الإجماع اليقيني الحل الوسط
للشيخ : فؤاد يحيى هاشم


طرفان ووسط، أنا الوسط، وغيري الأطراف! دعوى ما أسهلها، وما أجراها على اللسان، هكذا قضية الإجماع، كإحدى قضايا الوسط والأطراف.

وفي هذا المقال سأضيف نفسي إلى هؤلاء الأدعياء، وأطرح صورة من الإجماع أزعم أنها الوسط، لا على أنها "الراجح" ولكن على أنه لا ينبغي أن يكون في مثلها خلاف.

إن الإجماع في منزلة رفيعة وموضعه شريف، ومحله كريم وجدير بنا تمييز مناراته.

إن قضية الإجماع تبرز كإحدى المسائل الكبار التي اعترك فيها الإسلاميون مع خصمائهم من المنتسبين إلى الإسلام، لما يرون أنهم خرقوا سجفه، وهي أيضاً ذاتها اعترك فيها الإسلاميون فيما بينهم إذ تشاطروا الدعوى مرة أخرى!.

إن حصر الإجماع في دائرة الإجماع القطعي كوجوب الصلوات وتحريم الزنا، أمرٌ مِن الخطورة بمكان؛ إذ إن دائرة الإسلام هي يقيناً وقطعاً أوسع بكثير من هذه الأمور الضرورية.

إن دليل الإجماع ليس هو فقط عملية استدلالية لمعرفة حكم المسألة، بل إن الشارع لم يهتم بالإجماع حين أشار إليه في مناسبات عديدة من هذا الاتجاه وإنما أبرزه كموئلاً للهدى، ومناقضاً للضلالة، وسبيلاً للرشاد، وحاصناً من التفرق والاختلاف؛ فهل هذا كله قاصرٌ على ما كان معلوماً بالدين من الضرورة؟ فما أقل فائدته إذن.

إن ثمة دوائر واسعة من مسائل الإسلام هي محل إجماع بين المسلمين، ولم يقع بينهم الاختلاف فيها، ولم تثر أي ارتباكات تذكر في تقريرها، وهي أيضاً ليست من المسائل الضرورية.
وهذا كثير جداً في تفاصيل المسائل.

ومن هنا استطاع ابن حزم الظاهري أن يؤلف كتابه في "مراتب الإجماع"، ألم تسأل نفسك يوماً ما كيف صنف هذا الظاهري كتاباً كاملاً في حكايات الإجماع، وصار مرجعاً لأهل العلم، بل حكى المالكية وهم أشد خصوم ابن حزم: أن أقوى الإجماعات هي إجماعات ابن حزم، بل إن ابن تيمية وهو صاحب الكتاب الذي نقد فيه مراتب ابن حزم: صرَّح أن أكثر إجماعات ابن حزم هي كذلك كما حكاها.

ألم تسأل نفسك يوماً ما كيف استطاع ابن حزم رحمه الله أن يصنف هذا الكتاب، وهو المؤسس الثاني لمدرسة أهل الظاهر الذين حصروا الإجماع في دائرة الإجماع القطعي إلا أن يكون إجماع الصحابة؟

إن ابن حزم رحمه الله بمهارته استطاع أن يحصل مئات المسائل التي لم يقع فيها الخلاف البتة بين أهل العلم، ولم تثر فيه أي مناقشة، ليستصحب هذا الإجماع في تحديد دائرة فهم النص من جهة، ولمناقضة من لم يطرد قاعدته بحسب وصف هذا الإجماع.

وبه نعرف عدم دقة بعض المعاصرين في دعواهم عليه بالتناقض، ومنهم محقق كتابه "مراتب الإجماع"!.

إن الإجماع اليقيني ليس في مرتبة الإجماع القطعي، وليس هو نازلٌ بالمرة إلى ما اختلف فيه من أنواع الإجماع الظني وآحاده.
فهو من حيث القسمة يتردد بينهما، وقد يضاف إلى هذا تارة وإلى هذا تارة.

لكن المهم أنه يستوعب المسائل التي لم يقع فيها الخلاف بين أهل العلم، وذلك لأمور:
إما لظهور النص فيها ظهوراً قوياً
وإما لجريان العمل عليها.
وإما غير ذلك

فهذا القدر من الإجماع إذا حقق فإنه لا ينبغي مجاوزته وليست مجاوزته من سيما أهل العلم، وإنما يقع على سبيل الفلتة والشذوذ.

نعم هناك إجماعات مختلف فيها كجملة من مسائل الإجماع السكوتي، أو ما أثير فيه خلاف قديم أو متأخر، أو ما حكى فيه بعض المطلعين على أقوال الناس الإجماع ولم يكن كذلك أو أن غيره أثبت الخلاف، إلى مسائل عديدة تظهر أكثر في الجانب التطبيقي.

فهذه المسائل ونحوها هي التي ينبغي أن يكون فيها الخلاف، هل هذا الإجماع الظني المحصل بهذه الطرق حجة أو لا؟

أما أن يستطال إلى ما لم يختلف فيه البتة ويجعل كل شيء في الإسلام قابل للنقاش والمراجعة ما دام أنه خارج دائرة وجوب الصلاة وتحريم الخمر ونحوها: فهي مصيبة ذات جلاجل.

ولا أتعجب من شيء قدر تعجبي أن فائدة هذا المقال استفدتها من رجلين:
1- ابن حزم الظاهري.
2- يوسف القرضاوي.

وإن كنت أختلف معهم في قضايا الإجماع نفسها، وربما في بعض محددات هذه المسألة لكن الطرف الآخر يبصر منك ما لا تبصره من نفسك!

المصدر : http://www.mmf-4.com/vb/t4105.html