# نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام) - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 29 من 29

الموضوع: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    الدولة
    أكناف بيت المقدس
    المشاركات
    141

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    بارك الله فيك على الموضوع القيم

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,167

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مؤمل عفو الغفور مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك على الموضوع القيم
    وفيكم بارك الله أخي الكريم

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,167

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    قال شيخ الإسلام رحمه الله :

    الْعُقُودُ الَّتِي فِيهَا نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ - وَهِيَ غَالِبُ مُعَامَلَاتِ بَنِي آدَمَ الَّتِي لَا يَقُومُونَ إلَّا بِهَا - سَوَاءٌ كَانَتْ مَالًا بِمَالِ . كَالْبَيْعِ أَوْ كَانَتْ مَنْفَعَةً بِمَالٍ كَالْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ : الْإِمَارَةُ وَالتَّجْنِيدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَاتِ . أَوْ كَانَتْ مَنْفَعَةً بِمَنْفَعَةٍ كَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ :

    فَإِنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ . كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى . وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَرَامًا مِنْ الْجِهَتَيْنِ كَبَيْعِ الْخَمْرِ بِالْخِنْزِيرِ وَالِاسْتِئْجَا رِ عَلَى الزِّنَا بِالْخَمْرِ وَعَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ كَمَا كَانَ بَعْضُ الْحُكَّامِ يَقُولُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الرُّؤَسَاءِ : يتقارضون شَهَادَةَ الزُّورِ وَشَبَهَهُ بِمُبَادَلَةِ الْقُرُوضِ . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ حَرَامًا مِنْ الْأُخْرَى . وَهَذَا الْقِسْمُ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَعْلَمُوهُ ؛ فَإِنَّ الدِّينَ وَالدُّنْيَا لَا تَقُومُ إلَّا بِهِ .

    وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ فَلَا يَقُومُ بِهِ إلَّا دِينٌ ضَعِيفٌ . وَأَمَّا الثَّالِثُ فَتَقُومُ بِهِ الدُّنْيَا الْفَاجِرَةُ وَالدِّينُ الْمُبْتَدَعُ . وَأَمَّا الدِّينُ الْمَشْرُوعُ وَالدُّنْيَا السَّالِمَةُ فَلَا تَقُومُ إلَّا بِالثَّالِثِ : مِثْلَ إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لِجَلْبِ مَنْفَعَتِهِمْ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّتِهِمْ وَرِشْوَةِ الْوُلَاةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَوْ تَخْلِيصِ الْحَقِّ ؛ لَا لِمَنْعِ الْحَقِّ وَإِعْطَاءِ مَنْ يُتَّقَى شَرُّ لِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَإِعْطَاءِ مَنْ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِنْ أَعْوَانٍ وَأَنْصَارٍ وَوُلَاةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ .

    وَأَصْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسِيرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ : أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ حَقًّا فِي الصَّدَقَاتِ الَّتِي حَصَرَ مَصَارِفَهَا فِي كِتَابِهِ وَتَوَلَّى قَسْمَهَا بِنَفْسِهِ وَكَانَ هَذَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ الْمَصَالِحِ - وَمِنْ الْفَيْءِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ - الَّتِي هِيَ أَوْسَعُ مَصْرِفًا مِنْ الزَّكَاةِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ أُعْطِيَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَلَا يَنْعَكِسُ ؛ لِأَنَّ آخِذَ الصَّدَقَةِ إمَّا أَنْ يَأْخُذَ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِمَنْفَعَتِهِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يُؤْخَذُ مِنْهُمَا لِلْمَصَالِحِ ؛ بَلْ لَيْسَتْ الْمَصَالِحُ إلَّا ذَلِكَ ، وَالْمُؤَلَّفَة ُ قُلُوبُهُمْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَنْفَعَةِ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ بِمَالِ الْمَصَالِحِ وَالْفَيْءِ . وَلِهَذَا أَعْطَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفَيْءِ وَالْمَغَانِمِ كَمَا فَعَلَهُ بِالذُّهَيْبَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ . وَكَمَا فَعَلَ فِي مَغَانِمِ حنين حَيْثُ قَسَّمَهَا بَيْنَ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ نَجْدٍ وَقَالَ : { إنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُمْ . أُعْطِي رِجَالًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ وَأَكِلُ رِجَالًا إلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ } وَقَالَ : { إنِّي لَأُعْطِي أَحَدَهُمْ الْعَطِيَّةَ فَيَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبَّطُهَا نَارًا . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ تُعْطِيهِمْ قَالَ : يَأْبُونَ إلَّا أَنْ يَسْأَلُونِي وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ } . وَقَالَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْأَلُنِي الْمَسْأَلَةَ فَتُخْرِجُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ مَا لَمْ نَكُنْ نُرِيدُ أَنْ نُعْطِيَهُ إيَّاهُ فَيُبَارِكُ لَهُ فِيهِ } " أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ .

    وَهَذَا الْقِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ : أَمَّا الْمَالُ بِالْأَعْيَانِ فَمِنْهُ افْتِكَاكُ الْأَسْرَى وَالْأَحْرَارِ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ وَالْغَاصِبِينَ ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ الْحُرَّ قَدْ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْكُفَّارُ وَقَدْ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْفُجَّارُ ؛ إمَّا بِاسْتِعْبَادِه ِ ظُلْمًا أَوْ بِعِتْقِهِ وَجُحُودِ عِتْقِهِ . وَإِمَّا بِاسْتِعْمَالِه ِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلَا إذْنِ الشَّارِعِ : مِثْلَ مَنْ يُسَخِّرُ الصُّنَّاعَ كَالْخَيَّاطِين َ وَالْفَلَّاحِين َ بِغَيْرِ حَقٍّ . وَإِمَّا بِحَبْسِهِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا فَكُلُّ آدَمِيٍّ قَهَرَ آدَمِيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ وَمَنَعَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ . فَالْقَاهِرُ يُشْبِهُ الْآسِرَ وَالْمَقْهُورُ يُشْبِهُ الْأَسِيرَ وَكَذَلِكَ الْقَهْرُ بِحَقِّ أَسِيرٍ . قَالَ { النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْغَرِيمِ الَّذِي لَزِمَ غَرِيمَهُ : مَا فَعَلَ أَسِيرُك ؟ . } وَإِذَا كَانَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْأَمْوَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ فَهُوَ غَصْبٌ وَإِنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْخِيَانَةُ وَالسَّرِقَةُ فَكَذَلِكَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى النُّفُوسِ بِغَيْرِ حَقِّ أَسْرٍ . وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ اسْتِيلَاءُ الظَّلَمَةِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ . وَكَذَلِكَ افْتِكَاكُ الْأَنْفُسِ الرَّقِيقَةِ مِنْ يَدِ مَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهَا وَيَظْلِمُهَا فَإِنَّ الرِّقَّ الْمَشْرُوعَ لَهُ حَدٌّ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ عُدْوَانٌ . وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ افْتِكَاكُ الزَّوْجَةِ مِنْ يَدِ الزَّوْجِ الظَّالِمِ ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ رِقٌّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّسَاءِ : { إنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ } . وَقَالَ عُمَرُ : النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يَرِقُّ كَرِيمَتَهُ . وَكَذَلِكَ افْتِكَاكُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ كَاَلَّذِي يَمْنَعُهُ الْوَاجِبُ وَيَفْعَلُ مَعَهُ الْمُحَرَّمَ . وَمِنْهُ افْتِكَاكُ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي الْغَاصِبِينَ لَهَا ظُلْمًا أَوْ تَأْوِيلًا كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَغَيْرِهِمَا إذَا دُفِعَ لِلظَّالِمِ شَيْءٌ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ . وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّفْعُ فِي كِلَا الْقِسْمَيْنِ دَفْعًا لِلْقَاهِرِ حَتَّى لَا يَقْهَرَ وَلَا يَسْتَوْلِيَ كَمَا يُهَادَنُ أَهْلُ الْحَرْبِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِمَالٍ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ أَوْ اسْتِنْقَاذًا مِنْ الْقَاهِرِ بَعْدَ الْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاء ِ .

    وقال رحمه الله :

    بَذْلُ الْمَنَافِعِ وَالْأَمْوَالِ سَوَاءٌ كَانَ بِطَرِيقِ التَّعَوُّضِ أَوْ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ : وَوَاجِبُهَا يَنْقَسِمُ إلَى فَرْضٍ عَلَى الْعَيْنِ وَفَرْضٍ عَلَى الْكِفَايَةِ . فَأَمَّا مَا يَجِبُ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ - مَالًا وَمَنْفَعَةً - فَلَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَجِمَاعُ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ بِلَا عِوَضٍ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مَذْكُورَةٌ فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ : { أَرْبَعٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدَ بَرِئَ مِنْ الْبُخْلِ : مَنْ آتَى الزَّكَاةَ وَقَرَى الضَّيْفَ وَوَصَلَ الرَّحِمَ وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ } . وَلِهَذَا كَانَ حَدُّ الْبَخِيلِ : مَنْ تَرَكَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِنَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ .

    فَالزَّكَاةُ هِيَ الْوَاجِبُ الرَّاتِبُ الَّتِي تَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَوُجُوبُهَا عَارِضٌ فَقَرْيُ الضَّيْفِ وَاجِبٌ عِنْدَنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَحَمْلِ الْعَاقِلَةِ وَعِتْقِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ . وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَنْ تَجِبُ صِلَتُهُ وَمَا مِقْدَارُ الصِّلَةِ الْوَاجِبَةِ . وَكَذَلِكَ الْإِعْطَاءُ فِي النَّائِبَةِ مِثْلَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِشْبَاعِ الْجَائِعِ وَكِسْوَةِ الْعَارِي . وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ لَمَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ .

    وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ الْمَنْفَعِيَّة ُ بِلَا عِوَضٍ : فَمِثْلُ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَعَامَّةُ الْوَاجِبِ فِي مَنَافِعِ الْبَدَنِ وَيَدْخُلُ فِيهَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمَا { عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ } " . وَتَدْخُلُ أَيْضًا فِي مُطْلَقِ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } كَمَا نُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ : الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ } " وَيُرْوَى مَا تَصَدَّقَ عَبْدٌ بِصَدَقَةٍ أَعْظَمَ مِنْ مَوْعِظَةٍ يَعِظُ بِهَا أَصْحَابًا لَهُ ؛ فَيَتَفَرَّقُون َ وَقَدْ نَفَعَهُمْ اللَّهُ بِهَا وَدَلَائِلُ هَذَا كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ . وَأَمَّا الْمَنَافِعُ الْمَالِيَّةُ وَهُوَ كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَنْفَعَةِ مَالِ الْغَيْرِ كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ يَسْتَقِي بِهِ مَاءً يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَثَوْبٍ يَسْتَدْفِئُ بِهِ مِنْ الْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجِبُ بَذْلُهُ ؛ لَكِنْ هَلْ يَجِبُ بَذْلُهُ مَجَّانًا أَوْ بِطَرِيقِ التَّعَوُّضِ كَالْأَعْيَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ . وَحُجَّةُ التَّبَرُّعِ مُتَعَدِّدَةٌ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } فَفِي سُنَنِ أَبِي داود عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا نَعُدُّهُ عَارِيَةً الْقِدْرَ وَالدَّلْوَ وَالْفَأْسَ . وَكَذَلِكَ إيجَابُ بَذْلِ مَنْفَعَةِ الْحَائِطِ لِلْجَارِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ عَلَى أَصْلِنَا الْمُتَّبِعِ ؛ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ .

    فَفِي الْجُمْلَةِ مَا يَجِبُ إيتَاؤُهُ مِنْ الْمَالِ أَوْ مَنْفَعَتُهُ أَوْ مَنْفَعَةُ الْبَدَنِ بِلَا عِوَضٍ لَهُ تَفْصِيلٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . وَلَوْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَة ِ مُقَصِّرِينَ فِي عِلْمِهِ بِحَيْثُ قَدْ يَنْفُونَ وُجُوبَ مَا صَرَّحَتْ الشَّرِيعَةُ بِوُجُوبِهِ . وَيَعْتَقِدُ الغالط مِنْهُمْ { أَنْ لَا حَقَّ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ } " أَنَّ هَذَا عَامٌّ ؛ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ { : إنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ } . وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ : أَرَادَ الْحَقَّ الْمَالِيَّ الَّذِي يَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ فَيَكُونُ رَاتِبًا وَإِلَّا فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ إيتَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي مَوَاضِعَ : مِثْلَ الْجِهَادِ بِالْمَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْحَجِّ بِالْمَالِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ . وَمِثْلَ مَا يَجِبُ مِنْ الْكَفَّارَاتِ مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَهَدْيِ كَفَّارَاتِ الْحَجِّ وَكَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِهَا . وَمَا يَجِبُ مِنْ وَفَاءِ النُّذُورِ الْمَالِيَّةِ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ ؛ بَلْ الْمَالُ مُسْتَوْعَبٌ بِالْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ الرَّاتِبَةِ أَوْ الْعَارِضَةِ بِسَبَبٍ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُ .

    وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ . وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا مَا يَجِبُ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ : مِثْلَ الْمُبَايَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَة ِ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ . وَمِثْلَ الْمُشَارَكَاتِ : كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَة ِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَإِنَّ هَذَا كَثِيرًا مَا يَغْلَطُ فِيهِ الغالطون لِمَا اسْتَقَرَّ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ وَأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي إلَّا فِي مَوَاضِعَ اسْتَثْنَاهَا الشَّارِعُ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا بِحَقِّ : صَارَ يَغْلَطُ فَرِيقَانِ : (1) قَوْمٌ يَجْعَلُونَ الْإِكْرَاهَ عَلَى بَعْضِهَا إكْرَاهًا بِحَقِّ وَهُوَ إكْرَاهٌ بِبَاطِلِ . (2) وَقَوْمٌ يَجْعَلُونَهُ إكْرَاهًا بِبَاطِلِ وَهُوَ بِحَقِّ . وَفِيهَا مَا يَكُونُ إكْرَاهًا بِتَأْوِيلِ حَقٍّ فَيَدْخُلُ فِي قِسْمِ الْمُجْتَهِدَات ِ ؛ إمَّا الِاجْتِهَادَات ُ الْمَحْضَةُ أَوْ الْمَشُوبَةُ بِهَوًى وَكَذَلِكَ الْمُعَاوَضَاتُ . وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ إذَا كَانَ إيتَاءُ الْمَالِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ وَاجِبًا بِالشَّرِيعَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا ؛ لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ الْإِيجَابَ الشَّرْعِيَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ أَخْذُ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَأَنْ يَكُونَ إيتَاءُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ وَاجِبًا فِي مَوَاضِعَ أَوْلَى وَأَحْرَى ؛ بَلْ إيجَابُ الْمُعَاوَضَاتِ أَكْثَرُ مِنْ إيجَابِ التَّبَرُّعَاتِ وَأَكْبَرُ . فَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُ قَدْرًا وَصِفَةً .

    وَلَعَلَّ مَنْ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ إذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا بِلَا ضَرَرٍ يَزِيدُ عَلَى حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَتْ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ وَمَعَ حَاجَةِ رَبِّ الْمَالِ المكافية لِحَاجَةِ الْمُعْتَاضِ فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ وَالرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . " وَابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ " . وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ مُنَاسِبَةٌ وَلَهَا شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ . وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعَالَى .

    وَجِمَاعُ الْمُعَاوَضَاتِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ : (1) مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالِ : كَالْبَيْعِ . (2) وَبَذْلُ مَالٍ بِنَفْعٍ كَالْجَعَالَةِ . (3) وَبَذْلُ مَنْفَعَةٍ بِمَالٍ كَالْإِجَارَةِ (4) وَبَذْلُ نَفْعٍ بِنَفْعٍ كَالْمُشَارَكَا تِ مِنْ الْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ هَذَا بَذَلَ نَفْعَ بَدَنِهِ وَهَذَا بَذَلَ نَفْعَ مَالِهِ . وَكَالتَّعَاوُن ِ وَالتَّنَاصُرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَبِالْجُمْلَةِ فَوُجُوبُ الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ ضَرُورَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ؛ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَنْفَرِدُ بِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الِاسْتِعَانَةِ بِبَنِي جِنْسِهِ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَى بَنِي آدَمَ أَنْ يَبْذُلَ هَذَا لِهَذَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَهَذَا لِهَذَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَفَسَدَ النَّاسُ وَفَسَدَ أَمْرُ دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ فَلَا تَتِمُّ مَصَالِحُهُمْ إلَّا بِالْمُعَاوَضَة ِ وَصَلَاحُهَا بِالْعَدْلِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ لَهُ الْكُتُبَ وَبَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ . فَقَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } .

    وَلَا رَيْبَ أَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى بَذْلِ الْمُعَاوَضَةِ لِحَاجَتِهَا إلَيْهَا فَالشَّارِعُ إذَا بَذَلَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِلَا إكْرَاهٍ لَمْ يَشْرَعْ الْإِكْرَاهُ وَرَدُّ الْأَمْرِ إلَى التَّرَاضِي فِي أَصْلِ الْمُعَاوَضَةِ وَفِي مِقْدَارِ الْعِوَضِ . وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْذُلْ فَقَدْ يُوجِبُ الْمُعَاوَضَةَ تَارَةً وَقَدْ يُوجِبُ عِوَضًا مُقَدَّرًا تَارَةً . وَقَدْ يُوجِبُهُمَا جَمِيعًا وَقَدْ يُوجِبُ التَّعْوِيضَ لِمُعَيَّنِ أُخْرَى .

    مِثَالُ الْأَوَّلِ : مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَطُولِبَ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَرَضٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ لِيُوفِيَهُ الدَّيْنَ فَإِنَّ وَفَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْبَيْعِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى بَيْعِ الْعَرَضِ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ فَقَبِلَ النِّيَابَةَ فَقَامَ ذُو السُّلْطَانِ فِيهِمْ مَقَامَهُ كَمَا يَقُومُ فِي تَوْفِيَةِ الدَّيْنِ وَتَزْوِيجِ الْأَيِّمِ مِنْ كُفْئِهَا إذَا طَلَبَتْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَمَا يَقْبِضُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ بِرِضَا الْغَرِيمِ كَثَمَنِ مَبِيعٍ وَبَدَلِ قَرْضٍ أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ . وَمِنْ ذَلِكَ ضَمَانُ الْمَغْصُوبِ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ وَمِنْ الْمَغْصُوبِ الْأَمَانَاتُ إذَا خَانَ فِيهَا وَمِنْ الْأَمَانَاتِ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَالْعُمَّالِ عَلَى الْفَيْءِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ الْمَوْقُوفَةِ وَمَالِ الْيَتِيمِ وَمَالِ الْمُوَكَّلِ كَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَنَحْوِهِمَا . وَمَالِ الْفَيْءِ إذَا خَانُوا فِيهَا . وَتَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ بَيْعُ مَالِهِ لِأَدَاءِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَفْسِهِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَالٍ إذَا لَمْ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِالْبَيْعِ صَارَ الْبَيْعُ وَاجِبًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَيُفْعَلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ .

    وَمِثَالُ الثَّانِي : الْمُضْطَرُّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ إذَا بَذَلَهُ لَهُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى الْقِيمَةِ ؛ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَأَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُمَا أُجْبِرَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ بَذَلَ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ . وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي " كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ " حَتَّى إنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ عَنْ بَذْلِ الطَّعَامِ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَاتِلِ عَنْ نَفْسِهِ . وَلِهَذَا نُضَمِّنُهُمْ دِيَتَهُ لَوْ مَاتَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَسْقَى قَوْمًا فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ فَضَمَّنَهُمْ عُمَرُ دِيَتَهُ وَأَخَذَ بِهِ أَحْمَد فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ إطْعَامُ الْمُضْطَرِّ بِلَا عِوَضٍ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْهُ فَلَأَنْ يَجِبَ بِالْمُعَاوَضَة ِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَهَكَذَا إذَا اُضْطُرَّ النَّاسُ ضَرُورَةً عَامَّةً وَعِنْدَ أَقْوَامٍ فُضُولُ أَطْعِمَةٍ مَخْزُونَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَيْعُهَا وَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَبِيعَهَا عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ فَيَجِبُ إلْزَامُهُمْ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ شَرْعًا وَهُوَ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمْ فَيَجِبُ اسْتِنْقَاذُهُ مِنْهُمْ . وَهَكَذَا كُلُّ مَا اُضْطُرَّ النَّاسُ إلَيْهِ : مِنْ لِبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَغْنِي عَنْهُ صَاحِبُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ بَذْلُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ . وَقَدْ كَتَبْت قَبْلَ هَذَا حَدِيثَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي صَاحِبِ النَّخْلَةِ لَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ وَذَكَرْت مَا فِيهِ مِنْ وُجُوبِ الْمُعَاوَضَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُبْتَاعُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرِ الْبَائِعِ . وَلِهَذَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ الِاحْتِكَارِ الَّذِي يَضُرُّ النَّاسَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ } " رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَالْمُحْتَكِرُ مُشْتَرٍ مُتَّجِرٌ ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ يَشْتَرِي مَا يَضُرُّ النَّاسَ . وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْأَصْلِ جَائِزَانِ غَيْرُ وَاجِبَيْنِ ؛ لَكِنْ لِحَاجَةِ النَّاسِ يَجِبُ الْبَيْعُ تَارَةً وَيَحْرُمُ الشِّرَاءُ أُخْرَى . هَذَا فِي نَفْسِ الْعَقْدِ . وَأَمَّا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْمُشْتَرِي إذَا تَوَكَّلَ الْحَاضِرُ لِلْقَادِمِ بِسِلْعَتِهِ فِي الْبَيْعِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ بَيْعِهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ } . وَهَكَذَا بَيْعُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ فِي مَا لَا يَنْقَسِمُ ؛ فَإِنَّ الشَّرِيكَ مُحْتَاجٌ إلَى الْبَيْعِ ؛ لِيَأْخُذَ نَصِيبَهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْآخَرِ فِيهِ . وَكَذَلِكَ تَقْوِيمُهُ مِلْكَ الشَّرِيكِ إذَا أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ فَإِنَّ الْعِتْقَ يَحْتَاجُ إلَى تَكْمِيلٍ لِمَا فِي تَبْعِيضِ الْعِتْقِ مِنْ الضَّرَرِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْبَائِعِ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ أَوْ فِيهِ ضَرَرٌ دُونَ الْحَاجَةِ إلَى تَكْمِيلِ الْعِتْقِ . وَهَكَذَا فِيمَنْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِمَالِهِ كَمَنْ لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَرَقٌ مُحْتَرَمٌ مِنْ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ بِئْرٍ كَالْمُشْتَرِي إذَا أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ وَالْبَائِعِ إذَا رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ وَكَانَ الثَّمَنُ عَقَارًا وَكَالْمُسْتَعِ يرِ وَالْمُسْتَأْجِ رِ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَإِنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَبْتَاعَ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ إذَا لَمْ يُقْلِعْهُ صَاحِبُهُ أَوْ يُبْقِيهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَكِلَاهُمَا مُعَاوَضَةٌ : إمَّا عَلَى الْعَيْنِ أَوْ عَلَى مَنْفَعَةِ أَرْضِهِ . وَكَذَلِكَ إجْبَارُنَا لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْكَرْيِ مَعَ الْآخَرِ أَوْ الْعِمَارَةِ مَعَهُ هُوَ إجْبَارٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ ؛ فَإِنَّ الْعِمَارَةَ تَتَضَمَّنُ ابْتِيَاعَ أَعْيَانٍ وَاسْتِئْجَارَ عُمَّالٍ فَهِيَ إجْبَارٌ عَلَى شِرَاءٍ وَإِجَارَةٍ ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْبَاذِلِ فِي ذَلِكَ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُعَاوَضَةُ مَعَهُ . تَارَةً لِأَجْلِ الْقِسْمَةِ . وَتَارَةً لِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ .

    وَعَلَى هَذَا فَإِذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الصِّنَاعَاتِ : كَالْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَايَةِ : فَعَلَى أَهْلِهَا بَذْلُهَا لَهُمْ بِقِيمَتِهَا كَمَا عَلَيْهِمْ بَذْلُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا بِقِيمَتِهَا ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَبَذْلِ الْمَنَافِعِ ؛ بَلْ بَذْلُ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَا يَضُرُّ بَذْلُهَا أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مُعَاوَضَةً وَيَكُونُ بَذْلُ هَذِهِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ . وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ أُصُولَ الصِّنَاعَاتِ كَالْفِلَاحَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْبِنَايَةِ : فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ . وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ؛ وَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا فَلَا تَجِبُ . وَهَذِهِ حَكَيْنَا بَيْعَهَا ؛ فَإِنَّ مَنْ يُوجِبُهَا إنَّمَا يُوجِبُهَا بِالْمُعَاوَضَة ِ ؛ لَا تَبَرُّعًا . فَهُوَ إيجَابُ صِنَاعَةٍ بِعِوَضٍ ؛ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا . وَقَوْلِي عِنْدَ الْحَاجَةِ . فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَسْتَغْنُونَ عَنْ الصِّنَاعَةِ بِمَا يَجْلِبُونَهُ أَوْ يُجْلَبُ إلَيْهِمْ مِنْ طَعَامٍ وَلِبَاسٍ .

    وَالْأَصْلُ أَنَّ إعَانَةَ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالسُّكْنَى أَمْرٌ وَاجِبٌ . وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُلْزِمَ بِذَلِكَ وَيُجْبِرَ عَلَيْهِ ؛ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا بَلْ إيجَابُ الشَّارِعِ لِلْجِهَادِ الَّذِي فِيهِ الْمُخَاطَرَةُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ لِأَجْلِ هِدَايَةِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ : أَبْلَغُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ . فَإِذَا كَانَتْ الشَّجَاعَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا وَالْكَرَمُ الَّذِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ وَاجِبًا فَكَيْفَ بِالْمُعَاوَضَة ِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا . وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَفْعَلُونَ هَذَا بِحُكْمِ الْعَادَاتِ وَالطِّبَاعِ وَطَاعَةِ السُّلْطَانِ غَيْرَ مُسْتَشْعِرِينَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِمْ فِيهِ . وَلِهَذَا يَعُدُّونَ ذَلِكَ ظُلْمًا وَعَنَاءً وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ احْتَسَبُوا أَجْرَهُ وَزَالَتْ الْكَرَاهَةُ وَلَوْ عَلِمُوا الْوُجُوبَ الشَّرْعِيَّ لَمْ يَعُدُّوهُ ظُلْمًا . وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجُوا إلَى الْقِتَالِ وَالْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَبَذَلُوا أَمْوَالًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ الْجِهَادَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُخَاطَرَةٌ بِالنَّفْسِ وَيُخَافُ فِيهِ الضَّرَرُ ؛ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ إذَا بُذِلَ لِلْإِنْسَانِ الْمَالُ ؛ فَإِنَّ مَصْلَحَةَ الدِّينِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِوُجُوبِهِ وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَالِ نَفْسِهِ فَإِذَا بُذِلَ لَهُ الْمَالُ كَانَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ . فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ صِنَاعَاتِ الْقِتَالِ : رَمْيًا وَضَرْبًا وَطَعْنًا وَرُكُوبًا وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُم ْ فَانْفِرُوا . } وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : إنَّهُ يَجِبُ عَيْنًا إذَا أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجَ الْمُجَاهِدُونَ إلَى أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ كَصُنَّاعِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ وَمَصَالِحِ الْخَيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَطُلِبَتْ مِنْهُمْ تِلْكَ الصِّنَاعَةُ بِعِوَضِهَا وَجَبَ بَذْلُهَا وَأُجْبِرُوا عَلَيْهَا . وَكَذَلِكَ التُّجَّارُ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْجِهَادِ : عَلَيْهِمْ بَيْعُ ذَلِكَ وَإِذَا احْتَاجَ الْعَسْكَرُ إلَى خُرُوجِ قَوْمٍ تُجَّارٍ فِيهِ لِبَيْعِ مَا لَا يُمْكِنُ الْعَسْكَرُ حَمْلَهُ مِنْ طَعَامٍ وَلِبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَالتِّجَارَةُ كَالصِّنَاعَةِ . وَالْعَسْكَرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ فِي بَلَدٍ فَكَمَا يَجِبُ عَلَى بَعْضٍ إعَانَةُ بَعْضٍ عَلَى حَاجَاتِهِمْ بِالْمُعَاوَضَة ِ الَّتِي لَا ضَرَرَ فِيهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْعَسْكَرِ . وَكَمَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُوجِبَ الْجِهَادَ عَلَى طَائِفَةٍ وَيَأْمُرَهُمْ بِالسَّفَرِ إلَى مَكَانٍ لِأَجْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْمُرَ قَوْمًا بِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَيَأْمُرَ قَوْمًا بِالْوِلَايَاتِ . وَالْإِمَامُ الْعَدْلُ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَغَيْرُ الْعَدْلِ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ طَاعَةٌ كَالْجِهَادِ .

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,167

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    فصل : القاعدة الثالثة : في العقود والشروط فيها فيما يحل منها ويحرم وما يصح منها ويفسد . ومسائل هذه القاعدة كثيرة جدا . والذي يمكن ضبطه فيها قولان .

    أحدهما : أن يقال : الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك : الحظر ؛ إلا ما ورد الشرع بإجازته . فهذا قول أهل الظاهر وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا . وكثير من أصول الشافعي وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد . فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس . كما قاله في إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه . وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد ويقولون : ما خالف مقتضى العقد فهو باطل .

    أما أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقدا ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع . وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله وطردوا ذلك طردا جاريا ؛ لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم .

    وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه لا يصحح في العقود شروطا يخالف مقتضاها في المطلق . وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه . ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال . ولهذا منع بيع العين المؤجرة . وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته . وإنما جوز الإجارة المؤخرة ؛ لأن الإجارة عنده لا توجب الملك إلا عند وجود المنفعة أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به أو أن يشترط المشتري بقاء الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره . ولم يصحح في النكاح شرطا أصلا لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ . ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو نحوهما . ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقا . وإنما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة الأيام للأثر وهو عنده موضع استحسان .

    والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل ؛ لكنه يستثني مواضع للدليل الخاص . فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث ولا استثناء منفعة المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع حتى منع الإجارة المؤخرة ؛ لأن موجبها - وهو القبض - لا يلي العقد ولا يجوز أيضا ما فيه منع المشتري من التصرف المطلق إلا العتق ؛ لما فيه من السنة والمعنى ؛ لكنه يجوز استثناء المنفعة بالشرع كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه وكبيع الشجر مع استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك . ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض ولا يجوز اشتراطها دارها أو بلدها ولا أن يتزوج عليها ولا يتسرى ويجوز اشتراط حريتها وإسلامها . وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه كالجمال ونحوه . وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار وانفساخه بالشروط التي تنافيه كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار . بخلاف فساد المهر ونحوه .

    وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول ؛ لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي كالخيار أكثر من ثلاث كاستثناء البائع منفعة المبيع واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها ونحو ذلك من المصالح . فيقولون : كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل . إلا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين . وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي . فقد يوافقونه في الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض .

    وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر ويتوسعون في الشروط أكثر منهم ؛ لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر . وعمدة هؤلاء : قصة بريرة المشهورة . وهو ما خرجاه في الصحيحين عن { عائشة رضي الله عنها قالت : جاءتني بريرة فقالت : كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني . فقلت : إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت . فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها . فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس . فقالت : إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : خذيها واشترطي لهم الولاء . فإنما الولاء لمن أعتق . ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس . فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق . وإنما الولاء لمن أعتق } وفي رواية للبخاري : { اشتريها فأعتقيها وليشترطوا ما شاءوا ، فاشترتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق ، وإن اشترطوا مائة شرط } . وفي لفظ : { شرط الله أحق وأوثق } " . وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر : " { أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية لتعتقها . فقال أهلها : نبيعكها على أن ولاءها لنا ؟ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لا يمنعك ذلك . فإنما الولاء لمن أعتق } . وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعتقها ، فأبى أهلها إلا أن يكون لهم الولاء ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا يمنعك ذلك ، فإنما الولاء لمن أعتق } .

    ولهم من هذا الحديث حجتان . إحداهما : قوله : { ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل } " . فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع : فليس في كتاب الله بخلاف ما كان في السنة أو في الإجماع . فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع . ومن قال بالقياس - وهو الجمهور - قالوا : إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله : فهو في كتاب الله . والحجة الثانية :

    أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء ؛ لأن العلة فيه : كونه مخالفا لمقتضى العقد . وذلك : لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع . فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع ؛ بمنزلة تغيير العبادات . وهذا نكتة القاعدة . وهي أن العقود مشروعة على وجه فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع ؛ ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد القولين - لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطا يخالف مقتضاها . فلا يجوزون للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر متابعة لعبد الله بن عمر حيث كان ينكر الاشتراط في الحج . ويقول : أليس حسبكم سنة نبيكم ؟ . وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } وقوله : { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } . قالوا : فالشروط والعقود التي لم تشرع تعد لحدود الله وزيادة في الدين . وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو بالخصوص قالوا : ذلك منسوخ . كما قاله بعضهم في شروط النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين عام الحديبية أو قالوا : هذا عام أو مطلق فيخص بالشرط الذي في كتاب الله . واحتجوا أيضا بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك : { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط } وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث . وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء . وذكروا أنه لا يعرف وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه من غيرهم - أن اشتراط صفة في المبيع ونحوه كاشتراط كون العبد كاتبا أو صانعا أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك : شرط صحيح .

    القول الثاني : أن الأصل في العقود والشروط : الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا أو قياسا عند من يقول به . وأصول أحمد المنصوصة عنه : أكثرها يجري على هذا القول . ومالك قريب منه ؛ لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط . فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه . وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس ؛ لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعا من الصحة ولا يعارض ذلك بكونه شرطا يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص . وكان قد بلغه في العقود والشروط من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة . فقال بذلك وبما في معناه قياسا عليه وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص : فقد يضعفه أو يضعف دلالته . وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس . وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط . كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقا فمالك يجوزه بقدر الحاجة وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضا . ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان ونحوه .

    ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق ، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط والنقص منه بالشرط ؛ ما لم يتضمن مخالفة الشرع . كما سأذكره إن شاء الله . فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير اتباعا لحديث جابر لما باع النبي صلى الله عليه وسلم جمله واستثنى ظهره إلى المدينة . ويجوز أيضا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو غيرهما اتباعا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة واشترطت عليه خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش .

    ويجوز - على عامة أقواله - : أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها . كما في حديث صفية . وكما فعله أنس بن مالك وغيره وإن لم ترض المرأة ؛ كأنه أعتقها واستثنى منفعة البضع ؛ لكنه استثناها بالنكاح إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز بخلاف منفعة الخدمة . ويجوز أيضا للواقف إذا وقف شيئا أن يستثني منفعته وغلته جميعها لنفسه لمدة حياته . كما روي عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك . وروي فيه حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهل يجوز وقف الإنسان على نفسه ؟ فيه عنه روايتان . ويجوز أيضا - على قياس قوله - استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة والصداق وفدية الخلع والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك سواء كان بإسقاط كالعتق أو بتمليك بعوض كالبيع . أو بغير عوض كالهبة .

    ويجوز أحمد أيضا في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح ؛ لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن أحق الشروط أن توفوا به : ما استحللتم به الفروج } ومن قال بهذا الحديث قال : إنه يقتضي أن الشروط في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة . وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في البيع دون النكاح . فيجوز أحمد أن تستثني المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها ، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها ولا يتسرى .

    ويجوز - على الرواية المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه - أن يشترط كل واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة كاليسار والجمال ونحو ذلك ويملك الفسخ بفواته . وهو من أشد الناس قولا بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب كما لو تزوج عليها وقد شرطت عليه أن لا يتزوج عليها وبالتدليس كما لو ظنها حرة فظهرت أمة وبالخلف في الصفة على الصحيح كما لو شرط الزوج أن له مالا فظهر بخلاف ما ذكر . وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده كالتوقيت واشتراط الطلاق . وهل يبطل بفساد المهر كالخمر والميتة ونحو ذلك ؟ فيه عنه روايتان . إحداهما : نعم كنكاح الشغار . وهو رواية عن مالك . والثانية : لا ينفسخ ؛ لأنه تابع وهو عقد مفرد كقول أبي حنيفة والشافعي .

    وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلا أو تركا في المبيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه . وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ذلك إلا العتق . وقد يروى ذلك عنه ؛ لكن الأول أكثر في كلامه . ففي جامع الخلال عن أبي طالب : سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها : تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة ؟ قال : لا بأس به . وقال مهنا : سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له : إذا أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني ؟ قال : لا بأس به ولكن لا يطؤها ولا يقربها وله فيها شرط ؛ لأن ابن مسعود قال لرجل : لا تقربنها ولأحد فيها شرط . وقال حنبل : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته وشرط لها : إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به . فسأل ابن مسعود عن ذلك عمر بن الخطاب . فقال : لا تنكحها وفيها شرط . وقال حنبل : قال عمي : كل شرط في فرج فهو على هذا . والشرط الواحد في البيع جائز إلا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها ؛ لأنه شرط لامرأته الذي شرط . فكره عمر أن يطأها وفيها شرط . وقال الكرماني سأل أحمد عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها ؟ فكأنه رخص فيه . ولكنهم إن اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن ؟ فلا يقربها . يذهب إلى حديث عمر بن الخطاب حين قال لعبد الله بن مسعود . فقد نص في غير موضع على أنه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلا ردها إلى البائع بالثمن الأول كالمقايلة . وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل لهذا الشرط وربما تأولوا قوله : " جائز " أي العقد جائز وبقية نصوصه تصرح بأن مراده " الشرط " أيضا . واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر وابن مسعود وزينب امرأة عبد الله : ثلاثة من الصحابة . وكذلك اشتراط المبيع فلا يبيعه ولا يهبه أو يتسراها ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد كما روى عمر بن شبة في أخبار عثمان : أنه اشترى من صهيب دارا وشرط أن يقفها على صهيب وذريته من بعده . وجماع ذلك : أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة . فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه جوز أيضا استثناء بعض التصرفات . وعلى هذا فمن قال : هذا الشرط ينافي مقتضى العقد . قيل له : أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقا ؟ فإن أراد الأول : فكل شرط كذلك . وإن أراد الثاني : لم يسلم له ؛ وإنما المحذور : أن ينافي مقصود العقد كاشتراط الطلاق في النكاح أو اشتراط الفسخ في العقد . فأما إذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف مقصوده .

    هذا القول هو الصحيح : بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي . أما الكتاب : فقال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } والعقود هي العهود . وقال تعالى : { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا } وقال تعالى : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا } وقال تعالى : { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا } فقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود وهذا عام وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد . وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه بدليل قوله : { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد كالنذر والبيع إنما أمر بالوفاء به ؛ ولهذا قرنه بالصدق في قوله { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا } لأن العدل في القول خبر يتعلق بالماضي والحاضر والوفاء بالعهد يكون في القول المتعلق بالمستقبل كما قال تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين } { فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون } { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } وقال سبحانه : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } قال المفسرون - كالضحاك وغيره - تساءلون به : تتعاهدون وتتعاقدون . وذلك : لأن كل واحد من المتعاقدين يطلب من الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع ونحو ذلك وجمع سبحانه في هذه الآية وسائر السورة أحكام الأسباب التي بين بني آدم المخلوقة : كالرحم والمكسوبة : كالعقود التي يدخل فيها الصهر وولاية مال اليتيم ونحو ذلك . وقال سبحانه : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون } { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } والأيمان : جمع يمين وكل عقد فإنه يمين . قيل : سمي بذلك ؛ لأنهم كانوا يعقدونه بالمصافحة باليمين يدل على ذلك : قوله { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين } { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين } { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } والإل : هو القرابة . والذمة : العهد - وهما المذكوران في قوله : { تساءلون به والأرحام } - إلى قوله { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } فذمهم الله على قطيعة الرحم ونقض الذمة . إلى قوله { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم } وهذه نزلت في كفار مكة لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية . ثم نقضوا العهد بإعانة بني بكر على خزاعة . وأما قوله سبحانه { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } فتلك عهود جائزة ؛ لا لازمة فإنها كانت مطلقة . وكان مخيرا بين إمضائها ونقضها . كالوكالة ونحوها . ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : إن الهدنة لا تصح إلا مؤقتة : فقوله - مع أنه مخالف لأصول أحمد - يرده القرآن وترده سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر المعاهدين فإنه لم يوقت معهم وقتا . فأما من كان عهده موقتا فلم يبح له نقضه بدليل قوله { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين } وقال : { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين } وقال { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } فإنما أباح النبذ عند ظهور إمارات الخيانة ؛ لأن المحذور من جهتهم وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } الآية . وجاء أيضا في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري " إن في القرآن الذي نسخت تلاوته سورة كانت كبراءة : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة وقال تعالى : { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } في سورتي المؤمنون والمعارج وهذا من صفة المستثنين من الهلع المذموم بقوله : { إن الإنسان خلق هلوعا } { إذا مسه الشر جزوعا } { وإذا مسه الخير منوعا } { إلا المصلين } { الذين هم على صلاتهم دائمون } { والذين في أموالهم حق معلوم } { للسائل والمحروم } { والذين يصدقون بيوم الدين } { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } { إن عذاب ربهم غير مأمون } { والذين هم لفروجهم حافظون } { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } { فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } وهذا يقتضي وجوب ذلك ؛ لأنه لم يستثن من المذموم إلا من اتصف بجميع ذلك ؛ ولهذا لم يذكر فيها إلا ما هو واجب وكذلك في سورة المؤمنين قال في أولها : { أولئك هم الوارثون } { الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } فمن لم يتصف بهذه الصفات لم يكن من الوارثين ؛ لأن ظاهر الآية الحصر ؛ فإن إدخال الفصل بين المبتدأ والخبر يشعر بالحصر ومن لم يكن من وارثي الجنة كان معرضا للعقوبة ؛ إلا أن يعفو الله عنه ؛ وإذا كانت رعاية العهد واجبة فرعايته : هي الوفاء به . ولما جمع الله بين العهد والأمانة جعل النبي صلى الله عليه وسلم ضد ذلك صفة المنافق في قوله : { إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر } وعنه { على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب } " وما زالوا يوصون بصدق الحديث وأداء الأمانة . وهذا عام . وقال تعالى : { وما يضل به إلا الفاسقين } { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } فذمهم على نقض عهد الله وقطع ما أمر الله بصلته ؛ لأن الواجب إما بالشرع وإما بالشرط الذي عقده المرء باختياره . وقال أيضا : { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب } { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار } { جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } وقال : { أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } وقال { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } وقال تعالى : { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } وقال : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } . وقال تعالى : { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون } .

    والأحاديث في هذا كثيرة مثل ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق . حتى يدعها : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر . وإذا خاصم فجر } " وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة } وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة } . وفي رواية : { لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به بقدر غدرته ألا ولا غادر أعظم غدرة من أمير عامة } وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله . وفيمن معه من المسلمين خيرا ثم قال : اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم - } الحديث " . فنهاهم عن الغدر كما نهاهم عن الغلول . وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب لما سأله هرقل عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم " هل يغدر ؟ فقال : لا يغدر ونحن معه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها . قال : ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا إلا هذه الكلمة . وقال هرقل في جوابه : سألتك : هل يغدر ؟ فذكرت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر " فجعل هذا صفة لازمة للمرسلين . وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن أحق الشروط أن توفوا به : ما استحللتم به الفروج } فدل على استحقاق الشروط بالوفاء وأن شروط النكاح أحق بالوفاء من غيرها . وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { قال الله تعالى : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بي ثم غدر . ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره } " فذم الغادر . وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر .

    فقد جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك . ولما كان الأصل فيها الحظر والفساد إلا ما أباحه الشرع : لم يجز أن يأمر بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا كما أن قتل النفس لما كان الأصل فيه الحظر إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه لم يجز أن يؤمر بقتل النفوس ويحمل على القدر المباح ؛ بخلاف ما كان جنسه واجبا كالصلاة والزكاة فإنه يؤمر به مطلقا . وإن كان لذلك شروط وموانع . فينهى عن الصلاة بغير طهارة وعن الصدقة بما يضر النفس ونحو ذلك . وكذلك الصدق في الحديث مأمور به وإن كان قد يحرم الصدق أحيانا لعارض ويجب السكوت أو التعريض .

    وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به : علم أن الأصل صحة العقود والشروط ؛ إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده . ومقصود العقد : هو الوفاء به . فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة . وقد روى أبو داود والدارقطني من حديث سليمان بن بلال حدثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون على شروطهم } . وكثير بن زيد قال يحيى بن معين في رواية : هو ثقة . وضعفه في رواية أخرى . وقد روى الترمذي والبزار من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما } " قال الترمذي : حديث حسن صحيح وروى ابن ماجه منه اللفظ الأول ؛ لكن كثير بن عمرو ضعفه الجماعة . وضرب أحمد على حديثه في المسند ؛ فلم يحدث به . فلعل تصحيح الترمذي له لروايته من وجوه . وقد روى أبو بكر البزار أيضا عن محمد بن عبد الرحمن بن السلماني عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الناس على شروطهم ما وافقت الحق } وهذه الأسانيد - وإن كان الواحد منها ضعيفا - فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضا . وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة وهو حقيقة المذهب ؛ فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله ولا يحرم ما أباحه الله . فإن شرطه حينئذ يكون مبطلا لحكم الله . وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله ؛ وإنما المشترط له أن يوجب الشرط ما لم يكن واجبا بدونه .

    فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما وعدم الإيجاب ليس نفيا للإيجاب حتى يكون المشترط مناقضا للشرع وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبا ؛ فإن المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الإقباض ما لم يكن واجبا ويباح أيضا لكل منهما ما لم يكن مباحا ويحرم على كل منهما ما لم يكن حراما . وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين . وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع أو رهنا أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها ؛ فإنه يجب ويحرم ويباح بهذا الشرط ما لم يكن كذلك . وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل فساد الشروط قال : لأنها إما أن تبيح حراما أو تحرم حلالا أو توجب ساقطا أو تسقط واجبا وذلك لا يجوز إلا بإذن الشارع . وقد وردت شبهة عند بعض الناس حتى توهم أن هذا الحديث متناقض

    وليس كذلك ؛ بل كل ما كان حراما بدون الشرط : فالشرط لا يبيحه كالربا وكالوطء في ملك الغير وكثبوت الولاء لغير المعتق ؛ فإن الله حرم الوطء إلا بملك نكاح أو ملك يمين فلو أراد رجل أن يعير أمته لآخر للوطء لم يجز له ذلك ؛ بخلاف إعارتها للخدمة فإنه جائز وكذلك الولاء فقد " { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته } " وجعل الله الولاء كالنسب يثبت للمعتق كما يثبت النسب للوالد . وقال صلى الله عليه وسلم { من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا } وأبطل الله ما كانوا عليه في الجاهلية من تبني الرجل ابن غيره أو انتساب المعتق إلى غير مولاه . فهذا أمر لا يجوز فعله بغير شرط فلا يبيح الشرط منه ما كان حراما .

    وأما ما كان مباحا بدون الشرط : فالشرط يوجبه كالزيادة في المهر والثمن والمثمن والرهن وتأخير الاستيفاء . فإن الرجل له أن يعطي المرأة وله أن يتبرع بالرهن وبالإنظار ونحو ذلك فإذا شرطه صار واجبا وإذا وجب فقد حرمت المطالبة التي كانت حلالا بدونه ؛ لأن المطالبة لم تكن حلالا مع عدم الشرط فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين مطلقا فما كان حلالا وحراما مطلقا فالشرط لا يغيره . وأما ما أباحه الله في حال مخصوصة ولم يبحه مطلقا فإذا حوله الشرط عن تلك الحال لم يكن الشرط قد حرم ما أحله الله وكذلك ما حرمه الله في حال مخصوصة ولم يحرمه مطلقا : لم يكن الشرط قد أباح ما حرمه الله وإن كان بدون الشرط يستصحب حكم الإباحة والتحريم ؛ لكن فرق بين ثبوت الإباحة والتحريم بالخطاب وبين ثبوته بمجرد الاستصحاب . فالعقد والشرط يرفع موجب الاستصحاب لكن لا يرفع ما أوجبه كلام الشارع . وآثار الصحابة توافق ذلك كما قال عمر رضي الله عنه مقاطع الحقوق عند الشروط .

    وأما الاعتبار فمن وجوه : (1) أحدها : أن العقود والشروط من باب الأفعال العادية . والأصل فيها عدم التحريم فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم . كما أن الأعيان : الأصل فيها عدم التحريم . وقوله تعالى { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } عام في الأعيان والأفعال ؛ وإذا لم تكن حراما لم تكن فاسدة لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة . وأيضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حله بعينه وسنبين إن شاء الله معنى حديث عائشة وأن انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم . فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوا كالأعيان التي لم تحرم . وغالب ما يستدل به على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله فإنه يستدل أيضا به على عدم تحريم العقود والشروط فيها سواء سمى ذلك حلالا أو عفوا على الاختلاف المعروف بين أصحابنا وغيرهم ؛ فإن ما ذكره الله تعالى في القرآن من ذم الكافر على التحريم بغير شرع : منه ما سببه تحريم الأعيان ومنه ما سببه تحريم الأفعال . كما كانوا يحرمون على المحرم لبس ثيابه والطواف فيها إذا لم يكن أحمسيا ويأمرونه بالتعري إلا أن يعيره أحمسي ثوبه ويحرمون عليه الدخول تحت سقف كما كان الأنصار يحرمون إتيان الرجل امرأته في فرجها إذا كانت مجبية ويحرمون الطواف بالصفا والمروة وكانوا مع ذلك قد ينقضون العهود التي عقدوها بلا شرع . فأمرهم الله سبحانه في سورة النحل وغيرها بالوفاء بها إلا ما اشتمل على محرم .

    فعلم أن العهود يجب الوفاء بها إذا لم تكن محرمة وإن لم يثبت حلها بشرع خاص كالعهود التي عقدوها في الجاهلية وأمروا بالوفاء بها وقد نبهنا على هذه القاعدة فيما تقدم وذكرنا أنه لا يشرع إلا ما شرعه الله ولا يحرم إلا ما حرمه الله . لأن الله ذم المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه الله فإذا حرمنا العقود والشروط التي تجري بين الناس في معاملاتهم العادية بغير دليل شرعي كنا محرمين ما لم يحرمه الله ؛ بخلاف العقود التي تتضمن شرع دين لم يأذن به الله ؛ فإن الله قد حرم أن يشرع من الدين ما لم يأذن به . فلا يشرع عبادة إلا بشرع الله ولا يحرم عادة إلا بتحريم الله والعقود في المعاملات هي من العادات يفعلها المسلم والكافر . وإن كان فيها قربة من وجه آخر . فليست من العبادات التي يفتقر فيها إلى شرع . كالعتق والصدقة .

    فإن قيل : العقود تغير ما كان مشروعا ؛ لأن ملك البضع أو المال إذا كان ثابتا على حال فعقد عقدا أزاله عن تلك الحال : فقد غير ما كان مشروعا ؛ بخلاف الأعيان التي لم تحرم . فإنه لا تغير في إباحتها . فيقال : لا فرق بينهما . وذلك أن الأعيان إما أن تكون ملكا لشخص أو لا تكون . فإن كانت ملكا فانتقالها بالبيع أو غيره لا يغيرها وهو من باب العقود . وإن لم تكن ملكا فملكها بالاستيلاء ونحوه : هو فعل من الأفعال مغير لحكمها بمنزلة العقود . وأيضا فإنها قبل الذكاة محرمة . فالذكاة الواردة عليها بمنزلة العقد الوارد على المال . فكما أن أفعالنا في الأعيان من الأخذ والذكاة : الأصل فيها الحل وإن غير حكم العين . فكذلك أفعالنا في الأملاك بالعقود ونحوها : الأصل فيها الحل . وإن غيرت حكم الملك له . وسبب ذلك : أن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع الثابت بالنكاح نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا لم يثبته ابتداء . كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة . فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم ولم يحرم الشارع علينا رفعه : لم يحرم علينا رفعه فمن اشترى عينا فالشارع أحلها له وحرمها على غيره ؛ لإثباته سبب ذلك وهو الملك الثابت بالبيع . وما لم يحرم الشارع عليه رفع ذلك فله أن يرفع ما أثبته على أي وجه أحب ما لم يحرمه الشارع عليه . كمن أعطى رجلا مالا : فالأصل أن لا يحرم عليه التصرف فيه . وإن كان مزيلا للملك الذي أثبته المعطي ما لم يمنع منه مانع .

    وهذه نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها وهو أن الأحكام الجزئية - من حل هذا المال لزيد وحرمته على عمرو - لم يشرعها الشارع شرعا جزئيا وإنما شرعها شرعا كليا مثل قوله : { وأحل الله البيع وحرم الربا } وقوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } وقوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } . وهذا الحكم الكلي ثابت سواء وجد هذا البيع المعين أو لم يوجد . فإذا وجد بيع معين أثبت ملكا معينا . فهذا المعين سببه فعل العبد . فإذا رفعه العبد فإنما رفع ما أثبته هو بفعله لا ما أثبته الله من الحكم الكلي إذ ما أثبته الله من الحكم الجزئي إنما هو تابع لفعل العبد سببه فقط لا أن الشارع أثبته ابتداء . وإنما توهم بعض الناس أن رفع الحقوق بالعقود والفسوخ مثل نسخ الأحكام ؛ وليس كذلك ؛ فإن الحكم المطلق لا يزيله إلا الذي أثبته وهو الشارع . وأما هذا المعين فإنما ثبت لأن العبد أدخله في المطلق فإدخاله في المطلق إليه فكذلك إخراجه . إذ الشارع لم يحكم عليه في المعين بحكم أبدا مثل أن يقول : هذا الثوب بعه أو لا تبعه أو هبه أو لا تهبه وإنما حكم على المطلق الذي إذا أدخل فيه المعين حكم على المعين . فتدبر هذا وفرق بين تغيير الحكم المعين الخاص الذي أثبته العبد بإدخاله في المطلق وبين تغيير الحكم العام الذي أثبته الشارع عند وجود سببه من العبد . وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع فإنما وجب الوفاء بها لإيجاب الشارع الوفاء بها مطلقا إلا ما خصه الدليل على أن الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل ؛ بل والعقلاء جميعهم . وقد أدخلها في الواجبات العقلية من قال بالوجوب العقلي ففعلها ابتداء لا يحرم إلا بتحريم الشارع والوفاء بها وجب لإيجاب الشارع إذا ولإيجاب العقل أيضا .

    وأيضا فإن الأصل في العقود رضا المتعاقدين . وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد ؛ لأن الله قال في كتابه العزيز : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقال : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه . فدل على أنه سبب له وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب . فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم . وإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق فكذلك سائر التبرعات : قياسا عليه بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن . وكذلك قوله : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } لم يشترط في التجارة إلا التراضي وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة . وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان بتجارة أو طابت نفس المتبرع بتبرع : ثبت حله بدلالة القرآن ؛ إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله كالتجارة في الخمر ونحو ذلك .

    وأيضا فإن العقد له حالان : حال إطلاق وحال تقييد . ففرق بين العقد المطلق وبين المعنى المطلق من العقود . فإذا قيل : هذا شرط ينافي مقتضى العقد فإن أريد به : ينافي العقد المطلق . فكذلك كل شرط زائد . وهذا لا يضره وإن أريد ينافي مقتضى العقد المطلق والمقيد : احتاج إلى دليل على ذلك ؛ وإنما يصح هذا إذا نافى مقصود العقد . فإن العقد إذا كان له مقصود يراد في جميع صوره وشرط فيه ما ينافي ذلك المقصود ، فقد جمع بين المتناقضين بين إثبات المقصود ونفيه فلا يحصل شيء . ومثل هذا الشرط باطل بالاتفاق ؛ بل هو مبطل للعقد عندنا . والشروط الفاسدة قد تبطل لكونها قد تنافي مقصود الشارع مثل اشتراط الولاء لغير المعتق ؛ فإن هذا لا ينافي مقتضى العقد ولا مقصوده فإن مقصوده الملك والعتق قد يكون مقصودا للعقد . فإن اشتراء العبد لعتقه يقصد كثيرا . فثبوت الولاء لا ينافي مقصود العقد وإنما ينافي كتاب الله وشرطه . كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { كتاب الله أحق وشرط الله أوثق } فإذا كان الشرط منافيا لمقصود العقد كان العقد لغوا . وإذا كان منافيا لمقصود الشارع كان مخالفا لله ورسوله . فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما فلم يكن لغوا ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله فلا وجه لتحريمه بل الواجب حله ؛ لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه ؛ فإن الإقدام على الفعل مظنة الحاجة إليه . ولم يثبت تحريمه فيباح ؛ لما في الكتاب والسنة مما يرفع الحرج .

    وأيضا فإن العقود والشروط لا تخلو إما أن يقال : لا تحل ولا تصح إن لم يدل على حلها دليل شرعي خاص من نص أو إجماع أو قياس عند الجمهور . كما ذكرناه من القول الأول أو يقال : لا تحل وتصح حتى يدل على حلها دليل سمعي وإن كان عاما . أو يقال : تصح ولا تحرم إلا أن يحرمها الشارع بدليل خاص أو عام . والقول الأول : باطل ؛ لأن الكتاب والسنة دلا على صحة العقود والقبوض التي وقعت في حال الكفر وأمر الله بالوفاء بها إذا لم يكن فيها بعد الإسلام شيء محرم . فقال سبحانه في آية الربا : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } فأمرهم بترك ما بقي لهم من الربا في الذمم ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد الربا ؛ بل مفهوم الآية - الذي اتفق العمل عليه - يوجب أنه غير منهي عنه ؛ وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عام حجة الوداع الربا الذي في الذمم ولم يأمرهم برد المقبوض . وقال صلى الله عليه وسلم { أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام } " وأقر الناس على أنكحتهم التي عقدوها في الجاهلية ولم يستفصل أحدا : هل عقد به في عدة أو غير عدة ؟ بولي أو بغير ولي ؟ بشهود أو بغير شهود ؟ ولم يأمر أحدا بتجديد نكاح ولا بفراق امرأته إلا أن يكون السبب المحرم موجودا حين الإسلام كما { أمر غيلان بن سلمة الثقفي الذي أسلم وتحته عشر نسوة أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن } وكما { أمر فيروز الديلمي الذي أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما ويفارق الأخرى } . وكما أمر الصحابة من أسلم من المجوس " أن يفارقوا ذوات المحارم " . ولهذا اتفق المسلمون على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم تكن محرمة على المسلمين وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن الشارع . ولو كانت العقود عندهم كالعبادات لا تصح إلا بشرع لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم يكن أهله مستمسكين فيه بشرع . فإن قيل : فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على أنها إذا عقدت على وجه محرم في الإسلام ثم أسلموا بعد زواله : مضت ولم يؤمروا باستئنافها ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله فليس ما عقدوه بغير شرع بدون ما عقدوه مع تحريم الشرع وكلاهما عندكم سواء . قلنا : ليس كذلك ؛ بل ما عقدوه مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا اتصل به القبض وأما إذا أسلموا قبل التقابض فإنه يفسخ ؛ بخلاف ما عقدوه بغير شرع فإنه لا يفسخ ؛ لا قبل القبض ولا بعده ولم أر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم اشترطوا في النكاح القبض بل سووا بين الإسلام قبل الدخول وبعده ؛ لأن نفس عقد النكاح يوجب أحكاما بنفسه وإن لم يحصل به القبض من المصاهرة ونحوها . كما أن نفس الوطء يوجب أحكاما وإن كان بغير نكاح . فلما كان كل واحد من العقد والوطء مقصودا في نفسه - وإن لم يقترن بالآخر - أقرهم الشارع على ذلك ؛ بخلاف الأموال ؛ فإن المقصود بعقودها هو التقابض فإذا لم يحصل التقابض لم يحصل مقصودها فأبطلها الشارع ؛ لعدم حصول المقصود . فتبين بذلك أن مقصود العباد من المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع التحريم ؛ لأنه لا يصححه إلا بتحليل .

    وأيضا فإن المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقودا ولم يكونوا يعلمون لا تحريمها ولا تحليلها . فإن الفقهاء جميعهم - فيما أعلمه - يصححونها إذا لم يعتقدوا تحريمها وإن كان العاقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها لا باجتهاد ولا بتقليد . ولا يقول أحد لا يصح العقد إلا الذي يعتقد أن الشارع أحله . فلو كان إذن الشارع الخاص شرطا في صحة العقود : لم يصح عقد إلا بعد ثبوت إذنه كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد فإنه آثم وإن كان قد صادف الحق . وأما إن قيل : لا بد من دليل شرعي يدل على حلها سواء كان عاما أو خاصا فعنه جوابان : " أحدهما " المنع كما تقدم . " والثاني " أن نقول : قد دلت الأدلة الشرعية العامة على حل العقود والشروط جملة إلا ما استثناه الشارع . وما عارضوا به سنتكلم عليه إن شاء الله . فلم يبق إلا القول الثالث وهو المقصود . وأما قوله صلى الله عليه وسلم { من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق } فالشرط يراد به المصدر تارة والمفعول أخرى . وكذلك الوعد والخلف . ومنه قولهم : درهم ضرب الأمير والمراد به هنا - والله أعلم - المشروط ؛ لا نفس المتكلم . ولهذا قال : { وإن كان مائة شرط } أي : وإن كان مائة مشروط وليس المراد تعديد التكلم بالشرط . وإنما المراد تعديد المشروط . والدليل على ذلك قوله : { كتاب الله أحق وشرط الله أوثق } أي : كتاب الله أحق من هذا الشرط وشرط الله أوثق منه . وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه ؛ بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى . وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله فلم يخالف كتاب الله وشرطه حتى يقال : " { كتاب الله أحق وشرط الله أوثق } فيكون المعنى : من اشترط أمرا ليس في حكم الله أو في كتابه بواسطة أو بغير واسطة : فهو باطل ؛ لأنه لا بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط حتى يصح اشتراطه ويجب بالشرط ولما لم يكن في كتاب الله أن الولاء لغير المعتق أبدا كان هذا المشروط - وهو ثبوت الولاء لغير المعتق - شرطا ليس في كتاب الله . فانظر إلى المشروط إن كان فعلا أو حكما . فإن كان الله قد أباحه : جاز اشتراطه ووجب . وإن كان الله تعالى لم يبحه : لم يجز اشتراطه : فإذا شرط الرجل أن لا يسافر بزوجته . فهذا المشروط في كتاب الله لأن كتاب الله يبيح أن لا يسافر بها . فإذا شرط عدم السفر فقد شرط مشروطا مباحا في كتاب الله . فمضمون الحديث : أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة أو يقال : ليس في كتاب الله : أي : ليس في كتاب الله نفيه ((؟؟ لعله: أي : في كتاب الله نفيه)) كما قال { سيكون أقوام يحدثونكم بما لم تعرفوا أنتم ولا آباؤكم } أي : بما تعرفون خلافه . وإلا فما لا يعرف كثير .

    ثم نقول : لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم العقود والشروط التي لم يبحها الشارع تكون باطلة بمعنى : أنه لا يلزم بها شيء لا إيجاب ولا تحريم فإن هذا خلاف الكتاب والسنة . بل العقود والشروط المحرمة قد يلزم بها أحكام ؛ فإن الله قد حرم عقد الظهار في نفس كتابه وسماه منكرا من القول وزورا ثم إنه أوجب به على من عاد : الكفارة ومن لم يعد : جعل في حقه مقصود التحريم من ترك الوطء وترك العقد . وكذا النذر . فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر كما ثبت ذلك عنه من حديث أبي هريرة وابن عمر وقال : { إنه لا يأتي بخير } ثم أوجب الوفاء به إذا كان طاعة في قوله صلى الله عليه وسلم { من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه . } فالعقد المحرم قد يكون سببا لإيجاب أو تحريم . نعم لا يكون سببا لإباحة كما أنه لما نهى عن بيع الغرر وعن عقد الربا وعن نكاح ذوات المحارم ونحو ذلك : لم يستفد المنهي بفعله لما نهى عنه الاستباحة ؛ لأن المنهي عنه معصية . والأصل في المعاصي : أنها لا تكون سببا لنعمة الله ورحمته . والإباحة من نعمة الله ورحمته وإن كانت قد تكون سببا للإملاء ولفتح أبواب الدنيا ؛ لكن ذلك قدر ليس بشرع ؛ بل قد يكون سببا لعقوبة الله تعالى . والإيجاب والتحريم قد يكون عقوبة كما قال تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } وإن كان قد يكون رحمة أيضا كما جاءت شريعتنا الحنيفية .

    والمخالفون في هذه القاعدة من أهل الظاهر ونحوهم قد يجعلون كل ما لم يؤذن فيه إذن خاص : فهو عقد حرام وكل عقد حرام فوجوده كعدمه وكلا المقدمتين ممنوعة كما تقدم . وقد يجاب عن هذه الحجة بطريقة ثانية - إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن الشروط التي لم يبحها الله وإن كان لا يحرمها باطلة . - فنقول : قد ذكرنا ما في الكتاب والسنة والآثار من الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود والشروط عموما وأن المقصود هو وجوب الوفاء بها . وعلى هذا التقدير فوجوب الوفاء بها يقتضي أن تكون مباحة ؛ فإنه إذا وجب الوفاء بها لم تكن باطلة وإذا لم تكن باطلة كانت مباحة . وذلك لأن قوله : { ليس في كتاب الله } " إنما يشمل ما ليس في كتاب الله لا بعمومه ولا بخصوصه فإن ما دل كتاب الله على إباحته بعمومه فإنه في كتاب الله ؛ لأن قولنا : هذا في كتاب الله يعم ما هو فيه بالخصوص وبالعموم . وعلى هذا معنى قوله تعالى { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } وقوله : { ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء } وقوله : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } على قول من جعل الكتاب هو القرآن . وأما على قول من جعله اللوح المحفوظ : فلا يجيء ههنا . يدل على ذلك : أن الشرط الذي ثبت جوازه بسنة أو إجماع : صحيح بالاتفاق فيجب أن يكون في كتاب الله . وقد لا يكون في كتاب الله بخصوصه لكن في كتاب الله الأمر باتباع السنة واتباع سبيل المؤمنين . فيكون في كتاب الله بهذا الاعتبار . لأن جامع الجامع جامع ودليل الدليل دليل بهذا الاعتبار .

    يبقى أن يقال على هذا الجواب : فإذا كان كتاب الله أوجب الوفاء بالشروط عموما فشرط الولاء داخل في العموم . فيقال : العموم إنما يكون دالا إذا لم ينفه دليل خاص ؛ فإن الخاص يفسر العام . وهذا المشروط قد نفاه النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن بيع الولاء وعن هبته وقوله : { من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } . ودل الكتاب على ذلك بقوله تعالى : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } . فأوجب علينا دعاءه لأبيه الذي ولده دون من تبناه وحرم التبني . ثم أمر عند عدم العلم بالأب بأن يدعي أخا في الدين ومولى كما { قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة : أنت أخونا ومولانا } " . وقال صلى الله عليه وسلم { إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم . فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس . } فجعل سبحانه الولاء نظير النسب وبين سبب الولاء في قوله : { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه } فبين أن سبب الولاء هو الإنعام بالإعتاق كما أن سبب النسب هو الإنعام بالإيلاد . فإذا كان قد حرم الانتقال عن المنعم بالإيلاد . فكذلك يحرم الانتقال عن المنعم بالإعتاق ؛ لأنه في معناه فمن اشترط على المشتري أن يعتق ويكون الولاء لغيره : فهو كمن اشترط على المستنكح أنه إذا أولد كان النسب لغيره . وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { إنما الولاء لمن أعتق } . وإذا كان كتاب الله قد دل على تحريم هذا المشروط بخصوصه وعمومه : لم يدخل في العهود التي أمر الله بالوفاء بها ؛ لأنه سبحانه لا يأمر بما حرمه فهذا هذا – مع أن الذي يغلب على القلب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا المعنى الأول وهو إبطال الشروط التي تنافي كتاب الله . والتحذير : من اشتراط شيء لم يبحه الله . فيكون المشروط قد حرمه ؛ لأن كتاب الله قد أباح عموما لم يحرمه ؛ أو من اشتراط ما ينافي كتاب الله بدليل قوله : { كتاب الله أحق وشرط الله أوثق . }

    فإذا ظهر أن لعدم تحريم العقود والشروط جملة وصحتها أصلان : الأدلة الشرعية العامة والأدلة العقلية التي هي الاستصحاب وانتفاء المحرم . فلا يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع أو المسألة : هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا ؟ . أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي : فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام : أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك ؛ فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغير لهذا الاستصحاب . فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذلك . وأما إذا كان المدرك هو النصوص العامة : فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة : هل هي من المستخرج أو من المستبقي ؟ وهذا أيضا لا خلاف فيه .

    وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه : هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له ؟ فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما . وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر نصوصه : على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم . وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره ؛ فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه . فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه . وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض سواء جعل عدم المعارض جزءا من الدليل فيكون الدليل هو الظاهر المجرد عن القرينة - كما يختاره من لا يقول بتخصيص الدليل ولا العلة من أصحابنا وغيرهم - أو جعل المعارض المانع من الدليل فيكون الدليل هو الظاهر لكن القرينة مانعة لدلالته كما يقوله من يقول بتخصيص الدليل والعلة من أصحابنا وغيرهم وإن كان الخلاف في ذلك إنما يعود إلى اعتبار عقلي أو إطلاق لفظي أو اصطلاح جدلي لا يرجع إلى أمر علمي أو فقهي .

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,167

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    فإذا كان كذلك فالأدلة النافية لتحريم العقود والشروط والمثبتة لحلها : مخصوصة بجميع ما حرمه الله ورسوله من العقود والشروط فلا ينتفع بهذه القاعدة في أنواع المسائل إلا مع العلم بالحجج الخاصة في ذلك النوع فهي بأصول الفقه - التي هي الأدلة العامة - أشبه منها بقواعد الفقه التي هي الأحكام العامة . نعم من غلب على ظنه من الفقهاء انتفاء المعارض في مسألة خلافية أو حادثة انتفع بهذه القاعدة . فنذكر من أنواعها قواعد حكمية مطلقة :

    فمن ذلك : ما ذكرناه من أنه يجوز لكل من أخرج عينا من ملكه بمعاوضة كالبيع والخلع أو تبرع كالوقف والعتق - أن يستثني بعض منافعها فإن كان مما لا يصلح فيه الغرر - كالبيع - فلا بد أن يكون المستثنى معلوما ؛ لما روى البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر قال : { بعته - يعني بعيره - من النبي صلى الله عليه وسلم واشترطت حملانه إلى أهلي } " فإن لم يكن كذلك كالعتق والوقف فله أن يستثني خدمة العبد ما عاش سيده أو عاش فلان ويستثني غلة الوقف ما عاش الواقف .

    ومن ذلك : أن البائع إذا شرط على المشتري أن يعتق العبد : صح ذلك في ظاهر مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ؛ لحديث بريرة وإن كان عنهما قول بخلافه . ثم هل يصير العتق واجبا على المشتري كما يجب العتق بالنذر بحيث يفعله الحاكم إذا امتنع أم يملك البائع الفسخ عند امتناعه من العتق كما يملك الفسخ بفوات الصفة المشروطة في المبيع ؟ على وجهين في مذهبهما . ثم الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يرون هذا خارجا عن القياس ؛ لما فيه من منع المشتري من التصرف في ملكه بغير العتق وذلك مخالف لمقتضى العقد فإن مقتضاه الملك الذي يملك صاحبه التصرف مطلقا . قالوا : وإنما جوزته السنة ؛ لأن الشارع له إلى العتق تشوف لا يوجد في غيره ؛ ولذلك أوجب فيه السراية مع ما فيه من إخراج ملك الشريك بغير اختياره وإذا كان مبناه على التغليب والسراية والنفوذ في ملك الغير لم يلحق به غيره فلا يجوز اشتراط غيره . وأصول أحمد ونصوصه تقتضي جواز شرط كل تصرف فيه مقصود صحيح وإن كان فيه منع من غيره . قال ابن القاسم قيل لأحمد : الرجل يبيع الجارية على أن يعتقها ؟ فأجازه . فقيل له : فإن هؤلاء - يعني أصحاب أبي حنيفة - يقولون : لا يجوز البيع على هذا الشرط . قال : لم لا يجوز ؟ قد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم بعير جابر واشترط ظهره إلى المدينة واشترت عائشة بريرة على أن تعتقها فلم لا يجوز هذا ؟ قال : وإنما هذا شرط واحد . والنهي إنما هو عن شرطين . قيل له : فإن شرط شرطين أيجوز ؟ قال : لا يجوز . فقد نازع من منع منه واستدل على جوازه باشتراط النبي صلى الله عليه وسلم ظهر البعير لجابر وبحديث بريرة وبأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن شرطين في بيع مع أن حديث جابر فيه استثناء بعض منفعة المبيع . وهو نقص لموجب العقد المطلق واشتراط العتق فيه تصرف مقصود مستلزم لنقص موجب العقد المطلق . فعلم أنه لا يفرق بين أن يكون النقص في التصرف أو في المملوك واستدلاله بحديث الشرطين دليل على جواز هذا الجنس كله ولو كان العتق على خلاف القياس لما قاسه على غيره ولا استدل عليه بما يشمله وغيره . وكذلك قال أحمد بن الحسين بن حسان : سألت أبا عبد الله عمن اشترى مملوكا واشترط : هو حر بعد موتي ؟ قال : هذا مدبر فجوز اشتراط التدبير بالعتق . ولأصحاب الشافعي في شرط التدبير خلاف . صحح الرافعي أنه لا يصح . وكذلك جوز اشتراط التسري : فقال أبو طالب : سألت أحمد عن رجل اشترى جارية بشرط أن يتسرى بها تكون نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة ؟ قال لا بأس به . فلما كان التسري لبائع الجارية فيه مقصود صحيح جوزه . وكذلك جوز أن يشترط بائع الجارية ونحوها على المشتري أنه لا يبيعها لغير البائع وأن البائع يأخذها إذا أراد المشتري بيعها بالثمن الأول كما رووه عن عمر وابن مسعود وامرأته زينب .

    وجماع ذلك : أن المبيع الذي يدخل في مطلق العقد بأجزائه ومنافعه يملكان اشتراط الزيادة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع } فجوز للمشتري اشتراط زيادة على موجب العقد المطلق وهو جائز بالإجماع . ويملكان اشتراط النقص منه بالاستثناء كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم " { عن الثنيا إلا أن تعلم } " فدل على جوازها إذا علمت . وكما استثنى جابر ظهر بعيره إلى المدينة . وقد أجمع المسلمون فيما أعلمه على جواز استثناء الجزء الشائع . مثل أن يبيعه الدار إلا ربعها أو ثلثها واستثناء الجزء المعين إذا أمكن فصله بغير ضرر . مثل أن يبيعه ثمر البستان إلا نخلات بعينها أو الثياب أو العبيد أو الماشية التي قد رأياها إلا شيئا منها قد عيناه . واختلفوا في استثناء بعض المنفعة كسكنى الدار شهرا أو استخدام العبد شهرا أو ركوب الدابة مدة معينة أو إلى بلد بعينه مع اتفاق الفقهاء المشهورين وأتباعهم وجمهور الصحابة : على أن ذلك قد ينفع كما إذا اشترى أمة مزوجة ، فإن منفعة بضعها التي يملكها الزوج لم تدخل في العقد كما اشترت عائشة بريرة وكانت مزوجة . لكن هي اشترتها بشرط العتق فلم تملك التصرف فيها إلا بالعتق والعتق لا ينافي نكاحها . فلذلك كان ابن عباس رضي الله عنهما - وهو ممن روى حديث بريرة - يرى أن بيع الأمة طلاقها مع طائفة من الصحابة ؛ تأويلا لقوله تعالى { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قالوا : فإذا ابتاعها أو اتهبها أو ورثها فقد ملكتها يمينه . فتباح له ولا يكون ذلك إلا بزوال ملك الزوج . واحتج بعض الفقهاء على ذلك : بحديث بريرة فلم يرض أحمد هذه الحجة ؛ لأن ابن عباس رواه وخالفه . وذلك - والله أعلم - لما ذكرته من أن عائشة لم تملك بريرة ملكا مطلقا . ثم الفقهاء قاطبة وجمهور الصحابة على أن الأمة المزوجة إذا انتقل الملك فيها - ببيع أو هبة أو إرث أو نحو ذلك وكان مالكها معصوم الملك - لم يزل عنها ملك الزوج وملكها المشتري ونحوه : إلا منفعة البضع . ومن حجتهم : أن البائع نفسه لو أراد أن يزيل ملك الزوج لم يمكنه ذلك فالمشتري الذي هو دون البائع لا يكون أقوى منه ولا يكون الملك الثابت للمشتري أتم من ملك البائع والزوج معصوم لا يجوز الاستيلاء على حقه ؛ بخلاف المسبية فإن فيها خلافا ليس هذا موضعه ؛ لكون أهل الحرب تباح دماؤهم وأموالهم . وكذلك ما ملكوه من الأبضاع . وكذلك فقهاء الحديث وأهل الحجاز متفقون على أنه إذا باع شجرا قد بدا ثمره - كالنخل المؤبر - فثمره للبائع مستحق الإبقاء إلى كمال صلاحه فيكون البائع قد استثنى منفعة الشجر إلى كمال الصلاح . وكذلك بيع العين المؤجرة - كالدار والعبد - عامتهم يجوزه ويملكه المشتري دون المنفعة التي للمستأجر .

    وكذلك فقهاء الحديث كأحمد وغيره يجوزون استثناء بعض منفعة العقد كما في صور الوفاق . كاستثناء بعض أجزائه معينا ومشاعا وكذلك يجوز استثناء بعض أجزائه معينا إذا كانت العادة جارية بفصله كبيع الشاة واستثناء بعضها : سواقطها من الرأس والجلد والأكارع . وكذلك الإجارة ؛ فإن العقد المطلق يقتضي نوعا من الانتفاع في الإجارات المقدرة بالزمان كما لو استأجر أرضا للزرع أو حانوتا للتجارة فيه أو صناعة أو أجيرا لخياطة أو بناء ونحو ذلك . فإنه لو زاد على موجب العقد المطلق ؛ أو نقص منه : فإنه يجوز بغير خلاف أعلمه في النكاح فإن العقد المطلق يقتضي ملك الاستمتاع المطلق الذي يقتضيه العرف حيث شاء ومتى شاء فينقلها إلى حيث شاء إذا لم يكن فيه ضرر إلا ما استثني من الاستمتاع المحرم أو كان فيه ضرر فإن العرف لا يقتضيه ويقتضي ملكا للمهر الذي هو مهر المثل وملكها للاستمتاع في الجملة فإنه لو كان مجبوبا أو عنينا ثبت لها الفسخ عند السلف والفقهاء المشاهير ولو آلى منها ثبت لها فراقه إذا لم يفئ بالكتاب والإجماع وإن كان من الفقهاء من لا يوجب عليه الوطء وقسم الابتداء ؛ بل يكتفي بالباعث الطبيعي كمذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد ؛ فإن الصحيح من وجوه كثيرة : أنه يجب عليه الوطء كما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والاعتبار . وقيل : يتقدر الوطء الواجب بمرة في كل أربعة أشهر اعتبارا بالإيلاء . ويجب أن يطأها بالمعروف . كما ينفق عليها بالمعروف ؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره . والصحيح الذي يدل عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف : أن ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر ؛ بل المرجع في ذلك إلى العرف كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } والسنة في مثل قوله صلى الله عليه وسلم لهند { : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف } وإذا تنازع الزوجان فيه فرض الحاكم ذلك باجتهاده . كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج بمرات معدودة ومن قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق فهو كتقدير الشافعي النفقة ؛ إذ كلاهما تحتاجه المرأة ويوجبه العقد . وتقدير ذلك ضعيف عند عامة الفقهاء بعيد عن معاني الكتاب والسنة والاعتبار .

    والشافعي إنما قدره طردا للقاعدة التي ذكرناها عنه من نفيه للجهالة في جميع العقود قياسا على المنع من بيع الغرر فجعل النفقة المستحقة بعقد النكاح مقدرة : طردا لذلك . وقد تقدم التنبيه على هذا الأصل . وكذلك يوجب العقد المطلق : سلامة الزوج من الجب والعنة عند عامة الفقهاء . وكذلك يوجب عند الجمهور : سلامتها من موانع الوطء كالرتق وسلامتها من الجنون والجذام والبرص . وكذلك سلامتهما من العيوب التي تمنع كماله كخروج النجاسات منه أو منها ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره ؛ دون الجمال ونحو ذلك . وموجبه : كفاءة الرجل أيضا دون ما زاد على ذلك . ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة كالمال والجمال والبكارة ونحو ذلك : صح ذلك وملك المشترط الفسخ عند فواته في أصح الروايتين عن أحمد وأصح وجهي الشافعي وظاهر مذهب مالك . والرواية الأخرى : لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية والدين . وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان سواء كان المشترط هو المرأة في الرجل أو الرجل في المرأة . بل اشتراط المرأة في الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم . وما ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ذلك : لا أصل له . وكذلك لو اشترط نقص الصفة المستحقة بمطلق العقد مثل أن يشترط الزوج أنه مجبوب أو عنين أو المرأة أنها رتقاء أو مجنونة صح هذا الشرط باتفاق الفقهاء فقد اتفقوا على صحة الشرط الناقص عن موجب العقد واختلفوا في شرط الزيادة عليه في هذا الموضع كما ذكرته لك . فإن مذهب أبي حنيفة : أنه لا يثبت للرجل خيار عيب ولا شرط في النكاح . وأما المهر : فإنه لو زاد على مهر المثل أو نقص عنه جاز بالاتفاق . وكذلك يجوز أكثر السلف - أو كثير منهم - وفقهاء الحديث ومالك - في إحدى الروايتين - أن ينقص ملك الزوج فتشترط عليه أن لا ينقلها من بلدها أو من دارها وأن يزيدها على ما تملكه بالمطلق فيؤخذ عليه نفسه أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى وعند طائفة من السلف وأبي حنيفة والشافعي ومالك في الرواية الأخرى : لا يصح هذا الشرط ؛ لكنه له عند أبي حنيفة والشافعي أثر في تسمية المهر .

    والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث : أن اشتراط الزيادة على مطلق العقد واشتراط النقص : جائز ؛ ما لم يمنع منه الشرع . فإذا كانت الزيادة في العين أو المنفعة المعقود عليها والنقص من ذلك على ما ذكرت فالزيادة في الملك المستحق بالعقد والنقص منه كذلك . فإذا شرط على المشتري أن يعتق العبد أو يقف العين على البائع أو غيره أو أن يقضي بالعين دينا عليه لمعين أو غير معين أو أن يصل به رحمه أو نحو ذلك : فهو اشتراط تصرف مقصود . ومثله التبرع المفروض والتطوع . وأما التفريق بين العتق وغيره بما في العتق من الفضل الذي يتشوفه الشارع : فضعيف . فإن بعض أنواع التبرعات أفضل منه . فإن صلة ذي الرحم المحتاج أفضل من العتق كما نص عليه أحمد ؛ فإن { ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أعتقت جارية لها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو تركتيها لأخوالك لكان خيرا لك } ولهذا لو كان للميت أقارب لا يرثون كانت الوصية لهم أولى من الوصية بالعتق . وما أعلم في هذا خلافا . وإنما أعلم الاختلاف في وجوب الوصية لهم . فإن فيه عن أحمد روايتين : إحداهما : تجب . كقول طائفة من السلف والخلف ؛ والثانية : لا تجب كقول الفقهاء الثلاثة وغيرهم . ولو وصى لغيرهم دونهم : فهل ترد تلك الوصية على أقاربه دون الموصى له أو يعطي ثلثها للموصى له وثلثاها لأقاربه كما تقسم التركة بين الورثة والموصى له ؟ على روايتين عن أحمد . وإن كان المشهور عند أكثر أصحابه : هو القول بنفوذ الوصية . فإذا كان بعض التبرعات أفضل من العتق لم يصح تعليله باختصاصه بمزيد الفضيلة .

    وأيضا فقد يكون المشروط على المشتري أفضل كما لو كان عليه دين لله من زكاة أو كفارة أو نذر أو دين لآدمي فاشترط عليه وفاء دينه من ذلك المبيع أو اشترط المشتري على البائع وفاء الدين الذي عليه من الثمن ونحو ذلك فهذا أوكد من اشتراط العتق . وأما السراية فإنما كانت لتكميل الحرية . وقد شرع مثل ذلك في الأموال وهو حق الشفعة . فإنها شرعت لتكميل الملك للشفيع لما في الشركة من الضرر ، ونحن نقول : شرع ذلك في جميع المشاركات فيمكن الشريك من المقاسمة . فإن أمكن قسمة العين وإلا قسمنا ثمنها إذا طلب أحدهما ذلك . فتكميل العتق نوع من ذلك ؛ إذ الشركة تزول بالقسمة تارة وبالتكميل أخرى .

    وأصل ذلك : أن الملك هو القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة بمنزلة القدرة الحسية فيمكن أن تثبت القدرة على تصرف دون تصرف شرعا كما يثبت ذلك حسا ؛ ولهذا جاء الملك في الشرع أنواعا - كما أن القدرة تتنوع أنواعا - فالملك التام يملك فيه التصرف في الرقبة بالبيع والهبة ويورث عنه . ويملك التصرف في منافعه بالإعارة والإجارة والانتفاع وغير ذلك ثم قد يملك الأمة المجوسية أو المحرمات عليه بالرضاع فلا يملك منهن الاستمتاع ويملك المعاوضة عليه بالتزويج بأن يزوج المجوسية المجوسي مثلا وقد يملك أم الولد ولا يملك بيعها ولا هبتها ولا تورث عنه عند جماهير المسلمين . ويملك وطأها واستخدامها باتفاقهم . وكذلك يملك المعاوضة على ذلك بالتزويج والإجارة عند أكثرهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد . ويملك المرهون ويجب عليه مئونته ولا يملك فيه من التصرف ما يزيل حق المرتهن لا ببيع ولا هبة . وفي العتق خلاف مشهور . والعبد المنذور عتقه والهدي والمال الذي قد نذر الصدقة بعينه ونحو ذلك مما استحق صرفه إلى القربة : قد اختلف فيه الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : هل يزول ملكه عنه بذلك أم لا ؟ وكلا القولين خارج عن قياس الملك المطلق . فمن قال : لم يزل ملكه عنه - كما قد يقوله أكثر أصحابنا - فهو ملك لا يملك صرفه إلا إلى الجهة المعينة بالإعتاق أو النسك أو الصدقة . وهو نظير العبد المشترى بشرط العتق أو الصدقة أو الصلة أو الفدية المشتراة بشرط الإهداء إلى الحرم . ومن قال : زال ملكه عنه ؛ فإنه يقول : هو الذي يملك عتقه وإهداءه والصدقة به . وهو أيضا خلاف قياس زوال الملك في غير هذا الموضع . وكذلك اختلاف الفقهاء في الوقف على معين : هل يصير الموقوف ملكا لله أو ينتقل إلى الموقوف عليه أو يكون باقيا على ملك الواقف ؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره . وعلى كل تقدير : فالملك الموصوف نوع مخالف لغيره من الملك في البيع والهبة . وكذلك ملك الموهوب له حيث يجوز للواهب الرجوع كالأب إذا وهب لابنه عند فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد : نوع مخالف لغيره حيث سلط غير المالك على انتزاعه منه وفسخ عقده .

    ونظيره : سائر الأملاك في عقد يجوز لأحد المتعاقدين فسخه كالمبيع بشرط عند من يقول : انتقل إلى المشتري كالشافعي وأحمد في أحد قوليهما وكالمبيع إذا أفلس المشتري بالثمن عند فقهاء الحديث وأهل الحجاز ، وكالمبيع الذي ظهر فيه عيب أو فوات صفة عند جميع المسلمين . فههنا في المعاوضة والتبرع يملك العاقد انتزاعه وملك الأب لا يملك انتزاعه وجنس الملك يجمعهما . وكذلك ملك الابن في مذهب أحمد وغيره . من فقهاء الحديث الذين اتبعوا فيه معنى الكتاب وصريح السنة . وطوائف من السلف يقولون : هو مباح للأب مملوك للابن ؛ بحيث يكون للأب كالمباحات التي تملك بالاستيلاء وملك الابن ثابت عليه بحيث يتصرف فيه تصرفا مطلقا . فإذا كان الملك يتنوع أنواعا وفيه من الإطلاق والتقييد ما وصفته وما لم أصفه : لم يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضا إلى الإنسان يثبت منه ما رأى فيه مصلحة له ويمتنع من إثبات ما لا مصلحة له فيه . والشارع لا يحظر على الإنسان إلا ما فيه فساد راجع أو محض . فإذا لم يكن فيه فساد أو كان فساده مغمورا بالمصلحة لم يحظره أبدا .

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,167

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    فصل جامع في تعارض الحسنات ؛ أو السيئات ؛ أو هما جميعا . إذا اجتمعا ولم يمكن التفريق بينهما ؛ بل الممكن إما فعلهما جميعا وإما تركهما جميعا . وقد كتبت ما يشبه هذا في " قاعدة الإمارة والخلافة " وفي أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما فنقول : قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة ؛ وإن كان الواجب مستحبا وزيادة . ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة والدين هو طاعته وطاعة رسوله وهو الدين والتقوى ؛ والبر والعمل الصالح ؛ والشرعة والمنهاج وإن كان بين هذه الأسماء فروق . وكذلك حمد أفعالا هي الحسنات ووعد عليها وذم أفعالا هي السيئات وأوعد عليها وقيد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة ؛ فقال تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } وقال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } وقال تعالى : { ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } وكل من الآيتين وإن كانت عامة فسبب الأولى المحاسبة على ما في النفوس وهو من جنس أعمال القلوب وسبب الثانية الإعطاء الواجب . وقال : { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } وقال : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وقال : { يريد الله أن يخفف عنكم } وقال : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } وقال : { ما وجعل عليكم في الدين من حرج } وقال : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } الآية وقال : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } وقال : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } وقال : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله } . وقد ذكر في الصيام والإحرام والطهارة والصلاة والجهاد من هذا أنواعا . وقال في المنهيات : { وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } وقال : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } { ولو شاء الله لأعنتكم } وقال تعالى : { يسألونك عن الشهر الحرام } الآية . وقال في المتعارض : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } وقال : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وقال : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } وقال : { والفتنة أكبر من القتل } وقال : { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } إلى قوله : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } وقال : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } إلى قوله : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي } . ونقول : إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة : كان في تركها مضار والسيئات فيها مضار وفي المكروه بعض حسنات . فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما ؛ فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما ؛ فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما . وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما ؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة ؛ وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة ؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة . فالأول كالواجب والمستحب ؛ وكفرض العين وفرض الكفاية ؛ مثل تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع . والثاني كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين ؛ وتقديم نفقة الوالدين عليه كما في الحديث الصحيح : { أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة على مواقيتها قلت : ثم أي ؟ قال : ثم بر الوالدين قلت . ثم أي ؟ قال : ثم الجهاد في سبيل الله } وتقديم الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين ومستحب على مستحب وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان وتقديم الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب وإلا فقد يترجح الذكر بالفهم والوجل على القراءة التي لا تجاوز الحناجر وهذا باب واسع . والثالث كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها بدار الحرب كما فعلت أم كلثوم التي أنزل الله فيها آية الامتحان { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات } وكتقديم قتل النفس على الكفر كما قال تعالى : { والفتنة أكبر من القتل } فتقتل النفوس التي تحصل بها الفتنة عن الإيمان لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس وكتقديم قطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب على مضرة السرقة والزنا والشرب وكذلك سائر العقوبات المأمور بها فإنما أمر بها مع أنها في الأصل سيئة وفيها ضرر ؛ لدفع ما هو أعظم ضررا منها ؛ وهي جرائمها ؛ إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير وكذلك في " باب الجهاد " وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراما فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل : الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل جاز ذلك كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق وفي أهل الدار من المشركين يبيتون وهو دفع لفساد الفتنة أيضا بقتل من لا يجوز قصد قتله . وكذلك " مسألة التترس " التي ذكرها الفقهاء ؛ فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها ؛ ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي [ إلى ] قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك ؛ وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان . ومن يسوغ ذلك يقول : قتلهم لأجل مصلحة الجلاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء ومثل ذلك إقامة الحد على المباذل ؛ وقتال البغاة وغير ذلك ومن ذلك إباحة نكاح الأمة خشية العنت . وهذا باب واسع أيضا . وأما الرابع : فمثل أكل الميتة عند المخمصة ؛ فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة وعكسه الدواء الخبيث ؛ فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج لقيام غيره مقامه ؛ ولأن البرء لا يتيقن به وكذلك شرب الخمر للدواء . فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها والحسنة تترك في موضعين إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها ؛ أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة . هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية . وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا ؛ وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا ؛ كسقوط الصيام لأجل السفر ؛ وسقوط محظورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرض فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه الشرائع ؛ بخلاف الباب الأول ؛ فإن جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت في أعيانه بل ذلك ثابت في العقل كما يقال : ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين وينشد : إن اللبيب إذا بدا من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا وهذا ثابت في سائر الأمور ؛ فإن الطبيب مثلا يحتاج إلى تقوية القوة ودفع المرض ؛ والفساد أداة تزيدهما معا ؛ فإنه يرجح عند وفور القوة تركه إضعافا للمرض وعند ضعف القوة فعله لأن منفعة إبقاء القوة والمرض أولى من إذهابهما جميعا ؛ فإن ذهاب القوة مستلزم للهلاك ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم لكن عدمه أشد ضررا عليهم ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان كما قال بعض العقلاء ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان . ثم السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق مع التمكن لكن أقول هنا ؛ إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعه كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك إذا كان لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصدا وقدرة : جازت له الولاية وربما وجبت وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها من جهاد العدو وقسم الفيء وإقامة الحدود وأمن السبيل : كان فعلها واجبا فإذا كان ذلك مستلزما لتولية بعض من لا يستحق وأخذ بعض ما لا يحل وإعطاء بعض من لا ينبغي ؛ ولا يمكنه ترك ذلك : صار هذا من باب ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به فيكون واجبا أو مستحبا إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم ؛ ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها . ودفع أكثره باحتمال أيسره : كان ذلك حسنا مع هذه النية وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدا . وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد فمن طلب منه ظالم قادر وألزمه مالا فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم وأخذ منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم ودفعه ذلك لو أمكن : كان محسنا ولو توسط إعانة للظالم كان مسيئا . وإنما الغالب في هذه الأشياء فساد النية والعمل أما النية فبقصده . السلطان والمال وأما العمل فبفعل المحرمات وبترك الواجبات لا لأجل التعارض ولا لقصد الأنفع والأصلح . ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب . أو أحب فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة واستحبابا أخرى . ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض وكان هو وقومه كفارا كما قال تعالى : { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به } الآية وقال تعالى عنه : { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } الآية ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له لكن فعل الممكن من العدل والإحسان ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك وهذا كله داخل في قوله : { فاتقوا الله ما استطعتم } . فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجبا ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة . وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة وإن سمي ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر . ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة ؛ أو لدفع ما هو أحرم وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها : إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء . هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك } . وهذا باب التعارض باب واسع جدا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة فإن هذه المسائل تكثر فيها وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم العمل بالحسنات وترك السيئات ؛ لكون الأهواء قارنت الآراء ولهذا جاء في الحديث : { إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات } . فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل وقد يكون الواجب في بعضها - كما بينته فيما تقدم - : العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء ؛ لا التحليل والإسقاط . مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلا لمعصية أكبر منها فيترك الأمر بها دفعا لوقوع تلك المعصية مثل أن ترفع مذنبا إلى ذي سلطان ظالم فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضررا من ذنبه ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر . فالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يبيح وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح وعند التعارض يرجح الراجح - كما تقدم - بحسب الإمكان فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن : إما لجهله وإما لظلمه ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه كما قيل : إن من المسائل مسائل جوابها السكوت كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر . فالعالم في البيان والبلاغ كذلك ؛ قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما إلى بيانها . يبين حقيقة الحال في هذا أن الله يقول : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين : بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله والقدرة على العمل به . فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه : كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالجنون مثلا وهذه أوقات الفترات فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأت الشريعة جملة كما يقال : إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع . فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبالغ إلا ما أمكن علمه والعمل به كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها . وكذلك التائب من الذنوب ؛ والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط . فتدبر هذا الأصل فإنه نافع . ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبا في الأصل والله أعلم . ومما يدخل في هذه الأمور الاجتهادية علما وعملا أن ما قاله العالم أو الأمير أو فعله باجتهاد أو تقليد فإذا لم ير العالم الآخر والأمير الآخر مثل رأي الأول فإنه لا يأمر به أو لا يأمر إلا بما يراه مصلحة ولا ينهى عنه إذ ليس له أن ينهى غيره عن اتباع اجتهاده ولا أن يوجب عليه اتباعه فهذه الأمور في حقه من الأعمال المعفوة لا يأمر بها ولا ينهى عنها بل هي بين الإباحة والعفو . وهذا باب واسع جدا فتدبره .

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,167

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    قال رحمه الله : فَصْل قَدْ كَتَبْت فِيمَا قَبْلَ هَذَا مُسَمَّى الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى : مَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّارِعُ أَوْ عُرِفَ بِخَبَرِهِ وَإِلَى مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ . وَاَلَّذِي أَخْبَرَ بِهِ يَنْقَسِمُ : إلَى مَا دَلَّ عَلَى عِلْمِهِ بِالْعَقْلِ ؛ وَإِلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ . وَاَلَّذِي أَمَرَ بِهِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَفَادًا بِالْعَقْلِ ؛ أَوْ مُسْتَفَادًا بِالشَّرْعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ . أَوْ لَازِمًا لِلْمَقْصُودِ . وَكَذَلِكَ اسْمُ الشَّرِيعَةِ وَالشَّرْعِ وَالشِّرْعَةِ فَإِنَّهُ يَنْتَظِمُ كُلَّ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ وَقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الآجري " كِتَابَ الشَّرِيعَةِ " وَصَنَّفَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ " كِتَابَ الْإِبَانَةِ عَنْ شَرِيعَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ " وَغَيْرَ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا مَقْصُودُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي السُّنَّةِ بِاسْمِ الشَّرِيعَةِ : الْعَقَائِدُ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ الْإِيمَانِ مِثْلَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَأَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ وَيُؤْمِنُونَ بِالشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ عُقُودِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَسَمَّوْا أُصُولَ اعْتِقَادِهِمْ شَرِيعَتَهُمْ وَفَرَّقُوا بَيْنَ شَرِيعَتِهِمْ وَشَرِيعَةِ غَيْرِهِمْ . وَهَذِهِ الْعَقَائِدُ الَّتِي يُسَمِّيهَا هَؤُلَاءِ الشَّرِيعَةَ هِيَ الَّتِي يُسَمِّي غَيْرُهُمْ عَامَّتَهَا " الْعَقْلِيَّاتِ " و " عِلْمَ الْكَلَامِ " أَوْ يُسَمِّيهَا الْجَمِيعُ " أُصُولَ الدِّينِ " وَيُسَمِّيهَا بَعْضُهُمْ " الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ " وَهَذَا نَظِيرُ تَسْمِيَةِ سَائِرِ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الْبَابِ " كِتَابَ السُّنَّةِ " كَالسُّنَّةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد وَالْخَلَّالِ والطبراني وَالسُّنَّةِ للجعفي وَلِلْأَثْرَمِ وَلِخَلْقِ كَثِيرٍ صَنَّفُوا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَسَمَّوْا ذَلِكَ كُتُبَ السُّنَّةِ لِيُمَيِّزُوا بَيْنَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَقِيدَةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ . فَالسُّنَّةُ كَالشَّرِيعَةِ هِيَ : مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ وَمَا شَرَعَهُ فَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا سَنَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا سَنَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ كِلَاهُمَا . فَلَفْظُ السُّنَّةِ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ كَلَفْظِ الشِّرْعَةِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ : { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } سُنَّةً وَسَبِيلًا . فَفَسَّرُوا الشِّرْعَةَ بِالسُّنَّةِ وَالْمِنْهَاجَ بِالسَّبِيلِ . وَاسْمُ " السُّنَّةِ " و " الشِّرْعَةِ " قَدْ يَكُونُ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَقْوَالِ ؛ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْأَفْعَالِ . فَالْأُولَى فِي طَرِيقَةِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَالثَّانِيَةُ فِي طَرِيقَةِ الْحَالِ وَالسَّمَاعِ وَقَدْ تَكُونُ فِي طَرِيقَةِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالسِّيَاسَاتِ السُّلْطَانِيَّ ةِ . فَالْمُتَكَلِّم َةُ جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرْعِيَّاتِ الْعَقْلِيَّاتِ أَوْ الْكَلَامِيَّات ِ وَالْمُتَصَوِّف َةُ جَعَلُوا بِإِزَائِهَا الذَّوْقِيَّاتِ وَالْحَقَائِقَ وَالْمُتَفَلْسِ فَة جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرِيعَةِ الْفَلْسَفَةَ وَالْمُلُوكُ جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرِيعَةِ السِّيَاسَةَ . وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ وَالْعَامَّةُ فَيُخَرِّجُونَ عَمَّا هُوَ عِنْدَهُمْ الشَّرِيعَةَ إلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ يَجْعَلُونَ بِإِزَائِهَا الْعَادَةَ أَوْ الْمَذْهَبَ أَوْ الرَّأْيَ . وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَامِعَةٌ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَا خَالَفَ الشَّرِيعَةَ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ وَمَا وَافَقَهَا مِنْهَا فَهُوَ حَقٌّ ؛ لَكِنْ قَدْ يُغَيَّرُ أَيْضًا لَفْظُ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ فَالْمُلُوكُ وَالْعَامَّةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّرْعَ وَالشَّرِيعَةَ اسْمٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَضَاءَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَإِلَّا فَالشَّرِيعَةُ جَامِعَةٌ لِكُلِّ وِلَايَةٍ وَعَمَلٍ فِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالشَّرِيعَةُ إنَّمَا هِيَ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ . وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالسِّيَاسَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَالْوِلَايَاتِ وَالْعَطِيَّاتِ . ثُمَّ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ : شَرْعٌ مُنَزَّلٌ وَهُوَ : مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . وَشَرْعٌ مُتَأَوَّلٌ وَهُوَ : مَا سَاغَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ . وَشَرْعٌ مُبَدَّلٌ وَهُوَ : مَا كَانَ مِنْ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُبْطِلُونَ بِظَاهِرٍ مِنْ الشَّرْعِ ؛ أَوْ الْبِدَعِ ؛ أَوْ الضَّلَالِ الَّذِي يُضِيفُهُ الضَّالُّونَ إلَى الشَّرْعِ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . وَبِمَا ذَكَرْته فِي مُسَمَّى الشَّرِيعَةِ وَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الشَّرِيعَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِ بَلْ كُلُّ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَهُوَ فِي الشَّرْعِ مِنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَسِيَاسَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هِيَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنَّا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } وَقَدْ أَوْجَبَ طَاعَتَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ فِي آيٍ كَثِيرٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَحَرَّمَ مَعْصِيَتَهُ وَمَعْصِيَةَ رَسُولِهِ وَوَعَدَ بِرِضْوَانِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ عَلَى طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَأَوْعَدَ بِضِدِّ ذَلِكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَمَعْصِيَةِ رَسُولِهِ فَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ عَالِمٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ عَابِدٍ أَوْ مُعَامِلٍ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا هُوَ قَائِمٌ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ عِبَادَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَحَقِيقَةُ الشَّرِيعَةِ : اتِّبَاعُ الرُّسُلِ وَالدُّخُولُ تَحْتَ طَاعَتِهِمْ كَمَا أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا خُرُوجٌ عَنْ طَاعَةِ الرُّسُلِ وَطَاعَةُ الرُّسُلِ هِيَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ فَقَالَ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } وَالطَّاعَةُ لَهُ دِينٌ لَهُ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ . وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَا اللَّهَ وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي } وَالْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ لَهُمْ مَوَاضِعُ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِيهَا وَعَلَيْهِمْ هُمْ أَيْضًا أَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فِيمَا يَأْمُرُونَ . فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الرُّعَاةِ وَالرَّعِيَّةِ وَالرُّءُوسِ وَالْمَرْءُوسِي نَ أَنْ يُطِيعَ كُلٌّ مِنْهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي حَالِهِ وَيَلْتَزِمُ شَرِيعَةَ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُ . وَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَفْصِيلُهَا يَطُولُ غَلِطَ فِيهَا صِنْفَانِ مِنْ النَّاسِ . صِنْفٌ سَوَّغُوا لِنُفُوسِهِمْ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ لِظَنِّهِمْ قُصُورَ الشَّرِيعَةِ عَنْ تَمَامِ مَصَالِحِهِمْ جَهْلًا مِنْهُمْ ؛ أَوْ جَهْلًا وَهَوًى ؛ أَوْ هَوًى مَحْضًا . وَصِنْفٌ قَصَّرُوا فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الشَّرِيعَةِ فَضَيَّقُوهَا حَتَّى تَوَهَّمُوا هُمْ وَالنَّاسُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا وَأَصْلُ ذَلِكَ الْجَهْلِ بِمُسَمَّى الشَّرِيعَةِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا وَسِعَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعَامَّةِ مَنْ يَرَى أَنَّ اسْمَ الشَّرِيعَةِ وَالشَّرْعِ لَا يُقَالُ إلَّا لِلْأَعْمَالِ الَّتِي يُسَمَّى عِلْمُهَا عِلْمَ الْفِقْهِ وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ أَوْ الْحَقَائِقِ وَالشَّرَائِعِ فَهَذَا الِاصْطِلَاحُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ } فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ . وَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ يُرَادُ بِهَا مَا أَخْبَرَ بِهَا الشَّارِعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ صِفَاتٌ لِلْفِعْلِ ؛ وَأَنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَهَا وَكَشَفَهَا . وَمِنْهَا مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ ضَرُورَةً أَوْ نَظَرًا ؛ وَمِنْهَا مَا يُعْلَمُ بِهِمَا وَيُسَمَّى الْجَمِيعُ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً أَوْ تَخُصُّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ بِمَا لَمْ يُسْتَفَدْ إلَّا مِنْ الشَّارِعِ وَهَذَا اصْطِلَاحُ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِي نَ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ . وَقَدْ يُرَادُ بِهَا مَا أَثْبَتَهَا الشَّارِعُ وَأَتَى بِهَا وَلَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً بِدُونِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ حَكَمَ لَهُ فِي نَفْسِهَا وَإِنَّمَا الْحُكْمُ مَا أَتَى بِهِ الشَّارِعُ وَهَذَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّة ِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ . ثُمَّ قَدْ يُقَالُ : الْحُكْمُ هُوَ خِطَابُ الشَّارِعِ وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ مِنْهُ ؛ وَقَدْ يُقَالُ : هُوَ مُقْتَضَى الْخِطَابِ وَمُوجِبِهِ وَهُوَ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ مَثَلًا . وَقَدْ يُقَالُ : الْمُتَعَلِّقُ الَّذِي بَيْنَ الْخِطَابِ وَالْفِعْلِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يَنْطَبِقُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ يُقَالُ : بَلْ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يُقَالُ : عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ وَعَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْخِطَابِ وَمُقْتَضَاهُ وَهَذَا كَمَا قُلْنَاهُ فِي الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَتَدَبَّرْ هَذِهِ الْأُصُولَ الثَّلَاثَةَ : الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ وَالْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَالشَّرِيعَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,167

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    قال شيخ الإسلام رحمه الله :
    ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة ؛ وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب . وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وهي ضلالة باتفاق المسلمين ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله . ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان وسبيله من سبيل الشيطان كما { قال عبد الله بن مسعود : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال : هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } } . فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه ولا يخالف السنة المعلومة وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان باتباع من خالف السنة والإجماع القديم لا سيما وليس معه في بدعته إمام من أئمة المسلمين ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين ولا من يعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع فلا ينخرم الإجماع بمخالفته ولا يتوقف الإجماع على موافقته . ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان مخصوما بما عليه السنة المتواترة وباتفاق الأئمة قبله فكيف إذا كان المنازع ليس من المجتهدين ولا معه دليل شرعي وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .

    وقال رحمه الله :
    فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد . فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى } وهذا أمر بمعالي الأخلاق وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق } . . . وقال تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } .. فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بفعل ما أمر وترك ما حظر وتصديقه فيما أخبر ، ولا طريق إلى الله إلا ذلك وهذا سبيل أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين . وكل ما خالف ذلك فهو من طرق أهل الغي والضلال وقد نزه الله تعالى نبيه عن هذا وهذا فقال تعالى { والنجم إذا هوى } { ما ضل صاحبكم وما غوى } { وما ينطق عن الهوى } { إن هو إلا وحي يوحى } وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول في صلاتنا { اهدنا الصراط المستقيم } { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } . وقد روى الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون } قال الترمذي حديث صحيح . وقال سفيان بن عيينة : كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى . وكان غير واحد من السلف يقول : احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون . فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } . ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم : { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل } . فالأول من الغاوين والثاني من الضالين . فإن الغي اتباع الهوى والضلال عدم الهدى . ومن جمع الضلال والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء . نسأل الله أن يهدينا وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,167

    افتراضي رد: # نظرية الشريعة (من كلام شيخ الإسلام)

    وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع وإنما الحجة النص والإجماع ، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء ؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية . ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول بحيث يجب الإيمان به وبين ما قاله بعض العلماء ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه ومن كان لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم مثل المحدث عن غيره . والشاهد على غيره لا يكون حاكما والناقل المجرد يكون حاكيا لا مفتيا .

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •