بسم الله الرحمن الرحيم
هذه كلمات كنت قد جمعتها قبل سبع سنوات أو أكثر بقليل، حول بعض أحكام السُترة، وقد قام بعض الشباب حينئذ بتصويرها وتوزيعها في المساجد فجزاهم الله خيرا، رأيت من المناسب أن أضعها بين يدي أخوتي ـ كما هي ـ ليعم النفع بها إن شاء الله تعالى، وكنت قلت فيها:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ وبعد فهذه كلمات وجيزة في مسألة شرعية فقهية ـ اتخاذ السترة بين يدي المصلي ـ تهاون بها من يدعي العلم فكيف يكون حال من أقر على نفسه بالجهل ؛ جمعناها تعليماً لمن جهل وتذكيراً لمن علم ومساهمة في نشر سنة حبيبنا e .
تعريفها :السترة ما استترت به من شيء كائنا ما كان" لسان العرب4 /344. قال في المصباح المنير1/ 266( و يقال لما ينصبه المصلي قدامه علامة لمصلاه من عصا وتسنيم تراب وغيره سترةلأنه يستر المار من المرور أي يحجبه).
. فائدتها : للسترة فوائد كثيرة منها (1) منع المرور بين يدي المصلي .(2) أنها تكف بصره عما وراءها.(3) أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة والحمار والكلب الأسود.
مشروعيتها: وردت أحاديث كثيرة في مشروعيتها نسوق شيئا منها:
فأما من الأحاديث القولية : فعن عبد الله بن عمر t قال قال رسول الله (e ) : (لا تصل إلا الى سترة ولا تدع أحدا يمر بين يديك فان أبى فلتقاتله فان معه القرين ) أخرجه مسلم في صحيحه وابن خزيمة والحاكم والبيهقي. وعن سهل بن حثمة t قال قال رسول الله (e): ( إذا صلى أحدكم فليصل الى سترة وليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته ) رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ورواه البغوي في شرح السنة بلفظ مقارب وعن أبي سعيد الخدري t قال قال رسول الله (e) : ( إذا صلى أحدكم فليصل الى سترة وليدن منها ولا يدع أحدا يمر بينه وبينها فإذا جاء أحد يمر فليقاتله فإنما هو شيطان ) رواه أبو داود وابن خزيمة وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي . هذه بعض النصوص القولية.
أما الفعلية :
فعن عبد الله بن عمر t: (أن رسول الله (e) كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي أليها والناس وراءه وكان يفعل ذلك في السفر فمن ثم اتخذها الأمراء ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم .
حكمها : وهذه النصوص واضحة في وجوب السترة لأنه e أمر بها ومعلوم أن الأمر يقتضي الوجوب إلا لقرينة وهي منتفية ههنا ؛ وما يظن أنه قرينة تصلح لصرف هذه الأوامر كلها إلى الاستحباب سيأتي الرد عليها وبيان عدم صلاحيتها لذلك ؛ قال الشوكاني معلقاً على حديث أبي سعيد المتقدم : ( فيه أن اتخاذ السترة واجب) نيل الأوطار 3/2.
تفنيد القول باستحبابها :
يحتج بعضهم بعدم أيجاب السترة بأحاديث منها:
(1) ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان ـ أي النبي (e) ـ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار...) الحديث. وهذا لا حجة فيه لعدم اتخاذ السترة وذلك لأن مكان الواقعة عرفات كما في بعض الروايات فان كان ذلك كذلك لا حجة فيه البتة لما ورد مصرحا به عند أحمد وابن خزيمة والطبراني عن ابن عباس نفسه قال : (ركزت العنزة بين يدي رسول الله (e) بعرفات وصلى إليها والحمار من وراء العنزة ) فيتبين من هذا النص أنه كان يصلي إلى السترة ؛ وأما رواية انه كان بمنى فلا حجة فيه فقوله إلى غير جدار يشعر بأن هنالك شيئا أخر غير الجدار ولذا فان البخاري بوب عليه : باب سترة الأمام سترة لمن خلفه ليبين عادته (e) في غرز العنزة ونحوها ؛ قال ابن التركماني :( لا يلزم من عدم الجدار عدم السترة ولا أدري ما وجه الدليل في رواية مالك على أنه صلى إلى غير سترة ). وقال العيني في عمدة القاري : عند قوله ( الى غير الجدار ) ( هذا اللفظ مشعر بأن ثمة سترة لان لفظ (غير ) يقع دائما صفة وتقديره : الى شيء غير جدار وهذا أعم من أن يكون عصا أو عنزة أو نحو ذلك) ؛ وقال الشوكاني : ( لا يلزم من نفي الجدار نفي سترة أخرى من حربة أو غيرها كما ذكره العراقي ويدل على هذا أن البخاري بوب على هذا الحديث باب سترة الإمام سترة من خلفه فاقتضى ذلك انه (e) كان يصلي الى سترة).
(2) ومن أدلتهم أيضا في عدم إيجاب السترة ما ورد عند البزار ( انه صلى في فضاء ليس بين يديه شيء ) وهو من رواية الحجاج بن ارطأة عن الحكم عن يحيى الجزار عن ابن عباس به وهذا إسناد ضعيف ؛ الحجاج بن أرطأة قال الحافظ في التقريب "صدوق كثير الخطأ والتدليس وقد عنعن هنا " وقال في الفتح "ضعيف ومدلس أيضا" وفيه أيضا انقطاع فان يحيى الجزار لم يسمع من ابن عباس والواسطة بينهما أبو الصهباء وهو متكلم فيه ؛ وقد وردت الرواية عند البزار بلفظ : ( ليس شيء يستره يحول بينهم وبينه ) قال الشوكاني ( لم ينف السترة مطلقا انما نفى السترة التي تحول بينهم كالجدار المرتفع الذي يمنع الرؤية بينهما وقد صرح بمثل هذا العراقي) وقال الشوكاني عند شرحه لحديث أبى سعيد الخدري t ( إذا صلى أحدكم فليصل الى سترة .. الحديث) ( فيه أن اتخاذ السترة واجب ويؤيده حديث أبي هريرة وحديث سبرة وكون الرسول (e) صلى في فضاء ليس بين يديه شيء لا يوجب صرفه من الوجوب الى الندب لانه تقرر في الاصول أن فعله (e) لا يعارض القول الخاص بنا وتلك الاوامر السابقة خاصة بالأمة فلا يصلح هذا الفعل أن يكون قرينة لصرفها) اهـ بتصرف ؛ وقال صاحب المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود عند قوله (e) ( اذا صلى أحدكم الى سترة فليدن منها) ما نصه : في الحديث إشارة الى أن اتخاذ السترة للمصلي محقق حيث عبر بـ (اذا) ويؤيده ما جاء من الأحاديث التي فيها الأمر باتخاذها وليس المراد أنه مخير في اتخاذ السترة وعدمه)اهـ .
مقدار المسافة بين المصلي وسترته .
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر t : (أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل وجعل الباب قبل ظهره فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع ؛ صلى يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي (e) صلى فيه (والشاهد أن بينه وبين السترة قريبا من ثلاثة اذرع .
وقد ورد أيضا مقدار المسافة بين سترته وبين موضع سجوده فعن سهل بن سعد قال كان بين مصلى رسول الله (e) وبين الجدار ممر شاة) رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في الكبرى وأبو عوانة وفي رواية أبو داود ( كان بين مقام النبي (e) وبين القبلة ممر عنز) حسنه ابن عبد البر في التمهيد ، قال النووي : المصلى : موضع السجود ، وعن عون بن أبي جحيفة قال : ( سمعت أبي أن النبي (e) صلى بالبطحاء وبين يديه عنزة ؛ الظهر والعصر ركعتين يمر بين يديه المرأة والحمار ) رواه البخاري ومسلم.
والعَنَزة : قال ابن الأثير في النهاية ( العنزة مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا وفيها سنان مثل سنان الرمح) وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي e كان يُركز له الحربة فيصلي إليها ) رواه البخاري ومسلم والنسائي . وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضا عن النبي (e) (انه كان يعرض راحلته فيصلي أليها ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود. هذه بعض النصوص الواردة في السترة وما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من قول وفعل كثير جدا لا يتسع المقام لبسطه
ما مقدار ارتفاع السترة ؟

روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله (e) سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي ؟ فقال : كمؤخرة الرحل) وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله (e) ( إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مرَّ وراء ذلك ) أخرجه مسلم ؛ قال النووي رحمه الله تعالى : مؤخرة الرحل : هي العود الذي في أخر الرحل "ومقداره ذراع كما صرح به عطاء والثوري ونافع ؛ والذراع ما بين طرف المرفق إلى الأصبع الوسطى ويقدر بـ ( 2, 46 ) سم.
هل يقوم الخط مقام السترة ؟

والجواب :أن الخط لا يقوم مقام السترة بل لابد من الصلاة إلى سترة مرتفعة فان اعترض معترض وقال لكن هناك حديث صرح باتخاذ الخط ؛ فيقال: على فرض صحة الحديث فلا دليل فيه على اتخاذ الخط إلا بعد عدم وجود السترة ؛ وهذا نص الحديث ( إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فان لم يجد فلينصب عصا فان لم يكن معه عصا فليخطط بين يديه خطا ثم لا يضره ما مرَّ أمامه )أخرجه عبد الرازق وأحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان عن أبي هريرة t وقد أورد الحديث ابن الصلاح في مقدمته مثالا للمضطرب فان راوي الحديث قال مرة عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة ومرة عن جده عن أبي هريرة ومرة أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده عن أبي هريرة هذه ثلاثة اختلافات في السند وبقي ستة تركناها خشية الإطالة ؛ ولو فرض عدم اضطرابه كما هو مذهب بعض العلماء فللحديث علة أخرى وهي جهالة اثنين من رواته وأيضا فان سفيان بن عيينة وهو أحد رواة هذا الحديث ضعف الحديث فقال : لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ولم يجيء إلا من هذا الوجه ، وقد ضعفه أيضاً النووي والعراقي وغيرهم. إذا علم هذا فان حديث الخط لا حجة فيه لا إسنادا ولا متنا ، ومن باب الفائدة يقال قد وردت أحاديث أخرى دالة على اتخاذ الخط منها ما رواه الطبراني من طريق أبي موسى الاشعري t وفي إسناد الحديث أبو هارون العبدي قال فيه ابن حجر: متروك ومنهم من كذبه شيعي ".وروى أبو يعلى عن أبي محذورة t قال رأيت رسول الله (e) دخل المسجد من قبل باب بني شيبة حتى جاء إلى وجه الكعبة فاستقبل القبلة فخط بين يديه خطا عرضا ثم كبر فصلى والناس يطوفون بين الخط والكعبة) وفي إسناده حسَّان بن عباد وقيل ابن أبي عباد قال الذهبي لا يدرى من هو وفي إسناده أيضا إبراهيم بن عبد الملك وهو ضعيف ، وبهذا يتبين ضعف النصوص الواردة في اتخاذ الخط قال البيهقي احتج الشافعي رحمه الله تعالى بهذا الحديث يعني حديث الخط في القديم ثم توقف فيه في الجديد فقال في كتاب البويطي "ولا يخط المصلي بين يديه خطا إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فليتبع" وقال ابن حزم : ولم يصح في الخط شيء فلا يجوز القول به"وقال مالك في المدونة " الخط باطل".
هل يستثنى الحَرَمان الشريفان من اتخاذ السترة أو لا ؟

والجواب عن هذه المسألة: أن النصوص الواردة بالأمر في اتخاذ السترة لم تفرق بين مسجد وآخر وعلى ذلك فالحرمان داخلان ولا يخرجان إلا بدليل، هذا من ناحية الإجمال.
أما من ناحية التفصيل فيقال :
أولا : عموم النصوص يشمل جميع المساجد دون استثناء.
ثانيا : الأحاديث الآمرة باتخاذ السترة أو بعضها قالها النبي (e) وهو في المدينة .
ثالثا : عمل النبي (e) يؤيد اتخاذ السترة حتى في الحرمين أما في الحرم المدني فقد تقدمت الإشارة الى ذلك واما في الحرم المكي فعن أبي جحيفة t قال : خرج رسول الله (e) بالهاجرة فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين ونصب بين يديه عنزة ... الحديث أخرجه البخاري وبوب عليه : باب السترة بمكة . وعن عبد الله بن أبي أوفى t قال : ( اعتمر رسول الله (e) فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس ) رواه البخاري وعن جابر بن عبد الله t في حديث الحج الطويل قال : ( ثم نفذ الى مقام ابراهيم عليه السلام فقرأ ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فجعل المقام بينه وبين البيت .. الحديث ) أخرجه مسلم هذه بعض الأحاديث المرفوعة الى النبي (e) في اتخاذه السترة في الحرم.
رابعا : يحتج بعضهم بحديث فيه جواز الصلاة في الحرم بلا سترة وللفائدة نسوقه بكامله : عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة أنه سمع بعض أهله يقول : رأيت رسول الله (e) يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه ليس بينه وبين الكعبة سترة ( وفي رواية ) طاف بالبيت سبعا ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام وليس بينه وبين الطواف أحد وهذا حديث ضعيف فيه جهالة أهل كثير الذي روى عنهم الحديث وفيه كذلك اضطراب وانظر تفصيل ذلك في السلسلة الضعيفة حديث رقم 928.
فانظر – يا أخي القارىء ، هداني اللّه و إياك – كيف أتت الأوامر من النبي r، الذي طاعته طاعة اللّه عزّ وجلّ ، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فاحرص أن تكون من أهل السنة والأثر المتبعين للحبيب المصطفى ولا يغرنَّك جهل الجاهلين ولا تهاون المبتدعين.

وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
منقول