة إليه.
    قيل: لا نزاع بين أهل اللغة أنه يقال: رأيت زيدا نفسه وعينه وهذا هو زيد نفسه وعينه.

    468
    وهذه المادة (ن ف س) في لغة العرب تعطي الفعل والحياة، وسموا الدم نفسا لأنه مادة حياة الأجسام الحيوانية، وهو حامل البخار الذي هو الروح الحيواني، ففيه الحياة والحركة، ولهذا أمر بسفحه من الحيوان وحرم / أكله؛ لأنه يولد على آكله البغي والاعتداء في القوة النفسانية.
    وكذلك الهواء الداخل والخارج سموه نفسا؛ لما فيه من الحياة والحركة، وكذلك المتفلسفة يفرقون بين العقل والنفس، بأن العقل مجرد عن المادة وعلائقها والنفس تتعلق بالجسم تعلق التدبير والتصريف.

    470
    وأما التعبير بلفظ النفس عن العقل فهذا ليس من لغة العرب أصلا.

    476
    وأما قول المؤسس: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.
    فلا ريب أن هذا المعنى داخل في الآية، لكن تفسيرها بمجرد هذه العبارة ليس بسديد، فإن معلوم الله ومعلوم عيسى ليس واحدا منهما في النفس .... ودلالة اللفظ على بعض المعاني لا يمنع دلالته على غيره.

    477
    وكذلك ما ذكره آخرون كابن فورك أن المعنى تعلم ما في نفسي أي في غيبي ولا أعلم ما في نفسك أي في غيبك.
    يقال لهم: إن جعل لفظ النفس بمعنى الغيب فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آيات الله وأسمائه. وإن أريد أنك تعلم ما أغيبه في نفسي ولا أعلم ما تغيبه / في نفسك، فهذا صحيح لكنه تطويل بلا فائدة، والآية أوضح من هذا.

    483
    لكن الجهم أوسع إنكارا من هذا المؤسس وذويه، وإنما أنكر الجهمية هذا؛ لأن الله عندهم لا يتكلم ولا يذكر ولا يقوم به ذكر، وإنما الكلام المضاف إليه عندهم ما يخلقه في الهواء. وهذا إنما يصلح إذا خلقه / لمن سمعه من الملائكة والبشر. فإذا كان الذكر في نفسه لم يسمعه، وهذا الحديث نص صريح في إبطال مذهبهم.
    وأما الكلابية والأشعرية فإنهم لا ينكرون أن يقوم بذاته ذكر هو الكلام النفساني، لكن لا يجوز عندهم التفريق بين الإعلان والإسرار. فإن المعنى القائم بالذات لا ينقسم إلى سر وعلانية، ولا يكون منه شيء في نفس الرب، وشيء من الملائكة عندهم. أكثر ما يقوله بعضهم: أنه قد يسمع الملائكة ما يسمعهم إياه، فيكون التخصيص في خلق الإدراك للملائكة، والحديث نص في الفرق بين ذكره في نفسه وبين ذكره في الملأ بفرق يرجع إلى نفسه لا إلى خلق إدراك الملائكة.
    فالحديث نص في إبطال قول هؤلاء أيضا، والحديث مستفيض في الصحيح

    535
    من سلف الأئمة من قال هذا وهذا، ومثل هذا كثيرا ما يجيء في تفسير معاني أسمائه، كالرحمن والجبار والإله وغير ذلك، وقد قررنا في غير هذا الموضع أن عامة تفاسير السلف ليست متباينة، بل تارة يصفون الشيء الواحد بصفات متنوعة، وتارة يذكر كل منهم من المفسر نوعا أو شخصا / على سبيل المثال لتعريف السائل، بمنزلة الترجمان الذي يقال له: ما الخبز؟ فيشير إلى شيء معين على سبيل التمثيل.

    542
    المقصود الآن ذكر أقوال السلف في معنى الصمد، وأما ما يدعيه طائفة من المتأخرين من أن الاشتقاق إنما يشهد لقول من قال: إنه السيد، فسنبين أن هذا من أفسد الأقوال، بل شهادة اللغة والاشتقاق لذلك القول الذي قاله جمهور الصحابة والتابعين أقوى، وإن كان ذلك كله حقا، والاسم يتناول ذلك كله، واللغة والاشتقاق يشهد له.

    544
    وهذا كله مما يوجب توفر الهمم والدواعي على معرفة معنى الصمد، وهذا أمر يجده الناس من نفوسهم، فإنه إذا قرأها الإنسان مرة بعد مرة اشتاق إلى معرفة معنى ما يقول، والنفس تتألم بأن تتكلم بشيء لا تفهمه. فالمقتضي لمعرفة هذا الاسم كان فيهم موجودا قويا عاما، متكررا. والمانع من ذلك منتفٍ، وأنه لا مانع لهم من المسألة عن هذا الاسم

    546
    فحكم التابعين مع الصحابة كذلك، فإن الهمم والدواعي من علماء التابعين متوفرة على مسألة الصحابة عن معنى هذا الاسم، هذا معلوم بالعادة المطردة، فإذا كان قد تواتر عن أئمة التابعين، مع ما نقل عن الصحابة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما اشتهر عندنا نقل ذلك بالإسناد عمن نقله العلماء عنه؛ لأن العلم كان يقل في المتأخرين، وكان أحدهم يسأل من يتفق له من التابعين، فصاروا ينقلون ذلك نقلا خاصا، كما ورد مثل ذلك فيما كان معلوما عند الصحابة كلهم، كمغازي النبي صلى الله عليه وسلم وصفة صلاته الظاهرة وحجه ونحو ذلك، حتى تنازع بعض الناس في مثل جهره بالبسملة وقنوته.
    ومن المعلوم أن هذا كان يمتنع فيه النزاع على عهد أبي بكر وعمر؛ لأن الصحابة الذين عاينوا ذلك كانوا موجودين، ولهذا يستدل بفعل أبي بكر وعمر على أن ذلك هو كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ للعلم بأن الصحابة لم يتفقوا على تغيير سنته.

    561
    ليس للمتكلم أن يريد باللفظ ما ليس هو حقيقة اللفظ ومسماه، بل هو مجاز، إلا بقرينة تبين المراد، وإلا فالتكلم بالمجاز بدون القرينة ممتنع باتفاق الناس، وهو بمنزلة أن يراد باللفظ ما لم يوضع له في اللغة. كما لو أراد بلفظ السماء الأرض وبلفظ الشمس البحر ونحو ذلك.

    [انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد السابع بحمد الله]

    وأما فوائد المجلد الثامن فقد تقدمت في المشاركات الأولى.

    وبهذا تنتهي الفوائد المنتقاة من هذا الكتاب القيم النفيس.
    وجزى الله شيخ الإسلام خير الجزاء.
    والحمد لله رب العالمين.

    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •