مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة(1)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 44

الموضوع: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة(1)

  1. #1
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة(1)

    الحمد لله وحده:


    في هذه المناظرات نقف على :
    درجة المستوى العلمي والمعرفي في زمن المتناظرين
    مآخذ الأحكام والأدلة
    طرق التفقه
    آداب المناظرة
    سعة المدارك وضيقها لدى المتناظرين
    غير ذلك مما يعتمد على فطنة القاريء



    المناظرة الأولى:

    هي بين شيخي الشافعية في عصرهما (أبو المعالي الجويني صحاب النهاية وأبو إسحاق الشيرازي صاحب المهذب):

    سئل الشيخ الإمام أبو المعالي الجويني عمن اجتهد في القبلة وصلى ثم تيقن الخطأ .
    فاستدل فيها بأنه تعين له يقين الخطأ في شرط من شروط الصلاة فلزمه الإعادة كما لو تيقن الخطأ في الوقت .

    اعترض عليه الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي بأن قال:
    لا يجوز اعتبار القبلة بالوقت فإن أمر القبلة أخف من أمر الوقت والدليل عليه شيآن:
    أحدهما: أن القبلة يجوز تركها في النافلة في السفر والوقت لا يجوز تركه في النوافل المؤقتة كصلاة العيد وسنة الفجر في السفر وإن استويا في كونهما شرطين
    والثاني: أن القبلة يجوز تركها في الفرض في شدة الحرب والوقت لا يجوز تركه في شدة الحرب في الفرض

    فقال الشيخ أبو المعالي: لا خلاف بين أهل النظر أنه ليس من شرط القياس أن يشابه الفرع الأصل من جميع الوجوه وإنما شرطه أن يساويه في علة الحكم فإذا استويا في علة الحكم لم يضر افتراقهما فيما سواها فإنه لو اعتبر تساويهما في كل شيء لم يصح القياس لأنه ما من شيء يشبه شيئا في أمر إلا ويخالفه في أمر.
    ثم كون أحدهما أخف والآخر آكد لا يمنع الاعتبار
    ألا ترى أنا نقيس الفرض على النفل والنفل على الفرض وإن كان أحدهما أخف والآخر آكد
    ونقيس العبادات بعضها على بعض مع افتراقها في القوة والضعف ونقيس الحقوق بعضها على بعض وإن كان بعضها أخف وبعضها آكد .
    فكذلك هنا يجوز أن أعتبر القبلة بالوقت وإن كان أحدهما آكد والآخر أخف .
    وجواب آخر: أنه كما يجوز ترك القبلة مع العلم في النافلة في السفر والحرب فالوقت أيضا يجوز تركه في الجمع بين الصلاتين في السفر ولا فارق بينه وبين القبلة .
    بل القبلة آكد من الوقت ألا ترى أنه لو دخل في صلاة الفرض قبل دخول الوقت مع العلم انقلبت صلاته نفلا ولو دخل في الفرض إلى غير القبلة لم تنعقد نفلا فدل على أن القبلة آكد من الوقت .

    فقال له الشيخ أبو إسحاق: أما قولك إنه ليس من شرط القياس أن يساوي الفرع الأصل من كل وجه بل يكفي أن يساويه في علة الحكم ولا يضر افتراقهما فيما سواه يعارضه أن من شرط القياس أن يرد الفرع إلى نظيره وهذا الأصل ليس بنظير للفرع بدليل ما ذكرت فلم يصح القياس .
    ولأن افتراقهما فيما ذكرت من جواز
    ترك القبلة في النافلة في السفر وشدة الحرب وأن ذلك لا يجوز في الوقت دليل على أنهما لا يستويان في العلة لأنهما لو استويا في العلة لاستويا في النظير وإذ لم يستويا في العلة لم يصح القياس .
    وقولك لم إذا كان أحدهما أخف والآخر آكد لم يجز قياس أحدهما على الآخر لأنه إذا كان أحدهما آكد والآخر أخف دل على أن أحدهما ليس بنظير للآخر ولا يجوز قياس الشيء على غير نظيره وقولك إنا نقيس النفل على الفرض وأحدهما آكد ونقيس العبادات بعضها على بعض والحقوق بعضها على بعض مع اختلافها غير صحيح لأنه إذا اتفق فيها مثل ما اتفق هاهنا فأنا أمنع من القياس
    وإنما نجيز القياس في الجملة فإذا بلغ الأمر إلى التفصيل وقيس الشيء على غير نظيره لم أجوز ذلك
    وهذا كما نقول إن القياس في الجملة جائز ثم إذا اتفق منه ما خالف النص لم يجز
    ولا نقول إن القياس في الجملة جائز فوجب أن يجوز ما اتفق منه مخالفا للنص
    وقولك إنه يكفي أن يستويا في علة الحكم ولا يضر افتراقهما بعد ذلك لا يصح لأنه لا يكفي أن يستويا في علة الحكم غير أني لا أسلم أنهما استويا في علة الحكم لأن افتراقهما فيما ذكرت يدل على أنهما لم يستويا في علة الحكم
    وقولك إنه ليس من شرط القياس أن يستوي الأصل والفرع في جميع الأحكام لأنه لو شرط ذلك انسد باب القياس يعارضه أنه ليس من شرط الفرق أن يفارق الفرع الأصل في جميع الأشياء لأنه لو شرط ذلك انسد باب الفرق والفرق مانع كما أن القياس جامع
    وأما قولك إنه كما يجوز ترك القبلة في النافلة في السفر وشدة الحرب فكذلك
    يجوز ترك الوقت في الجمع بين الصلاتين لا يصح لأن ترك الوقت في الجمع ليس على سبيل التخفيف لموضع العذر وإنما هو من سنن النسك فلا يدل ذلك على التخفيف
    كما لا يدل الاقتصار في الصبح على الركعتين على أنها أضعف من الظهر والعصر
    وليس كذلك ما ذكرناه من ترك القبلة في النافلة في السفر والفريضة في الحرب لأن ذلك أجيز لتخفيف أمر القبلة في العذر فهو كالقصر في الظهر والعصر في السفر
    وأما قولك إنه إذا دخل في الفرض قبل الوقت انعقد نفلا ولو دخل فيه وهو غير مستقبل القبلة لم تنعقد له الصلاة نفلا فإن ما قبل الوقت وقت للنفل وغير القبلة ليس بموضع للنفل من غير عذر .

    فقال الشيخ أبو المعالي: أما قولك إني لا أسلم أن هذا علة الأصل فهذا من أهم الأسولة وأجودها
    ولكن كان من سبيلك أن تطالبني به وتصرح به ولا تكنى عنه فلا أقبله بعد ذلك
    وأما قولك إنه إن كان ما ذكرت يسد باب القياس لأنه ما من فرع يشابه أصلا في شيء إلا ويفارقه في أشياء فما ذكرت أيضا يمنع الفرق لأنه ما من فرع يفارق أصلا في شيء إلا ويساويه في أشياء فصحيح إلا أنك إذا أردت الفرق فيجب أن تبين الفرق وتدل عليه وترده إلى أصل ولم تفعل ذلك وإن تركتَ ما ذكرتُ واستأنف فرقاً تكلمتُ عليه.
    وأما قولك إن هذا نظير لأنه ترك القبلة في النافلة في السفر وفي الفرض في الحرب فغير صحيح لأن فيما ذكرت تُترك القبلةُ لعذر من جهة العجز فجاز أن يسقط الفرض
    معه وها هنا تُركَ للاشتباه وليس الترك للعجز كالترك للاشتباه
    ألا ترى أن المستحاضة ومن به سلس البول يصليان مع قيام الحدث ولو ظن أنه متطهر وصلى لم يسقط الفرض
    وأما قولك إن ترك الوقت في الجمع لحق النسك على وجه العبادة فلا يصح لأنه لو كان لهذا المعنى لوجب إذا أخر العصر إلى وقتها ألا يصح لأنه فعل العبادة على غير وجهها فدل على أنه على وجه التخفيف لحق العذر .

    وجواب آخر: من حيث الفقه أنا فرقنا بين الوقت والقبلة لأن الحاجة تدعو إلى ترك القبلة في النافلة لعذر السفر لأنا لو قلنا إنه لا يجوز ترك القبلة أدى إلى تحمل المشقة إن صلاها أو تركها ولا مشقة في ترك الوقت لأن السنن الراتبة مع الفرائض تابعة للفرائض فيصليها في أوقاتها وكذلك في شدة الحرب الحاجة داعية إلى ترك القبلة فإنا لو ألزمناهم استقبال القبلة أدى إلى هزيمتهم أو قتلهم ولا حاجة بهم إلى ترك الوقت فإنه يصليها في وقتها وهو يقاتل .

    فقلت له (أي الشيخ أبو إسحاق): أما قولك إنه كان يجب أن تطالبني بتصحيح العلة وتصرح ولا تكني فلا يصح لأني بالخيار بين أن أطالبك بتصحيح العلة وبين أن أذكر ما يدل على فسادها كما أن القائس بالخيار بين أن يذكر علة المسألة وبين أن يذكر ما يدل على العلة والجميع جائز فكذلك ها هنا
    وأما قولك إن الجمع لو كان للعبادة لما جاز التأخير لا يصح لأنه لا يجوز التأخير لأنه يفعلها في وقتها وتقديمها أفضل لأنه وقت لها على سبيل القربة والفضيلة
    وأما قولك إن ترك القبلة في النافلة والحرب للعجز أو المشقة فلا يصح لأنه كان يجب لهذا العجز أن يترك الوقت فتؤخر الصلاة في شدة الخوف ليؤديها على حال الكمال ويتوفر على القتال ولما لم يجز ترك الوقت وجاز ترك القبلة دل على أن فرض القبلة أخف من فرض الوقت فجاز أن يكون الاشتباه عذرا في سقوط فرض القبلة ولا يكون عذرا في ترك الوقت وهذا آخرها
    .

    قال ابن الصلاح نقلتها من خط الشيخ أبي علي بن عمار وقال نقلتها من خط رجل من أصحاب الشيخ أبي إسحاق وذكر في آخر الخط أنه كتبها من خط الشيخ الإمام أبي إسحاق وقوله فيها فقلت له هذا حكاية قول الشيخ أبي إسحاق وهو دليل أنها نقلت من خطه.
    نقلها السبكي في الطبقات في ترجمة الجويني.

    يتبع....
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    514

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    عقول عجيبة وامكانات عظيمة
    في زمن لم تتو فر فيه مقومات الحضارة الا با بسط صورها
    لكنه
    بذل قصارى الجهد
    و نور التقوى
    و سر الا خلاص
    *******************
    والعجب
    ان ياتي في عصرنا من يقلل من شأنهم
    وصحيح ما عنده من فتات مو ائدهم
    ******

  3. #3
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    بارك الله فيكم

    وهنيئا لأهل العلم عامة وللشافعية خاصة هذين الإمامين العبقريين الذكيين
    فكم أثريا في الفقه وأصوله ؟!
    ولولا الجويني لما راح الغزالي ولا جاء في الفقه
    رحم الله الجميع

    وقد كانت تلك المناظرة عندما قدم الشيخ أبو إسحاق نيسابور لحاجة فاستقبله العام والخاص بالقبول التام.
    فوقعت بينه وبين شيخ نيسابور وهو الجويني مناظرات عدة

    قال عبد الغفار الفارسي: ورأيت إمام الحرمين عظمه أبلغ التعظيم واحترمه وقابله بغاية الإكرام وحضر المناظرة فشيعه إلى باب المدرسة وأعانه على الركوب بنفسه وخرج في بابه عن أهابه كما يليق بالحال

    وقال السمعاني: سمعت جماعة يقولون: لما قدم أبو إسحاق نيسابور رسولا تلقوه، وحمل إمام الحرمين غاشيته، ومشى بين يديه وقال: أفتخر بهذا .ا.هـ

    وهكذا فليكن الأدب والتواضع

    وقد كان هذان الإمامان مضرب المثل في قوة المناظرة والجلد في البحث وشدة الذكاء

    قال سلار العقيلي أوحد شعراء عصره :
    كفاني إذا عنَّ الحوادثُ صارمٌ ****** يُنيلُنِي المأمولَ بالإثْر والأثرْ
    يقُدُّ ويَفرِى في اللقاء كأنــه ****** لسان أبي إسحاق في مجلس النظرْ

    قال الشيخ أبو إسحاق عن نفسه: كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت، أخذت قياسا آخر على هذا، وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به حفظت القصيدة التي فيها البيت.

    وقال الشاعر المفلق عاصم بن الحسن فيه:
    تراه من الذكاء نحيف جسم ***** عليه من توقده دليل
    إذا كان الفتى ضخم المعاني ***** فليس يضيره الجسم النحيل

    وقال أبو الوفاء بن عقيل _وهو الذي غسله يوم موته_ : شاهدت شيخنا أبا إسحاق لا يخرج شيئًا إلى فقير إلا أحضر النية، ولا يتكلم فى مسألة إلا قدَّم الاستعاذة بالله تعالى، وأخلص القصد فى نصرة الحق، ولا صنَّف شيئًا إلا بعدما صلى ركعات، فلا جرم شاع اسمه واشتهرت تصانيفه شرقًا وغربًا ببركة إخلاصه. قالوا: وكان مستجاب الدعوة.

    وقال السبكي كان الشيخ أبو إسحاق غضنفرا في المناظرة لا يصطلى له بنار وقد قيل إنه كان يحفظ مسائل الخلاف كما يحفظ أحدكم الفاتحة.

    قال بعض الأكابر : رأيت الإمام أبا إسحاق الشيرازي - رحمه الله - في النوم وعلى رأسه تاج ، وعليه ثياب بيض ، فقلت للشيخ وأشرت إلى الثياب البيض : ما هذا ؟ فقال : هذا عز العلم ، رضي الله عنه وغفر له ورحمه


    وأما إمام الحرمين فلو لم يكن له إلا النهاية والبرهان لكفى ذلك دليلا
    ولو أنه نجى من ضرر علم الكلام والإنهماك فيه لكان له شأن آخر في علوم الشريعة
    لكن قدر الله وما شاء فعل
    رحم الله الجميع وغفر لهم


    يتبع بمناظرة بينهما أيضا....
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  4. #4
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    بالنسبة للمسألة المتناظر حولها في المناظرة الأولى
    فهي قولان في المذهب تكلم عليها الشيخ في التنبيه والمهذب
    والإمام في النهاية وأحال على الأساليب


    ـــــ


    المناظرة الثانية: (إجبار البكر على الزواج). تتنبيه متواضع: ما لونته بالأخضر فإنه يجري مجرى القواعد والفوائد الأصولية الكلية


    استدل الشيخ الإمام أبو إسحاق رحمه الله بنيسابور في إجبار البكر البالغة بأن قال:
    باقية على بكارة الأصل فجاز للأب تزويجها بغير إذنها . أصلهُ إذا كانت صغيرة .

    فقال السائل: جعلت صورة المسألة علة في الأصل وذلك لا يجوز.

    فقال هذا لا يصح لثلاثة أوجه :
    أحدهما: أني ما جعلت صورة المسألة علة في الأصل لأن صورة المسألة تزويج البكر البالغة من غير إذن وعلتي أنها باقية على بكارة الأصل وليس هذا صورة المسألة لأن هذه العلة غير مقصورة على البكر البالغة بل هي عامة في كل بكر ولهذا قست على الصغيرة.
    الثاني: قولك لا يجوز أن تجعل صورة المسألة علة ، دعوى لا دليل عليها وما المانع من ذلك.
    الثالث أن العلل شرعية كما أن الأحكام شرعية ولا ينكر في الشرع أن يعلق الشارع الحكم على الصورة مرة كما يعلق على سائر الصفات فلا معنى للمنع من ذلك فإن كان عندك أنه لا دليل على صحتها فطالبني بالدليل على صحتها من جهة الشرع .

    فقال السائل
    دُلَّ على صحتها من الشرع .
    فقال : الدليل على صحة هذه العلة الخبر والنظر .
    أما الخبر : فما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال الأيم أحق بنفسها من وليها والمراد به الثيب لأنه قابلها بالبكر فقال والبكر تستأمر فدل على أن غير الثيب وهي البكر ليست أحق بنفسها
    وأقوى طريق تثبت به العلة نطق صاحب الشرع .
    وأما النظر: فلا خلاف أن البكر يجوز أن يزوجها من غير نطق، لبكارتها ، ولو كانت ثيبا لم يجز تزويجها من غير نطق أو ما يقوم مقام النطق عنده وهو الكتابة ، ولو لم يكن تزويجها إلى الولي لما جاز تزويجها من غير نطق.

    اعترض عليه الشيخ الإمام أبو المعالي ابن الجويني فقال:

    المعول في الدليل على ما ذكرت من الخبر والنظر .
    فأما الخبر فإنه يحتمل التأويل فإنه يجوز أن يكون المراد به أن الثيب أحق بنفسها لأنه لا يملك تزويجها إلا بالنطق والبكر بخلافها وإذا احتمل التأويل أولنا على ما ذكرت بطريق يوجب العلم وهو أنه قد اجتمع للبكر البالغة الأسباب التي تسقط معها ولاية الولي وتستقل بنفسها في التصرف في حق نفسها لأن المرأة إنما تفتقر إلى الولي لعدم استقلالها بنفسها لصغر أو جنون فإذا اجتمع فيها الأسباب التي تستغني بها عن ولاية الولي لم يجز ثبوت الولاية عليها في التزويج بغير إذنها .
    ولأن في الخبر ما يدل على صحة هذا التأويل من وجهين:
    أحدهما: أنه ذكر الولي وأطلق ولم يفصل بين الأب والجد وغيرهما من الأولياء ولو كان المراد ولاية الإجبار لم يطلق الولاية لأن غير الأب والجد لا يملك الإجبار بالإجماع فثبت أنه أراد به اعتبار النطق في حق الثيب وسقوطه في حق البكر .
    ولأنه قال : والبكر تستأمر وإذنها صماتها فدل أنه أراد في الثيب اعتبار النطق

    أجاب الشيخ الإمام أبو إسحاق فقال: لا يجوز حمله على ما ذكرت من اعتبار النطق لأنه صلى الله عليه وسلم قال الثيب أحق بنفسها وهذا يقتضي أنها أحق بنفسها في العقد والتصرف دون النطق .
    وقوله إنه أطلق الولي فإنه عموم فأحمله على الأب والجد بدليل التعليل الذي ذكره في الثيب فإنه قال والثيب أحق بنفسها من وليها وذكر الصفة في الحكم تعليل والتعليل بمنزلة النص فيخص به العموم كما يخص بالقياس .
    وقولك إنه ذكر الصمات في حق البكر فدل على إرادته النطق في حق الثيب لا يصح بل هو الحجة عليك لأنه لما ذكر البكر ذكر صفة إذنها وأنه الصمات فلو كان المراد به في الثيب النطق لما احتاج إلى إعادة الصمات في قوله والبكر تستأمر .
    وأما قوله إن هاهنا دليلا يوجب القطع غير صحيح وإنما هو قياس على سائر الولايات والقياس يترك بالنص .

    فقال الشيخ أبو المعالي :
    لا يخلو إما أن تدعي أنه نص ودعواه لا تصح لأن النص ما لا يحتمل التأويل فإذا بطل أنه نص جاز التأويل بالدليل الذي ذكرت.
    وأما قولك إني أحمل الولي على الأب والجد بدليل التعليل الذي ذكره في الخبر فليس بصحيح لأن ذكر الصفة في الحكم إنما يكون تعليلا إذا كان مناسبا للحكم الذي علق عليه كالسرقة في إيجاب القطع والثيوبة غير مناسبة للحكم الذي علق عليها وهي أنها أحق بنفسها فلا يجوز أن تكون علة ولأن ما ذكرت ليس بقياس وإنما هو طريق آخر فجاز أن يترك له التعليل .

    أجاب الشيخ الإمام أبو إسحاق فقال:
    أما التأويل فلا تصح دعواه لأن التأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله كقول الرجل رأيت حمارا وأراد به الرجل البليد فإن هذا مستعمل فجاز صرف الكلام إليه فأما ما لا يستعمل اللفظ فيه فلا يصح تأويل اللفظ عليه كما لو قال رأيت بغلا ثم قال أردت به رجلا بليدا لم يقبل لأن البغل لا يستعمل في الرجل بحال

    فكذلك هاهنا
    قوله الأيم أحق بنفسها من وليها وقولك ليس بتعليل لأنه لا يناسب الحكم لا يصح
    لأن ذكر الصفة في الحكم تعليل في كلام العرب ألا ترى أنه إذا قال اقطعوا السارق كان معناه لسرقته وإذا قال جالس العلماء كان معناه لعلمهم
    وقولك إنه إنما يجوز فيما يصلح أن يكون تعليلا للحكم الذي علق عليه كالسرقة في إيجاب القطع لا يصح لأن التعليل للحكم الذي علق عليه طريقه الشرع ولا ينكر في الشرع أن تجعل الثيوبة علة لإسقاط الولاية كما لا ينكر أن تجعل السرقة علة لإيجاب القطع والزنا للجلد
    وقولك هذا الذي ذكرت ليس بقياس خطأ بل جعلت استقلالها بهذه الصفات مغنيا عن الولاية ولا تصح هذه الدعوى إلا بالإسناد إلى الولايات الثابتة في الشرع
    والولايات الثابتة في الشرع إنما زالت بهذه الصفات في الأصل فحملت ولاية النكاح عليها وذلك يحصل بالقياس ولو لم يكن هذا الأصل لما صح لك دعوى الاستقلال بهذه الصفات فإنه لا يسلم أن الولاية تثبت في حق المجنون والصغير بمقتضى العقل وإنما يثبت ذلك بالشرع والشرع ما ورد إلا في الأموال فكان حمل النكاح عليه قياسا والقياس لا يعارض النص وقد ثبت أن الخبر نص لا يحتمل التأويل فلا يجوز تركه بالقياس
    ولأن هذا طريق يعارضه مثله وذلك أنه إذا كانت الأصول موضوعة على ثبوت الولاية للحاجة وسقوطها بالاستقلال بهذه الصفات فالأصول موضوعة على أن النطق لا يعتبر إلا في موضع لا يثبت فيه الولاية وقد ثبت أن النطق سقط في حق البكر فوجب أن تثبت الولاية عليها .

    فقال الشيخ الإمام أبو المعالي النطق سقط نصا (في موطن آخر من الطبقات (ألنطق سقط أيضا) بدل نصا).

    فقال الشيخ الإمام أبو إسحاق هذا تأكيد لأن سقوطه بالنص دليل على ما ذكرت وهذا آخر ما جرى بينهما والله أعلم. ا.هـ من طبقات السبكي.


    ــــ

    يتبع بمناظرة بين شيخ الحنفية في عصره (أبو عبد الله الدامغاني) وشيخ الشافعية في عصره (أبو إسحاق الشيرازي).
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    الجزائر - باتنة -
    المشاركات
    500

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    جزاكم الله خيرا
    .............
    نتابع -إن شاء الله-
    قال الإمام الشاطبي:
    "خذ من العلم لبه، ولا تستكثر من ملحه، وإياك وأغاليطه".

  6. #6
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    جزاكم الله خيرا

    يظهر من خلال هاتين المناظرتين غلبة أبي إسحاق على الجويني
    قال اليافعي في المرآة: وذكر بعض أهل الطبقات كلاماً معناه أنه حكي أن الشيخ أبا إسحاق تناظر هو وإمام الحرمين فغلبه أبو إسحاق بقوة معرفته بطريق الجدل.
    قلت وقد سمعت من بعض المشتغلين بالعلم نحواً من هذا وأن إمام الحرمين قال له :والله أعلم ما غلبتني بفقهك، ولكن بصلاحك. هكذا حكي والله أعلم.ا.هـ

    قال أبو جعفر الهمداني : سمعت الشيخ أبا اسحاق الفِيروزآبادي يقول: تمتعوا بهذا الامام، فإنه نزهة هذا الزمان. يعني أبا المعالي الجويني.
    وقال سمعت أبا إسحاق يقول لأبي المعالي: يا مفيد أهل المشرق والمغرب لقد استفاد من علمك الأولون والآخرون، وسمعته يقول له: أنت اليوم إمام الائمة.

    ولما أراد أبو إسحاق الإنصراف من نيسابور خرج إمام الحرمين للوداع، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق.
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    481

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    ولولا الجويني لما راح الغزالي ولا جاء في الفقه
    هذه كبيرة ، فعقل الغزالي كان يكفيه .. ، صحيح أنَّ الجويني له أثر على الغزالي ، لكنّ قولتكَ فيها مبالغة و مجازفة ..

  8. #8
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    لا بأس الأمر هين
    وكل يقيس ويقوم حسب علمه

    مع التنبيه إلى أن المراد من كلامي استفادة الغزالي من شيخه في الفقه وخاصة معرفة الطرق والوجوه في المذهب وتأثير الجويني عليه في هذا المجال كثيرا
    كاستفادة مسلم من شيخه البخاري في عمل الصحيح وتخريج الطرق والزيادات
    وليس في ذلك تنقيص من عقله وعلمه إن شاء الله
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  9. #9
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    وكان العلامة أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي تعلم المناظرة من الشيخ أبي إسحاق
    قال أبو الوفاء: والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إمام الدنيا وزاهدها وفارس المناظرة وواحدها كان يعلمني المناظرة وانتفعت بمصنفاته.
    وقد تقدم أنه هو الذي غسله بعد موته

    ولا يفوتني أن أنبه الباحثين _وهو شيء معروف عند المختصين_ أن هذا القرن (القرن الخامس) كان كنزا تراثيا ضخما ومرتعا خصبا لعلم الفقه والأصول
    تفتقت فيه كثير من الفروع والحجج على ألسن كبار علماء المذاهب في الفقه والأصول وكثرت المناظرات الفقهية خاصة بين الشافعية والأحناف ثم بين المذاهب الأربعة ككل
    وكان في هذا العصر كبار محرري المذاهب الأربعة

    وانتشر فيه علم الجدل والخلاف الفقهي غاية الانتشار
    ووضع كثير من كتب الخلاف
    وظهرت مصنفات في آداب علمي الجدل والمناظرة
    ككتاب الجويني والشيرازي والباجي وغيرهم
    وهو عندي أخصب وأكثر انتاجا من القرن الذي بعده ومن القرن الثامن زمن ابن تيمية والمزي وابن دقيق العيد والسبكي وابن الزملكاني
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    861

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    عظم الله أجرك ، ونفع بك ، لو زدت في التوثيق الجزء والصفحة ، لأن ما ذكرت يقيد في الفوائد .
    واجعَل لوجهكَ مُقلَتَينِ كِلاَهُما مِن خَشيةِ الرَّحمنِ بَاكِيَتَانِ
    لَو شَاءَ رَبُّكَ كُنتَ أيضاً مِثلَهُم فَالقَلبُ بَينَ أصابِعِ الرَّحمَنِ


  11. #11
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    أبشر يا شيخ ضيدان سأكر عليها راجعا إن شاء الله

    قبل أن نتمتع بقراءة المناظرة بين الشيخ أبي إسحاق الشيرازي الشافعي وبين القاضي أبي عبد الله الدامغاني الحنفي

    أقدم بتعريف وجيز للإمام الدامغاني لعدم شهرته عند أكثر طلبة العلم في هذا العصر ولعل ذلك لعدم وصول مؤلفاته _ وهي قليلة _ إلينا

    هو محمد بن علي بن محمد أبو عبد الله الدامَغاني ولد في دامغان سنة 398هـ وتوفي في بغداد سنة 478هـ

    أتقن هذا العلم على أبى الحسين القدوري وعلى القاضي أبى عبد الله الصيمرى وكفى بهما أئمة في الفقه عامة وفي فقه الحنفية خاصة
    قال أبو بكر الخطيب : وكان عفيفا وانتهت إليه الرياسة في مذهب العراقيين وكان وافر العقل كامل الفضل مكرما لأهل العلم عارفا بمقادير الناس سديد الراى وجرت أموره في حكمه على السداد

    قال ابن عقيل الحنبلى: ومن مشائخي الطود الشامخ والجبل الراسخ قاضى القضاة أبو عبدالله الدامغانى حضرت مجالس درسه للزيادات والخلاف ومجالس النظر أيام سنة خمسين إلى أن توفى رضى الله عنهم وعن جماعتهم .
    قال وكان القاضى أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري أحد الأئمة الشافعية يقول أبو عبدالله الدامغانى أعرف بمذهب الشافعية من كثير من أصحابنا. ا.هـ

    وكان يشبه بالقاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحم الله الجميع.


    ومن الطرائف : أن كلا من الإمامين المتناظرين لم يتفق له الحج
    قال القاضي محمد بن محمد الماهاني : إمامان ما اتفق لهما الحج : الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني
    فقال: الشيخ أبو إسحاق ما كان له استطاعة الزاد والراحلة ولكن لو أراد الحج لحملوه على الأحداق إلى مكة
    والدامغاني لو أراد أن يحج على السندس والإستبرق لأمكنه ذلك.


    وقد كان القاضي أبو الطيب الطبري إمام الشافعية وأبو عبد الصيمري إمام الحنفية قرينين في العلم والشيخوخة والتقدم وكانا تركا المناظرة منذ زمن لتلاميذهما
    فكان الشيخ أبو إسحاق ينوب عن شيخه الطبري
    وكان القاضي الدامغاني ينوب عن شيخه الصيمري

    فاتفقت بينهما هذه المناظرات
    رحم الله الجميع.
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المشاركات
    305

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    بارك الله فيكم مشرفنا الفاضل
    نحن نتابع وندون ونستفيد...
    وفقكم الله
    قال البرزلي رحمه الله في فتاويه (1/88):" من عز عليه دينه تورع، ومن هان عليه تبدع ." اهـ

  13. #13
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    بارك الله فيكم ونفع بكم

    لا زلنا نمتع أفهامنا ونفسح عقولنا في رياض المدرسة النظامية وروادها

    ونصاحب أنفاس فقهاء ذلك القرن الخصيب

    ونحن اليوم في روضة فقهاء دار السلام (بغداد) رحلة العلماء وقبلتهم في ذلك الزمن حررها الباري آمين.


    المناظرة الثالثة : بين رئيس الشافعية الإمام إبراهيم الشيرازي ورئيس الحنفية الإمام محمد الدامغاني.

    وقد حوت هذه المناظرة على فروق وقواعد ومقاصد لبعض الأبواب الفقهية فلتقيد وقد لونت بعضها بالأخضر


    "قال الإمام أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله _ وقد شاهد هذه المناظرة وحضرها_ العادة ببغداد أن من أصيب بوفاة أحد ممن يكرم عليه قعد أياما في مسجد رَبَضِه يجالسه فيها جيرانه وإخوانه (1) فإذا مضت أيام عزوه وعزموا عليه في التسلي والعودة إلى عادته من تصرفه .
    فتلك الأيام التي يقعد فيها في مسجده للعزاء مع إخوانه وجيرانه لا تقطع في الأغلب إلا بقراءة القرآن أو بمناظرة الفقهاء في المسائل .
    فتوفيت زوجة القاضي أبي الطيب الطبري وهو شيخ الفقهاء ذلك الوقت ببغداد وكبيرهم فاحتفل الناس بمجالسته ولم يكد يبقى أحد منتم إلى علم إلا حضر ذلك المجلس .
    وكان ممن حضر ذلك المجلس القاضي أبو عبد الله الصيمري وكان زعيم الحنفية وشيخهم وهو الذي كان يوازي أبا الطيب في العلم والشيخوخة والتقدم فرغب جماعة من الطلبة إلى القاضيين أن يتكلما في مسألة من الفقه يسمعها الجماعة منهما وتنقلها عنهما وقلنا لهما إن أكثر من في المجلس غريب قصد إلى التبرك بهما والأخذ عنهما ولم يتفق لمن ورد منذ أعوام جمة أن يسمع تناظرهما إذ كانا قد تركا ذلك منذ أعوام وفوضا الأمر في ذلك إلى تلاميذهما ونحن نرغب أن يتصدقا على الجمع بكلامهما في مسألة يتجمل بنقلها وحفظها وروايتها .
    فأما القاضي أبو الطيب فأظهر الإسعاف بالإجابة
    وأما القاضي أبو عبد الله فامتنع من ذلك وقال : من كان له تلميذ مثل أبي عبد الله يريد الدامغاني لا يخرج إلى الكلام وها هو حاضر من أراد أن يكلمه فليفعل .
    فقال القاضي أبو الطيب عند ذلك: وهذا أبو إسحاق _يعني الشيرازي_ من تلامذتي ينوب عني.

    فلما تقرر الأمر على ذلك انتدب شاب من أهل كازرون يدعى أبا الوزير يسأل أبا إسحاق الشيرازي: الإعسارُ بالنفقة هل يوجب الخيار للزوجة؟

    فأجابه الشيخ: أنه يوجب الخيار وهو مذهب مالك خلافا لأبي حنيفة في قوله إنه لا يوجبه لها .

    فطالبه السائل بالدليل على صحة ما ذهب إليه.

    فقال الشيخ أبو إسحاق: الدليل على صحة ما ذهبت إليه أن النكاح نوع ملك يستحق به الإنفاق فوجب أن يكون الإعسار بالإنفاق يؤثر في إزالته كملك اليمين.

    فاعترضه السائل باعتراضات ووقع الانفصال عنها
    ثم تناول الكلام على وجه النيابة عنه وهو الذي يسميه أهل النظر المذنبُ

    الشيخُ أبو عبد الله الدامعاني فقال: هذا غير صحيح لأنه لا يمنع أن يستويا في أن كل واحد منهما يُستحق به النفقة ثم يختلفان في الإزالة ألا ترى أن البيع والنكاح يستويان في أن كل واحد منهما يستحق به الملك ثم فوات التسليم بالهلاك في أحدهما يوجب بطلان العقد وهو البيع لأنه إذا هلك المبيع قبل التسليم بطل البيع وفي النكاح لا يبطل العقد وتنفذ أحكام الزوجية بعد الموت فكذلك في الفرع يجب أن يتساويا في أن كل واحد منهما يستحق به النفقة ثم العجز عن الإنفاق في أحد الموضعين يوجب الإزالة وفي الفرع لا يمكن نقل الملك عنه إلى الغير فوجب ألا تجب الإزالة بالإعسار كما يقال في أم الولد .

    فأجاب الشيخ أبو إسحاق عن الفصل الأول بفصلين :
    أحدهما: أنه قال إن هذا المعنى ليس بإلزام صحيح لأني لم أقل إنه إذا تساوى الملكان في معنى وجب أن يتساويا في جميع الأحكام لأن الإملاك والعقود تختلف أحكامها وموجباتها وإنما جمعت بينهما بهذا المعنى الذي هو استحقاق النفقة ثم العجز عن هذه النفقة التي لملك اليمين يوجب إزالة الملك فوجب أن يكون الآخر مثله .

    والثاني : أن النكاح إنما خالف البيع فيما ذكره لأن المقصود به الوُصلة والمصاهرة إلى الموت فإذا مات أحدهما فقد تمت الوصلة وانتهى العقد إلى منتهاه فمن المحال أن يكون مع تمام العقد نحكم بإبطال العقد كما نقول في الإجارة إذا عقدت إلى أمد ثم انقضت المدة لم يجز أن يقال إن الأحكام قد بطلت بانقضاء المدة وتمامها فكذلك النكاح وليس كذلك البيع فإن المقصود به التصرف في المعاني التي تثبت الملك من الاقتناء والتصرف والاستخدام فإذا هلك المبيع قبل التسليم فإن المعنى المقصود قد فات فلهذا تبطل وأما في مسألتنا فالملكان على هذا واحد في الاستحقاق للنفقة فإذا وجبت الإزالة في أحد الموضعين بالعجز عن الإنفاق وجب أن يكون في الموضع الآخر مثله

    وأما المعاوضة التي ذكرتها فلا تصح لأنه إن جاز أن يقال في العبد إنه يزول ملكه عنه لأنه تمكن إزالة الملك فيه بالنقل إلى غيره ففي الزوجة أيضا يمكن إزالة الملك إلى غيره بالطلاق فوجب أن يزال وعلى هذا تبطل به إذا عجز الزوج عن الوطء فإنه يثبت لها الخيار في مفارقة الزوج وإن كان لا يصح الملك فيها ألا ترى أنا نفرق بينهما بالعُنَّة فكذلك هاهنا .

    فأما الكلام في أم الولد فإنا لا نسلمه فإن من أصحابنا من قال إنه يجب إعتاقها متى عجز عن الإنفاق فعلى هذا لا نسلمه وإن سلمتُ فالمعنى فيها أنه لا يمكنها أن تتوصل إلى تحصيل النفقة بمثل ذلك السبب إذا أزيل ملكه عنها وهى ها هنا يمكنها التوصل إلى تحصيل النفقة بمثل ذلك السبب إذا أزيل ملكه عنها وذلك بأن تتزوج آخر وهو بمنزلة ما ذكرت من العبد القن.

    فقال له الشيخ أبو عبد الله الدامغاني على الفصل الأول: إذا كان قد استويا في مسألتنا في استحقاق النفقة بالملك في كل واحد منهما وأوجب ذلك التسوية بينهما في إزالة الملك فيهما لزمك أنه قد استوى البيع والنكاح في أن كل واحد منهما يستحق به الملك فوجب أن يستويا في إبطاله بفوات التسليم

    وأما قولك إن المقصود بالنكاح هو الوصلة وقد حصلت فليس بصحيح لأن المقصود في النكاح هو الوطء لأن الزوج إنما يتزوج للاستمتاع لا بقصد الوصلة من غير استمتاع

    وعلى أنه إن كان المقصود في النكاح هو الوصلة ففي البيع أيضا هو الملك دون الاقتناء والاستخدام بدليل أنه إذا اشترى أباه يحكم بصحة البيع وإن لم يحصل الاستخدام ولكن لما حصل الملك حكمنا بجوازه .

    وعلى أن في مسألتنا أيضا النكاح مخالف لملك اليمين في باب النفقة ألا ترى أن كل نفقة واجبة في ملك اليمين يستحق بها الإزالة وقد تجب في النكاح نفقات واجبة يحبس عليها ولا يستحق عليها الإزالة وهي النفقة الماضية ونفقة الخادم فدل ذلك على الفرق بينهما

    وأما الفصل الثاني وهي المعاوضة فهي صحيحة وقوله إن هاهنا أيضا يمكن إزالة الملك بالطلاق فغير صحيح لأن الطلاق إزالة ملك بغير عوض وهذا لا يوجبه العجز عن النفقة كما لا يجب إعتاق عبده للعجز عن النفقة .

    وأما ما ألزمت من الوطء إذا عجز عنه الزوج فليس بصحيح فإن في الوطء لا يمكنها تحصيله وأما النفقة فيمكنها تحصيلها بالاستقراض والاستخدام وغير ذلك وتنفق على نفسها

    وأما ما قلت في أم الولد إني لا أسلمه فإنه لا خلاف أنه لا يجوز إعتاقها
    وقولك إنه لا يتوصل إلى مثله بمثل هذا السبب وهاهنا يمكنه التوصل غير صحيح لأنه لا يمكنها أن تتوصل حتى تنقضي عدتها وتتزوج زوجا آخر وربما كان الزوج الثاني مثل الزوج الأول في الفقر فتركها عند الأول أولى.

    قال الشيخ أبو إسحاق على الفصل الأول: إنما جمعت بين الملكين وجعلته مؤثرا في باب الإزالة وهو استحقاق النفقة في كل واحد منهما فإذا حصل العجز ووجبت الإزالة في أحد الموضعين وجب في الموضع الآخر مثله وليس هذا بمنزلة المساواة في البيع والنكاح في أن كل واحد منهما يوجب الملك لأنهما وإن تساويا في الملك إلا أنهما مختلفان في التسليم ألا ترى أن التسليم مستحق بعد البيع وغير مستحق بعد النكاح والذي يدل عليه أنه إذا باع عبدا آبقا لم يصح العقد فدل على أنهما مختلفان في وجوب التسليم فجاز أن يختلفا في جواز التسليم وفي مسألتنا استويا في وجوب النفقة فوجب أن يتساويا في الإزالة عند العجز عنها

    وأما ما ذكرت من الفرق بين البيع والنكاح في المقصود وقلت إن المقصود من النكاح هو الوُصلة والمصاهرة فإذا فرق الموت بينهما فقد حصل المقصود وتمت الوصلة فلهذا قلنا إنه لا يبطل وفي البيع المقصود هو التصرف والاقتناء فإذا هلك التسليم فإن المقصود قد فات .

    وقولك إن الرجل يقصد بالنكاح الاستمتاع فهو صحيح إلا أنه لا يمتنع أن يكون له مقاصد أخر وليس كذلك البيع فإن عامة مقاصده قد فاتت بفوات التسليم فافترقا

    وأما ما ذكرت من أن البيع المقصود منه أيضا هو الملك وقد حصل بدليل أنه يجوز له أن يشتري أباه فيعتق عليه فهذا نادر وشاذ في باب البيع والمقصود من البياعات والأشرية ما ذكرت فلا يجوز إبطال ما وضع عليه الباب بأشذ وأندر
    على أن هناك قد حصل المقصود لأن المقصود في شراء الوالد أن يعتق عليه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه وليس كذلك هاهنا إذا مات قبل التسليم فإنه لا يحصل المقصود فافترقا

    وأما قولك في مِلك النكاح أيضا إنه مخالف للمِلك في باب النفقة بدليل أن كل نفقة واجبة في ملك اليمين يزال بالعجز عنها الملك ولا يزال الملك في النكاح بكل نفقة واجبة وهي النفقة الماضية ونفقة الخادم فغير صحيح .
    لأنه للبر في نفقة الخادم ، والنفقة الماضية الواجبة غير أنه لا ضرر في الامتناع من ذلك فلم يثبت لها الخيار وعليها ضرر في الامتناع من نفقة الحال فصارت هذه النفقة مثل نفقة العبد سواء

    وأما المعارضة
    بما ذكرت أنه لا يمكن إزالة الملك هاهنا بالطلاق وقولك إن الطلاق إزالة ملك بغير العتق وهو أن يباع فلا حاجة بنا إلى إزالة الملك فيه بالعتق وليس كذلك في الزوجة فإنه لا يمكن إزالة الملك فيها بالبيع ونقل الملك فأزيل بالطلاق ولهذا قلت في أم الولد إنه لما لم يمكن إزالة الملك فيها بالبيع أزلنا ذلك بالعتق على مذهب بعض أصحابنا وهو اختيار الشيخ أبي يعقوب (2) .

    وأما ما التزمت من الوطء إذا عجز فهو صحيح وهو فصل في المسألة .

    قال (لا زال الكلام لأبي إسحاق) : فإن الذي يلحق المرأة في ترك النفقة أعظم من الضرر في ترك الجماع فإن الجماع قد تصبر المرأة لفقده والنفقة لا بد منها وبها يقوم البدن والنفس ثم قلنا إنه يثبت الخيار وإن كان لا يمكن نقل الملك فيها بعوض فكذلك هاهنا

    وأما قولكم في الجماع لا تتوصل إليه إلا بإزالة الملك وهاهنا تتوصل إليه بأن تستقرض فغير صحيح فإنه يلحقه الضرر بالاستقراض ويطلب ويحبس عليه وإن ألزمناها ذلك يجب أن نلزمها أن تكري لنفسها وفي ذلك مشقة عظيمة ولا يجب إلزامها .

    وأما ما ذكرت في أم الولد أنى لا أسلمه فهو صحيح وقولك إني أقيس عليه إذا كان لها كسب فلا يلزم لأنها إذا كان لها كسب فليس هناك إعسار بالنفقة فإن كسبها يكون لمولاها ويمكنه أن ينفق عليها وفي مسألتنا عجز عن الإنفاق على ما ذكرت

    وأما الفرق الذي ذكرت فهو صحيح
    وقولك إنه لا تتوصل إلى تحصيل النفقة إلا بانقضاء عدة فتزوج آخر فغير صحيح لأنه لو كان لهذا المعنى لوجب أن يفرق فيها قبل الدخول وبعده ولأنه إذا كان قبل الدخول توصل إلى تحصيل النفقة في الحال فسقط ما قلته .

    وعلى هذا إن كان لا يوجب إزالة الملك لهذا المعنى فيجب أن يكون في الوطء لا يثبت لها الخيار فإنها لا تتوصل أيضا إلى تحصيل الجماع حتى تنقضي عدتها وتتزوج زوجا آخر وربما كان الثاني مثل الأول في العجز عن الجماع ولما ثبت أنه يزول الملك للعجز عن الجماع بطل ما قلتم والله الموفق للصواب . ا.هـ من طبقات السبكي 245/4.

    ـــــ
    (1) فيه جلوس أهل العلم للعزاء وتخصيص مكان له.

    (2) يعني البويطي.
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    3,170

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    واصل يا شيخ أمجد... موضوع متميز بحق.
    أدام الله عليك حسن الاختيار وحسن الخلق وسعة الفهم.
    وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا
    ـــــــــــــــ ـــــــــــ( سورة النساء: الآية 83 )ــــــــــــــ

  15. #15
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    بارك الله فيك أخي أسامة ونفع بك

    ومن النظائر والاتفاقات هنا أنه:

    كان كل من الشيخين الشيرازي الشافعي والدامغاني الحنفي قد غسلهما بعد موتهما تلميذهما أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي

    وكان في كل منهما دعابة وطرفة
    قال الهمذاني عن القاضي الدامغاني: وكان بهي الصورة، حسن المعاني في الدين والعلم والعقل والحلم وكرم العشرة والمروءة.
    له صدقات في السر، وكان منصفا في العلم، وكان يورد في درسه من المداعبات والنوادر نظير ما يورد الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فإذا اجتمعا، صار اجتماعهما نزهة.ا.هـ

    قلتُ: كان الشيخ أبو إسحاق مولعا بإيراد الأشعار والحكيات والطرائف في مجالسه ومناظراته ذكر ذلك مترجموه ومثلوا له

    وكان لكل واحد منهما كثير من الطلبة والأصحاب طبقوا الأرض ونشروا العلم كما ذكر أهل التراجم

    ولم يتفق لأحد منها الحج كما تقدم

    وكان كل منهما ينوب عن شيخه في المناظرة كما تقدم

    ــــــــــــ

    يتبع الليلة بمناظرة ثانية بين الشيرازي والدامغاني إن شاء الله...
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  16. #16
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    بارك الله فيكم

    المناظرة الرابعة: بين شيخ الشافعية والمدرسة النظامية الشيرازي وشيخ الحنفية الدامغاني

    موضوع المناظرة: الذمي إذا أسلم هل تسقط عنه الجزية؟

    "كانت هذه المناظرة عندما اجتمعا في عزاء ببغداد
    سئل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي عن الذمي إذا أسلم هل تسقط عنه الجزية لِما مضى ؟
    فمنع من ذلك وهو مذهب الشافعي .
    فسئل الدليل .
    فاستدل على ذلك بأنه أحد الخراجين فإذا وجب في حال الكفر لم يسقط بالإسلام أصله خراج الأرض .

    فقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الدامغاني: لا يمتنع أن يكون نوعان من الخراج ثم يشترط في أحدهما مالا يشترط في الآخر كما أن زكاة الفطر وزكاة المال نوعان من الزكاة ثم يشترط في أحدهما النصاب ولا يشترط في الآخر .

    والسؤال الثاني لا يمنع أن يكون حقان متعلقان بالكفر ثم أحدهما يسقط بالإسلام والآخر لا يسقط ألا ترى أن الاسترقاق والقتل حقان متعلقان بالكفر ثم أحدهما يسقط بالإسلام وهو القتل والآخر لا يسقط بالإسلام وهو الاسترقاق .

    والسؤال الثالث المعنى في الأصل أن الخراج يجب بسبب التمكن من الانتفاع بالأرض ويجوز أن يجب بمثل هذا السبب حق عليه في حال الإسلام وهو العشر فلهذا جاز أن يبقى ما وجب عليه منه حال الكفر وليس ذلك ها هنا لأنه ليس يجب بمثل نسبته حق في حال الإسلام فلهذا سقط ما وجب في حال الكفر .

    فقال الشيخ أبو إسحاق على الفصل الأول وهو اعتبار نصاب في زكاة المال دون زكاة الفطر ثلاثة أشياء:
    أحدهما: أن ما ذكرت حجة لنا لأن زكاة الفطر وزكاة المال لما كان سبب إيجابهما الإسلام ، والكفر ينافيهما كان تأثير الكفر في إسقاطهما مؤثرا واحدا حتى إنه إذا وجبت عليه زكاة الفطر وارتد عندهم سقط عنه ذلك كما إذا وجبت عليه زكاة المال ثم ارتد سقطت عنه الزكاة فكان تأثير الباقي في إسقاطهما على وجه واحد فكذلك ههنا لما كان سبب الخراجين هو الكفر والإسلام ينافيهما فيجب أن يكون تأثير الإسلام في إسقاطهما واحدا وقد ثبت أن أحدهما لا يسقط بالإسلام فكذلك الآخر .

    جواب ثان أن الزكاتين افترقتا لأن زكاة الفطر فارقت سائر الزكوات في تعلقها بالذمة ففارِقُها في اعتبار النصاب وليس كذلك الخراجان فإنهما سواء في اعتبار الكفر في وجوبهما ومنافاة الإسلام لهما فلو سقط أحدهما بالإسلام سقط الآخر .

    جواب ثالث وهو أن زكاة الفطر لا تزداد بزيادة المال فلهذا لم يعتبر فيها النصاب وليس كذلك سائر الزكوات فإنها تختلف باختلاف المال وتزداد بزيادته فلهذا اعتبر فيها النصاب
    وأما حال الخراجين فإنهما على ما ذكرت سواء فوجب أن يتساويا في الإسلام .

    وأما الفصل الثاني: وهو القتل والاسترقاق فالجواب عنه من وجهين :

    أحدهما: أن القتل والاسترقاق جنسان مختلفان ومع اختلاف الأجناس يجوز أن تختلف الأحكام فأما في مسألتنا فالخراجان من جنس واحد يجبان بسبب الكفر فلا يجوز أن يختلف حكمهما .

    والثاني: الاسترقاق إذا حصل في حال الكفر كان ما بعد الإسلام استدامة للرق وبقاء عليه وليس كذلك القتل فإنه ابتداء عقوبة فجاز أن يختلفا وأما في مسألتنا فحال الخراجين واحد من استيفاء ما تقدم وجوبه فإذا لم يسقط أحدهما لم يسقط الآخر.

    وأما الفصل الثالث: وهو المعاوضة (وتحتمل:المعارضة ) فالجواب عنه من وجهين :

    أحدهما : إن قال لا أسلِّم أن بمثل سبب الخراج يجب على المسلم حق فإن الخراج إنما وجب بسبب التمكن من الانتفاع مع الكفر والعشر إنما لزم للأرض بحق الله وهو الإسلام .

    والثاني : أنه إن كان هناك حق يجب بمثل سبب الخراج فيحسن أن يجري عليه الذي في حال الإسلام فلهذا جاز أن يبقى ما تقدم وجوبه في حال الكفر فكذلك في مسألتنا يجب بمثل سبب الجزية حق حتى يجري عليه في حال الإسلام وهو زكاة الفطر فإن الزكاة وزكاة الفطر تجب عن الرقبة فيجب أن الجزية تجب عن الرقبة وأن يبقى ما وجب من ذلك في حال الكفر فلا فرق بينهما.

    فقال أبو عبد الله الدامغاني: على فصل الزكاة على الجواب الأول وهو قال فيه إن ذلك حجة فإنهما يستويان في اعتبار الإسلام في حال واحد من الزكاتين.
    فقال: لا يمتنع أن يكون الكفر يعتبر في كل واحد من الخراجين ثم يختلف حكمهما بعد ذلك في الاستيفاء كما أن زكاة الفطر وزكاة المال يستويان في أن المال معتبر في حال واحدة فيهما ثم يختلفان في كيفية الاعتبار
    فالمعتبر في زكاة الفطر أن معه ما يؤدي فاضلا عن كفايته عندكم والمعتبر في سائر الزكوات أن يكون مالكا لنصاب فكذلك هاهنا يجوز أن يستوي الخراجان في اعتبار الكفر في كل واحد منهما ثم يختلف حكمهما عند الاستيفاء فيعتبر البقاء على الكفر في أحدهما دون الآخر

    وجواب ثان: أن الزكاتين إنما أثر الكفر فيهما على وجه واحد لأنهما يجبان على سبيل العبادة فلا يجوز استيفاؤهما بعد الكفر لأن الكافر لا تثبت في حقه العبادات وليس كذلك في مسألتنا فإن الجزية تجب على سبيل الصغار لأن الله تعالى قال حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وبعد الإسلام لم يوجد الصغار فلا يصح استيفاؤهما وكذلك الخراج في الأرض لا يجب على سبيل الصغار ولهذا يجوز أن يوجد باسمه من المسلمين وهو الذي ضربه عمر رضي الله عنه على الأرض السواد .

    وتكلم على الجواب الثاني عن هذا الفصل وهو أن زكاة الفطر تتعلق بالذمة .
    فقال: لا يمتنع أن يكون أحدهما في الذمة والآخر في المال ثم يستويان في النصاب كما أن أرش الجناية يتعلق بعين الجاني وزكاة الفطر تتعلق بالذمة ثم لا يعتبر النصاب في واحد منهما .
    وأيضا فقد اختلف قول الشافعي في أن الزكاة تتعلق بالعين أو الذمة فدل على أنه ليس العلة فيه ما ذكرت .

    وتكلم على الجواب الثالث في هذا الفصل وهو أن زكاة الفطر لا تزداد بزيادة المال .
    فقال: لما جاز أن لا تزداد بزيادة المال ثم لا يعتبر فيه النصاب ثم هذا يبطُل بما زاد على نصاب الدنانير والدراهم عندك، فإنه يزداد بزيادة المال ثم لا يعتبر فيها النصاب.

    وتكلم على الفصل الثاني وهو الاسترقاق والقتل حيث قال إنهما جنسان يختلفان وهاهنا جنس واحد .
    فقال: إنهما وإن كانا جنسين إلا أنهما يجبان بسبب الكفر وكان يجب أن يكون تأثير الإسلام فيهما واحدا كما قلنا في الخراجين .
    والثاني أن الخراجين وإن كانا جنسا واحدا فإنه يجب أن يستوفيا في حال الإسلام كالخراج الذي وضعه عمر رضي الله عنه مع الخراج فهما خراجان ثم يجوز ابتداء أحدهما بعد الإسلام فلا يجوز ابتداء الآخر فكذلك هاهنا .

    وأجاب عن الجواب الثاني: في هذا الفصل وهو أن الاسترقاق استدامة والقتل ابتداء فعل .
    فقال: القتل والجزية سواء لأن القتل قد تقدم وجوبه ولكن بقي بعد الإسلام الاستيفاء كما وجبت الجزية وتقدم وجوبها وبقي الاستيفاء وإن كان القتل لا يجوز بعد الإسلام لأنه ابتداء مع ما تقدم وجوبه في حال الكفر فهما سواء .

    وتكلم على المعاوضة على الجواب الأول أن العشر لا يجب بالسبب الذي يجب به الخراج.
    فقال: الخراج يجب بإمكان الانتفاع بالأرض ولذلك لا يجب فيما لا منفعة فيه من الأرض كالمستغدَر وما يبطل منه الانتفاع به كما يجب العشر بإمكان الانتفاع فهما يجبان بسبب واحد فإذا جاز ابتداء أحدهما بعد الإسلام جاز البقاء على الآخر بعد الإسلام .

    وتكلم على الفصل الثاني وهو زكاة الفطر .
    فقال: الجزية لا تجب بالمعنى الذي تجب به زكاة الفطر لأن زكاة الفطر تجب على سبيل العبادة والجزية تجب على وجه الصغار فسببهما مختلف .

    فتكلم الشيخ أبو إسحاق على الجواب الأول بأن ذلك حجة لي فقال أما قولك أنه يجوز أن يشترك الحقان في اعتبار الإسلام ثم يختلفان في الكيفية والتفصيل كما استوى زكاة الفطر وزكاة المال في اعتبار المال واختلفا في كيفية الاعتبار فهذا صحيح في اعتبار المال فأما في اعتبار الدين فلا يجوز أن يختلف جاز الابتداء والاستيفاء ألا ترى أن زكاة الفطر خالفت سائر الزكوات في التفصيل في اعتبار المال
    ثم الكفر لما كان مباينا لهما والإسلام معتبر فيهما لم يختلف اعتبار ذلك فيهما لا في الابتداء ولا في الاستيفاء بل إذا زال الإسلام الذي هو شرط في وجوبهما أثر الكفر في إسقاط كل واحد منهما ومنع من استيفائهما فكذلك هاهنا لما كان الإسلام منافيا للخراجين والكفر شرط في وجوبهما وجب أن يكون حالهما واحدا في اعتبار الكفر في الابتداء والاستيفاء كما قلنا في زكاة الفطر وزكاة المال .

    وأما الكلام الثاني الذي ذكرت على هذا بأن زكاة الفطر وزكاة المال يجبان على سبيل العبادة فنافاهما الكفر وأن الجزية على سبيل الصغار فغير صحيح لأنه كما تجب الجزية على سبيل الصغار فخراج الأرض كذلك فإذا نافى الإسلام أحدهما ومنع من الاستيفاء لأنه ليس بحال صغار وجب أن ينافى الآخر أيضا ووجوبه على سبيل الصغار .

    والثاني: أنا لا نعلم أن الجزية تجب على سبيل الصغار بل هي معاوضة ولهذا المعنى تعتبر فيها المدة كما تعتبر في المعاوضات ولو كان ذلك صغارا لم تعتبر فيها المدة كما تعتبر في الاسترقاق والقتل
    ويدل عليه: أنها تجب في مقابلة معوض لهم وهو الحقن والمساكنة في دار الإسلام وما سلم لهم معوضه دل على أنه يجب على سبيل العوض
    وأما قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فقد قيل في التفسير إن المراد به أنهم ملتزمون لأحكام الإسلام .

    والثالث : أن الصغار إنما يعتبر في الوجوب فأما في الاستيفاء فلا يعتبر ألا ترى أنه لو ضمن عنه مسلم جاز أن يستوفي عنه وإن لم يجب على المسلم في ذلك صغار فدل على بطلان ما قالوه .
    وأيضا فإن الصغار قد يعتبر في إيجاب الشيء ولا يعتبر في استيفائه كما أن الحدود تجب على سبيل التنكيل بالمعاصي ولهذا قال الله تبارك وتعالى: جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فذكر النكال عقب ذكر الحد كما ذكر الصغار عقيب ذكر النكال
    فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال التائب من الذنب كمن لا ذنب له فكذلك هاهنا .

    وأما الكلام عن الجواب الثاني من هذا الفصل وهو أن زكاة الفطر تتعلق بالعين فصحيح وما ذكرت من التفصيل فلا يلزم لأني لم أقل إن كل حق يتعلق بالعين يعتبر فيه النصاب وإنما قلت إن الزكاة إذا تعلقت بالعين اقتضت النصاب وزكاة الفطر تخالف سائر الزكوات في تعلقها بالعين فخالفتها في اعتبار النصاب فلا يلزم عليه سائر الحقوق .

    وأما قولك إن النصاب معتبر في سائر الزكوات من غير اختلاف وفي تعلق الزكاة بالعين قولان فغير صحيح لأن القول به فاسد وبهذا يستدل على فساده لأنه لو كان تعلق بالذمة لما اعتبر فيه النصاب .

    وأما الجواب الثالث عن هذا الفصل أن زكاة الفطر لا تزداد بزيادة المال وسائر الزكوات تزداد بزيادة المال فهو صحيح وما ذكرت من أنه لو كان ذلك صحيحا لما اعتبر فيه وجود صاع فاضلا عن الكفاية فباطل لأنه يعتبر فيها النصاب ولا يزداد بزيادة المال .

    وأما قولك إنه يبطل هذا بما زاد على نصاب الأثمان والعشر فلا يلزم لأني جعلت ذلك علة في اعتبار النصاب الثاني ، إلا لدفع الضرر فيما يدخل الضرر فيه وهو تبعيض الحيوان والمشاركة فيه وهذا لا يوجد في الحبوب ولا في العين فسقط اعتباره .

    وأما الكلام في الفصل الثاني وهو الاسترقاق فما ذكرته من الجواب أن الاسترقاق والقتل جنسان مختلفان وهاهنا جنس واحد فصحيح وقولك إنهما وإن كانا جنسين إلا أنهما يجبان بسبب الكفر ولولا الكفر لم يجبا فكان يجب أن يؤثر الإسلام في إسقاطهما فغير صحيح لأنه وإن كان وجوبهما بسبب واحد إلا أنهما حقان مختلفان وإذا اختلفت الحقوق يجوز أن تختلف أحكامها
    ألا ترى أن الجمعة والخطبة تجبان لمعنى واحد إلا أنهما لما اختلفا في الجنسية اختلفا في الأحكام
    فكذا هنا الاسترقاق والقتل وإن وجبا بسبب الكفر إلا أنهما جنسان مختلفان فيجوز أن يختلف حكمهما .

    وأما قولك إن هذا يبطل بخراج السواد وجزية الرقاب فإنهما خراجان لم يبتدىء أحدهما بعد الإسلام ولا يبتدىء الآخر فخطأ لأني لم أقل إنهما جنس واحد سواء بل قلت إنهما جنس واحد وسببهما الكفر وإنما هو البيع والإجارة على اختلاف المذهب وهاهنا كل من الخراجين وجب لحق الكفر فلم يختلفا

    وأما الجواب الثاني عن هذا الفصل وهو أن الاسترقاق استدامة والقتل ابتداء عقوبة فصحيح وقولك إن القتل استيفاء ما تقدم فغير صحيح لأني قلت إن القتل ابتداء عقوبة والاسترقاق استدامة لأنه قد تقدم فعل الاسترقاق في حال الكفر وليس كذلك هاهنا لأنه كالخراجين استيفاءُ ما تقدم ، وإن جاز أحدهما جاز الآخر وليس في القتل مثل هذا
    ألا ترى أنه ليس في جنسه ما يساويه في الاستيفاء بحق الكفر ثم بعد الإسلام وهاهنا من جنسه ما يستوفى بعد الإسلام وهو خراج الأرض فلو لم يجز استيفاء الجزية بعد الإسلام لوجب أن يقال لا يجوز استيفاء الخراج .

    وأما الفصل الثالث وهو المعاوضة فما ذكرت من المنع صحيح لأن الخراج يجب بسبب الكفر ويعتبر فيه التمكين من الانتفاع بالأرض والعشر يجب بحق الإسلام ويعتبر فيه الخراج فأحدهما لا يجب بالسبب الذي يجب به الآخر ويدل على أنه لا يصح اجتماعهما في حال الكفر ولا في حال الإسلام لأنه في حال الكفر يجب الخراج ولا يجب العشر وفي حال الإسلام يجب ولا يجب الخراج فدل على أنها متنافيان ولا يجوز أن يستدل من وجوب أحدهما بعد الإسلام على بقاء الآخر بعد الإسلام .

    والثاني: ما ذكرت من زكاة الفطر فهو صحيح في الفرع لأنه كما يجب بسبب منفعة الأرض حق مبتدأ على المسلم فبسبب الرقبة يجب حق مبتدأ على المسلم وهو زكاة الفطر .

    وقولك: إن زكاة الفطر على سبيل العبادة والجزية والخراج على سبيل الكفر والصغار فلا يجوز أن يستدل بأحدهما بعد الإسلام على بقاء الآخر كذلك يجوز أن يستدل بوجوب زكاة الفطر حال الإسلام على بقاء الجزية والله أعلم".
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  17. #17
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    ومن تدبر في هذه المناظرات تبين له براعة ومهارة أصحابها في:

    ــ استعمال الأقيسة
    ــ الكشف عن الفروق
    ــ الكشف عن النظائر والأشباه
    ــ الكشف عن علل ومعاني ومقاصد الأبواب والأحكام
    ــ المهارة في دفع ما يرد على الحجج والبراهين

    وهذا جانب من الفقه مهمل جدا عند أهل عصرنا ممن يتكلم في الفقه
    وإنما تبرز مهارة الفقيه في هذا الميدان

    وذلك أن الفقه لا يقتصر على إيراد الآيات الأحاديث فقط وإن كانا هما الأصل
    فإن هذا يحسنه كل أحد
    لكن الذي يميز الفقيه هو توجيه هذه النصوص بدفع ما يعارضها ويرد عليها
    وبسلكها في نظم واحد يناظر بعضه بعضا لا تتناقض
    وببيان المعاني والعلل التي شرعت من أجلها
    وبمهارة القياس عليها ما يلحق بها من الفروع



    يتبع إن شاء الله بمناظرة خامسة لكنها من مشكاة الفقه الحنبلي هذه المرة...
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    78

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    ألا ترون أن الغالب في هذه المناظرات الالتفات إلى الأمثلة الجزئية دون المعاني الكلية ؟ وهذا خروج عن المقصود .

  19. #19
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    بارك الله فيكم

    تفصد الحيدة في المناظرة بالجواب عن الجزئيات دون كليات ومعاني المناظر أم غير ذلك؟
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

  20. #20
    أمجد الفلسطيني غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,550

    افتراضي رد: مناظرات فقهية رائعة رائقة شائقة

    نقدم بتعريف لأبي سعد المُخرِّمي:
    هو أبو سعد المبارك بن علي المخرمي
    تفقه بالقاضي أبي يعلى وبالشريف أبي جعفر وكانا من كبار الحنابلة والقائمين بالمذهب في عصرهما
    وكان مليح المناظرة
    ومحبا للكتب جماعا لها حصل مرة كتابا فأنشد:
    كم من كتاب تعبت في طلبه ***** وكنت من أفرح الخلائق به
    حتى إذا مت وانقضى عمري ***** صار لغيري وعد في كتبه

    طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 481/3
    وذيل تاريخ بغداد لابن النجار 179/2 .

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــ

    المناظرة الخامسة: بين أبي الوفاء ابن عقيل الجنبلي وأبي سعد المخرِّمي الحنبلي
    وكان الحافظ ابن رجب رحمه الله نقل مضمونها ملخصا في الذيل على طبقات الحنابلة366/1 وناب عن المخرمي في الرد على كلام ابن عقيل.

    موضوع المناظرة: بيع الوقف إذا خرب وتعطل هل يصح؟



    قال ابن عقيل: أنا أخالف صاحبي في هذه لدليل عرض لي، وهو أنَّ الباقي بعد التعطل والدروس صالح لوقوع البيع وابتداء الوقف عليه، فإنه يصحُ وقف هذه الأرض العاطلة ابتداء، فالدوام أولى.
    ألا ترى أن الرّدَّة والعدة يمنعان ابتداء النكاح، ولا يمنعان دوامه؟

    اعترض عليه المخرِّمي فقال: يحتمل أن لا أسلم ما عولت عليه في صحة إنشاء وقفها، بل لا يصح وقف ما يجب نقله.

    قال ابن عقيل: هذا لا يجوز أن يقال جملة، فإنك تقول: تباع ويُصرف ثمنها في وقف آخر.
    فهذه المالية التي قَبِلَتِ البيع، وهو عقد معاوضة مُستأنف ، كيف لا يصلح لبقاء دوام عقد قد انعقد بشروطه؟
    وأكثر ما يُقدَّر أن المسجد بقي في بَريَّة، فيصلح لصلاة المارة والقوافل، ويصحُّ أن يَستأجرَ البقعةَ أهلُ قافلة لإيقاف دوابهم، وطرح رحالهم، وهذا القدر من بقاء مالية الأصل والمنافع وقبولها للعقود المستجدة لا يجوز معه قطع دوام الوقف.

    قلتُ (أي ابن رجب): هذا ليس بجوابٍ لما قاله المخرِّمي من منع صحة إنشاء وقفها، فإن أكثر ما يفيد هذا: أن وقفيتها لم تزُل بالخراب، والمخرمي موافق على ذلك، ولكنه يقول: إنه يجوز أو يجبُ بيعها وصرف ثمنها إلى مثلها، وهذا شيء آخر. ولم يستدل ابن عقيل على صحة إنشاء وقفها.

    فإن قال: فإذا صح إنشاء عقد البيع عليها صح إنشاء الوقف.
    قلنا: هذا ممنوع، فكم من عين يصحّ بيعها، ولا يصح وقفها. فإن الواقف إنما يصح في عين يدوم نفعها مع بقائها. ولو جاز وقفُ ما يجب بيعه ونقله لجاز بيع وقف المطعومات ونحوها، وتباع ويصرف ثمنها في غيرها.

    ثم يقال: إذا وقفها ابتداء وهي متعطلة، فإن كان يمكن الانتفاع بها فيما وقفت له كوقف أرض سَباخٍ مسجدًا: صح وقفها.

    فإن قيل: مع هذا يُقَر لحاله ولا يباع ، فلأنه لم يُفقد منه شيء من منافعه الموقوفة.
    بخلاف المسجد العامر إذا خرب، وإنْ لم يمكن الانتفاع بها فيما وقفتْ له، كفرس زَمِنٍ حُبس للجهاد، فهذا كيف يصح وَقفهُ والمقصود منه مفقود؟ فإنّ هذا بمنزلة إجازة أرض سَبِخة للزرع، وبعير زَمِن للركوب.
    وإنْ سلَّمنا صحة إنشاء وقفها، وأنها تباع، ويُصرف ثمنها، فيما ينتفعُ به، كما هو ظاهر كلام أحمد في مسألة السُرج الفضية، وأفتى بمثله جماعة في وقف الستور على المسجد.
    فهذا حجة لنا، لأن صحة الوقف لما لم تنافِ جواز البيع والإبدال، بل وجوبها في الابتداء، فكذا ينبغي أن يكون في الدوام.
    وقوله: وهذا القدر من بقاء المالية لا يجوز معه قطع دوام الوقف دعوى مجردة.


    قال المخرمي: فما طُلب بالنقل والبيع إلا دوامُ النفع، فإنَّ نقل الوقف إلى مكان ينتفع به أبقى للنفع.

    قال ابن عقيل: إلا أنك لما أسقطت حكم العين والتعيين، وذلك إسقاطٌ، كمراعاة تعيين الواقف.
    وأحق الناس بمراعاة بقايا المحل أحمدُ. حتى إنه قال: إذا حلف: لا دخلتُ هذا الحمام فصار مسجدًا ودخله
    أو لا أكلتُ لحم هذا الجدي فصار تيسًا
    أو هذا التمر فاستحال ناطفًا (يعني خمرا) أو خلاً: حنث بكله، فهذا في باب الأيمان.
    وفي باب المالية والملك: تزول المالية بموت الشاة، وشدة العصير، ويبقى تخصيصه به بدءًا، بحيث يكون أحق بالجِلد دبغًا واستصلاحًا، وبالخمر تخليلاً في رواية. وكذلك الجلاَّلة والماء النجس.


    قلت(أي ابن رجب): الإمام أحمد يراعي المعاني في مسائل الأيمان، ومسألة الوقف .
    فإنَّ الواقف إنما قصد بوقفه دوام الانتفاع بما وقفه، فإذا تعذّر حصول ذلك النفع من تلك العين أبدلناها بغيرها مما يحصل منه ذلك النفع، مراعاة بحصول النفع الموقوف ودوامه به.
    وهو المقصود الأعظم للواقف، دون خصوصية تلك العين المعينة.
    وكذلك الحالف قصد الامتناع من تلك العين المحلوف عليها دخولاً وكلاً.
    وهذا القصد لا يتغير بتبدل صفات تلك العين، فإنَ ذاتها باقية.
    وهذا أفقه وأحسن مما اختاره ابن عقيلٍ من تعليق الحكم على مجرد الاسم.
    فراعى العين في صورة الوقف ولم يُجِز إبدالها، وإن فات المقصود منها لتعلق الوقف بها، وراعى الاسم المعلق به اليمين، فمنع الحنث بتبدله مع بقاء العين، ووجود المعنى الذي قصد اجتنابه باليمين.

    وأما مسألة الميتة والخمر وما أشبههما: فهناك عين باقية على اختصاص صاحبها وتحت يده الحُكمِيَّة لِما بقي فيها من المنافع، فلذلك كان أحق بها.
    كذلك هنا العين باقية على الوقفية، لكن نحن نقول: يجوز إبدالها، والمخالف لم يذكر حجة على منع ذلك.


    قال المخرمي: لا يجوز أخذ حكم الدوام من الابتداء، كما لم يجز في باب تملك القريب ذي الرحم المحرَّم
    وكما لم يجز في باب تملك الكافر العبد المسلم بالإرث.
    فإنه لا يدوم الملك على الأب ولا على المسلم، ويصح ابتداء الملك فيهما
    والأضحية المعينة يجوز نقلها إلى ما هو أسمن منها، فيقطع الدوام بالإبدال.

    قال ابن عقيل: أما مسألة تملك ذي الرحم المحرم: فذاك ضد ما نحن فيه لأن ذاك التملك جُعل وسيلة الوسائل إلى الأغراض المقصودة، يعفى فيها عن خلل يَدخل ، وضرر يحصل، كما في مسألة النجاسة باليد، وإزالة المُحرم الطيبَ عنه بيده. فالتملك للأب سبب للمجازاة والمكافأة التي نطق بها الشرع، وهي عتقه، ولا يمكنه ذلك في ملك غيره، فصار التملك ضرورة لحريته، إذ لو ملكه ودام ملكه صار مكافأة الشيء بضده لما فيه من إذلاله لأبيه، والمطلوب مكافأته بالإعتاق والإطلاق، واغتفر دخوله في ملكه لحظة لما يعقبه من العزّ الدائم.
    فهذه علّة انقطاع الدوام هناك وهو ضدّ ما نحن فيه، فإن الموقوف موضوع لدوام الانتفاع، ولهذا لا يصح إلا في محل يبقى على الدوام.

    وأما الأضحية: فمن الذي أخبرك أنّي أنصر مذهب أحمد وأبي حنيفة، حتى يلزمني إبدالها بخير منها، على أنها انقطعتْ لجواز المشاركة بالثلث أكلاً للمضحى، وإهداء لثلثها، بخلاف مسألتنا.
    فههنا إبدال قليلة الانتفاع بأنفع منها لا يجوز. فالأمران مختلفان. والله أعلم.

    قلتُ(أي ابن رجب): كان المخرّمي رجع معه، على وجه التنزل، إلى أن الوقف المعطل، وإنْ صحّ ابتداؤه، فلا يلزم منه صحة دوامه، كشراء ذي الرحم، فاستطال ابن عقيل عليه، وقال: المقصودُ من شراء ذي الرحم قطع الدوام بخلاف الوقف.

    ولكن لا حاجة إلى ما ذكره المخرمي هنا فإن التحقيق في ذلك ما تقدم، وهو أن العين المعطلة إن كان يمكن الانتفاع بها على وجه ما: صحّ وقفها ابتداء ودوامًا، لكن في الدوام تبدل، وإن لم تبدل في الابتداء لما سبق من الفرق، وفي الموضعين الوقف صحيح، لكن جواز الإبدال أو وجوبه أمر زائد على صحة الوقف.
    ولم يذكر ابن عقيل دليلاً على امتناعه.

    وأما إن كانت العين مسلوبة النفع بالكلية: فهذه لا يصح وقفها ابتداء ولا دوامًا، بل تخرج بذلك عن الوقفية، وإن سلم صحة بقائها على الوقفية في الدوام - وهو ظاهر كلام الأصحاب - فلأنه يُفتقر في الدوام ما لا يفتقر في الابتداء.
    وأما الأضحية وتفريقه بينها وبين الوقف بالمشاركة فيها دون الوقف: فالوقف أيضًا قد يدخله المشاركة، بأن يقف على نفسه، أو يقف مسجدًا ويصلي فيه مع الناس، ونحو ذلك.

    وأما تفريقه بجواز الإبدال في الأضحية بأنفع منها دون الوقف، فيقال: والوقف فيه رواية أخرى عن أحمد: بجواز الإبدال كالأضحية، فلمن نصر هذا القول أن ينتصر لهذه الرواية، فلا يبقى بينهما فرقٌ. والله أعلم".ا.هـ
    قال السراج البلقينـي في محاسن الاصطلاح ص176:
    " لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض "

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •