شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب
النتائج 1 إلى 12 من 12

الموضوع: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب

    بسم الله الرحمن الرحيم



    نَحْمَدُكَ اللَّهُمَّ، عَلَى نِعَمٍ يُؤْذِنُ الْحَمْدُ بِازْدِيَادِهَا * وَنُصَلِّي عَلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، هَادِي الأُمَّةِ لِرَشَادِهَا * وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، مَا قَامَتِ الطُّرُوسُ وَالسُّطُورُ لِعُيُونِ الأَلْفَاظِ مَقَامَ بَيَاضِهَا وَسَوَادِهَا * وَنَضَّرِعُ إلَيْكَ فِي مَنْعِ المَوَانِعْ * عَنْ إكْمَالِ ((جَمْعِ الْجَوَامِعْ)) * الآتِي مِنْ فَنَّيِ الأُصُولِ بِالقَوَاعِدِ القَوَاطِعْ * البَالِغِ مِنَ الإِحَاطَةِ بِالأَصْلَيْنِ مَبْلَغَ ذَوِي الجِدِّ وَالتَّشْمِيرْ * الوَارِدِ مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ مَنْهَلاً يُرْوِي وَيَمِيرْ * المُحِيطِ بِزُبْدَةِ مَا فِي شَرْحَيَّ عَلَى المُخْتَصَرِ وَالمِنْهَاجِ مَعَ مَزِيدٍ كَثِيرْ، وَيَنْحَصِرُ فِي مُقَدِّمَاتٍ وَسَبْعَةِ كُتُبٍ:
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي شرح البسملة والحمدلة:

    (بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ):
    ابتدأ بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز؛ الذي بدأت كل سورة من سوره بالبسملة، وائتناسا بالحديث الشريف - إنْ صح -: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِـ: بِسْمِ اللهِ -: فَهُوَ أَبْتَرُ))، واقتداءً بالسنة العملية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقد كانت بُداءةَ مكاتباتِهِ - صلى الله عليه وسلم – البسملةُ؛ كما في كتاب هرقل، عند الإمام البخاري في بدء الوحي، وكتبه الأخرى إلى الملوك والأمراء داعيا إلى الله بأبي هو وأمي.
    ولا داعي لإطالة الكلام على البسملة معنًى وإعرابا؛ فإن في الحواشي من هذا نَهَلا لعليل، وغَنَاءً لمستزيد، وحتى لا يخرج الكلام عن سياقه.

    (نَحْمَدُك اللَّهُمَّ):
    الحمد: الثناءُ بالجميل على وجه التعظيم والتبجيل، وليس الحمدُ مقلوبَ المدح؛ (كـ: جَذَبَ وجَبَذَ)؛ لكمال التصريف في الحمد والمدح.
    وخرج بالجميل: القبيح؛ كالجبن والبخل.
    وبالاختياري: غير الاختياري؛ كبياض اللؤلؤة.
    وعلى وجه التعظيم: ما كان على غير وجه التعظيم؛ كأنْ يراد بالمدح السخرية والتهكم؛ نحوُ قوله تعالى:{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ}، أوِ الخبرُ؛ كأن يقال تَلْقِينًا للجاهل: ((الله تعالى عالم وقادر))، أو التخصيصُ وتقليلُ الاشتراك؛ نحو: ((أبو حنيفة من الفقهاء))؛ فما عدا الجميل من المحترزات السابقة من قبيل المدح لا الحمد.
    والجميل يشمل الذاتي؛ كالعلم والقدرة، والمتعدِّيَ؛ كالخلق والرزق؛ فيكون الحمد - على ذلك - معنًى عامًّا ينتظم الفضائل والفواضل، وعلى هذا جرى النظم القرآني؛ فمن الحمد على الفضائل:
    ـ {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}[البقرة: 30]، فتقديس الملائكة – وهو مطلق التنزيه عن النقائص، وإثبات الاتصاف بصفات الكمال من الجمال والجلال - يفيد ارتباط التسبيح بحمده تعالى على الصفات الذاتية (الفضائل) لا المتعدية (الفواضل).
    ـ {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ}[الفرقان: 58].
    ـ {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}[الإسراء: 111].
    ـ {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[القصص: 70].
    ـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}[سبأأ: 1]؛ بالنظر إلى اختصاصه تعالى بالحمد في الآخرة.
    ـ {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[غافر: 65].

    ومن الحمد على الصفات المتعدية (الفواضل) - وهو غالب الاستعمال القرآني لمادة الحمد – قوله تعالى:
    ـ {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة: 2]: فاقتران الحمد بالربوبية يفيد نَوْطَ الحمد بصفة من الصفات المتعدية؛ هي الخلق والحفظ والرعاية.
    ـ {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[آل عمران: 188]: فإن في محبتهم المَحْمَدَةَ بما لم يفعلوا إثباتَ صحة إطلاق الحمد على الصفات المتعدية إلى الغير؛ إذ فيه التصريح بصحة إطلاق الحمد على الفعل.
    ـ {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ}[الأنعام: 1].
    ـ {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام: 45].
    ـ {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}[الأعراف: 43].
    ـ {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء}[إبراهيم: 39].
    ـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}[الكهف: 1].
    ـ {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[المؤمنون: 28].
    ـ {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}[النمل: 15].
    ـ {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ}[النمل: 59].
    ـ {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَ ا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}[النمل: 93].
    ـ {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}[العنكبوت: 63].
    ـ {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}[فاطر: 34].
    ـ {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}[الزمر: 74].
    ـ {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الجاثية: 36].

    وعبر المصنف عن الحمد بصيغة المضارع: لأنه حقيقة في الحال بخلاف الفعل الماضي، والأصل الحقيقة.
    وعدل إلى الجملة الفعلية ـ مع أن عادة القرآن في الحمد أن يأتي بالجملة الاسمية الدالَّة على الثبات والاستمرار ـ: إشعارا بتجدُّد الحمد، وهو الأليق بمقام العبد؛ لا سيما والحمد من العبد آلته اللسان؛ فهو أصرح في الدلالة على صدور الحمد من المتكلم، والحمد مطلوب التكرار حينا بعد حين، وقيل: اعتبر المصنف هذا الكتاب نعمة جديدة استدعت تجديد الحمد، فعبر عن الحمد بما يفيد التجدُّدَ والاستمرار.
    والجملة الفعلية ها هنا من قبيل الإخباريِّ لفظا الإنشائيِّ معنًى؛ إذ المراد إنشاء الحمد، وهذا معنى قول المحلِّيِّ: ((المراد به: إيجاد الحمد، لا الإخبار بأنه سيوجد))، وما كان من الذِّكر إنشائيا لفظا، فإنه يترتب عليه الثواب بمجرد النطق به، بل ذكر الإمام القرافي أن هذا النوع من الأفعال لا يفتقر إلى نيةٍ؛ لأن هيئته متعيِّنَةٌ في القُرَب، والنية وظيفتها التفريق بين العادة والعبادة، أو التفريق بين مراتب العبادات، أما ما كان خبريا لفظا، إنشائيا معنًى، فإنه يستدعي نية القربة؛ ليترتب عليه المدح والثواب.


    ومن لطائف ما يذكر في تفسير الحمد:
    ـ أن حمد الله تعالى لا يكون إلا بتوفيق من الله للعبد إلى أن يَحمَدَهُ، وهذا التوفيق يستدعي من العبد الموفَّق إنشاءَ حَمْدٍ جديدٍ على هذا التوفيق، وكلما أنشأ العبد حَمْدًا لربِّهِ، نظر إلى حسن توفيق الله له إلى الحمد؛ فاستدعى منه حَمْدًا جديدا، وهكذا يحتاج العبد إلى أن يَستغرِقَ جميع ملكاته وكلِّيَّتَه في الحمد، ويكون الحمد - على هذا التأويل – هو الشيءَ الذي يصح إثبات التسلسل فيه، وقد قيل في هذا المعنى:

    إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً *** عَلَيَّ وَفِي أَمْثَالِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
    فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلاَّ بِفَضْلِهِ *** وَإِنْ طَالَتِ الأَوْقَاتُ وَاتَّسَعَ العُمْرُ


    ولما كان شَغْلُ المَلَكات جميعِها والأعضاءِ كلِّها في جميع الأزمان والأماكن والأحوال بالحمد المستحَقِّ لرب العالمين أمرا متعذِّرًا -: أنعم الله على عباده برحمته ومنِّهِ وكرمه، فأرشدهم إلى جوامع الكلم المستغرِقَةِ لجميع المحامد؛ فأعلمنا بما أوحى إلى حبيبه وخليله – صلى الله عليه وسلم - أنَّ الذكر والتسبيح بالكلم الجوامع مغنٍ عن استغراق العبد نفسَهُ في الذِّكْرِ؛ فقد أخرج الإمام مسلم عن أبى سعيد الخدرى – رضي الله عنها - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع، قال: « ربنا لك الحمد، ملءَ السموات والأرض، وملء ما شئت من شىء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم، لا مانع لما أعطيت، ولا معطِىَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ».
    وفي مقام التسبيح أرشدنا إلى ما أخرجه الإمام مسلم أيضا عن جويرية – رضي الله عنها - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها بُكرةً حين صلى الصبح، وهى فى مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهى جالسة، فقال: «ما زلتِ على الحال التى فارقتُكِ عليها؟ قالت نعم، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - «لقد قلتُ بعدَكِ أربع كلمات ثلاثَ مراتٍ، لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم، لَوَزَنَتَهُنَّ : سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته».
    وكذلك في مقام الثناء على الله بما هو أهله: فإن علم العباد قاصر، لا يطمع في إدراك حقيقة الكمال الإلهي، ولا سبيل لهم إلى الإحاطة بهذا الكمال؛ قال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}، وقال أيضا: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}، وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}؛ فأرشدنا ربنا عز وجل بمَنِّه ورحمته وحُسْنِ توفيقِهِ إلى مجامع الثناء بإحالة الثناء إلى علم الله الشاملِ بجميع جهات كماله بجماله وجلاله، ((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)).

    وتصدير فعل الحمد في المتن بالنون له – عند الشرَّاح - تخريجان:
    التخريج الأول: أن هذه النون نون الجمع؛ مع تأويله بإرادة نفسه ومَن معه مِنَ المخاطبين بهذا المتن من طلبة العلم والمستفيدين بهذا الكتاب من بعده، أو إرادة من كان مثله من العلماء الراسخين الكبار الذين اعتادوا البُداءَةَ بالحمد في مصنفاتهم، أو أنه أدخل نفسه في جملة الحامدين؛ وهذا كله أدعى إلى القبول لما يرجى من بركة الجمع، أو أنه أراد تنبيه المخاطبين والإلماعَ إلى أن حَمْـدَ الله تعالى من شأنه أن يتواطأ عليه العباد، ولا يتخلف منهم أحد.
    التخريج الثاني: أن هذه النون نون العظمة، لإظهار لازم العظمة؛ الي هو وجوبُ حمد موجِدِها ومانحها، وتعظيم الله تعالى بتأهيله للعلم، من قبيل التحدث بنعمة الله تعالى عليه.
    ولما كان العبد مخلوقا للعبادة، مشغولا باللَّهَجِ بالذِّكر والدعاء، والضراعة والإنابة، استلزم ذلك توظيف جميع أعضائه في عبادة ربه، وتوظيف القلب يكون باستحضار صفات الجمال والجلال في القلب ليكون القلب موجها للبدن وَفْقًا لمقتضى هذه الصفات العليا، وتوظيف اللسان يكون بالثناء على الله بصفات الجمال والجلال، وهذا هو الحمد، ويكون بتوظيف الأعضاء في العبادة، وهذا هو الشكر، ولهذا ارتبط الشكر بالحمد كثيرا في كلام الأئمة في شرح مقدمات الكتب، والشكر عندهم: صرف العبد ما أولاه مولاه من نداه في طاعة مولاه، غير فَرِحٍ بالنعمة، بل بالمنعِم بها.

    وقوله: (اللَّهُـمَّ):
    بصيغة الخطاب؛ أي: يا الله، والميم عند البصريين عوض عن حرف النداء المحذوف، ولذلك لا يجتمعان إلا شذوذا؛ ومن أمثلته قول الراجز:

    إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا *** أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّ


    ويجوز الجمع بينهما عند الكوفيين.
    وقد يقال فيه: ((لاَهُمَّ))؛ ومنه قول عمرو بن سالم الخزاعي:

    لاَهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا *** حِلْفَ أبِينَا وَأبِيكَ الأتْلَدَا


    وقول عبد المطلب [من الكامل]:

    لَاهُمَّ إِنَّ العَبْدَ يَمْـ *** ـنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكْ
    وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيـ *** ـبِ وَعَابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكْ



    وعدل المصنف عن قول: ((نحمد الله)) مع كونها أخصر وكونِ الاختصار أنسَبَ للمتون؛ إيثارا لصيغة الخطاب؛ للتلذذ بخطاب الله بالكاف، وندائه بالميم.

    (عَلَـى نِعَـمٍ):
    نَكَّرَ النِّعَمَ للتعظيم؛ كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ}، وقوله: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ}؛ أي: كثيرون عظماء، وقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا}، وصيغة النِّعَمِ من صِيَغِ جُمُوعِ الكثرة ليَجمع بين وصفَيِ الكثرة والعظمة في هذه النعم؛ فيكون أنسب إلى بساط الحمد والثناء.
    والنِّعَم إما أن يراد بها: الأشياءُ المنعَمُ بها على العبد؛ كالعلم والدين والتوفيق، ومنه تأليف هذا الكتاب، وإما أن يراد بها الإنعام الذي هو الصفة الفعلية فيكون حَمْـدًا على الصفة من حيث متعلَّقُها، والأول أقرب إلى اللفظ، وأنسب لموقع الشكر ومقام الافتتاح، وبِساط التأليف، والثاني أنسب بموقع الحمد؛ لما فيه من عموم المتعلَّق.

    (يُؤْذِنُ الْحَمْدُ بِازْدِيَادِهَا):
    الإيذان: هو الإعلام، قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}، وقال تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ}، ومنه قول الحارثِ بنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ:

    آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ *** رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثُّوَاءُ


    أي: أعلمتنا.
    ولام الحمد إما أن تكون للعهد؛ أي: حَمْدُنَا السابق يؤذن بازدياد النِّعَمِ علينا، أو للجنس؛ أي: جميع النِّعَم من شأنها أن الحمد عليها يؤذن بازديادها على الحامد، ولا يخفى هاهنا الاقتباس من قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ}.
    وصيغة الافتعال في الازدياد دالَّة على المبالغة في تأكيد الحصول.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي شرح عبارة الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

    (وَنُصَلِّي):
    أي: نُنْشِئُ الصلاة من عندنا على نبيك، أو نطلب من الله أن يتولى هذا الأمر عنا.
    ومعنى صلاة الله تعالى على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى؛ على ما أخرجه البخاري في معلَّقاته عن أبي العالية؛ قال الإمام البخاري: قال أبو العالية: ((صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، ومنا طلبُ ذلك من الله))، وهذا القول انتصر له الإمام ابن القيم في بدائع الفوائد وطال نَفَسُهُ في ترجيحه.
    والتعبير بـ: ((نصلي)): كالتعبير بـ: ((نحمدك))؛ في تفسير اقترانه بنون المضارعة المختصة بالجمع.
    ولم يُسَلِّمِ مع الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمادا على أنه لا يُوافِق على القول بكراهة إفراد الصلاة عن السلام، الذي اعتمده النووي في شرح مسلم؛ لاعتماد هذا القول على دَلالة الاقتران، ودَلالة الاقتران ضعيفة عند جمهور الأصوليين.

    (عَلَى نَبِيِّك مُحَمَّدٍ):
    عبر بالنبي دون الرسول: لأن الرسالة تفهم من العلم الذي يصنف فيه هذا الكتاب، أو من الوصف الآتي بعده؛ في قوله: ((هادي الأمة))؛ فيكون قد وصف بالوصفين النبوة والرسالة، أو مراعاةً لخلاف العزِّ بن عبد السلام في تفضيل النبوة على الرسالة، وقوله مرجوح.
    أما الفرق بين النبي والرسول: فأشهر ما قيل فيه: أن النبي: مَن أُوحِيَ إليه بوحي، ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: من أمر بالبلاغ:
    وهذا القول متعقََّب بكثير من الإيرادات؛ منها:
    ـ التشكيك في صحة نزول الوحي على رجل من غير أن يؤمر بالتبليغ حالا أو مآلا.
    ـ السياق القرآني لا يعتبر هذا التفريق ويُهمِلُهُ؛ ومن الشواهد على هذا الإهمال:
    ـ قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ }، وما كان في معناه؛ إذ من أين عرف بنو إسرائيل أن هؤلاء الذين قتلوهم أنبياء ما لم يصرحوا بأنهم أوحي الله إليهم.
    ـ { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ }، وما في معناها من الأمر بالإيمان بأنبياء الله تعالى، ومنْعِ التفريق ببينهم: إذ كيف نؤمن بالنبيين، وهم لم يبلِّغونا بنبوتهم ووحي الله إليهم.
    ـ {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ}، والآية صريحة في إضافة البِشارة والنِّذارة إلى الأنبياء، وهذه الآية نصٌّ في إسناد البلاغ إلى الأنبياء، وإنزال الكتاب إليهم.
    ـ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا}،،، الآيات، وهي تفيد علم الملأ من بني إسرائيل بنبيهم، واتباعهم إياه، ولا يكون الاتباع بغير بلاغ.
    ـ {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}: ولا يكون النبي مصدقا بكلمة من الله إلا بالبلاغ عن الله.
    ـ {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ}: إذ كيف يحكم النبيون بكتاب الله فيمن لا يعلمون بنبوتهم ولا بكون الكتاب من عند الله.
    ـ {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.
    ـ {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}: إذ كيف يؤمنون بالنبي – صلى الله عليه وسلم - من غير إبلاغهم بنبوته.
    ومن تتبع استعمالات السياق القرآني للنبوة والرسالة وجد مما ينقض هذا التفسير للنبي والرسول الشيء الكثير، بل إن غالب الاستعمال القرآني لا يكاد يفرق بينهما، لولا السياقات الخاصة التي جمعت بينهما؛ من مثل قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}؛ اعتمادا على قاعدة اقتضاء العطف المغايرةَ.
    وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رضي الله عنه – تفريقا آخر بين النبي والرسول يقوم على تقييد الرسول بمن جاء بشريعة مستقِلَّةٍ عمن قَبْلَهُ، والنبيِّ بمن أمر بالعمل بشريعة من كان قبله من الرسُل.
    في الحق أن تفسير النبي والرسول يحتاج إلى مزيد تأمل، وإنعام نظر، مع تأمل الاستعمال القرآني والنبوي لهاتين اللفظتين، ولعل الله يُقَيِّد مَن يفرِّغ نفسه لمثل هذا البحث!! على أن هناك بحثا للدكتور يوسف الزيوت بعنوان: معايير التفربق بين النبي والرسول (جمع ودراسة)، في مجلة جامعة دمشق، المجلد التاسع عشر، العدد الأول 2003، انتهى فيه إلى التفريق بينهما بأن النبي مرسل إلى قوم مؤمنين، والرسول مرسل إلى قوم كافرين، ولم تتح لي - بعدُ - فرصة تأمل هذا التفريق.

    (هَادِي الْأُمَّةِ):
    أي دالُّ الأمَّة، وهاديها - صلى الله عليه وسلم - هدايةَ دَلالة وإرشاد، لا هدايةَ توفيق وسداد؛ ولذلك قال تعالى في الهداية التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وقال في استئثاره تعالى نفسَه بهداية التوفيق والسداد: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
    والأمَّة هنا تشمل أمَّة الإجابة؛ وهم المؤمنون، وأمَّةَ الدعوة؛ وهم الثَّقَلان؛ لأن هداية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشملهما.

    ( لِرَشَادِهَا ):
    أي: لما فيه رُشدها من الدين القويم، والصراط المستقيم، والرشاد عامٌّ؛ فساغ وقوع اسم الفاعل: ((هادي)) نعتا للمعرفة قبله.

    ( وَعَلَى آلِهِ ):
    الآل: أصله الأهل؛ قلبت الهاء همزة، ثم قلبت الهمزة أَلِفًا، ويختلف تفسير الآل بحسب السياق الوارد فيه:
    ـ ففي سياق آل المصطفى صلى الله عليه وسلم المطهَّرون من الرجز؛ فهم: ذُرِّيتُهُ أهلُ بيتِهِ الأقربون؛ فاطمة والحَسَنَانِ، وعلي بن أبي طالب؛ دليل هذا التفسير حديثُ عائشة عند الإمام مسلم في صحيحه [في كتاب الفضائل، باب فضائل أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم الحديث: 2424]، وأمِّ سلمة عند الترمذي؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل علياً وفاطمة والحسن والحسين في كساءٍ كان معه وقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، وهم المرادون في آية المباهلة؛ فقد أخرج الإمام مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوُا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلِيًّا وفاطمة وحَسَنًا وحُسَيْنًا فقال: ((اللهم هؤلاء أهلي)).
    ـ وفي سياق الأحكام الفقهية المختصة بآل المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ كحرمة الزكاة، ووجوب الخُمُس، فهم: مؤمنو بني هاشم، الواردون في حديث العباءة، وقال الإمامان الشافعي وأحمد: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب.
    ـ وفي سياق الدعاء: هم أمَّة محمَّدٍ – صلى الله عليه وسلم – جَمْعَاءَ، استظهره النووي في شرح مسلم، وقال: هو اختيار الأزهري وغيره من المحققين، وقيل: هم المتقون منهم؛ ويدل عليه حديث: ((لَيْسَ آلُ فُلانٍ لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمُ المُتَّقُونَ))؛ [أصله في الصحيحين؛ أخرجه البخاري في الأدب، وفي رواية : ((لَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلالِهَا))، وللحديث روايات كثيرة وألفاظ مختلفة]، ومن أحسن من فصَّل الكلام في تفسير الآل وبيان اختلافه بحسب السياقِ الواردِ فيه -: الشيخُ عبد الله بن حسين خاطر السَّمِين العدويُّ في حاشيته: لقط الدرر على شرح متن نخبة الفِكر.

    (وَصَحْبِـهِ):
    اسم جمع بمعنى: أصحاب، وبينه وبين الآل عموم وخصوص مما سوغ الجمع بينهما، فإذا فسرنا الآل بمؤمني بني هاشم، كان من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، وإن فسرنا الآل بمطلق أتباعه - صلى الله عليه وسلم - على دينه، كان من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، والراجح جواز العطفين لوجودهما في لغة العرب، وفي القرآن الكريم.


    (مَا قَامَتِ الطُّرُوسُ وَالسُّطُورُ لِعُيُونِ الأَلْفَاظِ مَقَامَ بَيَاضِهَا وَسَوَادِهَا):
    (مَـا): مصدرية ظرفية بمعنى: ((مُدَّةَ)) مضافةً إلى مصدرِ ما دَخَلَتْ عليه؛ ومنه قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}، وقوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}.

    (الطُّرُوسُ):
    الطُّرُوس: جمع طِرس (بكسر الطاء)؛ وهو الصحيفة.

    (وَالسُّطُورُ):
    جمع سطر، مصدر يطلق على المسطور، وعطفُهُ على الطروس من عطف الجزء على الكل؛ فإن الطرس يشمل السطور وظرفها.

    (لِعُيُونِ الْأَلْفَاظِ):
    أي: للألفاظ التي هي كالعيون؛ فيكون من إضافة الصفة إلى موصوفها، وفيه استعارة مكنية؛ فقد أضمر في نفسه تشبيه الألفاظ بالعيون الباصرة بجامع الاشتراك في نور الهداية، وآلة الإبصار، وأثبت للألفاظ عيونا.

    (مَقَامَ بَيَاضِهَا):
    أي: بياض العيون.

    (وَسَوَادِهَا):
    أي: سواد العيون، والمعنى أنه جعل الألفاظ كالعيون الباصرة؛ فكما أن العيون مشتملة على سواد محفوف ببياض، كذلك الألفاظ باعتبار وجودها في نقوش الكتابة الموجودة في الصحائف فكما تدوم العين بدوام بياضها وسوادها: كذلك تدوم الألفاظ بدوام بياض الصحائف وسوادها، وكما يهتدى بالعين إلى المرئيات، كذلك يهتدى بالصحائف إلى المعاني ما دامت باقية، وفيه تشبيه مركَّب؛ يقوم على تشبيه صورة بصورة، وينظر فيه إلى مقابلة المجموع بالمجموع، ولا يعني فيه بالمقابلة اللفظية الأحادية، والتشبيه المركب تعتمد عليه أكثر أمثلة القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ}،،، ،،، إلخ.
    والمراد تأبيد الحمد والصلاة ببقاء الصحائف والكتب، وبقاؤها ببقاء أهل العلم، وهم باقون بحمد الله إلى قيام الساعة.
    وفي ذكر الطروس والسطور مع البياض والسواد لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ؛ لرجوع البياض للطروس، والسواد للسطور على أسلوب قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}.
    وفي هذه العبارة براعة استهلال؛ فالعلماء قوامهم العلم باستنباط الأحكام الذي اتخذ أصول الفقه آلته.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي وصف الكتاب وقيمته في بابه

    ( وَنَضَّرِعُ ):
    أي: نخضع ونَذِلُّ، وقد اختلف الشراح في ضبط هذه اللفظة، فقيل بالتخفيف من الثلاثي، فاحتاج إلى التضمين، لتَعْدِيَتِهِ بـ: ((عَلَى))، وهو لا يتعدى به، وقيل بالتشديد مع حذف حرف المضارعة، وأصله ((نَتَضَرَّعُ))، وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى تأويله بالتضمين، فيكون أولى؛ لأن الأصل عدم التضمين، وعلى هذا الوجه ضبطه الإمام الزركشي في التشنيف، وقد عزا الشيخ خالد الأزهري - في شرحه - الوجهَ الأول في ضبطها إلى ابن السبكي نفسه، لكنه لم يذكر على ذلك برهانا، ولم أجده للمصنف في منع الموانع.

    ( إلَيْك ):
    أي: يا الله.

    (فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ عَنْ إكْمَالِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ):
    أي: نخضع لك ربنا ونتذلل في سؤالنا لك أن تمنع عنا كل ما يمنعنا عن إكمال هذا الكتاب تأليفا وتحريرا.
    وفي هذه العبارة تسمية الكتاب بجمع الجوامع، وفي هذه التسمية إشارة إلى أنه حوى فوائد ما سبقه من المصنفات في هذا الفن، وجَمَعَهَا واستفاد مما فيها من ميزات، وتجنب ما قد يكون وقع فيها من هنات، وسيؤكد هذا المعنى تصريحا.

    (الآتِي مِنْ فَنَّيِ الأُصُولِ):
    فنَّا الأصول: هما أصول الفقه، وأصول الدين، هذا ولا أعرف أحدا جمع في مصنف واحد بين أصول الفقه وأصول الدين، غير ابن السبكي في جمع الجوامع، ومن تبعه ممن اختصر كتابه؛ كالأنصاري في لب الأصول، أو نَظَمَهُ كالسيوطي في الكوكب الساطع.
    وأما تقسيم العلوم الشرعية إلى أصول وفروع، وتقسيم الأصول إلى أصول الدين وأصول الفقه، فاصطلاح حادث، لم يكن معروفا في الصدر الأول، وإنما اصطلح العلماء عليه لتنظيم طلب العلم وترتيب العلوم بحسب الأولوية في العناية والبحث والمذاكرة، وقد أنكر بعض العلماء قسمة الأصول والفروع؛ كابن الأمير الصنعاني [إجابة السائل: 107-108]، وأشار ثَمَّةَ إلى أن له في هذا الموضوع رسالةً مستقلة، والصواب أن هذه القسمة أمر اصطلاحيٌّ وضعيٌّ، ولا مشاحَّة فيه، ولا إشكال في اعتماده وتقريره، إلا أن يُتَّخَذَ هذا التقسيمُ ذريعةً إلى الاستهانة بالفروع؛ كأن تُنسَب الفروع إلى الإهمال، أو توصف بأنها قشور، وغيرُها اللبابُ، فهذا ما لا يجوز أبدا، ومرتكبه على خطر عظيم، ويخشى عليه من جراء هذه الاستهانة أن يجر على نفسه الوبال والنكال.

    (بِالْقَوَاعِدِ الْقَوَاطِعِ):
    القواعد: جمع قاعدة، وهي لغة: الأساس، واصطلاحا: قضية كلية تعرف منها أحكام الجزئيات المندرجة تحتها؛ مثالها في أصول الفقه: الأمر للوجوب، فإنه متحقِّقٌ في كل فعلِ أمرٍ وَردَ في كلام الشارع في الكتاب والسنة، ومثالها في أصول الدين قولهم: الله متصف بكل كمال، مُنَزَّهٌ عن كل نقص.
    والقواطـع: جمع قاطعة، بمعنى مقطوع بها، مجازا إسناديا؛ كقوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}؛ بُنِيَ للفاعل وأسند إلى المفعول به؛ إذ العيشة مرضية لا راضية، وكذلك القاعدة مقطوع بها لا قاطعة.
    وبين القواعد والقواطع جناس مضارعة؛ لاتفاقهما في الحروف والهيئات، واختلافهما في حرفين متقاربين؛ هما الطاء والدال، وهما متقاربان.
    وصف القواعد بالقواطع: إذ الأصول قطعية في الجملة لا على سبيل التفصيل، وإنما استفادت الأصول قطعيتها من جهة استفاضة الأدلة الدالة على حجيتها، ومن جهة الاستقراء التامِّ القطعيِّ الدَّلالة على مراعاتها في التشريع، وقد عُني الإمام الشاطبي بهاتين الفكرتين: قطعية الكليات، وإعمال الاستقراء في أكثر مباحث كتاب الموافقات.
    وذكر الشيخ حسن العطار في حاشيته على شرح المَحَلِّيِّ على جمع الجوامع أن هاهنا تغليبا من جهتين: تغليبًا بالنسبة إلى أصول الفقه في القواطع خاصةً، إذ أصول الفقه كله قواعد، وتغليبًا بالنسبة إلى أصول الدين في القواعد خاصة، إذ الفرض أنه كلَّه قواطع، لكنه متعقَّبٌ بأن من أصول الدين ما يستند إلى الدلالة الظنية؛ كالسمعيات؛ ولذلك وقع خلاف بين المتكلمين فيها ولم يُكَفِّرْ بعضهم بعضا باختلافهم فيها، مع استحالة وقوع الاختلاف في القطعيات.

    ( البَالِغِ مِنَ الإِحَاطَةِ بِالأَصْلَيْنِ ):
    الإحاطة بالشيء: الإلمام به من جميع جوانبه؛ ومنه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا}، والمراد في هذا السياق الإحاطة العلمية؛ بتصور الشيء تصوُّرًا تامًّا، سواء أكان هذا التصوُّرُ بسيطا في باب المصطلحات والمفاهيم (التصورات)، أم كان مركَّبًا في باب القضايا والأحكام (التصديقات).

    ( مَبْلَغَ ذَوِي الْجِدِّ ):
    الجِدُّ: الاجتهاد.
    والتشمير: الكشف عن الساعد؛ كنايَةً عن الاستعداد لمعالجة أمرٍ منَ الأمور.
    وقدَّم وأخَّر في هذه الفاصلة مراعاة للسجع؛ إذ أصل التركيب: ((البالغِ مبلغَ ذوي الجدِّ والتشمير من الإحاطة بالأصلين)).
    والأصلان: سبق أنهما أصول الدين وأصول الفقه، والتعبير بالأصلين فيه ردٌّ لِلَفظ الأصول إلى مفردِهِ ثم تثنيتُهُ؛ لأنه أخف في السمع من تثنية الجمع، مع ظهور المراد منه، ويمكن أن يقال: إن لام الأصل جنسية فيكون جمعا في المعنى؛ فصح التعبير به عن الأصول المجموع لفظا.


    ( الْوَارِدِ ):
    أي: الجائي، وكان الأفضل أن يعبر عنه بالصادر، كأن المصنف رحمه الله وَرَدَ بَحْرَ أُصول الفقه الواسعَ الجَنَبَاتِ، المتنوعَ المشارب، فشرب منه عَلَلا بعد نَهَل، ثم صدر عن هذا البحر بهذا المتن الفائق الجامع المانع بما لا مزيد عليه، وهذا المعنى يؤيده قول عمرو بن كلثوم في معلقته:

    أَبَا هِنْدٍ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا *** وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِيْنَا
    بِأَنَّا نُوْرِدُ الرَّايَاتِ بِيْضاً *** وَنُصْدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَا


    (مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ):
    زُهَاءِ: بضم الزاي والمد، بمعنى الحَزْرِ والتخمين؛ أي: قدر مائة مصنف، وأصلها زُهاو، تطرفت الواو بعد ألف زائدة؛ أفقلبت همزة؛ نحو: سماء.
    وعبارة: ((مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ)): بيان لكلمة: ((منهلا))، قدمت عليها مراعاة للسجع.

    (مَنْهَلًا يُرْوِي وَيَمِيرُ):
    يُرْوِي: بالضم على وزن الرباعيِّ.
    ويَمِيرُ: بفتح حرف المضارعة، من المِيرَةِ؛ وهي الطعام؛ ومنه قوله تعالى: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا}، وحذف المفعول في الفعلين لإفادة العموم، ولإتاحة المجال لمسارح العقول الفسيحة، ومسارات الخيال الرحبة، لتَسْرَحَ فيه كلَّ مَسْرَحٍ.
    وفي الجمع بين الإرواء من الماء والإشباع من الطعام إشارة إلى تشبيه هذا الكتاب بماء زمزم؛ التي جعلها الله - عز وجل - طعامَ طُعمٍ وشفاءَ سُقْمٍ؛ فكما أن في ماء زمزم الغَناءَ عن غيرها، وغيرُها لا يُغْنِي عنها، فكذلك في هذا المتن غَناء عن غيره، ولا يغني غيره عنه.

    (الْمُحِيطِ بِزُبْدَةِ مَا فِي شَرْحَيَّ عَلَى المُخْتَصَرِ وَالمِنْهَاجِ):
    الزبدة؛ بالضم: الخُلاصة من كل شيء، والمستصفى منه.
    والشرحان: أولهما على مختصر البيضاوي المعروف بـ ((منهاج الأصول))، وشرح المصنف هو ((الإبهاج في شرح المنهاج))، بدأه أبوه الإمام قاضي القضاة تقي الدين عليُّ بن عبد الكافي السبكي، لكنه تُوُفِّيَ في بداية شرحه، وانتهى شرحه عند الكلام على مقدِّمة الواجب، وأكمله المصنف بعد والده، والكتاب طبع عدة طبعات، من أشهرها الطبعة التي حققها الشيخ الدكتور شعبان محمد إسماعيل، وله طبعة مميزة بدار البحوث بدبي في ستة مجلدات، كان أصلها رسالة دكتوراه.
    والشرح الثاني: شرحه على مختصر ابن الحاجب، المعروف برفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وهو من أوسع شروح مختصر ابن الحاجب وأنفعها، طبع بتحقيق علي معوض، وعادل عبد الموجود، بدار عالم الكتب.

    (مَعَ مَزِيدٍ كَثِيرٍ):
    نظرا إلى أن المصنف عالج هذين المتنين في أصول الفقه، وهما من أهم المتون المؤلفة في هذا الفن، وبمعالجتهما ظهر للمصنف ما أُورِدَ وما قد يَرِد على بعض عباراتهما من تعقُّبات أو يلحقهما من استدراك، فقد استفاد المصنف من هذه الاعتراضات عليهما، كما استفاد قبل ذلك من ميزات ذَيْنِكَ المتنينِ، فجاء مختصره حاويا ما اشتمل عليه هذان المتنان من فوائد وميزات، كما تجنب ما فيهما من مواضع النظر والتأمل، وهذا هو موطن الزيادة عليهما.

    (وَيَنْحَصِرُ فِي مُقَدِّمَاتِ وَسَبْعَةِ كُتُبٍ):
    فاعل ينحصر هو فن أصول الفقه دون أصول الدين، ولم يحتج إلى النص عليه؛ لأنه المقصود أصالَةً من هذا المختصر، وما سواه من أصول الدين وآداب السلوك إنما جاء تبعا، فساغ إضماره دونهما من غير تصريح سابق.
    والمقدِّمات قليلةٌ؛ فهذا ما يفيده جمع السلامة؛ فإنه من جموع القلة.
    والمقدِّمَـة: في ضبطها الوجهان؛ على الفاعلية والمفعولية، والفاعليه أفضل لأنها تقدم إلينا مباحث الفن بعد التنبيه على ما لا يصح الشروع في الفن إلا بعد معرفته.
    وهذه السبعة الكتب هي:
    1ـ الكتاب.
    2ـ السنَّة.
    3ـ الإجماع.
    4ـ القياس.
    5ـ الاستدلال.
    6ـ التعادل والتراجيح.
    7ـ الاجتهاد وتوابعه.
    والترتيب بين الكتب السبعة: لتوقف كل واحد منها على ما ذُكِرَ قبله.

    ووجه انحصار أصول الفقه في هذه المقدمات والسبعة الكتب:
    أن أصول الفقه يُعنَى بوضع القوانين الممهِّدة لاستنباط الفقه؛ الذي هو العلمُ بالأحكام الشرعية العملية، المكتسبُ من أدلتها التفصيلية؛ بقصد الامتثال، والوصول إلى هذه الأحكام مبنيٌّ على تصوُّر هذه الأحكام الشرعية تصوُّرًا تامًّا؛ بمعرفة حقيقتها، ومقوِّماتها، ومصدرها، وأنواعها،،، وهذا كله وضعت له المقدمات.
    ثم يلزم الأصوليَّ بعد ذلك العلم بمصادر الأحكام الشرعية، التي هي الأدلة الكلية للأحكام الشرعية، ووَضَعَ لها الكُتُبَ الخمس الأولى: الأربعة الأُولى منها في الأدلة المتفَق عليها؛ الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والكتاب الخامس في الأدلة المختلَف فيها.
    فإذا ما عَرَفَ الأصوليُّ مصادر الأحكام الشرعية، لَزِمَهُ معرفةُ طريقة الجمع بينهما إذا اعترضه تعارض ظاهري بينها، ولهذا وضع الكتاب السادس.
    وأخـيرا: يلزم الأصوليَّ أن يعرف ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها من يقوم بعملية الاجتهاد واستثمار الأحكام الشرعية من مصادرها، ولهذا وضع الكتاب السابع في الاجتهاد والتقليد.
    أما طريقة استنباط الحكم من النص: فقد أجملها المصنف داخل الكتاب الأول في الكتاب (القرآن)، فعقد لها فصولا في طريقة الاستنباط، وقد كان الأَوْلى أن يعقد لها كتابا مستقلا؛ لعدم اختصاصها بالكتاب، فإنها محكَّمَة في فهم السُّنة، وفي فهم كلام المجتهدين من الأئمة لمن قصر اجتهاده على التخريج على أصول مذهب من المذاهب الفقهية، كما أن لها ارتباطا وثيقا بموضوع علم أصول الفقه؛ القائم على وضع منهج علمي دقيق لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها المعتبرة، فمحاور أصول الفقه أربعة؛ هي: الأدلةُ المستنبَطُ منها، وطريقة الاستنباط، ونفي التعارض الظاهري عنها، وحال المستنبِط.
    وقد نازع بعض الأصوليين في دخول مبحث الاجتهاد والتقليد في أصول الفقه؛ اعتمادا على أنه ليس من العوارض الذاتية لعلم أصول الفقه، مع أن موضوع كل علم: ما يبحث فيه عن العوارض الذاتية لهذا العلم، وهذا الرأي له حظٌّ منَ النظر، لولا المسامحة في إدخال الصفات العارضة لأدنى ملابسة.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    327

    Arrow رد: شرح البسملة والحمدلة:

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفى حسنين مشاهدة المشاركة
    وعدل المصنف عن قول: ((نحمد الله)) مع كونها أخصر وكونِ الاختصار أنسَبَ للمتون؛ إيثارا لصيغة الخطاب؛ للتلذذ بخطاب الله بالكاف، وندائه بالميم..
    سبحانك اللهم، ما أعجبَ أحوال علماء هذه الأمَّة، فإن خواطِرَهم وما يجيش في صدورهم يسرِي في مسارِب ألفاظهم، فعَجَبٌ عجيب.
    إذَا لم يكنْ عَوْنٌ من اللهِ للفَتَى * * * فأوَّلُ ما يَجْنِي عليه اجتهادُهُ

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    327

    Exclamation رد: وصف الكتاب وقيمته في بابه

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مصطفى حسنين مشاهدة المشاركة
    وقد نازع بعض الأصوليين في دخول مبحث الاجتهاد والتقليد في أصول الفقه؛ اعتمادا على أنه ليس من العوارض الذاتية لعلم أصول الفقه، مع أن موضوع كل علم: ما يبحث فيه عن العوارض الذاتية لهذا العلم، وهذا الرأي له حظٌّ منَ النظر، لولا المسامحة في إدخال الصفات العارضة لأدنى ملابسة.
    أحسن الله إليك، لو زدت شرحًا وبيانًا لهذه المسألة؛ فإني لم يبدُ لي معناها جليًّا.
    إذَا لم يكنْ عَوْنٌ من اللهِ للفَتَى * * * فأوَّلُ ما يَجْنِي عليه اجتهادُهُ

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
    أما بعد:
    فجزى الله أخي الحبيب أبا أروى الدرعمي خيرا على المتابعة والاهتمام، أسأل الله عز وجل أن يجعل اجتماعنا على طاعته؛ وأن يكون سعينا جميعا لله وفي الله.

    أما مسألة إدخال مبحث الاجتهاد والتقليد ضمن موضوعات علم الأصول، فيوضحها كلام الإمام السبكي نفسه في منع الموانع: 90-91؛ عندما قال:
    ((الفقه عندنا هو العلم بالأحكام لا نفسها؛ لأن ذلك هو الأقرب إلى استعماله اللغوي؛ إذ الفقه لغة الفهم، وليس كذلك الأصول، فهذا فارق ما بين الأصول والفقه، وقد أشار إليه الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى في القطعة التي عملها على منهاج البيضاوي وكملنا نحن عليها؛ فقال ما نصه: ((والأولى جعل الأصول للأدلة، والفقه للعلم؛ لأنه أقرب إلى الاستعمال اللغوي)) انتهى.
    وذلك هو ما أورده إمام الحرمين في البرهان وغيره من المحققين؛ كلهم جعلوا الأصول نفس الأدلة)) انتهى من منع الموانع.

    يظهر من هذا الكلام رجحان خروج مبحث الاجتهاد والتقليد عن العوارض الذاتية لفن الأصول؛ ذلك لأن موضوع الأصول هو الأدلة، ولو توسعنا كان موضوع الأصول هو الأدلة من حيث كونها موصلة إلى الأحكام، فهذه الأدلة - مطلقةً أو مقيَّدةً بقيد الإيصال إلى الأحكام - موجودة مستقرة ولو لم يوجد المجتهد المطالَب بإعمالها لاستنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، لهذا كان مبحث الاجتهاد والتقليد خارجا عن العوارض الذاتية لفن الأصول، ولهذا قال العلوي في مراقي السعود:
    الَاحْكَامُ وَالأَدِلَّةُ المَوْضُوعُ *** وَكَوْنُهُ هَذِي فَقَطْ مَسْمُوعُ


    وذكر في شرحه (نشر البنود) نزاعا للكمال ابن أبي شريف في دخول هذا المبحث في الأصول، وقد يكون أصل هذا الاعتراض للغزي، لكني لم أقف على جواب لابن السبكي عنه في منع الموانع، وأذكر أن لابن قاسم العبادي كلاما طويلا في هذه المسألة في كتابه الحافل الماتع الآيات البينات، ولسوف أرجع إليه وأذكر لك ما فيه مما يتعلق بهذا المبحث.

    هذا وقد كنت عرضت على الشيخ العلامة عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بَيَّهْ هذه المسألة ضمن إشكالية عرضت لي مع بعض الإخوان في مسألة القواعد المشتركة بين الفقه والأصول، وكنتُ أرى منع حصول هذا النوع من القواعد؛ اعتمادا على مبدأ أن استمداد قاعدة ما من فنٍّ والاستدلالَ بها في فن آخر لا ينقلها إلى الفن المستمَدَّةِ إليه، واعتمادا على توهين إدراج مبحث الاجتهاد والتقليد ضمن موضوع علم الأصول؛ وذلك لأن أكثر القواعد التي ادعي فيها الاشتراك بين الفقه والأصول مندرجة تحت مبحث الاجتهاد والتقليد؛ فاستحسن الشيخ هذا الاعتراض، وكأنه وافق عليه.
    مصطفى حسنين عبد الهادي، أبو أسلم العدوي.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,101

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب

    بارك الله فيكم
    متى الدرس القادم؟

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب

    جزاك الله كل خير أحسنت أيها الفاضل ما أجمل هذا _لي بعض التساؤلات

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب

    من هو الشيخ ابن محفوظ _ما وجه كون قواعد الأصول قطعية _وكيف علي وجه الإجمال لا التفصيل _

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب

    أقصد أن كثير من قواعد الأصول مختلف فيها ولا تثبت إلا ظنا _فما وجه كون قواعدها قطعية مع هذا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: شرح جمع الجوامع للسبكي ـ الحلقة الثالثة: مقدمة الكتاب

    لأن إتباع الظن الراجح فى الشرعيات واجب

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •