[align=center] ولكن لماذا ينجح العدو بسهولة في استثمار الانقسام السُّني الشيعي ؟

• بقلم : بندر بن عبدالله الشويقي

في منتصف العام المنصرم شارك الشيخ حسن الصفار في مؤتمر عُقد ببيروت عنوانه : (المؤتمر العالمي لتكريم الإمام شرف الدين) . ومما قاله هناك : ( إن الأمة الإسلامية غنية بأدبيات الوحدة .. فقيرة لآليات تطبيقه). تذكرتُ هذا الكلام وأنا أقرأ مقالة الشيخ الصفار في عدد الأسبوع المنصرم من ملحق الرسالة حول أحداث العراق. تلك المقالة التي أضافت المزيد لثروتنا المتنامية من الأدبيات الوحدوية الفارغة ؛ إذ كرَّر الصفار فيها تأكيداته السابقة : (على نهج الوحدة والتقارب والحوار) ، وقال ( إن ما يحدث على الساحة العراقية من فتنة طائفية هوجاء، يجب أن نعتبره تأكيداً على ضرورة الوحدة وأهمية الحوار والتقارب) .

حقاً إن أمتنا غنية بأدبيات الوحدة ، فقيرة لآليات تطبيقها. والشيخ حسن الصفار واحدٌ من أفراد هذه الأمة الغنية الفقيرة. لذا فهو يملك رصيداً ضخماً من أدبيات الوحدة ، ومحاضرات التقارب ومقالات نبذ الطائفية. لكن رصيده مكشوف فيما يتعلق بآليات واقعية لتحقيق هذه الوحدة.
• الفتنة العراقية جرس إنذار
حديثي هنا مع الصفار ليس عن العراق وما يجري فيه ، وإنما هو حديث عن موطني وما قاربه من بلاد المسلمين. ليس لأجل رُخص دماء العراقيين عندي ، ولكن لأني أظن الوقت بالنسبة للعراق قد فاتَ أو كاد، وبات من الصعوبة بمكان تلافي الوقوع في حفرة الاقتتال الداخلي. فالشعب العراقي دخل الآن في دوامةٍ كبيرة ، الله وحده العالم أينَ وكيف ستنتهي. فنسأل الله أن يلطف بإخواننا هناك ، وأن يحقن دماءهم ، ويجعل لهم فرجاً ومخرجاً قريباً.
ما يحدث بالساحة العراقية الآن هو في الحقيقة جرس إنذار للعاملين المخلصين في مواقع أخرى ممن يجرون وراء سرابٍ لا حقيقة له ، أعني أولئك الذين يسعون لتخدير الأمة بالمسكنات المؤقتة التي قد تؤخر المعاناة لكن لا تمنع وقوعها. تلك الأحداث الدامية بالعراق ما هي إلا نتيجة حتمية لمرض قديم ظلَّ طيلة قرون مضت يفتك بجسد الأمة المسلمة وينخر في أساس وحدتها القائم على مبادئ الدين الحنيف. فتجاهُلُ هذا المرض والتعلل بإمكانية استغلال العدو له لن يفيد أبداً في مداواته .
العدو الخارجي لم يخلُق الخلاف السُّني الشيعي ولم يبتدعه، لكنه وجد فيه أرضاً خصبةً جاهزة لأن يزرع فيها مكره وكيده. وهذه ليست المرة الأولى ولا أظنها ستكون الأخيرة التي يُستغل فيها هذا الخلاف من أجل تمزيق المسلمين وتفتيت قوتهم. فالعراق نفسه شهد حدثاً مطابقاً عام 656هـ حين أفاد التتار من هذا الافتراق وجعلوه مفتاحهم لدخول عاصمة الخلافة العباسية وذبح أهلها وتحطيم حضارتهم.
قضية أن العدو يؤجِّج الخلاف ويستفيد منه في تحقيق أطماعه ليست محل بحثٍ وجدل؛ إذ لا يُتوقع من العدو غير ذلك. لكنَّ التركيز على إفادة العدو من الخلافات ، وغضَّ الطرف عن كونها واقعاً على الأرض منهجٌ أعوج سوف يُعمي أعيننا عن نقاط ضعفنا الواضحة، وبالتالي سوف يقطع علينا سبيل علاجها . هذا المنهج معناه باختصار : (لنغمض أعيننا عن اختلافاتنا ، ولنوهم أنفسنا أننا متفقون حتى لا يفرح العدو بخلافنا)! فهل هناك أغبى من هذه الفكرة ؟!


• حيرة دعاة التقارب

قرأتُ هذه الأيام لعدة كتاّب ممن كانوا يسيرون في الاتجاه الخاطئ طلباً للوحدة والتقارب الشكليين. قرأتُ لهم وهم يعربون عن صدمتهم وتعجبهم من صمت المراجع الشيعية وموقفها البارد مما يجري بالعراق من إبادة جماعية لأهل السنة على أيدي فرق الموت من جيش المهدي وفيلق الغدر. قرأت لهم وهم يقولون : نحن استنكرنا وبشدة التفجيرات الجماعية التي استهدفت الشيعة ، فما بال مراجع الشيعة اليوم لا ينطقون ؟!

قرأت بياناً لمجلس الإفتاء الأوربي ، وكلاماً للقرضاوي ، ومقالاً لفهمي هويدي، وآخر للدكتور محسن العواجي. بل رأينا الصحفيَّ المصري سليم عزوز يعلن أنه توصل اليوم إلى أن (السلفيين) كانوا على حقٍ في موقفهم من الشيعة.

فلعل مثل هذه التصريحات العفوية تساعد على إعطاء نظرة أكثر واقعية لحقيقة وحجم الخلاف السُّني الشيعي ، بعيداً عن التطرف في الجهتين. بين من يجعله خلافاً شكلياً فرعياً ، وبين من يجعله خلافاً مستعصياً على الحل.
قبل أكثر من سنة حين كان الصفار ضيفاً على مكاشفات الأستاذ عبدالعزيز قاسم في ملحق (الرسالة)، حاول جاهداً أن يُحلق بقراء المكاشفات في عالم الخيال والأوهام، واجتهد في تصوير الخلاف السُّني الشيعي على أنه خلاف يسيرٌ لا يمسُّ الأصول ، وإنما هو فقط في بعض تفاصيل الاعتقاد. وذكر أن ما يوجَد لدى الشيعة من غلوٍّ لا يعدو أن يكون ممارسات لبعض المتطرفين الذين يوجد مثلهم لدى السنة.
بالنسبة لي أتمنى لو كان الأمر كما يقوله الصفار، لكني أدرك كما يدرك كلُّ من له معرفة بحقيقة الحال أن الواقع يخالف كلامه تماماً ، وأن هذا الخلاف يبلغ من العمق والضخامة مبلغاً يجعل مِن تجاهله والتغافل عنه مسلكاً بالغ الخطورة.
ولتوضيح هذه النقطة دعونا نتساءل مع الشيخ الصفار : فالعراق اليوم يوجد به المذهب الحنفي والمذهب الشافعي ، وبين المذهبين خلافات كثيرة في الفروع . فهل يستطيع العدو استثمار هذه الخلافات لبث اقتتال داخلي؟ أو أن هذه الفكرة غير واردة إطلاقاً ؟
ولماذا ينجح العدو بسهولة في استثمار الانقسام السُّني الشيعي؟ ألأجل عظمة مكره ودهائه فقط؟ أو لأجل شدة سذاجة وغباء العراقيين؟ أو أن السبب يرجع للطبيعة المعقدة لهذا الخلاف؟
جميع شواهد الحال وحقائق التاريخ تؤكد الجواب الأخير وإن كانت العوامل الأخرى غير منفية. فالواقع يشهد أن الانقسام السُّني الشيعي بطبيعته قابل للاشتعال في أي لحظة تغيب أو تضعف فيها السلطة المسيطرة. وهذا ما نراه الآن ماثلاً أمام أعيننا بالعراق.


• أسباب اشتعال الفتنة الطائفية

وسبب قابلية هذا الاختلاف للاشتعال يرجع لكون المذهبين يحملان في (أصولهما) مبادئ وقواعد متناقضة تؤسس للتناحر والتصادم. وهذه المبادئ كلها تحمل اسم الإسلام لدى الفئتين فتكتسب بذلك الشرعية الدينية. وتمسُّك الفريقين بمبادئ متناقضة يعني وقوع الصِّدام لا محالة؛ إذ كلُّ عاقلٍ يدرك أن الصِّدام على الأرض لا بدَّ أن يسبقه صدامٌ بين الأفكار والقناعات. وما لم يكن هناك استعداد لمناقشة هذه الحقيقة ومعالجتها فسوف تظل النار خامدةً تحت الرماد في انتظار من ينفخ فيها.
قد تبدو هذه النظرة متشائمة بالنسبة لبعض القراء. لكن لدينا من المصائب ما يغنينا عن مخادعة أنفسنا بواقعٍ حالمٍ لا حقيقة له. ومن أعظم الجناية على الناس تزوير الواقع وتزييف الحقائق لهم. فسبيل العلاج لا يكون عن طريق خطب ومقالات تطالب بالتخلي عن الكراهية والفرقة واللعن والتكفير ، ما لم يصحب ذلك معالجة للأسباب التي أوجدت هذه النتائج.
وقد رأيت الشيخ الصفار في كتاباته ولقاءاته يحرص كلَّ الحرص على تجنب الدخول في مناقشة التناقض الخطير والكامن بين أصول المذهبين ، ويكتفي فقط بالحديث عن خطورة الافتراق ، وعن أهمية الاتحاد في وجه العدو الخارجي ، ليزيد بكلامه هذا من ثروة الأمة من أدبيات الوحدة وفقرها المدقع لآليات التطبيق.


• بين أحمد الكاتب وحسن الصفار

ولمزيد من الإيضاح سوف أعقد هنا مقارنةً بين موقفين تجاه حدثٍ واحد. موقف للشيخ حسن الصفار وموقف آخر لباحثٍ شيعي هو في رأيي أكثر صدقاً مع نفسه ومع بني طائفته ، وأكثر إدراكاً لحجم الخلاف وحقيقته ودوافعه . وهو الباحث الشيعي العراقي د. أحمد الكاتب. فحين حلَّ الصفار ضيفاً على مكاشفات ملحق الرسالة ، سُئل عن حادثة الخطيب الكويتي الشيعي ياسر الحبيب الذي أثار ضجةً بالكويت حين ألقى خطبةً نال فيها من الخليفتين أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ووصفهما بالكفر والردة عن دين الإسلام! هنا علَّق الصفار بأن "هذا عملٌ فرديٌّ سيء". وذكر أن ياسر الحبيب : "ليس عالماً ولا خطيباً وليس ذا موقعية دينية أو اجتماعية".
لنقارن هذا الكلام بتعليق د. أحمد الكاتب الذي قال : "إن هذا الخطيب لم يفعل شيئاً سوى التعبير بصراحةٍ ووضوحٍ عما يحاول الشيعة التخلص منه أو تجاهله أو إخفاءه، وإن استنكار ما قال لا يكفي من دون القيام بمراجعة للفكر السَّلبي البائد الذي لا يفيدُ الشيعةَ شيئاً. ذلك الفكر الذي وصل إلى طريق مسدود، وثبت فشله عبر التاريخ". وذكر أحمد الكاتب أن نظرية الإمامة والنص لدى الشيعة هي التي تولد : "مواقف متشنجة لا تفيد الشيعة بشيء سوى تأليب عامة المسلمين ضدهم وزرع العداوة والبغضاء. وقد آن لهم أن يتخلصوا من هذه النظريات الكلامية التاريخية الواهية".

مثل هذا الكلام الصَّادق الصَّريح هو ما نحتاج إليه لمعالجة الأوضاع بمنهجية صحيحة ، فأحمد الكاتب هنا يوضح لنا أحد أهم أسباب العداوة والبغضاء بين السنة والشيعة. والفرق واضح بين لغته الصادقة وبين لهجة الشيخ حسن الصفار الدبلوماسية العائمة. الصفار يتحدث وغايته الذبُّ عن الطائفة، وستر عيوب المذهب عن أعين المخالفين. وأما أحمد الكاتب فكلامه كلام الناصح الأمين، والطبيب المداوي الذي يدرك من أين يبدأ العلاج والتصحيح. وعلاوةً على إنصافه وعدله، فهو أكثر خبرةً ومعرفةً بقواعد المذهب الإمامي.


• أساس البلاء وموضع الداء

على أن الإقرار بهذه الحقيقة داخل الصَّف الشيعي ليس حكراً على د. أحمد الكاتب، بل هناك آخرون ممن تحدثوا قبله وبعده بصدقٍ ووضوحٍ ، ووضعوا يدهم على موضع الداء وأساس البلاء الذي يغذِّي الفرقة وينمِّي البغضاء. فقبل بضعة عقودٍ مضت ، وبعد بحثٍ وتدقيق كتب الباحث الإيراني الشيعي د. أحمد الكسروي كتابه : (التشيع والشيعة) ، وهو الكتاب الذي دفع حياته ثمناً له ، بعد أن قرَّر فيه أن سبب العداوة بين السنة والشيعة يرجع لانفصال الشيعة عن جماعة المسلمين ، بحيث صارت لهم عقائد وأحكام (أنتجت حروباً كثيرة أهلكت النفوس وخرَّبت الديار). وأنكر في كتابه تلك المآتم والقبائح التي يمارسها الشيعة في ذكرى مقتل الحسين، وما يُردَّد في مجالس العزاء الحسينية مما يغذي الأحقاد على أهل السنة من خلال تصويرهم بصورة الراضي عن مأساة الحسين ـ رضي الله عنه ـ .
وذكر نحواً من هذا د. موسى الموسوي حفيد المرجع الشيعي الشهير أبي الحسن الأصفهاني ، في كتابه الذي جعل عنوانه : (يا شيعة العالم استيقظوا) فقد ذكر هناك أن النظام المذهبي في إيران (يستغل سذاجة بعض الشيعة لضرب الدول التي هو في خصامٍ معها . (وذكر أن خَلاص الشيعة من هذه المحنة لا يكون إلا بتغيير (العقل الشيعي العام الساذج) ، وأعلن أن سبب استغلال الشيعة من قبل نظام إيران يرجع إلى (البدع الموجودة في العقيدة الشيعية). وبيَّن أن هذه البدع استغلت مراتٍ ومراتٍ في التاريخ الشيعي من قبل الأنظمة ، مما يدل على أن (المحنة ليست في النظام بل هي في البدع والمعتقدين بها) .
وقريباً كان هناك كلام مقارب للعالم الشيعي الإيراني إسماعيل الخوئيني المتوفى سنة 1421هـ، فبعد أن وصل هذا الشيخ إلى أعلى المراتب العلمية الشيعية ، وحصل على لقب (آية الله العظمى) تخلى عن ذلك كله بمجرد أن تبين له الحق ، و ألف كتابه (الموسوعة القرآنية) أعلن فيه أن المذهب الشيعي يشتمل على غلوٍّ وتطرفٍ ، و يمثل خروجاً عن جماعة المسلمين، وأوجب على أهله الرجوع عن تفريق الكلمة، وترك الاختلاف والشتم واللعن لبقية المسلمين. فكان جزاء هذا الشيخ حكماً بالإعدام نجا منه بتدبيرٍ إلهي حكيم.


• بين الشعارات والتطبيق

هذه جملة من المواقف الصادقة التي ننتظر مثلها من الشيخ الصفار، بدلاً من خطابات الوحدة والتقارب الجوفاء. وبمثل تلك المنهجية الصافية يمكن معالجة الداء وحسم أصله. أما الاكتفاء بترديد شعارات الوحدة والتقارب دون مواجهة الحقائق التي تحول ذلك فهذا ما لا فائدة منه. بل غايته ممارسة التخدير والاستغفال للأمة المسلمة إلى أن ينزل بها البلاء.

ولعل الشيخ الصفار يقول : ولمَ لا يُراجع أهل السنة أنفسهم ؟ فأقول : أهلاً ومرحباً ، فهاتِ ما عندك مما تريد منا مراجعته. وخذ ما لدينا مما نريد منك مراجعته. لكني لا أطمع من الصفار أن يدخل في مثل هذا ، فقد تابعتُ كتاباته ، وقرأت حواراته ، وقابلته شخصياً ، فرأيته يحرص كلَّ الحرص ألا يوضع مذهبه على محك النقد.
وكل بضاعته في مجالسه ومقالاته وندواته يمكن اختصارها في كلمة واحدة : هكذا نحن وسوف نبقى هكذا ، فتعايشوا معنا لئلاً يستغلنا العدو الخارجي.


• محاضر بجامعة الإمام محمد بن سعود [/align]

المصدر جريدة المدينة (ملحق الرسالة )