حقيقة التأويل في صفحة

قبسات

علامة الزائغ اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وإذا خفي علينا ابتغاء الفتنة لم يخف ابتغاء التأويل. وآية الراسخ الكف عن ذلك والاكتفاء بقوله: { آمنا به كل من عند ربنا }.

واعلم أن سبب ضلال القوم أمور: الأول قلة حظهم من معرفة الكتاب والسنة. الثاني تقديسهم للفلاسفة فوق تقديس الأنبياء بدرجات. الثالث ما في فطرة الإنسان من دعوى أن عقله يستطيع إدراك كل شيء.

وليس في عقيدة السلف جهل ولا ضلال، فإن الجهل بما ليس في قدرة الإنسان العلم به لا يعد نقصا، وإنما الجاهل من يجهل ذلك ويجهل أنه جاهل، ويخيب ويطمع فيما ليس فيه مطمع، ويؤول به الأمر إلى ما سمعت وتسمع.

وبعد؛ فالمكابرة لا دواء لها، والمقصود إرشاد من في قلبه خير إلى أن يفرض ما تقدم، ثم ينظر فلعله يتبين له خطؤه في توهم القطع.

وعامة ما ذكر يمكن إدراكه بالعقل، ولا سيما بعد تنبيه الأنبياء. فآيات الآفاق والأنفس تدل على وجود الله، إذ لا بد للأثر من مؤثر، فأي أثر تحس به في الكون لا بد له من مؤثر. فإذا فرض مؤثر حادث كان هو أيضا محتاجا إلى آخر، وهكذا حتى ينتهي الفكر إلى مؤثر غني بنفسه هو الله عز وجل.
والآثار في الآفاق والأنفس تدل على حياة المؤثر الأعظم، وقدرته، وعلمه، وحكمته؛ وما تدل عليه الآثار من حكمته يوجب العلم بأنه لم ينشئ الناس هذه النشأة عبثا، ولا يدعهم سدًى وهملا، ولا يكلهم إلى عقولهم المحدودة المختلفة، بل لا بد أن يرشدهم؛ ولا توجد في الكون صورة للإرشاد إلا النبوة، وبذلك تثبت النبوة، والملائكة والكتب أيضا. وأما العلم بنبوة رجل معين فتعلم بالمعجزات، وبالعلم بطهارة سيرته وحرصه على العمل بما جاء به سرا وعلنا، وباستقراء ما جاء به، وظهور أن عامته مطابق للحق والعدل والحكمة. ولا يخدش في ذلك الجهل بوجه الحكمة في بعض ذلك، فإن ذلك ضروري؛ لأن الدين من شرع الحكيم العليم الذي أحاط بكل شيء علما، وعقل المخلوق وعلمه محدود، وأنت ترى عقول الناس مختلفة، فكم من أمر يجزم كثير من الناس بأنه خلاف الحكمة، فيجيء من هو أعقل أو أعلم منهم فيبين لهم وجه الحكمة، وقد قال الله عز وجل { وفوق كل ذي علم عليم }.
وكثير من الأحكام يحصل المقصود بالعمل بها، ولا يحتاج إلى العلم بوجه حكمتها، وقد يكون العلم بوجه الحكمة يفتقر إلى صرف مدة طويلة من العمر.
ومثل ذلك مثل الطبيب والمريض؛ فإن الطبيب يعلم من طبائع الأمراض والأدوية ما لا يعلمه المريض، ومن ذلك ما لا يدرك إلا بعد صرف مدة طويلة في التعلم، وقد يكون المريض ضعيف الفهم لا يتهيأ له معرفة ذلك ولو أتعب نفسه فيه؛ ففي مثل هذا ليس على الطبيب إلا إعطاء المريض الدواء المناسب، وليس عليه أن يشرح له حقيقة المرض، وأسبابه، وسبب تأثير الدواء؛ لأن هذا يطول ويتعب في غير فائدة، وبحسبِ المريض أن يعلم أن الذي أعطاه الدواء طبيب ناصح، والعلم بذلك لا يحتاج إلى استقراء مستغرق.