بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري


يقول المولى تبارك وتعالى في محكم تنزيله الكريم في سورة آل عمران 159
فبما رحمةٍ من اللهِ لِنْتَ لهمْ, ولو كُنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانْفضّوا مِنْ حولِكَ, فاعْفُعنهمْ واستغفرْ لهمْ وشاورهمْ في الأمر, فاذا عزَمْتَ فتوكَّلْ على اللهِ , انّ اللهَ يُحبُّ المتوكلين
تبين لنا هذه الآية الكريمة التي بين أيدينا على أنها تناولت أربع ركائز او اسس في منتهى الأهمية في حياة الفرد وصلته بالمجتمع من حوله
الأولى: لين الجانب مع من حولنا... والثانية: العفو والتسامح والاستغفار لأخيك
والثالثة: المشاورة في الأمر... والرابعة: التوكل على الله عزوجل والاستسلام المطلق له سبحانه وتعالى.
وحتى لا يملّ القارىء من قراءة الموضوع واستيعابه فاننا سنشرح هذه الأسس الأربعة بايجاز وجيز , مع أننا لو أعطينا كل ركيزة حقها في الشرح والتمحيص لانتهى بنا العمر وما أكملنا واحدة منها
الركيزة الأولى: ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك
يقول الله تبارك وتعالى لخير خلق اطلاقا عليه الصلاة والسلام لولا أن أنعم الله عليك برحمة من عنده قد أودعها في قلبك يا محمد ما ركن اليك الناس وما التفوا من حولك كل هذا الالتفاف, ولو كنت جافي الطبع قاسي القلب , غليظ العشرة, لتفرقوا من حولك ونفروا منك.
ولما كانت الفظاظة في الكلام فقد نفى الله عزوجل الجفاء عن لسانه ونفى القساوة عن قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم.
انّ لين الجانب يأتي من الرحمة, والرحمة محلها القلب, وليس أي قلب, انما القلب المتصل مع الله عزوجل, ذلك أن أبعد القلوب عن الله تبارك وتعالى: القلب القاسي وفي هذا يقول المولى تبارك وتعالى في الحديث القدسي الجليل
إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، الراحمون يرحمهم الله ، أبعد القلوب عن الله القلب القاسي
فإذا كان للرحمة مؤشر ، وللإيمان مؤشر ، وللاتصال بالله مؤشر ، فهذه المؤشرات تتحرك معاً
يعني على قدر ما يستقر ايمان في قلبك على قدر ما تكون صلتك مع الله عزوجل, وعلى قدر ما يحتوي قلبك من صلة مع الخالق عزوجل على قدر مايتسع قلبك من رحمة للآخرين, ذلك أن قساوة القلب على عباد الله تعالى توقع فيهم الأذى , فحذار حذار أيها الانسان المخلوق من ماء مهين من قساوة القلب التي قد تذهب منك اجر صلاتك وصيامك وحجك وزكاتك وأنت لا تعلم, فتكون من الذين قال الله عزوجل فيهم في خواتيم سورة الكهف:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا* الذين ضلّ سعيُهُم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا
لأن القساوة تعني البعد عن الله عزوجل, وهذه العبادات هي أساس القرب من الله عزوجل , والله جل وعلا لا يرضى لعباده الكفر, فالدين المعاملة, وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
لا تنظروا الى صلاة المرء ولا الى صيامه ولكن انظرا الى صدقه في الحديث
انّ العلم وحده لا يكفي ليقود الانسان الى التقوى, بل لا بدّ من التعامل الجيد بين الناس فيما بينهم, لما لمساوىء قساوة القلب وغلظته وفظاظته, انها تذهب كل شيء حسن بالانسان حتى وان كان عالما, وان كان مثقفا, وان كان ما كان , فالناس من حوله ستنفر منه لسوء خلقه , ولو لم يكن للأخلاق معيار في حياة الانسان , ولولا أنها صلة الوصل بين المخلوق وخالقه لما وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخلقه فقال: وانك لعلى خلق عظيم
من منا يملك جزء من ألف جزء من خلق النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا أحد اطلاقا.. انه نبيٌّ كريم مؤيد بنصر الله عزوجل , معصوم عن الخطأ والزلل.. منصور على من عاداه.. مؤيدٌ بمعجزات ربانية... سيد الخلق اطلاقا.. حبيب الرحمن سبحانه وتعالى.. أفضل خلق الله على الاطلاق... صاحب الرسالة العصماء.. مغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر... ورغم هذه المنزلة العالية قال الله تعالى:
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك
من منا لم يمرُّ على قصة موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام مع فرعون؟ ماذا أمرهما الله عزوجل كمدخل الى فرعون حتى يتقبل منهما دعوتهما الى الله؟ اقرأ معي قوله تعالى في سورة طه 44:
فقولا له قولاً ليناً لعله يتزكى أو يخشى
نحن عباد الله تعالى خلفاؤه في الأرض وورثة الأنبياء مكلفون بنشر الدعوة الى الله تعالى , وبمجرد انتماءنا الى هذا الدين العظيم أصبحنا مكلفين بنشر الدعوة, لا تقل أنا لا أعرف شيئا, طالما أنك تشهد لله بالوحدانية فأنت أصبحت مكلفا ومسئولا على تبليغ رسالة الدعوة الى الله تعالى , لا تخاف في الله لومة لائم, أنت مأمور بتبليغ الرسالة, مأمور باقناع الناس بها , لا أقول أنك مكلفا على اجبارهم بقبولها, ولكن ما أقوله أنك مكلفا بدعوتهم الى الله عزوجل, من منطلق قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: وما عليك الا البلاغ
فهذه الآية الكريمة رسالة الى جميع خلق الله تعالى الى يوم القيامة, على اعتبار أنه صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة, وأسوة حسنة لنا نحن الذين حملنا على عاتقنا أمر هذا الدين العظيم , تماما كما عرض الله عزوجل الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين حملها لثقلها وشدتها عليهنّ , فلما كان ذلك عرضها الله عزوجل على آدم عليه الصلاة والسلام فقبلها على فيها من تكاليف شرعية وفرائض.
انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء
هذا قول الله الكريم تبارك وتعالى لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم, وهذه أقواله تبارك وتعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.... لكم دينكم ولي دين..... انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا .... وهديناه النجدين.....
كلها آيات كريمات عظيمات توحي الينا على أنّ الانسان مُخيرا بقبول الدعوة الى الله تعالى, فمن آمن فقد اهتدى ومن كفر فعليه كفره, ولكن تبقى الدعوة الى تعالى في رأس العمل الصالح, واذا علمنا أنّ الله عزوجل قد أثنى على عباده الداعين الى الله عزوجل كما في قوله تعالى في سورة فصلت 33
ومن أحسن قولا ممّن دعا الى الله وعمل صالحا وقال اني من المسلمين
نعم انّ الدعوة الى الله عزوجل من أشرف المهمات التي يقوم بها الانسان المسلم, ولأنها كذلك فقد أثنى الله عزوجل على الدعاة اليه وثنى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال.
لأنّ يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم
كيف لا تكون من الوظائف المهمة والشريفة وما بعث الله عزوجل الأنبياء والمرسلين الا لأجلها؟ ولولا أنّ أمر الدعوة مقتصر على الأنبياء والمرسلين فقط لما قال تعالى في سورة آل عمران 104
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
اذن هذه الآية والآية التي قبلها وغيرهما من الآيات التي يعجُّ بها القرآن الكريم لتدلّ دلالة أكيدة لا شك فيها بأنّ الأمة كلها منوطة بهذا الشرف العظيم ومكلفة ومأمورة بابلاغ الدعوة الى الله عزوجل.
انّ على كل انسان من هذه الأمة المرحومة باذن الله أن يدعو الله عزوجل حسب ما تقتضيه جهده وقدرته على ذلك من منطلق قوله تعالى في سورة البقرة 286: لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها , ما كسبت وعليها ما اكتسبت
وهذه المهمة مهمة الدعوة إلى الله ليست مقتصرة على الرسل والأنبياء والعلماء فقط, وانما يستطيع كل إنسان يشهد أن لا اله الا الله وأنّ محمدا رسول الله أن يقوم بها , وليبدأ من أهل بيته والأقربين فالأقربين حتى يعم المجتمع من حوله, وهذا أمر الهي أمرنا الله عزوجل به لقوله تعالى في سورة طه 132 :
وأْمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها, لا نسألك رزقا, نحن نرزقك, والعاقبة للتقوى
والاصطبار هنا على الصلاة وليس على الأهل , اذ الأصل أنّ الأهل مأمورون ومكلفون بالتكاليف الشرعية كلها شانهم شان الرجل تماما, لجل ذلك قال تعالى في سورة التحريم :6
يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة
ودعوة الرجل أهله الى الصلاة صفة حميدة من صفات المرضيين الذين رضي الله تعالى عنهم , ولقد كان لاسماعيل عليه السلام نصيبا وافرا من رضى الله عزوجل عليه, فكما وصفه الله عزوجل قي سورة مريم 55
وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عبداً مرضياً
ونحن الأمة اليوم نشكومن ضعف سلطة الآباء على أسرهم, وهذا الضعف ليس على الأبناء فحسب, وانما على الزوجات أيضا, واذا سألت أحدهم لم لا تدع زوجتك الى الالتزام بشرع الله بادرك بالاجابة التي على رأس شفتيه: دعوتها ولكنها لم تقبل, وان قلنا لأحدهم لم لا تجلب ابنك معك الى المسجد, يبادرك بالاجابة حتى يصلي في البيت أحضره الى المسجد, وإن تحدثنا إلى المدرسين ومدراء المدارس عن شأن الطلاب وآداءهم للفروض في المدارس يبادروونك بالقول: وهل هم أساسا يصلون عند آباءهم؟
اذن الجميع يلقي اللوم على الآباء, اذن هناك خلل في التربية, هناك خلل في فرض سلطة الآباء على زوجاتهم وأبناهم وبناتهم ينبع هذا الخلل من محاولة تأديب الزوجة أولا وتوجيه الأبناء ثانيا.
اذن ما الحل مع هذه المعضلة؟ وما السبيل الى الخروج منها؟ ليس هناك الا حلا واحدا وهو مراقبة البيت, مراقبة الآباء لزوجاتهم وأبناءهم وبناتهم في البيوت, ماذا يفعلون كي تركوا التكاليف الشرعية؟ انهم عاكفون على المسلسلات والأفلام والأغاني وحلقات النم على الآخرين, ولو أنّ كل أب استوعب هذا الأمر وحاول علاجه مع أسرته لانصلح حال الفرد والمجتمع, نحن بحاجة الى آباء توجه الأهل الى الخير, بحاجة الى مدارس توجه الطلاب الى الخير, بحاجة الى خطباء منابر توجه المصلين الى الخير, اذ ما فائدة خطيب جمعة يخطب بنا زهاء الساعة وهناك زوجاتنا وأبناءنا عاكفون على مشاهدة المسلسلات والأفلام وسماع الأغاني الهابطة والساقطة؟ ماذا تصنع مواعظه هذه مع ما تفعله أسرنا؟
لا تؤثرولا تجدي نفعا، لأجل ذلك أصبحت سلطة الآباء ضعيفة،من جراء التخلخل في التربية، والتخلخل في التوجيه الاجتماعي الذي أدى بزوجاتنا وأبناءنا وبناتنا الى هذا المنحنى الخطير.
وإذا أردنا أن نستعيد ذلك، فعلينا أن نحرص على إعادة توحد السلطة التوجيهية ابتداء من الزوجة التي هي عمود البيت الثاني في الأسرة, فاذا حصلنا على العمود الثالث وهو المدرسة والرابع وهو خطيب الجمعة, أوصلتنا هذه الأعمدة الأربعة , وجدنا زوجة تطيع زوجها، وابن يطيع أباه بار به، وآباء تحبّ ابناءها وتحثهم على الخير, فيأوي الطالب الى مدرسته ليجد فيها النصح والارشاد, يكملها خطيب الجمعة بلبنة اسبوعية فتتشكل بذلك حلقة يصعب فتحها, وبهذا نكون قد حظينا بمسار تربوي سليم يقودنا بإذن الله تعالى الى وسائل اعلام يرجى منها الخير والصلاح.


روى الامام الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: يا ابن آدم! تفرّغْ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك, وان لم تفعلْ, ملأت صدرك شغلاً ولم أسدُّ فقرك
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
من كانت الدنيا أكبر همّه, فرّق الله عليه أمره, وجعل فقره بين عينيه, ولم يأته من الدنيا الا ما كتب الله له, ومن كانت الآخرة نيّته جمع له أمره, وجعل غناه في قلبه, وأتته الدنيا وهي راغمة


لا يمكن لأي انسان مهما بلغ من قوة أن يفتح عقول الناس الا اذا استحوذ على قلوبهم أولا, والاستحواذ على القلوب لا يأتي أبدا الا بلين الكلام وافشاء السلام والمعاملة الطيبة, وأحسن كما أحسن الله اليك, وعلينا أن نتبه الى أمرمهم جدا وهو أن تكون القدوة في كل شيء, اذ لا يمكنك اقناع أحد بشيء الا اذا كنت قدوة لهذا الشيء, فمن العسير أن تقنع ولدك بقول الصدق وهو يرى لسانك يجري بالكذب ليل نهار, ولا يمكنك أن تقنع زوجتك باتيان طاعة وأنت لا تفعلها, لا تستطيع أن تقنع الناس بشيء الا اذا كنت قدوة له, اذ كيف بك تريد اقناعهم بدعوة الحق وأنت لست عليها؟
اذن علينا التحلي بالاحسان قبل أن نفصح لهم عما نريد, ولن نستطيع أن نكون مؤثرين على من حولنا
بكل ما للكلمة من معنى الا إذا كنا محسنين إليهم , حتى وان كان بادىء ذي بدء من باب المجاملة , فمداراة الأمور مطلوبة , والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في هذا: بعثت بمداراة الناس
ولو بحثنا في اللغة والبلاغة لأدركنا معنى الباء في تعبيره صلى الله عليه وسلم, لوجدنا أنها تعني الاستعانة, فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يُداري الناس ليتسعين على هدايتهم وجذبهم الى ما يريد.
وقد عرّف العلماء المداراة على أنها بذل الدنيا من أجل الدين, فأن ننفق القليل من وقتنا وخبرتنا وراحتنا ومالنا في سبيل أن نؤلف بين القلوب من حولنا فهذه مداراة .. وكثير من الناس يحجم عن مداراة الآخرين ومجاملتهم وكل اعتقادهم أنهم يداهنون أو ينافقون , فعندما نطلب من أحدهم أن يجامل الآخرين تجده يقول لنا : أتريدونني أن أنافق؟
انّ هناك ثمة فرق شاسع ما بين المداراة وما بين النفاق أو المداهنة, فالمداهنة أو النفاق هو تسخير الدين للدنيا , بينما المداراة هي تسخير الدنيا للدين وشتان شتان ما بينهما.
وفي ذلك يقول المولى تبارك وتعالى في سورة القلم 9: ودّوا لو تُدهنُ فيُدهنون
وجاء في كتاب التسهيل : أنّ معنى المداهنة في هذه الآية الكريمة هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي , وسبب نزول هذه الاية أن الكفار قلوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لو عبدت ألهتنا لعبدنا الهك.
علينا أن نتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لنستنبط منه جزءا من الرحمة التي كان يتعامل فيها مع من حوله, ابتداء من أهل بيته وانتهاء بأصحابة رضوان الله تعالى عليهم, ومرورا بالصبيان , فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى صبياً سلَّم عليه ، وان مرّ بيتيم مسح على رأسه وأجلسه في حجره, وكان الحسن والحسين رضي الله عنهما يركبان على ظهره الشريف في البيت وهو يصلي فيبقى ساجدا حتى لا يؤذيهما وقوفه عليه الصلاة والسلام, وكان عليه الصلاة والسلام اذا همّ في الصلاة وسمع بكاء طفل خفف صلاته رحمة بأمه عليه
الركيزة الثانية: العفو عند المقدرة, والاستغفار لمن ظلمك
يقول الله تعالى في سورة آل عمران 134: والكاظمين الغيظ والعفين عن الناس والله يحب المحسنين
ومن سياق هذه الآية الكريمة نستنتج أنّ من يتصف بصفة اخفاء الغيظ وكتمه ويكفون شرهم عن الذين ظلمهم ابتغاء وجه الله تعالى, أويعفون عمّن أساء لهم ابتغاء وجه الله عزوجل وطمعا في رحمته, محتسبون الأجر عند الله تعالى, فلا يبقى في أنفسهم شيء على أحد , يكونون قد بلغوا بهذا الخلق أعلى مراتب الايمان وهو الاحسان والذي قال عنه عليه الصلاة والسلام: الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فان لم تكن تراه فانه يراك.
الركيزة الثالثة: وشاورهم في الأمر
والاستشارة في كل أمر دوما مطلوبة من منطلق رأيان خير من رأي واحد, وثلاثة خير من اثنان, وهكذا كلما كان هناك عدة أراء , كلما وصل الانسان الى الأصوب, والاستشارة من خصائص الايمان , والخيرة ما اختاره الله عزوجل , ولولا أن لللاستشارة هذه المنزلة العظيمة في ميزان الأجر والثواب لما حثّ القرآن الكريم عليها, واذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمور أن يستشير أصحابه رضوان الله تعالى عنهم , فأين نحن منه عليه الصلاة والسلام؟ لم غفلنا عن هذا الأمر الالهي العظيم؟
الركيزة الرابعة : التوكل على الله عزوجل توكلا حقيقيا
لا توكلا لفظيا, فالتوكل اللفظي هو التواكل, وشتان ما بين التوكل والتواكل, فالتوكل صفة حميدة ترفع بصاحبها الى مراتب عالية, والتواكل صفة مذمومة فأن تتوكل على الله يعني أن تفوّض أمرك الى الله تفويضا تاما لا شك فيه ولا ريب , فان أراد الله لك الخير وكتبه لك , فلن يجرؤ أحد على ايذاءك وانتزاعه منك , وفي هذا الأمر يقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك ا لا بشيءً قد كتبه الله , ولو اجتمعت على أن يضروك بشيءً , لن يضروك الا بشيءً قد كتبه الله , رفعت الأقام وجفَّت الصحف.
فالعاطل عن العمل من واجبه أن يسعى ما في جهده لايجاد عمل , فان سعى يكون قد توكل على الله عزوجل, ويكون قد اصاب سنة النبي صلى الله عليه وسلم , والتوكل عادة يأتي بعد السعي , فلا تجلس في بيتك وتقول انّ الله لا يريد لي الرزق , ففي هذا الاعتقاد تعدٍّ على الله عزوجل القائل في محكم تنزيله الكريم في سورة النجم 39- 40:
وان ليس للانسان الا ما سعى * وانّ سعيَه سوف يُرى
أفليس للانسان الا سعيه وعمله, سواء كان هذا السعي للدنيا أم للآخرة, وكما قال ابن كثير رحمه الله: أي كمن لا يُحملُ عليه وزر غيره, كذلك لا يحصل له من الأجر الا ما كسب هو لنفسه, وأنّ عمله سيُعرضُ عليه يوم القيامة ويراه في ميزان حسناته وصحائف الاعمال.
ومن هنا بأنّ التوكل على الله عزوجل أمر الهي مفروض, السعي انما هي سنة نبوية مؤكدة , ونحن اذا قرنا التوكل مع السعي في حياتنا نكون قد وصلنا الى مرضاة الله عزوجل , وربما نكون رفقاء لعكاشة بن محصن رضي الله عنه والذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من السبعين ألفا من أمته الذين يدخلون الجنة بغير حساب بلا سابقة عذاب
ففي صحيح مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, انّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل ا من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب..فقال عكاشة بن محصن رضي الله عنه: يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم, فقال: اللهم اجعله منهم, ثم قام آخر فقال: يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم, فقال عليه الصلاة والسلام: سبقك بها عكاشة.
وصفات هؤلاء كما في رواية الامام البخاري رحمه الله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
عُرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرهيط، والنبي وليس معه أحد، حتى رأيت سواداً عظيماً، فقلت: هؤلاء أمتي، فقيل: لا هذا موسى وأمته، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم قد سدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب"، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته، فاختلف أصحابه في هؤلاء، فقالت طائفة منهم هم الذين ولدوا في الإيمان ولم تسبق عليهم سابقة الشرك، وقال آخرون: هم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه، فدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن حوارهم فذكروا هذا، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون
لا يسترْقون: أي ينسبون الشفاء دوما الى الله عزوجل , فلا يقولون لولا هذه الرقية ما شفيت, فالرقية شأنها شأن الدواء لا تشفي الا باذن الله: واذا مرضت فهو يشفين


وعلى ما تقدّم لا يجوز لنا أن نقول: لولا هذا الدواء ما شفيت , ولكن ينسب الأمر كله لله عزوجل أن عافاه الله بفضله ورحمته ومنته لا الى الدواء تحديدا, فالدواء ليس الا وسيلة


ولا يتطيرون: أي لا يتشائمون بالطيور, وهذه العادة كان سائدة في الجاهلية, والطيرة ما تكون في الشر دوما وهي تختلف عن الفأل الذي عادة يكون في الخير.


ولا يكتوون: أي لا يستخدمون النار في علاجهم من الأمراض, وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم العلاج بالكي , ففيما رواه الامام البخاري وصححه الامام الالباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الشفاء في ثلاث: شربة عسل , وشرطة محجم , وكية بنار , وأنهى أمتي عن الكي
سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله ربّ العالمين



والله وحده أعلم بغيبه