أحوالنا في القبور مقتبس من كتاب التذكرة للقرطبي رحمه الله
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: أحوالنا في القبور مقتبس من كتاب التذكرة للقرطبي رحمه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    170

    افتراضي أحوالنا في القبور مقتبس من كتاب التذكرة للقرطبي رحمه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم
    ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري



    أولا- باب بسط الثوب على القبر عند الدفن




    ذكرأبو هدبة إبراهيم بن هدبة رحمه الله أنه قال : حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم تبع جنازة ، فلما صلى عليها دعا بثوب فبسط على القبر و هو يقول : لا تتطلعوا في القبر فإنها أمانة فلعسى يحل العقدة فيرى حية سوداء متطوقة في عنقه فإنها أمانة و لعله يؤمر به فيستمع صوت السلسلة .


    و ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن الشعبي رحمهم الله عن رجل أن سعد بن مالك بن مالك رضي الله عنه، قال : أمر النبي صلى الله عليه و سلم بثوب فستر على القبر حين دفن سعد بن معاذ رضي الله عنه ، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم في قبر سعد بن معاذ رضي الله عنه وستر على القبر بثوب فكنت فيمن أمسك الثوب.


    فصل : اختلف العلماء في هذا الباب ، فكان عبد الله بن يزيد و شريح و أحمد بن حنبل يكرهون مد الثوب على الرجل ، و كان أحمد و إسحاق يختاران أن يفعل ذلك بقبر المرأة ، و كذلك قال أصحاب الرأي ، و لا يضر عندهم أن يفعلوا ذلك بقبر الرجل .


    و قال أبو ثور : لا بأس بذلك في قبر الرجل و المرأة . و كذلك قال الإمام الشافعي و ستر المرأة عند ذلك آكد من ستر الرجل . ذكره ابن المنذر .

    قال الشيخ المؤلف رحمه الله : و يستر الرجل و المرأة للعلة التي جاءت في حديث أنس اقتداء بفعله عليه السلام في ستر سعد بن معاذ و الله أعلم .






    و لقد أخبرني بعض أصحابنا : أنه سمع صوت جو السلسلة في قبر . و أخبرني صاحبنا الفقيه العالم شيخ الطريقة أبو عبد الله محمد بن أحمد القصري رحمه الله أنه توفي بعض الولاة بقسطنطينة فحفر له ، فلما فرغوا من الحفر وأرادوا أن يدخلوا الميت القبر إذا بحية سوداء داخل القبر ، فهابوا أن يدخلوه فيه , فحفروا له قبراً آخراً ، فلما أرادوا أن يدخلوه إذ بتلك الحية فيه , فحفروا له قبرا آخر فإذا بتلك الحية فيه, فلم يزالوا يحفرون له نحواً من ثلاثين قبراً إذا بتلك الحية تتعرض لهم في القبر الذي يريدون أن يدفنوه فيه ، فلما أعياهم ذلك سألوا ما يصنعون ؟ فقيل لهم : ادفنوه معها . نسأل الله السلامة و الستر في الدنيا والآخرة.



    ثانيا : باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالة الدفن و بعده وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ و يدعى و يستغفر له و يتصدق عليه



    ذكر أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء وأبو محمد عبد الحق في كتاب العاقية له .


    قال محمد بن أحمد المروروذي سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله عنه يقول : إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد , واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم .




    وقال علي بن موسى الحداد : كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة ومحمد بن قدامة الجوهري يقرأ . فلما دفنا الميت جاء رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد : يا هذا إن القراءة على القبر بدعة , فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد : يا أبا عبد الله : ما تقول في مبشر بن إسماعيل ؟ قال : ثقة . قال : هل كتبت عنه شيئاً ؟ قال : نعم . قال : أخبرني مبشر بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن العلاء بن الحجاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها ، و قال : سمعت ابن عمر يُوصي بذلك .


    قال أحمد : فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ .




    قلت : و قد استدل بعض علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وسلم باثنين ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال : لعله أن يُخفف عنهما ما لم يبسا . خرجه البخاري و مسلم .



    و في مسند أبي داود الطيالسي : فوضع على أحدهما نصفاً وعلى الآخر نصفاً وقال : إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بلوتهما شيء ، قالوا : ويستفاد من هذا غرس الأشجار



    وقراءة القرآن على القبور وإذا خفف عنهم بالأشجار ، فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟




    و قد أخرج السلفي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من مر على المقابر وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات .




    و روي من حديث أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا قرأ المؤمن آية الكرسي ، وجعل ثوابها لأهل القبور ، أدخل الله تعالى في كل قبر مؤمن من المشرق إلى المغرب أربعين نوراً ، ووسع الله عز وجل عليهم مضاجعهم ، وأعطى الله للقارئ ثواب ستين نبياً ، ورفع له بكل ميت درجة ، وكتب له بكل ميت عشر حسنات .




    و قال الحسن من دخل المقابر فقال : اللهم رب الأجساد البالية والعظام الناخرة خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة فأدخل عليها روحاً منك وسلاماً مني, إلا كتب بعددهم حسنات .




    وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس أنه قال : خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون ، كما أخلق الدين جدوده أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم ، فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم, كتب الله للصبي



    وبراءة للمعلم و براءة لأبويه من النار. ذكره الثعلبي



    قال الشيخ المؤلف رحمه الله : أصل هذا الباب الصدقة التي لا اختلاف فيها فكما يصل للميت ثوابها ، فكذلك تصل قراءة القرآن والدعاء والاستغفار , إذ كل ذلك صدقة , فإن الصدقة لا تختص المال .




    و قال صلى الله عليه و سلم : و قد سئل عن قصر الصلاة في حالة الأمن فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته .




    و قال عليه السلام : يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة فإن كل تسبيحة صدقة ، وكل تلهيلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويُجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى



    ولهذا استحب العلماء زيارة القبور تحفة الميت من زائره .




    روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث ينتظر دعوة تلحقه من أبيه أو أخيه أو صديق له ، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا



    وما فيها ، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار.




    و قد حكي أن امرأة جاءت إلى الحسن البصري رحمه الله فقالت : : إن ابنتي ماتت وقد أحببت أن أراها في المنام ، فعلمني صلاة أصليها لعلي أراها , فعلمها صلاة فرأت ابنتها



    وعليها لباس القطران والغل في عنقها والقيد في رجلها , فارتاعت لذلك , فأعلمت الحسن فاغتم عليها ، فلم تمض مدة حتى رآها الحسن في المنام وهي في الجنة على سرير وعلى رأسها تاج . فقالت له يا شيخ : أما تعرفني ؟ قال : لا ، قالت له : أنا تلك المرأة التي علمت أمي الصلاة فرأتني في المنام ، قال لها : فما سبب أمرك ؟ قالت : مرّ بمقبرتنا رجل فصلى على النبي صلى الله عليه وسلم و كان في المقبرة خمسمائة وستون إنساناً في العذاب فنودي : ارفعوا العذاب عنهم ببركة صلاة هذا الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم


    و قال بعضهم : مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت : ما كان حالك حين وضعت في قبرك؟ قالت : أتاني آت بشهاب من نار, فلولا أن داعياً دعا لي لرأيت أنه سيضربني به .



    والحكايات عن الصالحين بهذا المعنى كثيرة ، ذكرها أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة له . و قد ذكر في هذا المعنى أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله في كتاب عيون الأخبار له حكاية فيها طول ، رأينا ذكرها لاشتمالها على وعظ وتذكير وتخويف



    وتحذير وتضرع وابتهال ودعاء بالموت والانتقال .


    وروي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم و كان له بعدد من فيها حسنات .


    ويروى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة .



    و قد روى إباحة قراءة القرآن عند القبر عن العلاء بن عبد الرحمن ، و ذكر النسائي و غيره من حديث معقل بن يسار المدني عن النبي صلى الله عليه



    و سلم أنه قال: اقرأوا يس عند موتاكم ، وهذا يحتمل أن تكون القراءة عند الميت في حال موته ويحتمل أن تكون عند قبره



    قال الشيخ المؤلف رحمه الله : و في هذا المعنى حديث مرفوع من حديث أنس يأتي في باب ما يتبع الميت إلى قبره وقد قيل : إن ثواب القراءة للقارئ . وللميت : ثواب الاستماع



    ولذلك تلحقه الرحمة . قال تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون .


    قلت : و لا يبعد في كرم الله تعالى أن يلحقه ثواب القراءة و الاستماع جميعاً ، ويلحقه ثواب ما يهدى إليه من قراءة القرآن ، وإن لم يسمعه كالصدقة و الدعاء و الاسغفار لما ذكرنا ،





    ولأن القرآن دعاء واستغفار وتضرع وابتهال ، وما يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل القرآن .


    قال صلى الله عليه و سلم : يقول الرب تبارك و تعالى : من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته ما أعطي السائلين رواه الترمذي ، و قال فيه حديث حسن غريب .



    و قال عليه الصلاة والسلام : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له
    والقراءة في معنى الدعاء وذلك صدقة من الولد ، ومن الصاحب والصديق والمؤمنين , حسب ما ذكرنا و بالله التوفيق .


    فإن قيل : فقد قال الله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى , وهذا يدل على أنه لا ينفع أحداً عمل أحد . قيل له : هذه آية اختلف في تأويلها أهل التأويل .

    فروي عن ابن عباس : أنها منسوخة بقوله تعالى : والذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم , فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء . يدل على ذلك قوله تعالى : آباؤكم و بناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً , وقال الربيع بن أنس في قوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى يعني : الكافر . وأما المؤمن فله ما سعى ، و ما سعى له غيره .
    قلت : وكثير من الأحاديث تدل على هذا القول . ويشهد له . وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره .






    و في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم : من مات و عليه صيام صام له وليه .


    و قال عليه الصلاة والسلام للرجل الذي حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه : حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة .



    و روي أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته وأعتقت عنه ، وقال سعد للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي توفيت ، أفأتصدق عنها ؟ قال : نعم , قال : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : سقي الماء .



    و في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته ، أنها حدثته عن جدته أنها جعلت على نفسها مشياً إلى مسجد قباء ، فماتت ولم تقضه ، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها .



    قلت : و يحتمل أن يكون قوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى , خاصاً في السيئة بدليل ما في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : قال الله عز وجل في الحديث القدسي الجليل : إذا هم عبدي بحسنة و لم يعملها كتبتها له حسنة ، فإن عملها كتبتها له عشراً إلى سبعمائة ضعف ، و إذا هم بسيئة و لم يعملها لم أكتبها عليه ، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة و القرآن دال على هذا . قال الله تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها.



    و قال تعالى في سورة البقرة 262 : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة
    و قال في الآية الأخرى : كمثل جنة بربوة
    وقال عزوجل: من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرةً


    وهذا كله تفضل من الله سبحانه وتعالى


    وطريق العدل : أن ليس للإنسان إلا ما سعى، إلا أن الله عز و جل يتفضل عليه بما لم يجب , له كما أن زيادة الأضعاف فضل منه عزوجل, كتب لهم بالحسنة الواحدة : عشراً إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة .


    كما قيل لأبي هريرة : أسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، يقول؟ أن الله ليجزي عن الحسنة الواحدة : ألف ألف حسنة , فقال : سمعته يقول : إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة : ألفي ألف حسنة , فهو تفضل ، و قد تفضل الله على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل , فما ظنك بعمل المؤمن عن نفسه أو عن غيره ؟


    و قد ذكر الخرائطي في كتاب القبور ، قال : سنة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرأوا معه سورة البقرة .


    و إنما طولنا النفس في هذا الباب ، لأن الشيخ الفقيه القاضي الإمام مفتي الأنام عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله كان يفتي بأنه لا يصل للميت ثواب ما يقرأ ، و يحتج بقوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، فلما توفي رحمه الله ، رآه بعض أصحابه ممن كان يجالسه وسأله عن ذلك ، فقال له : إنك كنت تقول : إنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويهدي إليه ، فكيف الأمر ؟ فقال له : إني كنت أقول ذلك في دار الدنيا، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم الله تعالى في ذلك , و أنه يصل إليه ذلك.



    ثانيا- باب يدفن العبد في الأرض التي خلق منها




    وروى أبو عيسى الترمذي عن يسار بن عبيد أبي عزة انّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:



    إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض ، جعل له إليها حاجة



    أو قال : بها حاجة



    قال : هذا حديث حسن صحيح ، و أبو عزة له صحبة .




    فصل : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فائدة هذا الباب تنبيه العبد على التيقظ للموت والاستعداد له بحسن الطاعة



    والخروج عن المظلمة ، وقضاء الدين ، وإتيان الوصية بماله أو عليه في الحضر ، فضلاً عن أوان الخروج عن



    وطنه إلى سفر ، فإنه لا يدري أين كتبت منيته من بقاع الأرض.




    ثالثا : ما جاء أن كل عبد يذر عليه من تراب حفرته و في الرزق و الأجل ، و بيان قوله تعالى: مخلقةً و غير مخلقة




    روى أبو نعيم رحمه الله ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من مولود إلا و قد ذُرّ عليه من تراب حفرته.




    قال أبو عاصم النبيل رحمه الله ما نجد لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فضيلة مثل هذه لأن طينتهما طينة رسول الله صلى الله عليه و سلم .



    أخرجه في باب ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، و قال : هذا حديث غريب من حديث عون لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل ، أحد الثقات الأعلام من أهل البصرة




    و روى مرة رحمه الله ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن الملك الموكل بالرحم يأخذ النطفة من الرحم فيضعها على كفه ، ثم يقول : يا رب ، مخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال مخلقة ، قال : يا رب ما الرزق ؟ ما الأثر ؟ ما الأجل ؟ فيقول : انظر في أم الكتاب ، فينظر في اللوح المحفوظ ، فيجد فيه رزقه ، وأثره ، وأجله ، وعمله ، ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته .


    فذلك قوله تعالى : منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخرجكم تارةً أخرى
    أخرجه الترمذي الحكيم ، أبو عبد الله في نوادر الأصول.



    و ذكر عن علقمة ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال : إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه ، فقال : أي رب أمخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال : غير مخلقة لم تكن نسمة, وقذفتها بالأرحام دماً.



    وإن قال : مخلقة ، قال : أي رب أذكر ، أم أنثى ؟ أشقي ، أم سعيد ؟ ماالأجل ؟ وما الأثر ؟



    وما الرزق ؟ وبأي أرض تموت ؟ فيقول : اذهب إلى أم الكتاب ، فإنك ستجد هذه النطفة فيها ، فيقال للنطفة : من ربك ؟ فتقول : الله, فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله, فتخلق,


    فتعيش في أجلها ، وتأكل رزقها ، و تطأ أثرها ، فإذا جاء أجلها ماتت ، فدفنت في ذلك المكان ، فالآثر : هو التراب الذي يؤخذ فيعجن به ماؤه.


    و قال محمد بن سيرين رحمه الله: لو حلفت , حلفت صادقاً باراً ، غير شاك ولا مستثن ، أن الله ما خلق نبيه محمداً صلى الله عليه و سلم ، ولا أبا بكر ، ولا عمر ، إلا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة.


    قلت : و ممن خلق من تلك التربة : عيسى بن مريم عليه السلام على ما سيأتي بيانه آخر الكتاب إن شاء الله تعالى ، و هذا الباب يُبين لك معنى قوله تعالى : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب .. و قوله تعالى : هو الذي خلقكم من طين .

    وقوله تعالى : ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين
    ولا تعارض في شيء من ذلك على ما بينا في كتاب الجامع لأحكام القرآن ، والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان
    وهذا الباب يجمع لك كله فتأمله .


    رابعا : مايتبع الميت إلى قبره و بعد موته و ما يبقى معه فيه



    روى مسلك من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يتبع الميت ثلاث . فيرجع اثنان و يبقى واحد : يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله.


    وروى أبو نعيم من حديث قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
    سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره : من علم علماً أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته



    هذا حديث غريب من حديث قتادة تفرد به أبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي عن العزرمي محمد بن عبد الله عن قتادة . وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه من حديث الزهري .



    حدثني أبو عبد الله الأغر ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
    إن مما يلحق المؤمن من عمله و حسناته بعد موته : علماً علمه ونشره ، أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه ، أو مسجداً بناه ، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته تلحقه بعد موته .



    وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال حدثنا أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنك لتصدق عن ميتك بصدقة فيجيء بها ملك من الملائكة في أطباق من نور ، فيقوم على رأس القبر فينادي : يا صاحب القبر الغريب : أهلك قد أهدوا إليك هذه الهدية فأقبلها . قال : فيدخلها إليه في قبره ويفسح له في مداخله وينور له فيه فيقول : جزى الله أهلي عني خير الجزاء




    خامسا : ما جاء في هول المطلع


    تقدم من حديث جابر بن عبد الله قرضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لاتمنوا الموت فإن هول المطلع شديد الحديث .


    ولما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له رجل : إني لأرجو أن لا تمس جلدك النار , فنظر إليه ثم قال : إن من غررتموه لمغرور . والله لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع .


    وأخرج ابن المبارك رحمه الله عن أبو الدرداء رضي الله عنه أنه قال : أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث . أضحكني مؤمل دنيا والموت يطلبه ، وغافل ليس بمغفول عنه ، وضاحك بملء فيه لا يدري أأرضى الله أم أسخطه ؟
    وأبكاني : فراق الأحبة محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه.
    وأحزنني هول المطلع عند غمرات الموت ، والوقوف بين يدي الله يوم تبدو السريرة علانية , ثم لايدري إلى الجنة أو إلى النار .


    قال : وأخبرنا محمد ، بلغ به أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ألا أحدثكم بيومين و ليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن : أول يوم يجيئك من الله تعالى ، إما برضاه وإما بسخطه



    و يوم تعرض فيه على ربك آخذاً كتابك ، وإما بيمينك وإما بشمالك , وليلة تستأنف فيها المبيت في القبور ولم تبت فيها قط . وليلة تمخض صبيحتها يوم القيامة.




    سادسا : باب ماجاء أن القبر أول منازل الآخرة وفي البكاء عنده ، وفي حكمه والاستعداد له


    اخرج ابن ماجه عن هانىء بن عثمان قال : كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته , فقيل له : تذكر الجنة



    والنار ولاتبكي, وتبكي من هذا ؟ قال رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن القبر أول منازل الآخرة . فإن نجا منه أحد فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعد أشد منه .


    واخرج ابن ماجه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في جنازة . فجلس على شفير القبر فبكى وأبكى حتى بل الثرى ثم قال : يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.




    فصل : القبر واحد القبور في الكثرة وأقبر في القلة ويقال للمدفن : مقبر .



    و اختلف في أول من سن القبر ؟ فقد قيل الغراب , لما قتل قابيل هابيل.



    وقيل: انّ قابيل كان يعلم الدفن, ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافاً به ، فبعث الله غراباً يبحث التراب على هابيل ليدفنه . فقال عند ذلك:
    يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوآة أخي فأصبح من النادمين
    حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قبض الله الغراب له حتى واراه .
    ولم يكن ذلك ندم توبة . و قيل : ندمه إنما كان على فقده . لا على قتله.
    قال ابن عباس رضي الله عنهما : ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة.
    ويقال : إنه لما قتله قعد يبكي عند رأسه . إذ أقبل غرابان فاقتتلا . فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه ، ففعل القاتل بأخيه كذلك . فبقي ذلك سنة لازمة في بني آدم .
    وفي التنزيل قوله تعالى في سورة عبس : ثم أماته فأقبره


    أي جعل له الله عزوجل قبراً يواري فيه إكراماً له , ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي.



    وحكم القبر : أن يكون مسنماً . مرفوعاً على وجه الأرض قليلاً غير مبني بالطين والحجارة والجص فإن كل ذلك مُنهى عنه .




    وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه . وفي رواية للترمذي أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تجصص القبور وأن يـُكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ
    قال أبو عيسى هذا حديث صحيح



    قال علماؤنا رحمهم الله : وكره مالك تجصيص القبور ، لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا , وتلك منازل الآخرة ، وليس بموضع المباهاة ، وإنما يـُزيّن الميت في قبره عمله.


    و في صحيح مسلم ، عن أبي الهياج الأسدي قال : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ ألا تدع تمثال إلا طمسته ، و لا قبراً مشرفاً إلا سويته


    وقال أبو داود في المراسيل ، عن عاصم بن أبي صالح : رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم شبراً أونحواً من شبر يعني في الارتفاع.


    قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ : يُسنّم القبر ليعرف كي يحترم



    ويمنع من الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله ، فإنها كانت تعلى عليها ، و تبني فوقها تفخيماً لها وتعظيماً


    و كان يزيد الرقاشي رحمه الله يقول في كلامه : أيها المقبور في حفرته ، المتخلى في القبر بوحدته ، المستأنس في بطن الأرض بأعماله ، ليت شعري بأي أعمالك استبشرت؟ وبأي أحوالك اغتبطت؟ ثم يبكي حتى يبل عمامته ، وكان يقول : استبشر ـ والله ـ بأعماله الصالحة ، واغتبط ـ والله ـ بإخوانه المعاونين له على طاعة الله ، وكان إذا نظر إلى القبر صرخ كما يصرخ الثور . وسيأتي كيف أنّ القبر يُكلم العبد إذا وضع فيه ، وما فيه من الموعظة إن شاء الله تعالى .



    سابعا : باب ما جاء في اختيار البقعة التي سيدفن فيها




    أخرج أبو داود الطيالسي مرفوعا الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، يقول : من زار قبري ـ أو قال : من زارني ـ كنت له شهيداً أو شفيعاً ، و من مات بأحد الحرمين بعثه الله عز و جل في الآمنين يوم القيامة.


    ونفس معنى الحديث أخرجه الدارقطني عن حاطب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من زارني بعد موتي فكأنما زارني حياً في حياتي ، ومن مات بأحد الحرمين ، بعث من الآمنين يوم القيامة.


    وأخرج البخاري ومسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام ، فلما جاء صكه ففقأ عينه. فرجع إلى ربه ، فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، قال : فرد الله إليه عينه ، وقال : ارجع إليه ، و قل له : يضع يده على متن جلد ثور ، فله بما غطت يده كل شعرة سنة ، قال : أي رب ، ثم مه ؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن . فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر .


    و في رواية أخرى ، قال : جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام ، فقال له : أجب ربك ، قال : فلطم موسى عين الملك ففقأها ، و ذكر نحوه



    قال الترمذي وصححه أبو محمد عبد الحق ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها ، فإني أشفع لمن مات بها


    و في الموطأ أن عمر رضي الله عنه ، كان يقول : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ووفاة في بلد نبيك .


    و كان سعد بن أبي وقاص ، و سعيد بن زيد رضي الله عنهما ، قد عهدا أن يحملا من العقيق إلى البقيع مقبرة المدينة فيدفنا بها ، والله أعلم لفضل علموه هناك ، قال : فإن فضل المدينة غير منكور ولا مجهول ، ولو لم يكن إلا مجاورة الصالحين والفضلاء من الشهداء وغيرها لكفى.



    وروى عن كعب الأحبار أنه قال لبعض أهل مصر ، لما قال له : هل لك من حاجة ؟ فقال : نعم ، جراب من تراب سفح المقطم ، يعني : جبل مصر ، قال : فقلت له : يرحمك الله ، وما تريد منه ؟ قال : أضعه في قبري ، قال له : تقول هذا وأنت بالمدينة؟
    وقد قيل في البقيع ما قيل ، قال : إنا نجد في الكتاب الأول أنه مقدس ما بين القصير إلى اليحموم .


    فصل : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : البقاع لا تقدس أحداً ولا تطهره ، وإنما الذي يقدسه من وضر الذنوب ودنسها : التوبة النصوح مع الأعمال الصالحة ، أما إنه قد يتعلق بالبقعة تقديس ما ، وهو إذا عمل العبد فيها عملاً صالحاً ضوعف له بشرف البقعة مضاعفة تكفر سيئاته ، وترجح ميزانه ، وتدخله الجنة ، وكذلك تقديسه إذا مات على معنى التتبع لصالح ، لا أنها توجب التقديس ابتداء .


    وقد روى مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : ما أحب أن أدفن بالبقيع ، لأن أدفن في غيره أحب إلي . ثم بين العلة ، فقال : مخافة أن تنبش لي عظام رجل صالح ، أو نجاور فاجراً ، وهذا تستوي فيه سائر البقاع ، فدل على أن الدفن بالأرض المقدسة ليس بالمجمع عليه ، وقد يستحسن الإنسان أن يدفن بموضع قرابته واخوانه زجيرانه, لا لفضل ولا لدرجة.


    فصل : إن قال قائل : كيف جاز لموسى عليه السلام أن يـُقدم على ضرب ملك الموت حتى فقأ عينه ؟ فالجواب من وجوه ستة :


    الأول : أنها كانت عيناً متخيلة ، لا حقيقة لها ، و هذا القول باطل . لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء . من صور الملائكة لا حقيقة لها ، و هذا مذهب السالمية .

    الثاني : أنها كانت عيناً معنوية فقأها بالحجة ، و هذا مجاز لا حقيقة له .
    الثالث : أنه لم يعرفه ، و ظنه رجلاً دخل منزله بغير إذنه ، يريد نفسه فدافع عنها ، فلطمه : ففقأ عينه ، وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن ، وهذا وجه حسن ، لأنه حقيقة في العين والصك ، قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة إلا أنه اعترض بما في الحديث نفسه ، وهو أن ملك الموت عليه السلام لما رجع إلى الله تعالى ، قال : يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فلو لم يعرفه موسى لما صدر هذا القول من ملك الموت .
    الرابع : أن موسى عليه السلام كان سريع الغضب ، وسرعة غضبه كانت سبباً لصكه ملك الموت ، قاله ابن العربي في الأحكام ، وهذا فاسد ، لأن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب .
    الخامس : ما قاله ابن مهدي رحمه الله : أن عينه المستعارة ذهبت لأجل أنه جعل له أن يتصور بما شاء ، فكأن موسى عليه السلام لطمه وهو متصور بصورة غيره بدلالة أنه رأى بعد ذلك معه عينه .
    السادس : وهو أصحها إن شاء الله ، وذلك أن موسى عليه السلام كان عنده ما أخبر تبيناً عليه السلام من أن الله تعالى لا يقبض روحه حتى يخيره .







    وما أخرجه البخاري و غيره ـ فلما جاءه ملك الموت على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه . فلطمت ففقئت عينه امتحاناً لملك الموت . إذ لم يصرح له بالتخير ، ومما يدل على صحة هذا : أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت . اختار الموت واستسلم ، والله بغيبه أعلم وأحكم ، و ذكره ابن العربي في قبسه بمعناه و الحمد لله .


    و قد ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول حديث أبي هريرة رضي الله عنه , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بما معناه : كان ملك الموت عليه السلام يأتي الناس عياناً حتى أتى موسى عليه السلام فلطمه ففقأ عينه , فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية.



    ثامنا : باب يُختار للميت قوم صالحون يكون معهم



    أخرج أبو سعيد الماليني في كتاب المؤتلف والمختلف ،
    وأبو بكر الخرائطي في كتاب القبور ، من حديث سفيان الثوري مرفوعا الى علي رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين . فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى به الأحياء .


    وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار, عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا مات لأحدكم الميت فحسنوا كفنه ، وعجلوا إنجاز وصيته ، وأعمقوا له في قبره وجنبوه جار السوء قيل : يا رسول الله : وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة ؟ قال : هل ينفع في الدنيا؟ قالوا : نعم . قال : كذلك ينفع في الآخرة .




    وأخرج أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس عن عمه نافع بن مالك ، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أدفنوا موتاكم وسط قوم صالحين . فإن الميت يتأذى بالجار السوء.


    فصل قال علماؤنا رحمهم الله : و يستحب لك ـ رحمك الله ـ أن تقصد بميتك قبور الصالحين . ومدافن أهل الخير . فندفنه معهم ، وتنزله بإزائهم ، وتسكنه في جوارهم ، تبركا بهم ، وتوسلاً إلى الله عز وجل بقربهم ، وأن تجتنب به قبور من سواهم ، ممن يخاف التأذي بمجاورته ، و لتألم بمشاهدة حاله حسب ما جاء في الحديث .


    يروى أن امرأة دفنت بقرطبة فأتت أهلها في النوم فجعلت تعتهم وتشكوهم وتقول : ما وجدتم أن تدفنوني إلا إلى فرن الجير ؟ فلما أصبحوا نظروا فلم يروا في ذلك الموضع كله ولا بقربه فرن جير . فبحثوا وسألوا عن من كان مدفوناً بإزائها ؟ فوجدوه رجلاً سيافاً كان لابن عامر وقبره إلى قبرها . فأخرجوها من جواره . ذكر هذا أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة له.
    و عن أعرابي أنه قال لوالده : ما فعل الله بك ؟ قال : ما ضرني إلا أني دفنت بإزاء فلان - وكان فاسقاً - قد روعني ما يعذب به من أنواع العذاب .
    وروى أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب الديباج له وحدثني أبو الوليد رباح بن الوليد الموصلي . قال : وحدثت عن عبد الملك بن عبد العزيز عن طاووس بن ذكوان اليماني ، أنه أخبرهم أنه قدم حاجاً فمر بالأبطح عند المقابر مع رفقاء له فقال : بينما أنا أصلي في جوف الليل وعلي برد لي أحرش أخذته باليمن بسبعين ديناراً وقبر قريب مني محفور . إذ رأيت شمعاً قد أقبل به مع جنازة . فإذا قائل يقول في قبر قريب من القبر المحفور : اللهم إني أعوذ بك من الجار السوء . قال : فركعت ثم سجدت و سلمت . ثم خرجت حتى لقيت أصحاب الجنازة فسلمت وقلت : لا تقربونا وتنحوا عنا ـ عافاكم الله ـ قالوا : ما نستطيع ذلك . وقد حفرنا قبرنا هذا . ولا نستطيع أن نذهب إلى غيره . فقلت : من أولى بالجنازة ؟ فقالوا : هذا ابنه . فقلت له : هل لك أن تتنحى عنا وتناولني ثوبك هذا الذي عليك فألبسه وأعطيك بردي هذا ، فإني قد أخذته باليمن بسبعين ديناراً وهو ها هنا خير من سبعين ؟ فإن كان على أبيك دين قضيته عنه . وإن لم يكن ، انتفع بذلك الورثة .
    وتكف عنا ما نكره . قال : فأنكر القوم قولي أن يكون على رجل برد يلتف به ثمنه سبعون ديناراً . فاحتجت إلى أن أخبرهم من أنا ؟ فقلت : تعرفون طاووس اليماني ؟ قالوا : نعم . قلت : فأنا طاووس اليماني, وما قلت في البرد إلا حقاً . فناولني الرجل رداءه وأخذ ردائي وانصرف عنا ،
    وأقبلت حتى وقفت على صاحب القبر . فقلت : ما كان لك ليجاورك جار تكرهه وأنا أستطيع رده . ثم عدت إلى صلاتي .


    فصل: بما جاء أن الموتى يتزاورون في قبورهم واستحسان الكفن لذلك


    اخرج الترمذي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه , واخرج الحافظ أبو نصر عبد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني في كتاب الإبانة له حديثا مرفوعا الى جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : حسنوا أكفان موتاكم ، فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم.



    وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
    إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه.









    تاسعا: باب ما جاء في كلام القبر كل يوم وكلامه للعبد إذا وضع فيه


    اخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه فرأى ناساً يكشرون ، فقال : أما أنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى؟ ـ يعني الموت ـ فأكثروا ذكر هاذم اللذات : الموت . فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه . فيقول : أنا بيت الغربة ، و أنا بيت الوحدة ، و أنا بيت التراب ، و أنا بيت الدود . فإذا دفن العبد المؤمن . قال له القبر : مرحباً و أهلاً أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إلي ، فإذا وليتك اليوم و صرت إلي فسترى صنيعي بك فيتسع له مد بصره ، و يفتح له باب الجنة . و إذا دفن العبد الفاجرأو الكافر قال له القبر : لا مرحباً و لا أهلاً . أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي . فإذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال : فيلتئم عليه حتى يلتقي وتختلف أضلاعه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعه فأدخل بعضها جوف بعض . قال : ويُقيض الله له تسعين تنيناً أو تسعة وتسعين لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا ، فتنهشه حتى يفضى به إلى الحساب قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار
    وقال أبو عيسى : هذا حديث غريب .


    وأخرج هناد بن السرى مرفوعا الى عبد الله بن عبيد بن عمير قال : يجعل الله للقبر لساناً ينطق به فيقول : ابن آدم كيف نسيتني ؟ أما علمت أني بيت الدود ، وبيت الوحدة ، وبيت الوحشة؟


    قال : وحدثنا وكيع ، عن مالك بن مغول ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : إن القبر ليبكي و يقول في بكائه : أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الوحدة ، أنا بيت الدود.


    ذكر أبو عمر بن عبد البر ، روى يحيى بن جابر الطائي ، عن ابن عائذ الأزدي عن غضيف بن الحارث قال : أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن عبيد بن عمير قال : فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول : إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول : يا ابن آدم ما غرك بي ؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة ؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة ؟ ألم تعلم أني بيت الحق ؟ يا ابن آدم ما غرك بي ؟ ! لقد كنت تمشي حولي فداداً . قال ابن عائذ : قلت لغضيف : ما الفداد يا أبا اسماعيل ؟ قال : كبعض مشيتك يا ابن أخي . قال غضيف : فقال لصاحبي ـ و كان أكبر مني ـ لعبد الله بن عمرو : فإن كان مؤمناً فماذا له ؟ قال : يوسع له في قبره و يجعل منزله أخضر و يعرج بروحه إلى السماء .


    و ذكره أبو محمد عبد الحق في كتاب العاقبة له ، عن أبي الحجاج الثمالي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يقول القبر للميت إذا وضع فيه : ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة . و بيت الظلمة . و بيت الدود ؟ ما غرك إذ كنت تمر بي فداداً ؟ قال : فإنا كان صالحاً أجاب عنه مجيب القبر .. فيقول : أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؟ قال فيقول القبر : فإني أعود عليه خضراً ويعود جسده نوراً . وتصعد روحه إلى رب العالمين.



    وذكر هذا الحديث أبو أحمد الحاكم في كتاب الكنى ، وذكره أيضاً قاسم بن أضبع قال : قيل لأبي الحجاج ما الفداد ؟ قال : الذي يقدم رجلاً ويؤخر أخرى . يعني الذي يمشي مشية المتبخر .


    و ذكر ابن المبارك قال : أخبرنا داود بن ناقد قال : سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول : بلغني أن الميت يقعد في حفرته و هو يسمع وخط مشيعيه ولا يكلمه شيء أول من حفرته فتقول : ويحك يا ابن آدم قد حذرتني وحذرت ضيقي و ظلماتي . ونتني وهولي . هذا ما أعددت لك فما أعددت لي ؟

    الوخط و الوخد : سرعة السير في المشي .





    و قال سفيان الثوري : مَن أكثرَ مِن ذِكر القبر وجدَه روضة من رياض الجنة . ومَن غفِل عن ذِكره وجدَه حفرة من حفر النار.


    و قال أحمد بن حرب : تتعجب الأرض ممّن يُمهّدُ مضجعه ، ويُسوّي فراشه لنوم . وتقول : يا ابن آدم ألا تذكر طول رقادك في جوفي ، وما بيني وبينك شيء ؟


    وقيل لبعض الزهاد : ما أبلغ العظات ؟ قال : النظر إلى محلة الأموات . ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول :



    وعظتك أجداث صمت .... ونعتك أزمنة خفت

    و تكلمت عن أوجه تبلى.... وعن صور سبت
    وأرتك نفسك في القبور... وأنت حي لم تمت






    وروي عن الحسن البصري أنه قال : كنت خلف جنازة فاتبعتها ، حتى وصلوا بها إلى حفرتها ، فنادت امرأة فقالت : يا أهل القبور ! لوعرفتم من نُقل إليكم لأعززتموه ؟ قال الحسن : فسمعت صوتاً من الحفرة وهو يقول : قد والله نقل إلينا بأوزار كالجبال وقد أذن لي أن آكله حتى يعود رميماً .


    قال : فاضطربت الجنازة فوق النعش وخرّ الحسن مغشياً عليه .







    والله وحده أعلم بغيبه وأحكم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: أحوالنا في القبور مقتبس من كتاب التذكرة للقرطبي رحمه الله

    بارك الله فيك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    170

    افتراضي رد: أحوالنا في القبور مقتبس من كتاب التذكرة للقرطبي رحمه الله

    أشكر الأخ أبو يوسف ادريس على مروره الطيب, ويسعدني أن أتابع البحث وفيه ما جاء في ضغطة القبر والتي لا ينجو منها أحد لا طفلا ولا شيخا, وسؤال التثبيت للميت وما ابتدعه الناس واماتتهم للسنن, وبيان سؤال الملكين منكر ونكير.



    يتضمن هذا البحث ستة أبواب من كتاب التذكرة للامام القرطبي رحمه الله





    أولا : باب ما جاء في ضغط القبر على صاحبه وإن كان صالحاً




    اخرج النسائي من حديث عبد الله بن عمر يوم دفن سعد بن معاذ رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هذا الذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء ، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة ، لقد ضُمّ ضمّة ثم فُرّجَ عنه


    و من حديث شعبة بن الحجاج بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ


    و ذكر هناد بن السرى ، حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن ابن أبي ملكية قال : ما أُجير من ضغطة القبر أحد . ولا سعد بن معاذ والذي منديل من مناديله خير من الدنيا و ما فيها . قال : و حدثنا عبدة بن عبيد الله بن عمر عن نافع قال :
    ولقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك . لم ينزلوا إلى الأرض قط .


    و لقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لقد ضم صاحبكم في القبر ضمة


    وأخرج علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية عن نافع قال : أتينا صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهي فزعة . فقلنا : ما شأنك ؟ قالت : جئت من عند بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فحدثتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن كنت لأرى أن أحداً لو أعفي من عذاب القبر ، لأعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة .
    وأخرج أيضاً عن زاذان أن أبي عمر قال : لما دفن رسول الله صلى الله عليه و سلم ابنته زينب جلس عند القبر فتربد وجهه ، ثم سرى عنه فقال له أصحابه : رأينا وجهك يا رسول الله تربد آنفاً ، ثم سرى عنك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ذكرت ابنتي وضعفها ،
    وعذاب القبر فدعوت الله ففرج عنها ، و أيم الله لقد ضُمّت ضمّة سمعها ما بين الخافقين.


    وأخرج أيضاً بسنده عن إبراهيم الغنوي عن رجل . قال : كنت عند عائشة رضي الله عنها , فمرت جنازة صبي صغير فبكت . فقلت لها : ما يبكيك يا أم المؤمنين ؟ فقالت : هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر.


    قد روى عمر بن شبة في كتاب المدينة ـ على سكانها السلام ـ في ذكر وفاة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال : بينما هو صلى الله عليه وسلم في أصحابه أتاه آت . فقال : إن أم علي وجعفر وعقيل قد ماتت . فقال : قوموا بنا إلى أمي قال : فقمنا كأن على رؤوسنا الطير . فلما انتهينا إلى الباب نزع صلى الله عليه وسلم قميصه ثم قال : إذا كفنتموها فأشعروه إياه تحت أكفانها , فلما خرجوا بها جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم مرة يحمل ، و مرة يتقدم . و مرة يتأخر حتى انتهينا بها إلى القبر , فتمعّك في اللحد . ثم خرج وقال : أدخلوها بسم الله . وعلى اسم الله فلما دفنوها قام قائماً وقال : جزاك الله من أم . وربيبة خيراً وسألناه عن نزع قميصه ، و تمعكه في اللحد ؟ فقال : أردت أن لا تمسها النار أبداً . إن شاء الله تعالى . وأن يوسع الله عليها قبرها, وقال:
    ما عفى أحد من ضغطة القبر ، إلا فاطمة بنت أسد قيل يا رسول الله : و لا القاسم ابنك ؟ قال : ولا إبراهيم
    وكان رضي الله عنه أصغرهما


    ورواه أبو نعيم الحافظ عن عاصم الأحول عن أنس بمعناه . و ليس فيه السؤال بتمعكه إلى آخره .
    قال أنس : لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما, دخل عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فجلس عند رأسها . فقال : رحمك الله يا أمي . كنت أمي بعد أمي , تجوعين وتُشبعينني , وتَعرين
    وتكسونني , وتَمنعين نفسك طيب الطعام وتُطعمينني , تريدين بذلك وجه الله و الدار الآخرة .
    ثم أمر صلى الله عليه وسلم أن تغسل ثلاثاً فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، ثم خلع رسول الله صلى الله عليه و سلم قميصه وألبسها إياه و كفنها فوقه . ثم دعا رسول الله صلى الله عليه
    وسلم : أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري ، وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون قبرها ، فلما بلغوا اللحد , حفره رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وأخرج ترابه بيده ، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع فيه ثم قال : الحمد لله الذي يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد , ولقنها حجتها , ووسع عليها مدخلها بحق نبيك و الأنبياء الذين من قبلي إنك أرحم الراحمين
    و كبر عليها أربعاً و أدخلها اللحد هو والعباس و أبو بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين


    فصل : ما جاء أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وهم من شر الناس له


    روى أبو هدبة قال إبراهيم بن هدبة ، قال : حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
    وسلم : إن العبد الميت إذا وضع في قبره ، وأقعد قال : يقول أهله : وا سيداه وا شريفاه وا أميراه قال : يقول الملك : اسمع ما يقولون . أنت كنت سيداً ؟ أنت كنت أميراً . أنت كنت شريفاً ؟ قال : يقول الميت : يا ليتهم يسكتون قال : فيضغط ضغطة تختلف فيها أضلاعه.


    قال علماؤنا رحمة الله عليهم : قال بعض العلماء أو أكثرهم : إنما يعذب الميت ببكاء الحي . إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره ، كما قال :
    إذا مت فانعيني بما أنا أهله , وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
    و كذلك إذا وصى به . و قد روى ما يدل على أن الميت يصيبه عذاب ببكاء الحي عليه وإن لم يكن من سنته ولا من اختياره ولا مما أوصى به . و استدلوا بحديث أنس رضي الله عنه المذكور . وبما روى من حديث قيلة بنت مخرمة . وذكرت عند النبي صلى الله عليه و سلم ولداً لها مات ثم بكت . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أيغلب أحيدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفاً . فإذا حال بينه و بينه من هو أولى به منه استرجع ؟ ثم قال : اللهم أثبني فيما أمضيت ،
    وأعني على ما أبقيت . فو الذي نفس محمد بيده إن أحيدكم ليبكي فيستعبر له صويحبه . يا عباد الله لا تعذبوا موتاكم
    ذكره ابن أبي خيثمة ، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما . وهو حديث معروف إسناده لا بأس به وسياقه , يدل على أن بكاء هذه لم يكن من اختيار لابنها لأن ابنها صاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
    وسلم . ولا كان هذا البكاء المعروف في الجاهلية الذي كان من اختيار الميت و مما يوصي به.


    و ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الميت يعذب ببكاء الحي عليه . إذا قالت النائحة وا عضده وا ناصراه وا كاسياه جبذ الميت و قيل له : أنت ناصرها ؟ أنت كاسيها .


    و ذكر البخاري من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول :
    واجبلاه . واكذا . واكذا . تعدد عليه فقال حين أفاق : ما قلت شيئاً إلا قيل لي : أأنت كذلك ؟ فلما مات لم تبك عليه .


    وهذا أيضاً لم يكن من سنة عبد الله بن رواحة ، ولا من اختياره ،
    ولا مما أوصى به ، فصابه في الدين أجل وأرفع من أن كان يأمر بهذا أو يوصي به .


    و روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث منصور بن زاذان ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليُعذب الميت بصياح أهله عليه , فقال رجل: يموت بخراسان ويُناحُ عليه ها هنا؟
    فقال عمران : صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم , وكذبت.


    قال المؤلف رحمه الله: و هذا بظاهره أن بنفس الصياح يقع التعذيب وليس كذلك . و نما هو محمول على ما ذكرناه . و الله أعلم.


    و قال الحسن البصري رحمه الله: إن من شر الناس للميت : أهله يبكون عليه ، ولا يقضون دينه .


    فصل: ما يـُنجّي مِن ضغطة و فتنته


    روى أبو نعيم من حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره , وأمن من ضغطة القبر . وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة
    قال : هذا حديث غريب من حديث يزيد تفرد به نصر بن حماد البجلي



    ثا نيا : باب ما يقال عند وضع الميت في قبره و في اللحد في القبر


    اللحد : هو أن يحفر للميت في جانب القبر ، إن كان الأرض صلبة ، وهو أفضل من الشق . فإنه الذي اختاره الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وسلم .


    روى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، بعثوا إلى أبي عبيدة ، و ان يضرح كضريح أهل مكة ، وبعثوا إلى أبي طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة . وكان يلحد . فبعثوا إليهما رسولين ، قالوا : اللهم خر لرسولك . فوجدوا أبا طلحة فجيء به ، ولم يوجد أبو عبيدة فلحد لرسول الله صلى الله عليه و سلم .


    وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اللحد لنا . والشق لغيرنا
    أخرجه ابن ماجه و الترمذي و قال : حديث حسن غريب ،


    و أخرج أبو عبد الله الترمذي في نوادر الأصول وابن ماجة في سننه. عن سعيد بن المسيب قال : حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال : بسم الله وفي سبيل الله, فلما أخذ في تسوية اللحد . قال : اللهم أجرها من الشيطان . ومن عذاب القبر , فلما سوى الكثيب عليها ، قام جانب القبر ثم قال : اللهم جاف الأرض عن جنبيها ، وصعد روحها ، ولقها منك رضواناً . فقلت لابن عمر : شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم شيئاً قلته من رأيك ؟ قال : إني إذا لقادر على القول . بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم .


    و قال أبو عبد الله الترمذي رحمه الله : حدثني أبي رحمه الله . قال : حدثنا الفضل بن ذكين عن سفيان عن الأعمش عن عمرو بن مرة . قال : كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقولوا : اللهم أعذه من الشيطان الرجيم .


    و روي عن سفيان الثوري أنه قال : إذا سئل الميت : من ربك ؟ تراءى له الشيطان في صورة فيشير إلى نفسه : إني أنا ربك ، قال أبو عبد الله : فهذه فتنة عظيمة . و لذلك كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو بالثبات ، فيقول : اللهم ثبت عند أحدهما منطقه . وافتح أبواب السماء لروحه فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل ما كان ليدعو له رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجبره من الشيطان . فهذا تحقيق لما روى عن سفيان . ذكره في الأصل التاسع و الأربعين و المائتين .



    ثالثا: باب الوقوف عن القبر قليلاً بعد الدفن و الدعاء بالتثبيت له




    اخرج مسلم عن بن شماسة المهري ، قال : حضرنا عمرو بن العاص
    وهو في سياقة الموت ، الحديث : و فيه : فإذا دفنتموني فشنوا على التراب شناً ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر ويقسم لحمها ، حتى أستأنس بكم ، و أنظر ماذا أرجع به رسل ربي عز و جل ؟ أخرجه ابن المبارك بمعنى مسلم من حديث ابن لهيعة
    .
    قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه وقال فيه: وشدوا على إزاري فإني مخاصم . وشنوا على التراب شناً . فإن جنبي الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الأيسر ، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجراً ، وإذا واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور
    وتقطعيها . استأنس بكم .


    أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا له بالتثبيت فإنه الآن يسأل .


    و أخرج أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا دفن ميتاً وقف و سأل له التثبيت ، و كان يقول : ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلا والقبر أفظع منه .


    وأخرج أبو نعيم في باب عطاء بن ميسرة الخراساني إلى عثمان رضي الله عنه ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قبر رجل من أصحابه حين فرغ منه فقال : إنا و الله وإنا إليه راجعون ، اللهم نزل بك . و أنت من خير منزول به ، جاف الأرض عن جنبيه ، وافتح أبواب السماء لروحه ، واقبله منك بقبول حسن . وثبت عند المسائل منطقه .
    غريب من حديث عطاء .


    فصل : ما يدعو أحدنا للميت بعد دفنه


    قال الآجري أبو بكر ، محمد بن الحسين في كتاب النصيحة : يستحب الوقوف بعد الدفن قليلاً ، والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات ، فيقال : اللهم هذا عبدك و أنت أعلم به منا . و لانعلم منه إلا خيراً ،
    وقد أجلسته لتسأله ، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة ، كما ثبته في الحياة الدنيا ، اللهم ارحمه , وألحقنه بنبيه محمد صلى الله عليه و سلم ولا تضلنا بعده , ولا تحرمنا أجره .


    وحدثنا أبو عبد الله الترمذي : فالوقوف على القبر وسؤال التثبيت في وقت دفنه مدد للميت بعد الصلاة ، لأن الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له قد اجتمعوا بباب الملك يشفعون له ، والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد للعسكر , وتلك ساعة شغل للميت . ولأنه يستقبله هول المطلع وسؤال وفتنة فتاني القبر ـ على ما سيأتي ان شاء الله .


    فصل : قول عمرو بن العاص رضي الله عنه ، فإذا أنا مت فلا تصبحبني نائحة ولا نارة .... توصية منه باجتناب هذين الأمرين ، لأنهما من عمل الجاهلية ، و لنهي النبي صلى الله عليه و سلم .


    فصل: قول العلماء رحمهم الله : في البدع التي يبتدعها الناس في الأموات واحياء البدع وامتة السنن


    ومن ذلك الضجيج بذكر الله سبحانه وتعالى أو بغير ذلك حول الجنائز و البناء على المقابر ، والاجتماع في الجبانات والمساجد للقراءة والمبيت عندهم وغيرها لأجل الموتى ، وكذلك الاجتماع إلى أهل الميت ، والطعام الذي يصنعه اهل الميت في اليوم الثالث أو السابع, فيجتمع له الناس يريدون بذلك القربة للميت والترحم عليه ، وهذا مُحدث لم يكن فيما تقدم ، ولا هو مما يحمده العلماء , لأنه من أمر الجاهلية.
    قالوا : و ليس ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر ، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا وشبهه من لطم الخدود ، ونشر الشعور ، وشق الجيوب ، واستماع النوح ، كذلك الطعام الذي يصنعه أهل الميت ـ كما ذكرنا ـ فيجتمع عليه النساء و الرجال من فعل قوم لا خلاق لهم .


    و قال أحمد بن حنبل رحمه الله : هو من فعل الجاهلية ، قيل له : أليس قد قال النبي صلى الله عليه و سلم اصنعوا لآل جعفر طعاماً ؟ فقال : لم يكونوا هم اتخذوا . إنما اتخذ لهم , فهذا كله واجب, وعلى الرجل أن يمنع أهله من أن يصنعوا طعاما للغير . ولا يرخص لهم ، فمن أباح ذلك لأهله فقد عصى الله عزوجل, وأعانها على الاثم والعدوان
    والله تعالى يقول : قوا أنفسكم و أهليكم ناراً
    قال العلماء : معناه أدبوهم و علموهم .


    وروى ابن ماجه في سننه عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة .
    وفي حديث شجاع بن مخلد قال : كانوا يرون أن إسناده صحيح . وذكر الخرائطي عن هلال بن خباب ، قال : الطعام على الميت من أمر الجاهلية


    وأخرج الآجري عن أبي موسى قال : ماتت أخت لعبد الله بن عمر . فقلت لامرأتي : اذهبي فعزيهم . وبيتي عندهم ، فقد كان بيننا و بين آل عمر الذي كان ، فجاءت فقال : ألم أمرك أن تبيتي عندهم ؟ فقالت : أردت أن أبيت ، فجاء ابن عمر فأخرجنا . و قال : اخرجن لا تبيتن أختي بالعذاب .


    و عن أبي البختري قال : بيتونة الناس (مبيت) عند أهل الميت ليست إلا من أمر الجاهلية .


    قال المؤلف رحمه الله : وهذه الأمور كلها قد صارت عند الناس الآن سنة وتركها بدعة ، فانقلب الحال وتغيرت الأحوال .


    قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سُنة . و أحيوا فيه بدعة . حتى تموت السنن وتحيا البدع ، ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلا من هون الله عليه إسخاط الناس بمخالفتهم فيما أرادوا ، ونهيهم عما اعتادوا ومن يسر لذلك أحسن الله تعويضه ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنك لن تدع شيئاً إلا عوضك الله خيراً منه ، و قال صلى الله عليه و سلم : لا يزال في هذه الأمة عصابة يقاتلون على أمر الله لا يضرهم جدال من جادلهم و لا عداوة من عاداهم .



    فصل : و من هذا الباب ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه


    وسلم : ليس منا من لطم الخدود و شق الجيوب . و دعا بدعوى الجاهلية



    و فيهما أيضاً عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله ، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً فلما أفاق قال : أنا برىء مما برىء منه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برىء من الصالقة و الحالقة و الشاقة .


    وأخرج ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه باسناد صحيح قال: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن الخامشة وجهها ، و الشاقة جيبها ، والداعية بالويل و الثبور.


    و قال حاتم الأصم رحمه الله : إذا رأيت صاحب المصيبة قد خرق ثوبه ،
    وأظهر حزنه ، فعزيته , فقد أشركته في إثمه , وإنما هو صاحب منكر ، يحتاج أن تنهاه .


    و قال أبو سعيد البلخي رحمه الله : من أصيب بمصيبة فمزق ثوباً ، أو ضرب صدراً ، فكأنما أخذ رمحاً يريد أن يقاتل به ربه عز و جل.



    رابعا : باب ما جاء في تلقين الإنسان بعد موته شهادة الإخلاص في لحده


    ذكر أبو محمد عبد الحق يروي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب . فليقم أحدكم على رأس قبره ، ثم يقول : يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ، ثم ليقل : يا فلان ابن فلانة الثانية فإنه يستوي قاعداً ، ثم يقول : يا فلان ابن فلانة الثالثة فإنه يقول : أرشدنا رحمك الله ، ولكنكم لا تسمعون . فيقول : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأنك رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه و سلم نبياً ، وبالقرآن إماماً ، فإن منكراً ونكيراً يتأخر كل واحد منهما . ويقول : انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا ، وقد لقن حجته ، ويكون الله حجيجهما دونه .... فقال رجل : يا رسول الله فإن لم تعرف أمه ؟ قال : ينسبه إلى أمه حواء .
    قلت : هكذا ذكره أبو محمد في كتاب العاقبة لم يسنده إلى كتاب ولا إلى إمام ، و عادته في كتبه نسبة ما يذكره من الحديث إلى الأئمة ، و هذا و الله أعلم ، نقله من إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد فنقله كما وجد و لم يزد عليه . وهو حديث غريب .


    وأخرج الثقفي في الأربعين له ،مرفوعا الى سعيد الأزدي قال : دخلت على أبي أمامة الباهلي و هو في النزع فقال لي : يا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا . فقال عليه الصلاة والسلام : إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل : يا فلان ابن فلانة فإنه سيسمع . فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً . فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول : أرشدنا يرحمك الله فلقيل : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً عبده و رسوله ، و أن الساعة آتية لا ريب فيها ، و أن الله باعث من في القبور ، فإن منكر و نكيراً
    عند ذلك يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه و يقول : ما نصنع عند رجل لقن حجته فيكون الله حجيجهما دونه .
    حديث أبي أمامة في النزع غريب من حديث حماد بن زيد ما كتبناه إلا من حديث سعيد الأزدي .
    قال أبو محمد عبد الحق : و قال شيبة بن أبي شيبة : أوصتني أمي عند موتها . فقالت لي : يا بني إذا دفنتني فقم عند قبري ، و قل يا أم شيبة ، قولي : لا إله إلا الله . ثم انصرف ، فلما كان من الليل رأيتها في المنام فقالت لي : يا بني لقد كدت أن أهلك . لولا أن تداركتني لا إله إلا الله . فلقد حفظتني في وصيتي يا بني .


    قال المؤلف : قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي : ينبغي أن يرشد الميت في قبره حيث يوضع فيه إلى جواب السؤال ، و يذكر بذلك فيقال له : قل الله ربي . والإسلام ديني . و محمد رسولي فإنه عن ذلك يسأل . كما جاءت به الأخبار على ما سيأتي إن شاء الله . و قد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك . فيقال : قل هو محمد رسول الله وذلك عند هيل التراب ولا يعارض هذا بقوله تعالى : وما أنت بمسمع من في القبور . ولا قوله تعالى : إنك لا تسمع الموتى , وقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد نادى أهل القليب وأسمعهم, وقال لعمر رضي الله عنه: ما أنتم بأسمع . و لكنهم لا يستطيعون جواباً
    وقد قال عليه الصلاة والسلام في الميت : إنه ليسمع قرع نعالهم . و أن هذا يكون في حال دون حال ووقت دون وقت . وسيأتي استيفاء هذا المعنى في باب : ما جاء أن الميت يسمع ما يقال : إن شاء الله .


    فصل: باب في نسيان أهل الميت ميتهم وفي الأمل والغفلة


    أخرج أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال : حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن مشيعي الجنازة قد وكل بهم ملك , فهم مهتمون محزنون , حتى إذا أسلموه في ذلك القبر ورجعوا راجعين, أخذ كفاً من تراب فرمى به وهو يقول : ارجعوا إلى دياركم أنساكم الله موتاكم فينسون ميتهم
    ويأخذون في شرائهم و بيعهم كأنهم لم يكونوا منه ولم يكن منهم .


    و يُروى أن الله عز و جل لما مسح على ظهر آدم عليه السلام فاستخرج ذريته قالت الملائكة : رب لا تسعهم الأرض ! قال الله تعالى : إني جاعل موتاً : قالت : رب لا يهنيهم العيش . قال تعالى: إني جاعل أملاً
    فالأمل رحمة من الله تعالى ينتظم به أسباب المعاش . ويستحكم به أمور الدنيا .. و يتقوى به الصانع على صنعته . والعابد على عبادته ، و إنما يدم من الأمل ما امتد و طال ، حتى أنسى العاقبة ، و ثبط عن صالح الأعمال .
    قال الحسن البصري رحمه الله : الغفلة والأمل : نعمتان عظيمتان على ابن آدم . و لولاهما ما مشى المسلمون في الطرق .
    يريد لو كانوا من التيقظ وقصر الأمل وخوف الموت بحيث لا ينظرون إلى معاشهم . وما يكون سبباً لحياتهم لهلكوا


    قال مطرف بن عبد الله : لو علمت متى أجلي ؟ لخشيت ذهاب عقلي . و لكن الله سبحانه منّ على عباده بالغفلة عن الموت .
    ولولا الغفلة ما تهنوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق .


    خامسا : باب في رحمة الله بعبده إذا أدخل في قبره


    قال عطاء الخراساني رحمه الله : أرحم ما يكون الرب بعبده . إذا دخل في قبره وتفرق الناس عنه وأهله .
    وروي عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً الى أبو غالب رحمه الله قال : كنت أختلف إلى أبي أمامة الباهلي بالشام ، فدخلت يوماً على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده عم له وهو يقول : يا عدو الله ، ألم آمرك ؟ ألم أنهك ؟ فقال الفتى : يا عماه ! لو أن الله دفعني إلى والدتي : كيف كانت صانعة بي ؟ قال : تدخلك الجنة . قال : الله أرحم بي من والدتي ، وقبض الفتى ، فدخلت القبر مع عمه ، فلما أن سواه صاح وفزع . قلت له ما لك ؟ قال : فسح له في قبره ، و مُلئ نوراً .



    و كان أبو سليمان الداراني يقول في دعائه : يا من لا يأنس بشيء أبقاه ، و لا يستوحش من شيء أفناه ، و يا أنيس كل غريب ، ارحم في القبر غربتي ، ويا ثاني كل وحيد ، آنس في القبر وحدتي ...

    سادسا : باب متى يرتفع ملك الموت عن العبد ؟


    و بيان قوله تعالى في سورة ق : و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد , وقوله تعالى في سورة الانشقاق : لتركبن طبقاً عن طبق


    أخرج أبو نعيم عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
    إنّ ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل إن الله ـ لا إله غيره إذا أراد خلقه ـ قال للملك : اكتب رزقه و أثره و أجله ،
    واكتب شقياً أو سعيداً ، ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكاً آخر فيحفظه حتى يدرك ، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته
    وسيئاته ، فإذا جاءه الموت ارتفع ذلك المكان ، ثم جاءه ملك الموت عليه السلام ، فيقبض روحه ، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده ، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ، ثم يرتفعان ، فإذا قامت الساعة ، انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتاباً معقوداً في عنقه ، ثم حضرا معه : واحد سائق
    والآخر شهيد ، ثم قال الله عز وجل : لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد , قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى : لتركبن طبقاً عن طبق قال : حالاً بعد حال ..
    ثم قال النبي صلى الله عليه و سلم : إن قدامكم أمر عظيم .... فاستعينوا بالله العظيم .
    قال أبو نعيم : هذا حديث غريب من حديث أبي جعفر


    الباب الثالث والثلاتون: في سؤال الملكين للعبد و في التعوذ فصل: في عذاب القبر وعذاب النار


    أخرج البخاري عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه . إنه ليسمع قرع نعالهم , أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه و سلم ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله و رسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً .
    وأما المنافق و الكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس . فيقال : لا دريت و لا تليت . و يضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين .


    وأخرج ابن ماجه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف ، ثم يقال له : فيم كنت ؟ فيقول : كنت في الإسلام ! فيقال : ما هذا الرجل ؟ فيقول : محمد رسول الله ، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه . فيقال له : هل رأيت الله ؟ فيقول : لا ، ما ينبغي لأحد أن يرى الله ! فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً ، فيقال له : انظر إلى ما وقاك الله ، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها و ما فيها ، فيقال له : هذا مقعدك .
    و يقال له : على اليقين كنت . وعليه مت . وعليه تبعث إن شاء الله تعالى ، ويجلس الرجل السوء في قبره فزعاً مرعوباً فيقال له : فيما كنت ؟ فيقول : لا أدري . فيقال له : ما هذا الرجل ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون قولاً فقلته . فيفرج له فرجة قبل الجنة فينظروا إلى زهرتها وما فيها . فيقال له انظر إلى ما صرفه الله عنك ، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً ، فيقال : هذا مقعدك على الشك كنت . وعليه مت . وعليه تبعث إن شاء الله تعالى .


    وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا أقبر الميت ـ أو قال أحدكم ـ أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر . و للآخر النكير
    فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول ما كان يقول فيه : هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا ، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ، ثم ينور له فيه ، ثم يقال له : نم . فيقول : أرجع إلى أهلي فأخبرهم ، فيقولان : نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك . و إن كان منافقاً قال : سمعت الناس يقولون قولاً . فقلت مثله : لا أدري . فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض : التئمي عليه . فتختلف أضلاعه . فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك
    قال حديث حسن غريب .


    وأخؤج أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلاً نخلاً لبني النجار فسمع صوتاً ففزع ، فقال : من أصحاب هذه القبور ؟ قالوا : يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية ، فقال : تعوذوا بالله من عذاب القبر . ومن فتنة الدجال قالوا : و ممّ ذاك يا رسول الله ؟ قال : إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك ، فيقول له : ما كنت تعبد؟


    فإن هداه الله . قال : كنت أعتبد الله , فيقال : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول هوعبد الله ورسوله . فما يسأل عن
    شيء غيرها . فينطلق به إلى بيت كان له في النار . فيقال له : هذا بيتك كان في النار ، ولكن عصمك ورحمك فأبدلك بيتاً في الجنة فيقول دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له : اسكن .

    و إن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره و يقول : ما كنت تعبد ؟ فيقول : لا أدري كنت أقول كما يقول الناس ... فيضرب بمطارق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين




    وأخرج أبو داود أيضاً عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار . فانتهينا إلى القبر و لما يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير
    وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ، قال : وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له : من ربك ؟ و ما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله ، فيقولان : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله ، فيقولان له : وما يدريك ؟ قال : قرأت كتاب الله فآمنت وصدقت قال : فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة . و ألبسوه من الجنة . و افتحوا له باباً إلى الجنة , قال : فيأتيه من روحها و طيبها قال : و يفسح له مد بصره .
    قال : وإن الكافر فذكر موته قال : وتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه . لا أدري ... فيقولان : ما هذا الرسول الذي بعث فيكم ؟ فيقول هاه هاه . لا أدري . قال : فينادي مناد : أن كذب عبدي . فأفرشوه من النار ، وألبسوه من النار ، وافتحوا له باباً إلى النار قال : فيأتيه من حرها وسمومها , ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه.
    وقد زيد في حديث جرير, قال : ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً قال : فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق و المغرب إلا الثقلين فيصير تراباً ، ثم تعاد فيه الروح .





    سابعا : باب ما ذكره أبو حامد الغزالي في كتاب كشف علم الآخرة




    وقد روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله : ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره ؟ قال عليه الصلاة والسلام : يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت . فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول : يا عبد الله اكتب عملك . فيقول : ليس معي دواة ولا قرطاس فيقول : هيهات كفنك قرطاسك ، ومدادك ريقك ، وقلمك إصبعك . فيقطع له قطعة من كفنه . ثم يجعل العبد يكتب ، و إن كان غير كاتب في الدنيا ... فيذكر حينئذ حسناته و سيئاته كيوم واحد ، ثم يطوى الملك القطعة و يعلقها في عنقه
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى في سورة الاسراء 13 : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه , أي عمله ، فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتانا القبر ، وهما ملكان أسودان ، يخرقان الأرض بأنيابهما ، لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض ، كلامهما كالرعد القاصف ، وأعينهما كالبرق الخاطف ، ونفَسَهُما كالريح العاصف ، بيد كل واحد منهما مقمع من حديد , لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه ، لو ضرب به أعظم جبل لجعله دكاً ، فإذا أبصرتْهُما النفس ارتعدت ، ووّلت هاربة فتدخل في منخر الميت, فيحيا الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة ، ولا يقدر على حراك ، غير أنه يسمع وينظر , فيقعدانه فيبتدءانه بعنف وينتهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء حيثما تحرك انفسح فيه , ووجد فرجة, فيقولان له : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ وما قبلتك ؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت قال : ومن وكلكما علي ؟ ومن أرسلكما إلي ؟
    وهذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار . فيقول أحدهما للآخر : صدق . كفي سرنا ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة ،
    ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه ، ثم يفرشان له من حريرها وريحانها ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها و يأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه ، يؤنسه ويحدثه
    ويملأ قبره نوراً ، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة ، و يسأل : متى تقوم الساعة ؟ فليس شيء أحب إليه من قيامها .
    ودونه في المنزلة المؤمن العامل الخير ليس معه حظ من العلم ولا من أسرار الملكوت , يلج عليه عمله عقيب رومان في أحسن صورة طيب الريح ، حسن الثياب ، فيقول له : أما تعرفني ؟ فيقول : من أنت الذي من الله علي بك في غربتي ؟ فيقول : أنا عملك الصالح ،فلا تحزن ولا توجل فعما قليل يلج عليك منكر ونكير يسألانك فلا تدهش ، ثم يلقنه حجته فبينما هو كذلك ، إذ دخلا عليه فينتهرانه ويقعدانه مستنداً ويقولان : من ربك ؟ فيقول : الله ربي ، ومحمد نبيي ، والقرآن إمامي ، والكعبة قبلتي ، وإبراهيم أبي ، وملته ملتي ، غير مُستعجم ، فيقولان له : صدقت ، و يفعلان به كالأول , إلا أنهما يفتحان له باباً إلى النار فينظر إلى حياتها وعقاربها وسلاسلها وأغلالها وحميمها وجميع غمومها وصديدها وزقومها فيفزع فيقولان له : لا عليك سوء . هذا موضعك قد أبدله الله تعالى بموضعك هذا من الجنة . نم سعيداً , ثم يغلقان عنه باب هذا النار , ولم يدر ما مرّ عليه من الشهور والأعوام والدهور . ومن الناس من يُحجم في مسألته . فإن كانت عقيدته مختلفة امتنع أن يقول : الله ربي وأخذ غيرها من الألفاظ فيضربانه ضربة يشتعل منها قبره ناراً ثم تطفأ عنه أياماً . ثم تشتعل عليه أيضاً . هذا دأبه ما بقيت الدنيا . ومن الناس من يعتاص عليه و يعسر أن يقول : الإسلام ديني لشك كان يتوهمه ، أو فتنة تقع به عند الموت فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره ناراً كالأول ، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول : القرآن إمامي . لأنه كان يتلوه و لا يتعظ به . ولا يعمل بأوامره ولا ينتهي بنواهيه يطوف عليه دهره ولا يعطي منه نفسه خيره فيفعل له ما يفعل بالأولين و من الناس من يستحيل عمله جرواً يعذب في قبره على قدر جرمه





    وأما الفاجر فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري ! فيقولان له : لا دريت و لا عرفت ثم يضربانه بتلك المقامع حتى يتلجلج في الأرض السابعة ، ثم تنقضه الأرض في قبره . ثم يضربانه سبع مرات . ثم تفترق أحوالهم . فمنهم من يستحيل عمله كلباً ينهشه حتى تقوم الساعة ، وهم الخوارج ، ومنهم من يستحيل خنزيراً يعذب به في قبره وهم المرتابون ، وهم أنواع وأصله أن الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا . فمن الناس من يخاف من الجرو أكثر من الأسد وطبائع الخلق متفرقة نسأل الله السلامة والغفران . قبل الندامة




    و في كتاب الأخبار هذه الرواية : أن في الناس من يستحيل عمله خنوصاً ـ وهو ولد الخنزير ـ ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول نبيي محمد , لأنه كان ناسياً لسنته ، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول الكعبة قبلتي لقلة تحريه في صلاته ، أو فساده في وضوئه ، أو التفات في صلاته ، أو اختلال في ركوعه وسجوده ، ويكفيك ما روي في فضائلها ، أن الله لا يقبل صلاة من عليه صلاة ، ومن عليه ثوب حرام ، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول إبراهيم أبي لأن سمع كلاماً يوماً أو همه أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً . فإذا هو شاك مرتاب ، فيفعل به ما يفعل بالآخرين .
    وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله : و كل هذه الأنواع كشفناها ( أي أظهرنانها وبيناها) في كتاب الأحياء .





    فصل : جاء في حديث البخاري و مسلم : سؤال الملكين ، وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما ونعتها . وجاء في حديث أبي داود : سؤال ملك واحد ، وفي حديثه الآخر : سؤال ملكين ولا تعارض في ذلك والحمد لله : بل كان ذلك صحيح المعني بالنسبة إلى الأشخاص قرب شخص يأتيانه جميعاً ويسألانه جميعاً في حال واحد عند انصراف الناس ليكون السؤال عليه أهون والفتنة في حقه أشد وعظم وذلك بحسب ما اقترف من الآثام واجترح من سيء الأعمال , وآخر يأتيه قبل انصراف الناس عنه , وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والعتاب لما عمله من صالح الأعمال .
    و قد يحتمل حديث أبي داود وجهاً آخر وهو : أن الملكين يأتيان جميعاً ويكون السائل أحدهما ، وإن تشاركا في الإتيان فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل و رك غيره لأنه لم يقل في الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلا ملك واحد ، ولو قاله هكذا صريحاً لكان الجواب عنه ما قدمناه من أحوال الناس . والله وحده أعلم بغيبه وأحكم
    وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما ولا يأتيه أحد منهما على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
    و اختلفت الأحاديث أيضاً في كيفية السؤال و الجواب . و ذلك بحسب اختلاف أحوال الناس ، فمنهم من يقتصر على سؤاله عن بعض اعتقاداته ، ومنهم من يسأل عن كلها فلا تناقص .
    ووجه آخر هو : أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال . فيكون الإنسان مسؤولاً عن الجميع . كما جاء في حديث البراء المذكور.
    و قول المسؤول : هاه هاه هي حكاية صوت المبهور من تعب أو جري أو حمل ثقيل , و الله أعلم .






    والله وحده أعلم بغيبه وأحكم



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الدولة
    امريكا
    المشاركات
    170

    افتراضي رد: أحوالنا في القبور مقتبس من كتاب التذكرة للقرطبي رحمه الله

    من كتاب التذكرة للامام القرطبي رحمه الله


    باب الرد على الملاحدة في تكذيببهم لعذاب القبر وسؤال الملكين وما شابه ذلك


    قلت : و هنا فصول ستة في الرد على الملاحدة :



    الفصل الأول


    تأمل يا أخي وفقني الله وإياك هذا الحديث وما قبله من الأحاديث ترشدك إلى أن الروح والنفس شيء واحد , وأنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة يجذب ويخرج وفي أكفانه يلف
    ويدرج : و به إلى السماء يعرج . لا يموت ولا يفنى وهو مما له أول و ليس له آخر . وهو بعينين ويدين . وأنه ذو ريح طيب وخبيث . وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض ..
    و قد قال بلال رضي الله عنه في حديث الوادي : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابلاً له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي :
    يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حيز غير هذا ... وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الروح إذا قبض تبعه البصر وقال : فذلك حين يتبع بصره نفسه
    وهذا غاية في البيان ولا عطر بعد عروس ، وقد اختلف الناس في الروح اختلافاً كثيراً : أصح ما قيل فيه : ما ذكرناه لك وهو مذهب أهل السنة : أنه جسم ، فقد قال تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها . قال أهل التأويل : يريد الأرواح ، و قد قال تعالى : فلولا إذا بلغت الحلقوم , يعني النفس عند خروجها من الجسد ، وهذه صفة الجسم ولم يجر لها ذكر في الآية لدلالة الكلام عليها




    و كل من يقول ويعتقد بإن الروح يموت ويفنى فهو ملحد .
    وكذلك فقد كفر من يقول بالتناسخ : أنها إذا خرجت من هذا ركبت في شيء آخر : حمار أو كلب أو غير ذلك . و إنما هي محفوظة بحفظ الله , إما منعمة و إما معذبة . على ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .



    الفصل الثاني


    الإيمان بعذاب القبر و فتنته واجب . والتصديق به لازم . حسب ما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه, وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به و يفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان . و بهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه و سلم آناء الليل وأطراف النهار ، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة . ولم تفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم عليه الصلاة والسلام غير ما ذكرنا . وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جراً ، ولقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بفتنة الميت في قبره وسؤال منكر ونكير وهما الملكان له : يا رسول الله أيرجع إلىّ عقلي ؟ قال : نعم . قال : إذا أكفيكهما ... والله لئن سألاني سألتهما . فأقول لهما : أنا ربي الله فمن ربكما أنتما ؟
    وأ خرج الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوماً فتاني القبر . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أترد علينا عقولنا يا رسول الله ؟ فقال : نعم كهيئاتكم اليوم ، فقال عمر رضي الله عنه : في فيه الحجر .
    و قال سهل بن عمار : رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته ... فقلت له مافعل الله بك ؟ فقال إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان ، فقالا : ما دينك ؟ ومن ربك ؟ ومن نبيك ؟ فأخذت بلحيتي البيضاء . وقلت : ألمثلي يقال هذا ؟ وقد علمت الناس جوابكما ثمانين سنة . فذهبا . وقالا : أكتبت عن حريز بن عثمان ؟ قلت نعم . فقالا : إنه كان يُبغض علياً فأبغضه الله .


    و في حديث البراء رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم : فتعاد روحه في جسده , وحسبك .
    وقد قيل : إن السؤال والعذاب إنما يكون على الروح دون الجسد . والله أعلم .


    الفصل الثالث

    أنكرت الملاحدة من تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة : عذاب القبر و أنه ليس له حقيقة


    واحتجوا بأن قالوا : إنا نكشف القبر فلم نجد فيه ملائكة عمياً صماً يضربون الناس بفطاطيس من حديد < ولا نجد فيه حيات ولا ثعابين ولا نيراناً ولا تنانين . وكذلك لو كشفنا عنه في كل حالة لوجدناه فيه لم يذهب ولم يتغير ، وكيف يصح إقعاده ونحن لو وضعنا الزئبق بين عينيه لوجدناه بحاله? فكيف يجلس ويضرب ولا يتفرق ذلك ؟ و كيف يصح إقعاده , وما ذكرتموه من الفسحة ؟ ونحن نفتح القبر فنجد لحده ضيقاً ونجد مساحته على حد ما حفرناها لم يتغير علينا ، فكيف يسعه ويسع الملائكة السائلين له ؟ وإنما ذلك كله إشارة إلى حالات ترد على الروح من العذاب الروحاني ، وإنها لا حقائق لها على موضوع اللغة .
    والجواب : أنا نؤمن بما ذكرناه . والله أن يفعل ما يشاء من عقاب و نعيم . ويصرف أبصارنا عن جميع ذلك بل يُغيبه عنا . فلا يبعد في قدرة الله تعالى فعل ذلك كله بعد في قدرة الله تعالى فعل ذلك كله , إذا هو القادر على كل ممكن جائز , فإنا لو شئنا لأزلناه الزئبق عن عينيه ، ثم نضجعه ونرد الزئبق وكذلك يمكننا أن نعمق القبر


    ونوسعه حتى يقوم فيه قياماً فضلاً عن العقود . وكذلك يمكننا أن نوسع القبر ذراع فضلاً عن سبعين ذراعاً ،


    والرب سبحانه أبسط منا قدرة ، وأقوى منا قوة ،


    وأسرع فعلاً ، وأحصى منا حساباً , إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون , ولا رب سواه لمن يدعى الإسلام إلا من هذه صفته ، فإذا كشفنا نحن عن ذلك رد الله سبحانه الأمر على ما كان نعم لو كان الميت بيننا موضوعاً فلا يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بهما ، ويجيبهما من غير أن يسمع الحاضرون جوابهما . ومثال ذلك : نائمان بيننا يحلمان , أحدهما ينعم بحلمه, والآخر يعذب ، ولا يشعر بذلك أحد ممن حولهما من المنتبهين ، ثم إذا استيقظا أخبر كل واحد منهما عما كان فيه .
    و قد قال بعض علمائنا رحمهم الله : إن دخول الملك القبور جائز أن يكون تأويله : اطلاعه عليها وعلى أهلها .. وأهلها مدركون له عن بعد من غير دخول ولا قرب . ويجوز أن يكون الملك للطافة أجزائه يتولج في خلال المقابر فيتوصل إليهم من غير نبش , ويجوز أن ينبشهما ثم يعيدها الله إلى مثل حالها على وجه لا يدركها أهل الدنيا .
    ويجوز أن يكون الملك يدخل من تحت قبورهم من مداخل لا يهتدي الإنسان إليها .
    وبالجملة : فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل لدنيا في حياتهم , فليس تنقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا . وهذا مما لا خلاف فيه. ولولا خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه بذلك بذلك لم نعرف شيئاً مما يجري هنالك .. فإن قالوا : كل حديث يخالف مقتضى المعقول فاننا نقول يتحمّل خطئه ناقله ، و نحن نرى المصلوب على صلبه مدة طويلة وهو لا يسأل ولا يحيى , وكذلك يشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلاً ولا يتحرك , ومن افترسته السباع ، ونهشته الطيور ، وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير ، وبطون الحيتان وحواصل الطيور ، وأقاصي التخوم ، ومدارج الرياح ، فكيف تجتمع أجزاؤه ؟ أم كيف تتألف أعضاؤه ؟ و كيف تتصور مساءلة الملكين لمن هذا وصفه ؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ؟ و الجواب عن هذا من وجوه أربعة : أحدها : أن الذي جاء بهذا هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وليس لنا طريق إلا ما نقلوه لنا من ذلك .
    الثاني : ما ذكره القاضي لسان الأمة وهو : أن المدفونين في القبور يسألون . والذين بقوا على وجه الأرض فإن الله تعالى يحجب المكلفين عما يجري عليهم , كما حجبهم عن رؤية الملائكة مع رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم . و من أنكر ذلك فلينكر نزول جبرائيل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . و قد قال الله تعالى في وصف الشياطين:
    إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم .
    الثالث : قال بعض العلماء رحمهم الله : لا يبعد أن ترد الحياة إلى المصلوب ونحن لا نشعر به كما أنا نحسب المغمى عليه ميتاً . وكذلك صاحب السكتة وندفنه على حسبان الموت ، و من تفرقت أجزاؤه فلا يبعد أن يخلق الله الحياة في أجزائه .
    قلت : و يعيده كما كان . كما فعل بالرجل الذي أمر إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذري حتى تنسفه الرياح والحديث أخرجه البخاري , وجاء فيه قةله صلى الله عليه وسلم : فأمر الله البر فجمع ما فيه . وأمر البحر فجمع ما فيه . ثم قال : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : خشيتك . أو قال مخافتك .
    و في التنزيل قوله تعالى في سورة البقرة 260: فخذ أربعة من الطير فصرهنّ اليك ثم اجعل على كلّ جبلٍ منهنّ جزءاً ثم ادعهنّ اليك يأتينك سعيا, واعلم أنّ الله عزيز حكيم.
    الرابع : قال أبو المعالي : المرضي عندنا : أن السؤال يقع على أجزاء يعملها الله تعالى من القلب أو غيره فيحييها ويوجه السؤال عليها . وذلك غير مستحيل عقلاً . قال بعض علمائنا رحمهم الله: وليس هذا بأبعد من الذر الذي أخرجه الله تعالى من صلب آدم عليه السلام , وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى.

    الفصل الرابع



    فإن قالوا : ما حكم الصغار عندكم ! قلنا : هم كالبالغين وأن العقل يكمل لهم ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم
    ويلهمون الجواب عما يسألون عنه . وهذا ما تقتضيه ظواهر الأخبار ، فقد جاء أن القبر ينضم عليه كما ينضم على الكبار . وقد تقدم . وذكر هناد بن السرى قال : حدثنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن كان ليُصلى على النفوس ما أن عمل خطيئة قط فيقول : اللهم أجره من عذاب القبر .




    الفصل الخامس


    فإن قالوا : فما تأويلكم في القبر : حفرة من النار ، أو روضة من رياض الجنة ؟ قلنا : ذلك محمول عندنا على الحقيقة لا على المجاز . وأن القبر يملأ على المؤمن خضراً وهو العشب من البنات ، وقد عينه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقال : هو الريحان كما في حق الكافر يفرش له لوحان من نار ، وقد تقدم . وقد حمله بعض علمائنا على المجاز والمراد خفة السؤال على المؤمن ، وسهولته عليه وأمنه فيه ، وطيب عيشه ووصفه بأنه جنة تشبيهاً بالجنة , والنعيم فيها بالرياض يقال : فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة . فالمؤمن يكون في قبره في روح وراحة وطيب عيش ، وقد رفع الله عن عينيه الحجاب حتى يرى مد بصره كما في الخبر ، وأراده بحفرة النار ضغطة القبر وشدة المساءلة والخوف والأهول التي تكون فيها على الكفرة وبعض أهل البكائر : والله أعلم. والأول أصح لأن الله سبحانه وتعالى, ورسوله صلى الله عليه وسلم يقص الحق و لا استحالة في شيء من ذلك .


    الفصل السادس


    روى أبو عمر في التمهيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعنّ عنه .
    وإن آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد رجم . وأن أبا بكر قد رجم . وإنا قد رجمنا بعدهما . وسيكون أقوام من هذه الأمة يكذبون بالرجم . ويكذبون بالدجال ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها . ويكذبونها بعذاب القبر . و يكذبون بالشفاعة ، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا
    قال علماؤنا رحمة الله عليهم : هؤلاء هم القدرية و الخوارج ، و من سلك النار سبيلهم . وافترقوا في ذلك فرقاً . فصار أبو الهذيل وبشر : إلى أن خرج عن سلمة الإيمان ، فإنه يعذب بين النفختين ، وأن المساءلة إنما تقع في تلك الأوقات.
    وقد أثبت البلخي وكذلك الجبائي وابنه عذاب القبر .
    ولكنهم نفوه عن المؤمنين و أثبتوه على الكافرين
    والفاسقين . وقال الأكثرون من المعتزلة : لا يجوز تسمية ملائكة الله تعالى بمنكر ونكير ، و إنما المنكر ما يبدو من تلجلجله إذا سئل ، وقريع الملكين له هو النكير.
    و قال صالح من جماعة مذهب الكرامية : عذاب القبر جائز ، و أنه يجري على الموتى من غير رد الأرواح إلى الأجساد ، وأن الميت يجوز أن يألم ويحس ويعلم .
    و قال بعض المعتزلة : إن الله يعذب الموتى في قبورهم ، و يحدث فيهم الآلآم وهم لا يشعرون ، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام . وزعموا أن سبيل المعذبين من الموتى ، كسبيل السكران أو المغشى عليه ، لو ضربوا لم يجدوا الآلام ، فإذا عاد إليهم العقل وجدوا تلك الآلام ، و أما الباقون من المعتزلة . مثل ضرار بن عمرو
    وبشر المريسي ويحيى بن كامل وغيرهم ، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلاً ، وقالوا : إن من مات فهو ميت في قبره إلى يوم البعث , وهذه أقوال كلها فاسدة تردها الأخبار الثابتة وفي التنزيل قوله تعالى : النار يعرضون عليها غدواً و عشياً . و سيأتي من الأخبار مزيد بيان ان شاء الله ، وبالله التوفيق و العصمة و الله أعلم , في باب ما جاء في صفة الملكين صلوات الله عليهما و صفة سؤالهما.
    وقد تقدم من حديث الترمذي : أنهما أسودان أزرقان . يقال لأحدهما : منكر ، وللآخر : النكير.
    و روى معمر عن عمرو بن دينار وعن سعد بن إبراهيم عن عطاء ابن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر و نكير؟ إذا مت وانطلق بك إلى قومك وقاسوا ثلاثة أذرع وشبر في ذارع وشبر ، ثم غسلوك وكفنوك و حنطوك ، ثم احتملوك فوضعوك فيه ، ثم أهالوا عليك التراب ؟ فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر : منكر
    ونكير أصواتهما كالرعد القاصف , وأبصارهما كالبرق الخاطف ، يجران شعورهما . معهما مزربة من حديد لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلوها , فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله إن فرقنا فحق لنا أن نفرق أنبعث على ما نحن عليه ؟ قال : نعم , قال : إذا أكفيكهما .


    وروى نقلة الأخبار عن ابن عباس رضي الله عنهما في خبر الإسراء : أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : قلت : يا جبريل وما ذاك ؟ قال : منكر و نكير يأتيان كل إنسان من البشر حين يوضع في قبره وحيداً فقلت : يا جبريل صفهما لي . قال : نعم من غير أن أذكر لك طولهما وعرضهما . ذكر ذلك منهما أفظع من ذلك غير أن أصواتهما كالرعد القاصف ، وأعينهما كالبرق الخاطف ، وأنيابهما كالصياصي ، يخرج لهب النار من أفوامهما ، ومناخرهما ومسامعهما ، يكسحان الأرض بأشعارها ، ويحفران الأرض بأظفارهما مع كل واحد منهما عمود من حديد ، لو اجتمع عليه من في الأرض ما حركوه يأتيان الإنسان إذا وضع في قبره وترك وحيداً يسلكان روحه في جسده بإذن الله تعالى ثم يقعدانه في قبره فيتنهرانه انتهاراً يتقعقع منه عظامه و تزول أعضاؤه من مفاصله فيخر مغشياً عليه . ثم يقعدانه فيقولان له : إنك في البرزخ فاعقل حالك ، واعرف مكانك ، وينتهرانه ثانية . ويقولان : يا هذا ذهبت عنك الدنيا وأفضيت إلى معادك فأخبرنا من ربك ؟ وما دينك ؟ و من نبيك ؟ فإن كان مؤمناً بالله لقنه الله حجته فيقول : الله ربي و نبيي محمد ، و ديني الإسلام ، فينتهرانه عند ذلك انتهاراً يرى أن أوصافه تفرقت و عروقه قد تقطعت و يقولان له : يا هذا انظر ما تقول؟ فيثبته الله عنه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة , ويلقنه الأمان ويدرأ عنه الفزع ، فلا يخافهما ، فإذا فعل ذلك بعبده المؤمن استأنس إليهما وأقبل عليهما بالخصومة يخاصمهما ويقول : تهدداني كيما أشك في رب
    وتريداني أن أتخذ غيره ولياً وأنا أشهد أن لا إله إلا الله . وهو ربي و ربكما . ورب كل شيء ونبيي محمد
    وديني الإسلام ؟ ثم ينتهرانه ويسألانه عن ذلك فيقول : ربي الله فاطر السموات والأرض ، إياه كنت أعبد ولم أشرك به شيئاً , ولم أتخذ غيره أحداً رباً . أفتريدان أن ترداني عن معرفة ربي وعبادتي إياه ؟ نعم هو الله الذي لا إله الا هو.
    قال : فإذا قال ذلك ثلاث مرات مجاوبة لهما تواضعا له حتى يستأنس إليهما أنس ما كان في الدنيا إلى أهل وده ويضحكان إليه ويقولان له : صدقت وبررت أقر الله عينيك وثبتك ، أبشر بالجنة وبكرامة الله ثم يدفع عنه قبره هكذا وهكذا فيتسع عليه مد البصر ويفتحان له باباً إلى الجنة فيدخل عليه من روح الجنة وطيب ريحها
    ونضرتها في قبره ما يتعرف به كرامة الله تعالى ، فإذا رأى ذلك استيقن بالفور فحمد الله ، ثم يفرشان له فراشاً من إستبرق الجنة ويضعان له مصباحاً من نور عند رأسه ومصباحاً من نور عند رجليه يزهران في قبره ، ثم يدخل عليه ريح أخرى ، فحين يشمها يغشاه النعاس فينام فيقولان له : ارقد رقدة العروس قرير العين لا خوف عليك ولا حزن . ثم يمثلان عمله الصالح في أحسن ما يرى من صورة ، وأطيب ريح فيكون عند رأسه ، ويقولان : هذا عملك وكلامك الطيب قد مثله الله لك في أحسن ما ترى من صورة وأطيب ريح ليؤنسك في قبرك فلا تكون وحيداً , ويدرأ عنك هوام الأرض
    وكل دابة وكل أذى فلا يخذلك في قبرك ولا في شيء من مواطن القيامة حتى تدخل الجنة برحمة الله تعالى .. فنم سعيداً طوبى لك و حسن مآب . ثم يسلمان علي
    ويطيران عنه.
    و ذكر الحديث وما يلقة الكافر من الهوان الشديد
    والعذاب الأليم و حسبك بما تقدم .
    قلت : و هذا الحديث و إن كان في إسناده مقال لأنه يروى عن عمرو بن سليمان عن الضحاك بن مزاحم ، فهو حديث مرتب على أحوال مبنية و محتو على أمورمفسرة .


    فصل : قوله صلى الله عليه وسلم : أتاك فتانا القبر منكر و نكير
    قال أبو عبد الله الترمذي : إنما سميا فتاني القبر لأن في سؤالهما انتهاراً . وفي خلقهما صعوبة . ألا ترى أنهما سميا منكراً و نكيراً ؟ فإنما سميا بذلك لأن خلقهما لا يشبه خلق الأدميين ،
    ولا خلق الملائكة ، ولا خلق الطير ، ولا خلق البهائم ، ولا خلق الهوام ، بل هما خلق بديع , وليس في خلقتهما أنس للناظرين إليهما ، جعلهما الله تكرمة للمؤمن يثبته وينصره و هتكاً لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب .


    فصل : إن قال قائل : كيف يخاطب الملكان جميع الموتى وهم مختلفوا الأماكن متباعدو القبور في الوقت الواحد . الجسم الواحد لا يكون في المكانين في الوقت الواحد و كيف تنقلب الأعمال أشخاصاً و هي في نفسها أعراض ؟ .

    فالجواب عن الأول : ما جرى ذكره في هذا الخبر من عظم جثتيهما فيخاطبان الخلق الكثير الذين في الجهة الواحدة منهم في المرة الواحدة : مخاطبة واحدة ، يخيل لكل واحد أن المخاطب هو دون من سواه .
    و يكون الله يمنع سمعه من مخاطبة الموتى لهما
    و يسمع هو مخاطبتهما أن لو كانوا معه في قبر واحد ، و قد تقدم أن عذاب القبر يسمعه كل شيء إلا الثقلين . و الله سبحانه و تعالى يسمع من يشاء و هو على كل شيء قدير .
    والجواب عن الثاني : أن الله يخلق من ثواب الأعمال أشخاصاً حسنة و قبيحة . لا أن العرض نفسه ينقلب جوهراً إذ ليس من قبيل الجواهر . و مثل هذا ما صح في الحديث : أنه يؤتى بالموت كأنه كبش أملح فيوقف على الصراط فيذبح و محال أن ينقلب الموت كبشاً لأن الموت عرض و إنما المعنى أن الله سبحانه يخلق شخصاً يسميه الموت فيذبح بين الجنة و النار . و هكذا كلما ورد عليك في هذا الباب التأويل فيه ما ذكرت لك . و الله سبحانه أعلم . و سيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى .

    والله وحده أعلم وبغيبه أحكم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •