استلام جميع أركان الكعبة وجدرانها
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: استلام جميع أركان الكعبة وجدرانها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    430

    Arrow استلام جميع أركان الكعبة وجدرانها

    بسم الله وبعد:
    فهذا مبحث ضمنته أربعة مسائل وهي: حكم استلام أركان الكعبة جميعا من الداخل أو الخارج، وحكم التمسح بجُدر الكعبة جميعها، ثم حكم التزام الملتزم الذي بين الركن والمقام، وتقبيل ذلك كله، وأحيانا ما أدرج مسألة في أخرى لتداخل الأحاديث بينهما، مقتصرا في بحثي هذا على ذكر الأدلة مع أقوال الصحابة فقط وبعض التابعين:
    أما المسألة الأولى فهي عن استلام الأركان: حيث ذهب بعضهم إلى مشروعية استلام الحجر الأسود فقط، وقيل يُستلم معه الركن اليماني الآخر، وبه يقول ابن عباس وابن عمر مع تراجعه عنه، وقيل بل تُستلم جميع الأركان وهو قول عامة الصحابة رضي الله عنهم كما سيأتي:
    أما القول الأول فقد يُنسب إلى عمر رضي الله عنه: فقد صح عنه أنه كان يقول إذا قبل الحجر الأسود: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"، لكن ليس فيه نفي لتقبيل الأركان الأخرى، لأنه لم يذكرها بنفي ولا إثبات، إلا ما جاء في خبر ضعيف عنه: فخرج الطبراني نا محمد بن النضر عن معاوية بن عمرو نا المفضل بن صدقة وفيه ضعف عن ابن أبي ليلى وهو ضعيف عن عطاء عن يعلى بن أمية أنه طاف مع عمر بن الخطاب فجعل عمر يستلم الحجر الأسود وجعل يعلي يستلم الأركان كلها، فقال عمر: حججت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم" قال: بلى، قال: فرأيته يستلم الأركان كلها؟ قال: لا"، المفضل ليس بالقوي وابن أبي ليلى هو محمد وهو ضعيف أيضا، ثم هو منقطع لأن عطاءا لم يدرك عمر فرجع حديثه إلى الطريق الثانية، وهي ما قال أحمد (1/45) نا روح نا ابن جريج ني سليمان بن عتيق عن عبد الله بن بابيه عن بعض بني يعلى عن يعلى بن أمية قال: طفت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستلم الركن، قال يعلى: فكنت مما يلي البيت فلما بلغت الركن الغربي الذي يلي الأسود جررت بيده ليستلم، فقال: ما شأنك؟ فقلت: ألا تستلم؟ قال: ألم تطف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى، فقال: أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين ؟ فقلت: لا، قال: أفليس لك فيه أسوة حسنة؟ قلت: بلى، قال: فانفذ عنك"، سليمان بن عتيق مختلف فيه، وفي إسناده مبهم، وأبناء يعلى هم صفوان وحيي وعبد الرحمن وحبيب وعكرمة وأبي حبيب، والثقة فيهم صفوان والبقية فيهم جهالة، كما يحتمل أنه عن بني بنيه، والله أعلم أيا منهم الذي روى هذا الحديث، كما لا يُدرى سماع ابن بابيه من المجهول الذي روى عنه، فقد يكون روى عمن لم يدركه أصلا، ثم فيه اضطراب، فقد رواه أحمد ثنا محمد بن بكر نا ابن جريج ني سليمان بن عتيق عن عبد الله بن بأبيه عن بعض بني يعلي بن أمية قال قال يعلي: طفت مع عثمان فاستلمنا الركن فذكر مثله، وجعله عن عثمان رضي الله عنه، ثم ليس في هذا الحديث أصلا تراجع يعلى لقول عمر، بل كل ما فيه هو سرد الحوار الذي دار بينهما فقط مع أنه لم يصح.
    وقد حدث غير عمر بما رأى أكثر من ذلك:
    ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس وابن عمر:"لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين"، وكانا يفعلان ذلك، وبتقبيلهما قالت طائفة، فقال ابن خزيمة في صحيحه: بَابُ وَضْعِ الْخَدِّ عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي عِنْدَ تَقْبِيلِهِ، 2727 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُز عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيِّ وَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَيْهِ"، تابعه عبد بن حميد 638 حدثنا أبو نعيم ثنا إسرائيل بن يونس عن عبد الله بن مسلم مثله، وكل امرئ إنما حدث بما رأى،
    وقد اختلف الرواة في استلام ابن عمر، فروى عبيد بن جريج وسالم عن ابن عمر أنه كان لا يستلم إلا الركنين الشرقيين، بنفي استلام الغربيين، تابعهما على ذلك مُحَمَّدُ بْنُ جُعْشُم لكنه مجهول فروى عَنِ ابْنِ جُرَيْج نِي عَطَاء عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْغَرْبِيَّيْن "، ولم يصح.
    بينما اختُلف في ذاك على نافع، فروى مسدد ويحيى القطان عن عبيد الله بن عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمهما"، فأثبتا التزام الركنين الشرقيين لكن لم ينفيا استلام الغربيين، وكذلك رواه عبيد الله بن غنام وعبد الله بن عون عن نافع ، وكذلك قال وكيع وعبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: لا أدع استلام هذين الركنين منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما"، بلا نفي، وخالفهما سُرَيْجٌ فقال حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ شَيْئًا مِنْ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْن ِ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَلِمُهُمَا وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ"، فنفى عنه استلام غيرهما ، وكذلك رواه ابن أبي رواد وخالد بن الحارث عن نافع بنفي استلام الغربيين،
    وخالفهم عبد الرزاق 9049 فروى عن عبد اللهِ بْنِ عُمَر عَنْ نَافِعٍ قَالَ:" إِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَ لَا يَلْتَزِمُ مِنَ الْبَيْتِ شَيْئًا"، تابعه على ذلك عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاء عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَر عَنْ نَافِعٍ به كما عند الفاكهي.
    بينما رواه عبد الله بن رجاء والمعتمر عن عبيد الله عن نافع لم أره يستلم الغربيين إلا مرة واحدة نسيانا.
    فإذ قد اختلفت الرواة على نافع فقد روى عطاء وأبو الشعثاء وأبو النضر وعبيد بن عمر عن ابن عمر أنه كان يلتزم حتى الركنين الغربيين اللذان يليان الحجر وهم أكثر عددا:
    أما رواية عطاء فخرجها الفاكهي (1/150) قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْد ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاء عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَر سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاح يَقُولُ:" رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْغَرْبِيَّ"، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِنَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ نَرَهْ غَيْرَ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مَدَّ يَدَهُ ثُمَّ قَبَضَهَا وَقَالَ:" أَسْتَغْفِرُ الله نَسِيتُ"..، ثم قال الفاكهي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ثنا الْمُعْتَمِر قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاح يَقُولُ: فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَوَّل"، وهو حديث صحيح.
    وأما رواية أبي النضر فخرجها الأزرقي في أخبار مكة من باب استلام الركنين الغربيين اللذين يليان الحجر من طريق عثمان بن ساج وفيه ضعف ثني موسى بن عقبة عن أبي النضر أن عبد الله بن عمر لم يكن يدع الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أنه كان يرى أن البيت لم يتمم في ذلك الوجه"،
    وأما رواية أبي الشعثاء فخرجها الطحاوي في معانيه (1/390) قال: ثنا محمد بن خزيمة ثنا أحمد بن أشكاب ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة عن أبى الشعثاء عن بن عمر رضي الله عنه قال: رأيته دخل البيت حتى إذا كان بين الساريتين مضى حتى لزق بالحائط فقام يصلي فجئت فقمت الى جنبه فصلى أربعا"، تابعه أبو بكر عن أبي معاوية به وهو أثر صحيح، وسيأتي بتمامه في مسألة جواز استلام جدران الكعبة.
    وأما رواية عبيد بن عمير فقد قال الفاكهي: باب ذكْرُ مَنْ كَانَ يَلْتَزِمُ الْبَيْتَ، وَمَنْ كَانَ لَا يَلْتَزِمُهُ، (1/175) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ ثنا ابْنُ رَوْحٍ عَنْ عَقِيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: لَصَقَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بِالْبَيْتِ فَقَالَ:" مَا أَكْرَمَكَ عِنْدَ اللهِ، وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ عِنْدَ اللهِ، وَلَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَعْظَمُ "، هذا حديث حسن، لأن الأكثرين على توثيق محمد بن عزيز، وههنا دليل صريح على سماعه من ابن عمه سلامة بن روح.
    وهذه الآثار تؤكد على أنّ ابن عمر رضي الله عنه تراجع عن قوله أخيرا، يؤيد ذلك أنه ذكر أن العلة في عدم استلام غيرهما كونهما لم يُبنيا على قواعد إبراهيم فقط، فلو كانا على ذلك لشرع تقبيلهما، فقد صح عنه لما بلغه خبرٌ لعائشة قال:" لئن صدقت عائشة، فمَا أَرَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ الَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يتمم عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ"، خرجاه عنه في الصحيح،
    وقد اختلف السلف في كل ذلك من غير أن يبدعوا فعل غيرهم من السلف والله المستعان على التبديع، فقال البيهقي في المعرفة: باب ما يستلم من الأركان:" قال الشافعي: والعلة فيهما ـ يعني في ترك استلام الركنين الآخرين ـ فنرى أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم، فكانا كسائر البيت إذا لم يكونا مستطيفا بهما البيت، فإن مسحهما رجل كما يمسح سائر البيت فحسن، إلا أني أحب أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم"، فها قد استحسن الشافعي استلام سائر الأركان مع جدر الكعبة، مع تفضيله الإقتصار على أثر ابن عباس الذي بلغه، وإنا بعون الله سنورد الكثير من المرفوع والموقوف مما يعارضه، ويُبطل دعوى التبديع التي لم يقل بها أحد من المسلمين المتقدمين والحمد لله، وقد حصل لنا بالتقرير السابق أنّ الإقتصار على الركنيين فقط هو قولٌ لعبد الله بن عباس وحده من الصحابة، بل قد جاء عن ابن عباس نفسُه التزام ملتزم الكعبة، وهذا منه تخصيص لما رأى وروى سابقا، وهذ التخصيص مما يُضعف عموم قوله، فروى حميد عن مجاهد قال:« رأيت ابن عباس وهو يستعيذ ما بين الركن والباب».
    فإن ذكروا ما خرجه أبو بكر 15219 قال حدَّثَنَا ابْنُ نُمَير عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَطَاء قَال: أَدْرَكْتُ مَشْيَخَتَنَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَعُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ لاَ يَسْتَلِمُونَ إِلاَّ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ، لاَ يَسْتَلِمُونَ غَيْرَهُمَا مِنَ الأَرْكَانِ"، فهذا حديث منكر ضعيف، الحجاج بن أرطأة فيه كلام ثم هو مدلس وقد عنعن، ولحديثه متابع أنكر منه، وقد يرجع الحديث إليه لتدليس الحجاج، فقد يكون أخذه من بعضهم ثم دلسه ، فقال الفاكهي حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْر عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ:" رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا سَعِيد وَأَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَمَا يَسْتَلِمُونَ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الشَّرْقِيَّيْن ِ"، محمد بن عبد الله متروك منكر الحديث،
    وخالفه غيره في المتن، فروى عبيد الله وهو ثقة عن عطاء أنه رأى ابن عمر يلتزم الركن الغربي كما مر، وروى ابن وهب حدثني ابن جريج أن عطاء بن أبي رباح حدثه قال:« رأيت ابن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة إذا استلموا الركن قبلوا أيديهم"، وهذا خبر صحيح أيضا ليس فيه نفي استلام أي شئ من الأركان، وخالفهما عبد الرزاق 9037 عن ابن جريج أخبرني عطاء قال: أنه لم ير أبا هريرة ولا جابرا ولا أبا سعيد ولا ابن عمر يلتزم أحد من زمزم البيت"، فنفى عنهم استلام الملتزم فقط، ثم هو مخالف لما صح عن جابر نفسه من أن الصحابة كانوا يستلمون الأركان كلها كما سيتبين، وقد وقع في كل هذا خلاف يسير بين الصحابة من غير أن يُبدّع أحد منهم فعل الآخر والله المستعان على المُبدِّعين:
    فروى الناس عن موسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَر، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَمْسَحُ الأَرْكَانَ كُلَّهَا وَيَقُولُ: لا يَنْبَغِي لِبَيْتِ اللهِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاس يَقُولُ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"، وخرج الترمذي وصححه 858 عن سفيان ومعمر عن ابن خثيم عن أبي الطفيل قال: كنت مع ابن عباس ومعاوية لا يمر بركن إلا استلمه فقال له ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورا"، تابعهما زهير بن معاوية عن ابن خيثم حدثني أبو الطفيل مثله، وكذلك رواه شعبة وابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي الطفيل به، وقلبه شعبة مرة، ورواه أبو خيثمة عن ابن خثيم عن أبي الطفيل قال: رأيت معاوية يطوف بالبيت عن يساره عبد الله بن عباس وأنا أتلوهما في ظهورهما أسمع كلامهما، فطفق معاوية يستلم ركن الحجر فقال له ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم هذين الركنين، فيقول معاوية: دعني منك يا ابن عباس فإنه ليس منها شيء مهجور، فطفق ابن عباس لا يزيده، كلما وضع يده على شيء من الركنين قال له ذلك"، وفي رواية شريك عن ابن خثيم:"... وجعل ابن عباس يتخافتها كلما استلم ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم هذين، ويقول له معاوية: أن ليس في البيت شيء مهجور"، فكل واحد منهما ملتزم بقوله يدافع عنه، وخالف كل هؤلاء الثقاتِ خصيفٌ فروى الخبر عن مجاهد عن ابن عباس أنه طاف مع معاوية بالبيت.. فذكر مثله وزاد فيه متفردا:" فقال معاوية: صدقت"، ولم يصح تراجع معاوية رضي الله عنه لأن في الإسناد خصيف وهو ضعيف وقد تفرد بهذه الزيادة فهي منكرة للمخالفة، وقد رواها عن خصيف كل من عتاب بن بشير الحراني ومروان بن شجاع، أما عتاب فقال عنه أحمد بن حنبل: أحاديث عتاب عن خصيف منكرة، وقال أيضا: روى عن خصيف نسخة وفي تلك النسخة أحاديث ومتون أنكرت عليه"، وأما مروان فهو صدوق يهم، والعلة الأساسية هي تفرد مع مخالفة خصيف للثقات كما مر، وهو ممن لا يُقبل حديثه متفردا، فكيف إذا خالف الأئمة والثقات، لذلك لما خرج البزار هذا الحديث عن الحسين بن مهدي نا عَبد الرَّزَّاق نا مَعْمر عن ابن خثيم عَن أبي الطفيل به من غير الزيادة، ثم قال ـ البزارـ: وقد روي عَن ابنِ عباس من غير هذا الوجه وهذا الإسناد أحسن إسناد يروى في ذلك عَن ابنِ عباس".
    هذا وقد تعددت حجج أصحاب القول الأخير القائل باستلام جميع الأركان:
    فمن مستدل بالقياس والرأي على نفي الفارق بين الأركان الأربعة كما فعل معاوية رضي الله عنه، وما خرج البخاري عن أبي الشعثاء قال:" ومن يتقي شيئا من البيت"، قالوا: ولأن البيت كله محل للبركة، لخبر معاوية وابن الزبير:" ليس من البيت شيئا مهجورا، واستلما الأركان كلها"، وقد تقدم تصحيحه وكلام الشافعي في فقهه من استحسان استلام كل أجزاء البيت.
    واستدل آخرون على استلام جميع الأركان مع القياس السابق، بالأدلة الكثيرة في هذا الباب، قولية كانت أو فعلية، وقالوا بأن القول مقدم على نفي الفعل، وأن المثبت مقدم على النافي، لأنه معه زيادة علم، وعززوا قولهم بأنه فعل أكثر الصحابة رضي الله عنهم:
    فروى مَكِّيُّ بنُ عَبْدَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ الدَّارَبْجَرْد ِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ البُخَارِيُّ ثِقَةٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ فَلْيَسْتَلِمِ الأَرْكَانَ كُلَّهَا"، لكن قال الذهبي في السير (9/478): لاَ يُفْرَحُ بِتَوثِيقِ هَذَا الرَّجُلِ، فَالحَدِيْثُ بَاطِلٌ، قَالَ مُسْلِمٌ: أَبُو حُذَيْفَةَ تَرَكُوا حَدِيْثَهُ"، وفي الباب ما روى:
    أبو عاصم وجماعة عن موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه"، الربذي ضعيف، وقد خالف هو وأبو حذيفة الثقات من أصحاب ابن عمر وابن عباس في نفي رؤية ذلك، لكن قد ورد الحديث صحيحا من طريق غيرهما وعلى ذلك نُعوّل ونستدل:
    فروى مالك في الموطإ 733 عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها؟ قال: وما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين..."، ومن هذا الوجه خرجاه في الصحيح، ولأبي عوانة:" لقد رأيت منك أربع خصال ما رأيتهن من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك"، فذكرها، وفيه دليل صريح لما سبقَ وأنْ ذكرتُ من أن هذا المذهب لم يختاره إلا ابن عباس وابن عمر، اللذان لم يكونا يمسان من الأركان إلا اليمانيين فقط بخلاف غيرهما من الصحابة، وهذا عين ما ذكره ابن حجر في الفتح حيث قال:" وَظَاهِره أَنَّ غَيْر اِبْن عُمَر مِنْ الصَّحَابَة الَّذِينَ رَآهُمْ عُبَيْد كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْأَرْكَان كُلّهَا، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَة وَابْن الزُّبَير"، مع تراجع ابن عمر لقولهم كما مضى، وقد جاء ذلك صريحا بأصح الأسانيد عن الصحابة رضي الله عنهم:
    فقال الطحاوي في معانيه (2/ 183) حَدَّثَنَا فَهْدٌ ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُس ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:" كُنَّا نَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا"، ثم قال: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد ثنا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ ثنا وَكِيع عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَان عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِثْلَهُ"، وهذا إخبار صحيح صريح من جابر رضي الله عنه عن عامة الصحابة رضي الله عنهم وهو أعلم الناس بهم، وقد صرح فيه أبو الزبير بالتحديث:
    فقال ابن عبد البر في الاستذكار (4 ص199) قال الطبري: واحتج من رأى الاستلام في الأركان كلها بما حدثناه ابن حميد ثني يحيى بن وضاح ثني الحسين بن واقد عن أبي الزبير عن جابر قال:" كنا نؤمر إذا طفنا أن نستلم الأركان كلها"، قال أبو الزبير: ورأيت عبد الله بن الزبير يفعله"، وقد توبع ابن حميد وغيره:
    فقال الفاكهي في أخبار مكة (1/154) من باب ذِكْر اسْتِلَامِ الْأَرْكَانِ كُلِّهَا وَتَقْبِيلِهَا وَمَسْحِهَا، وَمَنْ لَمْ يَمْسَحْهَا وَتَفْسِيرِ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِي ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِد حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "كُنَّا نُؤْمَرُ إِذَا طُفْنَا أَنْ نَسْتَلِمَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا"، قَال: وَرَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَفْعَلُهُ"، وهذا حديث صحيح له حكم الرفع، لأن الآمر للصحابة هو النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك، وقوله هذا مقدم على نفي هذا الفعل الذي أخبر به ابن عباس، لأن القول مقدم على الفعل، ولأن المثبت مقدم على النافي، كيف وقد جاء صحيحا ما يشهد لهذا ومن فعله أيضا عليه السلام، ومن رأى أو علم هو الحجة على من لم ير ولم يعلم :
    فقال ابن خزيمة في صحيحه (4/241) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ خَرَّبُوذَ حَدَّثَنِي أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ بِمِحْجَنِهِ، قَالَ: وَأُرَاهُ يُقَبِّلُ طَرَفَ الْمِحْجَنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ"، تابعه مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ وعلي بن موسى الطوسي قالا: ثنا أَبُو عَاصِمٍ به، وكذلك رواه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى ثنا مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ عند أبي نعيم في الصحابة من ترجمة أبي الطفيل ثم قال: رَوَاهُ وَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْزَمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ مَعْرُوفٍ نَحْوَهُ، وهو خبر صحيح لا مطعن عليه أبدا، وله شاهد آخر في:
    المسألة الثانية مع الأولى: وهي حكم استلام الجُدران مع الأركان: فقد صح أيضا وضع الصدر مع الخد واليدين على جدُر الكعبة، وعلى جميع الأركان من فعله صلى الله عليه وسلم:
    فقال النسائي: باب وَضْعُ الصَّدْرِ وَالْوَجْهِ عَلَى مَا اسْتُقْبِلَ مِنْ دُبُرِ الْكَعْبَةِ، 2915 أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثنَا هُشَيْمٌ أنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:" دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ فَجَلَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ ثُمَّ مَالَ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِن الْبَيْتِ فَوَضَعَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ وَخَدَّهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ وَهَلَّلَ وَدَعَا،[ثم] فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَرْكَانِ كُلِّهَا ثُمَّ خَرَجَ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ هَذِهِ الْقِبْلَةُ"، تابعه أحمد (5/209) ثنا هشيم أنا عبد الملك فذكره، وعبد الملك ثقة كبير القدر وثقه جميع الأئمة ولم يطعن فيه أحد غير شعبة، وتبعه قليلا ابن حجر، وقد أنكر الحفاظ على شعبة طعنه فيه، وصحح حديثه هذا الألباني وشعيب رحمهما الله، وله شواهد أخرى، وفيه من الفقه ما قاله الشوكاني في نيل الأوطار:" قوله ( ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَرْكَانِ كُلِّهَا ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ وَضْعِ الصَّدْرِ وَالْخَدِّ عَلَى جَمِيعِ الْأَرْكَانِ مَعَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاء"، وللحديث شواهد أخرى:
    فقال الطبراني في الكبير (7/297) 7190 حدثنا محمد بن النضر الأزدي ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن عبد الرحمن بن الزجاج قال: قلت لشيبة بن عثمان: يا أبا عثمان إنهم يزعمون أن رسول لله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فلم يصل فيها فقال: كذبوا لقد صلى ركعتين بين العمودين ثم ألصق بهما بطنه وظهر"، ورواه أبو إسماعيل المؤدب ويحيى بن أبي الحجاج وعلي بن غراب وعمر بن علي بن مقدم وعبد الرحمن بن صالح الأزدي وعبد الرحيم بن سليمان كلهم عن عبد الله بن مسلم عن عبد الرحمن بن الزجاج قال : أتيت شيبة بن عثمان فقلت له يا أبا عثمان زعم ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل الكعبة ولم يصل فيه ؟ قال: بلى قد صلى فيه ركعتين بين العمودين ثم ألصق بهما ظهره وبطنه"، وخرجه البخاري في ترجمة شيبة من تاريخه، ورواه يحيى بن الحجاج بن أبي الحجاج عن عبد الله بن مسلم بلفظ:" لقد دخلها صلى الله عليه وسلم وصلى بين العمودين، وألزق ظهره بالكعبة»، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الرحمن بن الزجاج ولم أجد من ترجمه"، قلت: وهو مولى أم حبيبة رضي الله عنها مذكور في الصحابة وقال ابن حجر: له رؤية، وانظر ترجمته عند أبي نعيم في الصحابة، وعلة هذا الحديث هو عبد الله بن هرمز وفيه ضعف ولحديثه متابع، فعن أم ولد شيبة وكانت قد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا شيبة ففتح البيت فلما دخله ركع وفرع جانبيه"، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح".
    وصح مثل ذلك عن عروة بن الزبير:
    فقال أبو بكر 15227 حدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ (عروة بن الزبير) أَنَّهُ كَانَ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلَّهَا يَخْتِمُ بِهَا، وَيُلْزقُ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ وَجَنْبَيْهِ بِالْبَيْت".
    وفي الباب شواهد أخرى وهي من المراسيل: فروى أبو يوسف في الآثار عن أبي حنيفة عمن حدثه عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو وجع على راحلته يستلم الأركان بمحجنه ثم صلى ركعتين.."،
    ثم روى عن أبي حنيفة عن حماد أنه قال:...لقيت سعيد بن جبير فسألته عن ذلك، فقال:«...طاف النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاك بالبيت على راحلته يستلم الأركان بمحجنه".
    قالوا: وهو مذهب أكثر الصحابة رضي الله عنهم لما مضى من خبر ابن جريج عن ابن عمر أنه كان وحده هو الذي لا يستلم إلا الركنين، ولما روى جابر قال:" كُنَّا نَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا"، وما مضى عن يعلى بن أمية ومعاوية وعبد الله بن الزبير، وفي الباب عن غيرهم:
    فروى عبد الرزاق 8950 عن ابن عيينة عن عمار الدهني عن أبي سعيد البكري أن الحسن والحسين أو أحدهما طاف بعد العصر واستلم الأركان كلها"، وهو عن كليهما معا بلا شك، فقال الفاكهي في أخبار مكة (1/152) حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَاصِم ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِق ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي شُعْبَةَ قَالَ:" رَأَيْتُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَسْتَلِمَانِ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا"، عبد السلام بن عاصم وإن جهله ابن حجر فقد روى عنه الأئمة ووثقه الهيثمي، وأما أبو شعبة فلم أعرفه، لكن قد روى عنه كل عمار الدهني وهلال بن يساف مما يرفع جهالة عينه، وقد تابعه أبو سعيد البكري كما مضى ويحتمل أنهما واحد، وقد يكون أبو سعيد البكري متابع آخر لشعبة واسمه سليمان بن المغيرة وهو ثقة لكن لم يدرك الحسن، قال البخاري في تاريخه: وقال زيد بن حباب: هو البكري، قال موسى: كنيته أبو سعيد"، وقال عنه ابن حبان في المشاهير:" سليمان بن المغيرة القيسي البكري مولى قيس بن ثعلبة كنيته أبو سعيد من حفاظ أهل البصرة ومتقنيهم"، فلئن كان هو غير أبي شعبة فالطريقان يقوي بعضهما بعضا والله أعلم.
    وصح مثل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه والحديث عنه حسن:
    قال الفاكهي (1/153) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْد ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْد عَنْ أَبِيهِ قَالَ:" إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَكُلَّمَا بَلَغَ رُكْنًا مِنَ الْأَرْكَانِ اسْتَلَمَهُ"، سليمان بن سالم هو أبو الربيع المدني مولى عبد الرحمن بن حميد وثقه ابن حبان، وليس هو القرشي البصري، ووحَّدهما ابن عدي وقال عنه: لا بأس به.
    وصح ذلك عن ابن الزبير رضي الله عنه كما مر، وقال الفاكهي حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْد ثنا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَر عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا"، ورواه يَحْيَى بْنِ عَبَّاد عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ الزُّبَيْرِ فَعَلَهُ.
    وصح ذلك عن أنس رضي الله عنه: روى ذلك عبد الرزاق 8952 عن ابن المبارك عن عاصم بن سليمان أنه رأى أنس بن مالك يستلم الأركان كلها"، وهو صحيح، وكذلك ما خرجه أبو بكر 15220 حدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: رَأَيْتُ سُوَيْد بْنَ غَفَلَةَ يَسْتَلِمُ أَرْكَانَ الْبَيْتِ كُلَّهَا"، فهؤلاء جماعة كبيرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وعامتهم كما روى عبيد بن جريج وجابر، كلهم كان يستلم الأركان كلها، وجاء مثل ذلك عن جماعة من التابعين، فأين الإجماع للمدعين بعد هذا ؟.
    ثم أنه لا يكون استلام بلا تقبيل إذ لا فرق بينهما، فقال عبد الرزاق باب تقبيل اليد إذا استلم أخبرنا بن جريج قال: قلت لعطاء، أرأيت تقبيل الناس أيديهم إذا استلموا الركن أكان ممن مضى في كل شيء؟ قال: نعم، رأيت ابن عمر وأبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبا هريرة إذا استلموا قبلوا أيديهم"، قلت: فابن عباس؟ قال: وابن عباس، قلت: أفتكره أن تدع تقبيل يدك إذا استلمت؟ قال: نعم فلو استلم إذا لو قبل وأنا أريد بركته"، وبه عن عمرو بن دينار قال:"جفا من استلم ثم لم يقبل يده"، وعن معمر قال:" لم أر أحدا يستلم إلا وهو يقبل يده، وأدركنا الناس على ذلك"،
    أما المسألة الثانية وحدها وهي في استلام جُدران الكعبة: فقد ذكرنا بعض أدلتها وحديث أسامة فيها، وإليها رجع ابن عمر أخيرا:
    فقال أحمد (5/204) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَال:" خَرَجْتُ حَاجًّا فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ فَلَمَّا كُنْتُ عِنْدَ السَّارِيَتَيْن ِ مَضَيْتُ حَتَّى لَزِقْتُ بِالْحَائِطِ قَالَ وَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِي فَصَلَّى أَرْبَعًا... قال: فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالَ خَرَجْتُ حَاجًّا قَالَ فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِهِ قَالَ فَجَاءَ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِي فَلَمْ يَزَلْ يُزَاحِمُنِي حَتَّى أَخْرَجَنِي مِنْهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ أَرْبَعًا"، هكذا جعل فيه الملزقَ لنفسه بحائط الكعبة هو أبو الشعثاء وأقره ابن عمر: كل من أحمد بن حنبل، وتابعه على ذلك أحمد بن منيع وأبو خيثمة والحسن أربعتهم عن أبي معاوية بهذا، فقد قال البغوي في مسند أسامة: حدثنا ابن منيع ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة والحسن بن محمد قالوا: حدثنا محمد بن خازم حدثنا الأعمش عن عمارة عن أبي الشعثاء قال: خرجت حاجا فدخلت البيت، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزقت بالحائط، قال: وجاء ابن عمر حتى قام إلى جانبي فصلى أربعا.."، وخالفهم أبو بكر في مسنده وأَحْمَدُ بْنُ إِشْكَاب فجعلا الملصق لنفسه بالحائط هو ابن عمر نفسه، فقَالاَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:" رَأَيْتُهُ دَخَلَ الْبَيْتَ حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ السَّارِيَتَيْن ِ , مَضَى حَتَّى لَزِقَ بِالْحَائِطِ , فَقَامَ يُصَلِّي, فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِه, فَصَلَّى أَرْبَعًا"، وخرجه عن ابن إشكابٍ الطحاويُّ في معانيه (1/390) قال نا محمد بن خزيمة نا محمد بن إشكاب فذكره، فإما أن نرجح رواية الأكثر، وإما أن نصحح الروايتين معا فيكون الإلزاق من كليهما، فقد جاء ذلك في شواهد أخرى:
    أما شاهد فعل ابن عمر: فقد قال الفاكهي: باب ذكْرُ مَنْ كَانَ يَلْتَزِمُ الْبَيْتَ، وَمَنْ كَانَ لَا يَلْتَزِمُهُ، (1/175) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ ثنا ابْنُ رَوْحٍ عَنْ عَقِيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: لَصَقَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بِالْبَيْتِ فَقَالَ:" مَا أَكْرَمَكَ عِنْدَ اللهِ، وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ عِنْدَ اللهِ، وَلَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَعْظَمُ "، هذا حديث حسن، لأن الأكثرين على توثيق محمد بن عزيز، وههنا دليل صريح على سماعه من ابن عمه سلامة بن روح،
    وأما عن أبي الشعثاء فقد جاء عنه أيضا استلام جميع البيت بما فيه، فقال البخاري في الصحيح: باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين وقال محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه قال:" ومن يتقي شيئا من البيت"،
    وفي الباب عن أنس، قال الفاكهي (1/175) من الباب المذكور: ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَر ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَة ثنا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " الْزَقْ بَطْنَكَ" قَالَ صَالِحٌ: أَوْ قَالَ: " كَبِدَكَ بِالْكَعْبَةِ فَتَعَوَّذْ بِرَبِّ هَذِهِ الْكَعْبَةِ مِنَ النَّار"، صالح بن حيان إن كان القرشي الكوفي فهو ضعيف، ومما قد يُبْعد هذا الاحتمال كون صالح الضعيف يروي عن أنس بواسطة عبد الله بن بريدة عنه، ولا يُعرف له سماع أو رواية عن أنس، وقد مات القرشي من الأربعين ومائة إلى الخمسين، وإن كان هو صالح بن صالح بن حي الكوفي الثقة فالحديث صحيح، وهما متقاربان في الطبقة، فإن هذا مات بعد ذاك ببضع سنوات فقط سنة ثلاث وخمسين ومائة"، وهذا قال عنه ابن حجر:" ويقال صالح بن حي، وصالح بن حيان، قال أحمد: ثقة ثقة"، وأما أنس فبصري مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة، فإذ ذلك كذلك فجائز ممكن لقاء مروان من الراويين معا والله أعلم أيهما هو.
    وروى الفاكهي عن الثَّوْرِي عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " كَانَ أَصْحَابُنَا يَعْتَنِقُونَ الْبَيْتَ"، يعني ابن مسعود وأصحابه،
    وروى الأزرقي عن جده نا سفيان عن عبد الكريم عن مجاهد قال:« ألصق خديك بالكعبة ولا تضع جبهتك»،
    أما المسألة الثالثة مع الثانية وهي التزام الملتزم مع الجُدران: ففيها شقان:
    أولاهما عن مكان الملتزم: فقيل يقع عند الباب، وقيل خلف الكعبة من جهة المغرب، وبكليهما بوب الفاكهي وأبو بكر في مصنفه وفعله السلف، وقال الأزرقي في أخبار مكة: باب ما جاء في الملتزم والقيام في ظهر الكعبة، حدثني محمد بن يحيى ثنا عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عطاء قال: مرّ ابن الزبير بعبد الله بن عباس بين الباب والركن الأسود، فقال: ليس هاهنا الملتزم، الملتزم دبر البيت، قال ابن عباس: هناك ملتزم عجائز قريش"، وقيل هما معا، لما روى ثَابِت بْن قَيْسٍ قَال: رَأَيْتُ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يَلْتَزِمُ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالْحَجَرِ، وَخَلْفَ الْكَعْبَةِ، كُلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ يَفْعَل"، وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيز الْتَزَمَ دُبُرَ الْكَعْبَةِ فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ:" ذَاكَ الْمُلْتَزَمُ وَهَذَا الْمُتَعَوَّذُ" وفي الباب آثار أخرى.
    وأما عن التزام ذلك: ففي الباب أحاديث مضطربة لا يصح في المرفوع منها شيء، فقال أبو داود 1899 حدثنا مسدد ثنا عيسى بن يونس ثنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال:"طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة، قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر وأقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطا ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله"، المثنى ضعيف والحديث مضطرب، فقد اختلف عليه في تعيين الطائف مع عبد الله، فجعله عيسى بن يونس شعيبا مع جده عبد الله، تابعه على ذلك عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: ثنا الْمُثَنَّى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: أَنَّهُ طَافَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.."، وخالفهما سفيان وعبد الرزاق فقالا عن المثنى بن الصباح ثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: طفت مع عبد الله..."، فجعلا الطواف عن محمد مع أبيه عبد الله، تابعهما على ذلك ابن التيمي وهو ثقة، خرج روايته عبد الرزاق 9043 عن ابن التيمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:" طفت مع عبد الله..، وما أظن ابن التيمي قد سمع من عمرو لأن ذاك بصري وعمرو مكي، ولم يُذكر في الرواة عنه، فعلّ الحديث أن يرجع إلى الطريق الأول وهو المثنى وحده، ورواه عبد المجيد عن المثنى وابن جريج معا فجعل شعيبا هو الذي روى القصة عن طواف محمد مع والده عبد الله، لكن ابن جريج مدلس، فقال الأزرقي: حدثني جدي عن عبد المجيد عن ابن جريج والمثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال: طاف محمد بن عبد الله بن عمرو مع أبيه عبد الله بن عمرو بن العاص، فلما كان في السابع أخذ بيده إلى دبر الكعبة فجبذه، وقال أحدهما: أعوذ بالله من النار، وقال الآخر: أعوذ بالله من الشيطان ثم مضى حتى أتى الركن فاستلمه، ثم قام بين الركن والباب فألصق وجهه وصدره بالبيت، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل"، بينما جعله عبد الرزاق معضلا ومنقطعا، فروى ـ عبد الرزاق ـ عن ابن جريج قال: قال عمرو بن شعيب:" طاف محمد جده مع أبيه عبد الله بن عمرو..."، والحديث بهذا ضعيف ومضطرب، وله شاهد لا يعتد به:
    قال الطبراني في الكبير 11873 حدثنا معاذ بن المثنى ثنا شاذ بن الفياض ثنا عباد بن كثير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" بين الركن والمقام ملتزم ما يدعو به صاحب عاهة إلا برأ"، عباد متروك، وفي الباب مرسلان وضعيفان في الإسناد أيضا:
    فخرج الفاكهي (1/162) عن ابْنِ جُرَيْج أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدِ الله عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْم وَصَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:" إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ"، وخرج عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُؤَمَّلٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: " إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَزَمَ "، وله شاهد آخر من أحسن ما في الباب على ضعف فيه:
    فقال أبو داود 1898 حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عبد الرحمن بن صفوان قال:"لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قلت: لألبسن ثيابي وكانت داري على الطريق .. فانطلقت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم وقد وضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم"، يزيد فيه ضعف يسير، وما أظن أن ما قبله يقويه لشدة الضعف، مع المعارضة لمرسل آخر:
    فروى ابن جعشم وعبد الرزاق 9037 عن ابن جريج أخبرني عطاء قال:" لم يكن النبي صلى الله عليه و سلم يتعوذ"، قال: وأخبرني أنه لم ير أبا هريرة ولا جابرا ولا أبا سعيد ولا ابن عمر يلتزم أحد من زمزم البيت"، قلت: أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمس شيئا من باطنها أو من أدراجها يتعوذ به ؟ قال: لا قلت ولا عن أحد من أصحابه؟ قال: لا، قلت: ولا رأيت أحد أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يصنع ذلك؟ قال: لا، قلت: أفتعلق أنت بالبيت؟ قال: لا ولكن أضع يدي في قبل البيت ولا أمسه صرهما، قلت: فخارج البيت تعلق به؟ قال: لا،[فإذا] تعوذت بشيء منه لم أبال بأيه تعوذت لم أتبع حينئذ شيئا"، فجعل عطاء كل أجزاء البيت سواءا في الإلتزام، وأنكر تخصيص الملتزم فقط بالاستلام، وفي هذا خلاف بين السلف، فإن عطاءا قد حدث بما علم من أنه لم ير هذا الإلتزام، وحدث غيره بما رأوا عن الصحابة من التزام، والمثبت مقدم على النافي، وقد روى الناس عن عطاء نفسه أنه كان يلتمس الملتزم، وروى مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد قَال: كَانُوا يَلْتَزِمُونَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَاب وَيَدْعُون"، وروى عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِد حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: "رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَلْتَزِمُونَهُ "، وفعل ذلك أنس وعائشة، وروى مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَة عَنْ أُمِّه أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ:" أَمَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِالْمَصَابِيحِ فَأُطْفِئَتْ، ثُمَّ طَافَتْ فِي سِتْرٍ أَوْ حِجَابٍ ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ، كُلَّمَا فَرَغَتْ مِنْ سَبْعٍ تَعَوَّذَتْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَاب"، وفي المصنفين وأخبار مكة مزيد أقوال في هذه المسألة يرجع إليها هنالك، في مظانها هنالك، وبالله التوفيق.
    وفي الختام هذا ما تيسر لي جمعه بالإسناد والدليل، والبرهان والتدليل، والحمد لله العلي الجليل.

    كتبه أبو عيسى الطاهر زياني الجزائري


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    185

    افتراضي رد: استلام جميع أركان الكعبة وجدرانها

    الله المستعان!!!

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    430

    افتراضي رد: استلام جميع أركان الكعبة وجدرانها

    استدراك وتتميم حول التعلق بأستار الكعبة :
    دليل عاشر: ثم روى عن أبي حنيفة عن حماد أنه قال:...لقيت سعيد بن جبير فسألته عن ذلك، فقال:«...طاف النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاك بالبيت على راحلته يستلم الأركان بمحجنه".
    الدليل 11 : وأما التعلق بالجدران والأستار : فقد فعله من وطئت أقدامهم جنات عدن، برهان ذلك ما خرجه البخاري في الصحيح (5652) عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك» فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها حدثنا محمد، أخبرنا مخلد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء: «أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء، على ستر الكعبة».
    الدليل 12/ خرجه البزار (11/280) عن فرقد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني فقال لها: إن تصبري على ما أنت عليه تجيئي يوم القيامة ليس عليك ذنوب، ولا حساب قالت: والذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى الله قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردني فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتعلق بها فتقول له: اخسأ فيذهب عنها "، قال:" وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذ الإسناد وصدقة ليس به بأس وفرقد قد حدث عنه جماعة من أهل العلم منهم شعبة وغيره واحتلموا حديثه على سوء حفظ فيه "، فالحديث حسن، وقد مر شاهده .
    فهذه صاحبة رسول الله ، وطئت أقدامها في جنان الله، قد كانت تتعلق بأستار الكعبة، أفكانت عندهم تفتعل الشرك أو البدع ؟؟ حاشاها من ذلك وألف كلا .
    الدليل 13/ خرجه الترمذي 3249 وحسنه عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: " كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر كثير شحوم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، قرشي وختناه ثقفيان أو ثقفي وختناه قرشيان، فتكلموا بكلام لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه. فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله "، فقال عبد الله: " فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} [فصلت: 22].."،
    ومن المعلوم أنه لا يمكن الاستتار بها من أعين الكفار، لأنها ظاهرة، فيكون معنى : مستترا أي متعلقا ،
    برهان ذلك ما خرجه الطحاوي في مشكله (1/118) من طريق قطبة بن عبد العزيز: كنت أنا وسفيان، نتذاكر حديث الأعمش، فذكرت حديث عبد الله كنت متعلقا بأستار الكعبة، فقلت: عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله ، فقال لي سفيان: عمارة عن وهب بن ربيعة عن عبد الله "،
    قال: فقمت من فوري إلى الأعمش فقلت: يا أبا محمد عندك حديث عبد الله :"كنت متعلقا بأستار الكعبة ؟ فقال: عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد، فقلت: إن سفيان يقول: عمارة عن وهب بن ربيعة فقال لي: أمهل فجعل يهمهم كما يهمهم البعير , ثم قال: أصاب سفيان "، وهو الصواب والحديث صحيح صريح .
    وقد كان هذا التعلق أمرا موجودا منذ ما قبل الإسلام، ونظرا لشرف هذا المقام فقد حث النبي عليه السلام يوم فتح مكة على قتل من سبه وشتمه، ولو كان متعلقا بأستار الكعبة، وما ذاك إلا لشرف هذا المقام،
    الدليل 14/ خرجه الحاكم (2/62) وصححه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، فقال: «اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة» ، وفعلا فقد فعوا ذلك، فتوقف فيهم الصحابة حتى أكد على قتلهم ولو كانوا في ذلك المقام الرفيع :
    فقد خرج البخاري (1846) ومسلم (1357) والترمذي (1693) عن أنس بن مالك قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فقيل له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه".
    ثم استمر عمل السلف على هذا .
    15/ روى محمد بن يحيى قال: بينما علي بن أبي طالب رضي الله عنه يطوف بالكعبة إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع! ..".
    وخرج البيهقي في الفضائل (409) عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني عبد الرحمن بن عطية، قال: سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ..؟ يا أمير المؤمنين، فتعلق الرجل بأستار الكعبة لأي معنى هو؟ قال: هو مثل الرجل بينه وبين صاحبه جنايات فيتعلق بثوبه ويتنضل إليه أي يتضرع ليهب له جنايته ".
    16/ وقد قال بعض الصحابة لعبد الله بن الزبير ومن معه حين حارب الحجاج :" والله لو وجدوكم معلقين بأستار الكعبة لقتلوكم»
    قال سفيان : " قتل معه يعني ابن الزبير عبد الله بن صفوان وهو متعلق بأستار الكعبة، وكان يقول: " إنا لم نقاتل مع ابن الزبير، وإنما قاتلنا على ديننا ".
    . وعن يعلى بن حكيم قال: قال سعيد بن جبير: «ما رأيت أرعى لحرمة هذا البيت ولا أحرص عليه من أهل البصرة، لقد رأيت جارية ذات ليلة تعلقت بأستار الكعبة، فجعلت تدعو وتبكي وتتضرع حتى ماتت»
    . وروى عبد المنعم عن أبيه عن وهب: أنه كان إذا قدم مكة تعلق بأستار الكعبة، فدعا بهذه الدعوات..".
    . وقال مالك بن دينار: " بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذا أنا بجويرية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول: " يا رب ذهبت اللذات
    . وقال الثوري : قدِمتُ إلى مكة فإذا أنا بأبي عبد الله جعفر بن محمد قد أناخ بالأَبْطَح، فقلت: يا ابْنَ رسول الله، ... جُعِلْتُ فِداك، فما بال الناس يتعلَّقُون بأستار الكعبة وهي حَجَر لا يَنفَع شيئا؟ قال: وَيْحَك، مِثْلُ رجلٍ بينَه وبينَ رجل جُرْمٌ فهو يتعلَّق به ويطُوفُ حولَه رجاءَ أن يَهَبَ له ذلك الجُرْمَ ".
    . وقال عبد الرزاق:" قدمت مكة فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث فمضيت فطفت وتعلقت بأستار الكعبة ..".
    وهو قول السلف والخلف وكل المذاهب :
    فقال الحنفية :" ثم يأتي باب الكعبة ويقبل العتبة، ثم يأتي الملتزم، فيلصق بطنه بالبيت ويضع خده الأيمن عليه ويتشبث بأستار الكعبة، ويجتهد في الدعاء ويبكي".
    وقال الشافعية :" ويلصق صدره ووجهه بجدار البيت ويضع خده الأيمن عليه ويبسط يده اليمنى إلى الباب واليسرى إلى الركن ويتعلق بأستار الكعبة ويقول ..".
    وقال شيخ الإسلام (15/227) :" ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده فإنه سبحانه يستجار به هناك وقد يستمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به "
    وقال مالك وحده :" لا يتعلق"، مع أنه لم يُبدّع ذلك كما يفعلون .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •