مسائل في صيام المحرم، دراسة حديثية أصولية، للشيخ: جلال بن علي السلمي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مسائل في صيام المحرم، دراسة حديثية أصولية، للشيخ: جلال بن علي السلمي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    78

    افتراضي مسائل في صيام المحرم، دراسة حديثية أصولية، للشيخ: جلال بن علي السلمي

    مسائل في صيام المحرم، دراسة حديثية أصولية
    كتبه: جلال بن علي السلمي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    فهذه مسائل يكثر السؤال عنها في مثل هذه الأيام، فرأيت كتابتها وتوضيحها من ناحية حديثية أصولية لعل الله أن ينفع بها.

    مسألـ(1)ـة: حكم صيام المحرم:
    يستحب صيام شهر الله المحرم، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم في الصحيح ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصيام ، بعد رمضان ، شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة ، بعد الفريضة ، صلاة الليل »، ومأخذ الحكم من الحديث من قوله: «أفضل»، فهذا اللفظ يتضمن إثبات الثواب على الفعل، والقاعدة في الأصول: [أن ترتيب الثواب على الفعل يقتضي المشروعية - القدر المشترك بين الإيجاب والندب- والأصل عدم الوجوب فيتعين الثاني].
    وإذا تقرر مشروعية صيامه، وأنه في الفضل بعد رمضان فلا يغفل عن ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله تعالى : كل عمل ابن آدم له ، إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به », فإن فيه أوضح الدلالة وأبينها على فضل الصيام عموما, ومن ذلك صيام المحرم، والمراد بقوله: « فإنه لي »، أي: أني أضاعفه مضاعفة تفوق مضاعفة سائر الأعمال الصالحة، لا يعلم قدرها إلا أنا، ودليل هذا التفسير ما جاء في روايةٍ عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كل عمل ابن آدم يضاعف ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ،قال الله عز وجل : إلا الصوم ، فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه من أجلي »، وفي معنى هذا الحديث ما جاء في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾، فقد قال غير واحد من المفسرين: المراد أهل الصيام.

    مسألـ(2)ـة: أفضل الشهور في الصيام بعد رمضان:
    أفضل الشهور في الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وبهذا قال جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة السابق، فهو صريح فيما تقدم تقريره، وخالف في ذلك بعض الشافعية والحنابلة؛ فقالوا: أفضل الشهور في الصيام بعد رمضان شعبان، واستدلوا على ذلك بدليلين:
    1- ما أخرجه الترمذي في السنن من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الصوم أفضل بعد رمضان ؟ فقال :« شعبان لتعظيم رمضان».
    وأجيب عنه: بأنه حديث ضعيف في إسناده صدقة بن موسى الدقيقي أبو المغيرة سيء الحفظ, والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي رد خبره].
    2- ما أخرجه الشيخان عن عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت: « فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان ، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان », قالوا لو كان شهر المحرم أفضل لكان صيامه له أكثر.
    وأجيب عنه من وجهين:
    الوجه الأول: الاحتمال أنه علم فضله في آخر حياته فلم يتمكن من صيامه.
    الوجه الثاني: الاحتمال أنه عرض له فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما فلم يصمه.
    والقاعدة في الأصول: [أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال].

    مسألـ(3)ـة: حكم صيام يوم عاشوراء:
    اختلف العلماء-رحمهم الله- في ذلك على قولين:
    القول الأول: يشرع صيام يوم عاشوراء استحبابا، وهذا مذهب جمهور العلماء، وحكاه ابن رشد في البداية اتفاقا (٢/٧٤٦)، وقال أبو عمر ابن عبد البر- رحمه الله - في التمهيد (7/203) : "لا يختلف العلماء أن يوم عاشوراء ليس بفرض صيامه ولا فرض إلا صوم رمضان".
    - ودليل ذلك ما أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «يكفر السنة الماضية»، ومأخذ الحكم من الحديث من قوله: «يكفر السنة»، وهذا ترتيب للثواب على الفعل، والقاعدة في الأصول: [أن ترتيب الثواب على الفعل يدل على الشرعية الصادقة على الإيجاب والاستحباب والأصل عدم الأول فيتعين الثاني].
    القول الثاني: يشرع صيام عاشوراء وجوبا، وأن وجوبه باقٍ لم ينسخ، نقله القاضي عياض في الإكمال (٤/٤٠) عن بعض السلف، وقال: "وقد انقرض القائلون بهذا وحصل الإجماع على خلافه ".
    - ودليلهم على الفرضية الأحاديث الواردة في الأمر به منها حديث أبي موسى- رضي الله عنه- في الصحيحين، وفيه أنه قال : كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « فصوموه أنتم »، ومأخذ الحكم من قوله: «صوموه»، فهذا أمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق للوجوب]، ودليل بقاء الفرضية استصحاب الأصل الذي هو الإحكام ( أي عدم النسخ)، فالقاعدة في الأصول :[أن الأصل في النصوص الإحكام]، والقاعدة في الأصول:[أن الاستصحاب حجة في الشريعة].
    قال مقيده- عفا الله عنه-: القول بالوجوب قول ضعيف جدا، فقد أخرج الشيخان عن حميد بن عبد الرحمن ، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ، خطيبا بالمدينة - يعني في قدمة قدمها - خطبهم يوم عاشوراء ، فقال : أين علماؤكم ؟ يا أهل المدينة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - لهذا اليوم - « هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب الله عليكم صيامه ، وأنا صائم ، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر »، فهذا الحديث صريح في عدم الوجوب من وجهين:
    - الوجه الأول: أنه نفى الكتب، والكتب بمعنى الإيجاب والإلزام لغة, والقاعدة في الأصول: [أن اللغة العربية معتبرة في تفسير كلام الشارع].
    - الوجه الثاني:أنه تضمن التخيير بين الفعل والترك، والقاعدة في الأصول: [أن التخيير يدل على عدم الوجوب]، وذلك من جهة أن الوجوب إلزام والتخيير ينافيه، وفي الحقيقة الوجه الثاني في الحديث فرع عن الأول، ولهذا رتبه النبي صلى الله عليه وسلم بالفاء، وذلك في قوله: «فمن شاء»، وبناء على ذلك فهذا الحديث صارف للأمر الوارد في حديث أبي موسى رضي الله عنه.
    وقال جماعة من العلماء أن صيامه كان فرضا ثم نسخ، [مذهب الحنفية, ووجه عند الشافعية "انظر: الفتح لابن حجر (4/103)"، ورواية عن أحمد، اختارها الحافظ ابن تيمية، " انظر: الإنصاف للمرداوي (3/346) "، وهو مذهب المالكية، وجزم به الباجي منهم."انظر: المنتقى للباجي"]:واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، وفيه أنها قالت : كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما هاجر إلى المدينة ، صامه وأمر بصيامه ، فلما فرض شهر رمضان قال : « من شاء صامه ومن شاء تركه ».
    -وجه الدلالة من الحديث أقرره لهم فأقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق يقتضي الفرضية والوجوب]، والتخيير حاصل بعد الأمر فلا يكون صارفا له، إذ قد ثبت مقتضاه (أي الوجوب)قبل ذلك، فقوله المتضمن للتخيير حينئذ رافع لمقتضى الخطاب السابق، وهذا حد النسخ عند الأصوليين.
    - ويجاب عن ذلك: بأن حديث معاوية-رضي الله عنه- يقتضي عدم سبق فرضية، ومن ثم لا نسخ، ووجه ذلك:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولم يكتب عليكم» فهذا خبر منه بنفي سبق الفرضية والإيجاب، النفي مستفاد من قوله: «لم» ، والفريضة والإيجاب مستفادة من قوله: «يكتب»، والأسبقية مستفادة من قوله: «لم يكتب»، فإن "لم" حرف جزم ونفي وقلب على ما تقرر في العربية، والمراد بالقلب تحويل الفعل المضارع المفيد للحال إلى إفادة المضي، إذا تقرر ذلك فلا نسخ، والقول بعدم وجوب صومٍ قبل رمضان مذهب الجمهور والمشهور عند الشافعية [انظر الفتح لابن حجر-رحمه الله- (4/103)].
    (تنبيه: استشكل بعضهم حديث أبي موسى رضي الله عنه حيث جاء فيه أن اليهود كانت تعد يوم عاشوراء عيدا، وقال: كيف يستقيم ذلك مع أنه جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه في الصحيحين أن اليهود كانت تصومه؟
    ج/أنه لا دليل على أنه يحرم عليهم في العيد الصيام، فلا تعارض بين الأمرين، وما زعمه بعضهم من أنه يلزم من كونه عيدا الفطر، وأنه أمر بصيامه مخالفة لهم حيث جعلوه عيدا، فهذا غلط بين لأن فيه إغفالا لحديث ابن عباسٍ الصريح فصيامهم له.)
    - فإن قيل: ما توجيه حديث عائشة - رضي الله عنها - السابق ، والذي أوهم النسخ ؟
    الجواب: قال جماعة: نسخ تأكد استحبابه [انظر الفتح لابن حجر-رحمه الله-].
    قال مقيده - عفا الله عنه - : هذا التوجيه ليس بشيء، وتأكد استحبابه باقٍ، ولاسيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته - صلى الله عليه وسلم- حيث قال: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا، والصحيح أن يقال في حديث عائشة-رضي الله عنها- أنها سمعت البيان بالتخيير من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد رمضان (ملاحظة لا يلزم من هذا عدم علمها بالبيان قبل ذلك) فروته، وهو بيان تأكيدي لا ابتدائي جمعا بينه وبين حديث معاوية رضي الله عنه.
    - وأخرج الشيخان في صحيحيهما عن نافع- رحمه الله - أنه قال : وكان عبد الله - يعني ابن عمر - لا يصومه إلا أن يوافق صومه، ونقل جماعة منهم ابن عبد البر في الاستذكار (١٠/١٣٣) عن ابن عمر القول بكراهة قصده بالصيام، فهل يستفاد من هذا كراهة صيام عاشوراء؟
    الجواب: لا, وذلك لثلاثة أوجه:
    1- أنه مذهب صحابي، والقاعدة في الأصول: [أن مذهب الصحابي ليس بحجة في إثبات الأحكام الشرعية]، وهي قاعدة أصولية خلافية، والصحيح فيها عندي - ما تقدم، وليس هذا مقام تثبيتها.
    2- الذي يظهر لي أن من حكى عنه -رضي الله عنه- الكراهة استفاد ذلك من مجرد فعله، وهذه الاستفادة غير صحيحة، لأن القاعدة في الأصول: [أن ترك الفعل لا يقتضي عدم الاستحباب].
    3- أن مذهب الصحابي هنا عارض نصا، ومن يقول بحجية مذهب الصحابي فإنه يشترط لحجيته أن لا يعارض نصا, فالقاعدة عندهم في الأصول: [إذا تعارض مذهب الصحابي مع النص قدم النص]، واختلفوا في النص المقدم عند التعارض؛ قيل مطلقا أي سواء كان النص صريحا أم ظاهرا، وقيل في الصريح فقط، وهنا النص صريح (ترتيب الثواب على الفعل)، فيقدم قولا واحدا.

    مسألـ(4)ـة: هل يكره إفراد عاشوراء بالصيام، وهل يحصل الأجر لمن صامه مفردا؟
    يكره صيام عاشوراء على صفة الانفراد، ومن صامه عليها يحصل له الثوب المرتب، وهذا مذهب الحنفية والشافعية، [شرح فتح القدير (2/303)، مغني المحتاج]، وذهب المالكية والحنابلة إلى عدم الكراهة، [الشرح الكبير للدردير، المبدع لابن مفلح (3/52)].
    والصحيح في هذه المسألة القول الأول، والدليل على أن من صامه على هذه الصفة يثاب عموم حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - عند مسلم مرفوعا: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «يكفر السنة الماضية»، وصيغة العموم: المفرد المضاف في قوله (صوم يوم)، والقاعدة في الأصول: [أن المفرد المضاف يفيد العموم]، فالثواب يشمل صومه منفردا ومقترنا بغيره.
    - ويكره إفراده بالصيام؛ لأن فيه تركا لما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه (وهو صيام التاسع)، وهذا حد المكروه عند الأصوليين.

    مسألـ(5)ـة: الحكمة من صيام عاشوراء:
    جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك ؟ فقالوا : هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون ، فنحن نصومه تعظيما له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « نحن أولى بموسى منكم » فأمر بصومه.
    فظاهر هذا الحديث أن النبي-صلى الله عليه وسلم- إنما صام عاشوراء تعظيما له، حيث أظهر الله - جل وعلا - نبيه موسى- عليه السلام - وقومه على فرعون، قال الإمام ابن عبد البر-رحمه الله - في التمهيد:"فهذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصمه أيضا إلا تعظيما له"،
    وجاء في رواية أخرى في الصحيحين أن اليهود قالوا: هذا يوم عظيم ، وهو يوم نجى الله فيه موسى ، وأغرق آل فرعون ، فصام موسى شكرا لله ، فقال: « أنا أولى بموسى منهم » فصامه وأمر بصيامه، ففي هذه الرواية أن موسى-عليه السلام-صامه، وأن باعثه على الصيام هو الشكر لله تعالى الذي نجاه وأظهره على فرعون وقومه، وأن النبي-صلى الله عليه وسلم-صامه لهذا المعنى، وفيه بيان للإجمال الحاصل في لفظة التعظيم الواردة في الرواية الأخرى.
    إذا تقرر ذلك فيشرع صيامه لهذا المعنى، لأن هذا فعل منه صلى الله عليه وسلم، والقاعدة في الأصول:[أن فعله-صلى الله عليه وسلم-للاستحباب].
    وجاء عند أحمد في المسند من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء ، فقال : « ما هذا من الصوم ؟ » قالوا : هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق ، وغرق فيه فرعون ، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي ، فصام نوح وموسى شكرا لله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنا أحق بموسى ، وأحق بصوم هذا اليوم » ، فأمر أصحابه بالصوم.
    وهذا الحديث لوثبت لدل على معنى أخر لصيامه, وهو أن الله - عز وجل - نجى نوحا - عليه السلام - ومن معه في السفينة، وأن نوحا - عليه السلام - صامه شكرا لله تعالى، ولكن هذا الحديث ضعيف جدا في إسناده أبو جعفر المدائني وعبد الصمد بن حبيب الأزدي وكلاهما سيء الحفظ، وفيه أيضا حبيب بن عبد الله الأزدي مجهول، والقاعدة في الأصول:[أن الحديث الضعيف ليس بحجة في إثبات الأحكام الشرعية]، وبناء على ذلك فلا يؤخذ منه مشروعية قصد هذا المعنى في صيام عاشوراء.
    - وقد استشكل بعضهم ثلاثة أمور في حديث ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما-السابق:
    الأمر الأول: أنه قال في الحديث: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود...، فظاهره أنه علم بذلك عقب قدومه مباشرة، والمتقرر أنه قدم صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول.
    وأجيب عنه بجوابين:
    1- أن علمه - صلى الله عليه وسلم- بذلك تأخر إلى أن دخلت السنة الثانية.
    2- أن صيامهم كان على حساب الأشهر الشمسية فلا يمتنع أن يقع عاشوراء في ربيع الأول, هكذا قرره ابن القيم في الهدى، قال:وصيام أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس.
    ونوقش هذا الجواب: بأنه يلزم عليه أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر المسلمين أن يصوموا عاشوراء بالحساب الشمسي، وأنه في شهر ربيع الأول، والمعروف من حال المسلمين في كل عصر أن صيام عاشوراء في المحرم لا في غيره من الشهور، وأما ما ذكره عن أهل الكتاب ففيه نظر فإن اليهود لا يعتبرون في صومهم إلا الأهلة.
    ورد: أن الأصل فيه ذلك فلما أمر النبي صلى الله عليه و سلم بصيام عاشوراء رده إلى حكم شرعه وهو الاعتبار بالأهلة, فأخذ أهل الإسلام على ذلك، وأما القول بأن اليهود يعتبرون في صومهم الأهلة فقط فلعله كان في الأزمنة المتأخرة، وأنه كان فيهم من كان يعتبر الشهور بحساب الشمس لكن لا وجود لهم الآن كما انقرض الذين أخبر الله عنهم أنهم يقولون عزير ابن الله، تعالى الله عن ذلك. [انظر الفتح لابن حجر-رحمه الله-].
    الأمر الثاني: أنه قال: فأمر بصومه،وفي هذا رجوع منه صلى الله عليه وسلم إلى اليهود في إثبات شرع.
    وأجيب عنه بجوابين:
    1-أنه يحتمل أمور:
    - أن الله - عز وجل- أوحى إليه بصدقهم.
    - أنه تواتر عنده الخبر بذلك.
    - أنه أخبره من أسلم منهم كابن سلام.
    والقاعدة في الأصول: [أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال].
    2- أنه ليس في الحديث أنه ابتدأ الأمر بصيامه لخبرهم، بل في حديث عائشة-رضي الله عنها- في الصحيحين التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم. [انظر المعلم للمازري].
    الأمر الثالث: يفهم منه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصومه قبل قدومه المدينة،حيث أنه صلى الله عليه وسلم سألهم عن الباعث على صيامه, وهذا معارض لحديث عائشة في الصحيحين أن قريشا كانت تصومه في الجاهلية, وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه.
    وأجيب:
    - بمنع التعارض، وجه ذلك: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وكانت قريش تصومه، ولعلهم أخذوا هذا من شرع سالف، ولم يكن-صلى الله عليه وسلم-يعلم بأن هذا اليوم هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه، فَلَمَّا هَاجَرَ ورأى أن اليهود تصومه، سألهم عن الباعث لصومه، فعلم أن الله نجى فيه موسى-عليه السلام-فصامه وأمر بصيامه.
    - قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-في الفتح:"وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك ثم رأيت في المجلس الثالث من مجالس الباغندي الكبير عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم, فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك هذا أو معناه ".
    -وقال -رحمه الله-أيضا: "ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه كما تقدم إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك قال القرطبي لعل قريشا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير".

    مسألـ(6)ـة: المراد بيوم عاشوراء الذي يشرع صيامه:
    هذه المسألة متعلقة بمبحث الحقائق عند الأصوليين، وهو مبحث مهم جدا ،لا تقل أهميته عن مبحث الأمر والنهي اللذين عليهما مدار التكليف، إذ لا يمكن امتثال الأمر إيجابا وندبا، والنهي تحريما وكراهة إلا بعد العلم بحقيقة المأمور به والمنهي عنه.
    - إذا تقرر ذلك فمن المهم معرفة حقيقة هذا اليوم الذي يشرع صيامه.
    فأقول: اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في ذلك على قولين:
    * القول الأول: أن عاشوراء: هو اليوم العاشر من شهر المحرم، و بهذا قال الجمهور[انظر المجموع للنووي- رحمه الله - (6/383)].
    - واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند مسلم في الصحيح، وفيه أنه قال: (حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع » قال : فلم يأت العام المقبل ، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ووجه الاستدلال بالحديث: أن قوله: صام رسول الله يوم عاشوراء، مع قوله: في المقبل صمنا التاسع صريح في أن اليوم الذي كان يصومه على أنه عاشوراء ليس هو اليوم التاسع، فتعين العاشر لأن الخلاف دائر بين هذين اليومين؛ فهذا دليل مركب من الخبر والإجماع الضمني الظني.
    - واستدلوا على ذلك أيضا بالتسمية والاشتقاق، وهو دليل قوي، قال أبو العباس القرطبي-رحمه الله - في المفهم(٣/١٩٠): "وزنه : فاعولاء، والهمزة فيه للتأنيث، وهو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد الأول، واليوم مضاف إليها، فإذا قلت: يوم عاشوراء، فكأنك قلت: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، وعلى هذا : فيوم عاشوراء هو العاشر؛ قاله الخليل وغيره".
    - واستدلوا على ذلك أيضا بحديث ابن عباس-رضي الله عنه-عند الترمذي قال : (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم عاشر)، وهو صريح من جهة الدلالة إلا أن ليس بصحيح، ففي إسناده انقطاع بين الحسن وابن عباس-رضي الله عنه-، الحسن لم يسمع منه،والقاعدة في الأصول: [أن الحديث المنقطع ليس بحجة في إثبات الأحكام الشرعية] .
    - واستدلوا على ذلك أيضا بما جاء عن ابن عباس-رضي الله عنه-أنه قال : (يوم عاشوراء العاشر )، أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وهذا صريح من جهة الدلالة إلا أن في إسناده مسعود بن فلان لا يدرى من هو، ويحتمل أن لفظة فلان من باب الإبهام,والله تعالى أعلم .
    * القول الثاني: أن عاشوراء:هو اليوم التاسع من شهر المحرم، حكي عن ابن عباس-رضي الله عنه-، وادعى النووي أنه صريح قوله، قال -رحمه الله- في شرح صحيح مسلم: "هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم".
    وبه قال الضحاك بن مزاحم الهلالي أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف.
    وحكاه الباجي في المنتقى والقرطبي في المفهم عن الشافعي-رحمه الله-.
    وبه قال الإمام أبو محمد ابن حزم-رحمه الله- في المحلى حيث جاء فيه"وَنَسْتَحِب ُ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ : وَهُوَ التَّاسِعُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَإِنْ صَامَ الْعَاشِرَ بَعْدَهُ فَحَسَنٌ"، واستدل ابن حزم على ذلك بما أخرج مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج ، قال :انتهيت إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو متوسد رداءه في زمزم ، فقلت له : أخبرني عن صوم عاشوراء ، فقال : (إذا رأيت هلال المحرم فاعدد ، وأصبح يوم التاسع صائما) ، قلت : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قال : (نعم).
    وتقرير استدلالهم بهذا الحديث: أن ظاهره مشروعية صيام التاسع من محرم على أنه عاشوراء ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه هكذا.
    قالوا: ويُسمى التاسع من محرم عاشوراء على عادة العرب في الإظماء، وذلك أنهم : إذا وردوا الماء لتسعة سموه : عِشْرًا ؛ وذلك أنهم : يحسبون في الإظماء يوم الورود ، فإذا أقامت الإبل في الرعي يومين ، ثم وردت في الثالث قالوا : أوردت رِبْعًا . وإذا وردت في الرابع قالوا : وردت خمسًا ؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي وأول اليوم الذي ترد فيه بعده".
    قال مقيده-غفر الله له-: الجواب عن استدلالهم أن ظاهر هذا الحديث معارض لحديث ابن عباس السابق والذي هو صريح (نص) في عدم إرادة التاسع، والقاعدة في الأصول: [إذا تعارض النص والظاهر قدم النص وأول الظاهر]، أي صرف عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، فيأول هذا الحديث بأن المراد تقرير مشروعية صيام التاسع لذلك الرجل، وكونه العاشر معلوم من جهة التسمية والاشتقاق فلا حاجة لبيانه، وقوله: (نعم):أي نعم هكذا يصومه لو بقي، لأنه أخبرنا بذلك، ومات قبل صيامه.
    قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في حاشية السنن: "والصحيح أن المراد صوم التاسع مع العاشر لا نقل اليوم؛ لما روى أحمد في مسنده من حديث ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال خالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده، وقال عطاء عن ابن عباس صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود ذكره البيهقي، وهو يبين أن قول بن عباس إذا رأيت هلال المحرم فاعدد فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائما أنه ليس المراد به أن عاشوراء هو التاسع، بل أمره أن يصوم اليوم التاسع قبل عاشوراء، فإن قيل: ففي آخر الحديث قيل كذلك كان يصومه محمد صلى الله عليه وسلم، قال: نعم فدل على أن المراد به نقل الصوم لا صوم يوم قبله، قيل: قد صرح بن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، فدل على أن الذي كان يصومه هو العاشر، وابن عباس راوي الحديثين معا فقوله هكذا كان يصومه محمد أراد به-والله أعلم-قوله لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع عزم عليه وأخبر أنه يصومه إن بقي، قال ابن عباس هكذا كان يصومه، وصدق رضي الله عنه هكذا كان يصومه لو بقي فتوافقت الروايات عن ابن عباس".
    - وأما ما ذكروه في الإظماء فالجواب عنه: أنه لا يمكن أن يعتبر في عدد ليالي العشر وأيامه ما يعتبر في الاظماء، لأنهم ذكروه فيه فقط فلا يعدى لغيره، إذ الأصل السماع، والقاعدة في الأصول: [أن القياس في اللغة ممنوع ما لم ينص العرب على الجامع].
    - إذا تقرر ذلك فالراجح في هذه المسألة القول الأول لما تقدم تقريره.
    وقد قلت في صدر الكلام حكي عن ابن عباس-رضي الله عنه- ولم أجزم لأمرين اثنين:
    1- أن هذه النسبة أخذت من هذا الخبر، وتقدم أنه ليس بصريح في أنه عاشوراء هو التاسع، وعارضه ما هو صريح .
    2- ما أخرجه عبد الرزاق-رحمه الله-في المصنف بسند صحيح عن ابن عباس-رضي الله عنه-أنه قال: (خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر).
    فظاهر هذا الأثر أن ابن عباس-رضي الله عنه- يرى أن عاشوراء هو العاشر، ولهذا أمر بصيام التاسع لتتحقق المخالفة لليهود، ولو كان يرى أنه التاسع لما أمر بصيام العاشر لتحققها بدونه.
    * (قال بدر الدين العيني-رحمه الله-في عمدة القاري: "وفي ( تفسير أبي الليث السمرقندي ) عاشوراء يوم الحادي عشر وكذا ذكره المحب الطبري"، وهذا القول قول ساقط جدا، ولهذا أعرضت عن ذكره في المسألة).

    مسألـ(7)ـة: حكم صيام التاسع من المحرم:
    يشرع صيام التاسع من المحرم مشروعية استحباب، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وحكي اتفاقا. [انظر المجموع للنووي -رحمه الله- (6/383)].
    - واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس-رضي الله عنه- عند مسلم في الصحيح، وفيه أنه قال: (حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع » قال : فلم يأت العام المقبل ، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم).
    وجه دلالة الحديث على الحكم: أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم على صيامه، وقد أخذنا هذا من خبره، والقاعدة في الأصول: [أن ما عزم النبي -صلى الله عليه سلم- على فعله كفعله في استفادة الأحكام]، وهنا عزم -صلى الله عليه وسلم- على فعل تقربي وهو الصيام، والقاعدة في الأصول: [أن فعل النبي التقربي يفيد الاستحباب].
    ومن الأدلة على استحباب صيامه حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصيام ، بعد رمضان ، شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة ، بعد الفريضة ، صلاة الليل »، ومأخذ الحكم من الحديث من قوله: «أفضل»، فهذا اللفظ يتضمن إثبات الثواب على الفعل، والقاعدة في الأصول: [أن ترتيب الثواب على الفعل يقتضي المشروعية-القدر المشترك بين الإيجاب والندب- والأصل عدم الوجوب فيتعين الندب والاستحباب].
    - وجاء عند الإمام أحمد-رحمه الله- في المسند من حديث ابن عباس-رضي الله عنه- أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا فيه اليهود ، صوموا قبله يوما ، أو بعده يوما ».
    وظاهر هذا الخبر وجوب صيام التاسع أو الحادي عشر (واجب مخير في أقسام محصورة)، ومأخذ الوجوب من قوله: «صوموا»: فهذا أمر، والقاعدة في الأصول: [أن الأمر المطلق للوجوب], وأما التخيير فمأخذه من قوله : أو بعده يوما، والقاعدة في الأصول: [أن حرف أو يفيد التخيير]، والقاعدة في الأصول:[أن اللغة العربية معتبرة في تفسير كلام الشارع وقد يدعى أن للأمر صارفا، وذلك أن صوم عاشوراء مستحب فيلزم أن هذا كذلك، وهذا ضرب من الرأي (أي القياس) المعارض للنص الظاهر، والقاعدة في الأصول: [أن النص الظاهر مقدم على القياس(غير منصوص العلة)عند التعارض]، على أن هذا ليس بقياس صحيح، لأن القاعدة في الأصول:[لا قياس إلا بعلة]، ولا يشكل على هذا القياس بنفي الفارق فإن العلة فيه متحققة لكن لظهورها لم يشتغل القائس ببيانها وتحقيقها، ولا تلازم بين الأصل وصفته من حيث الإيجاب والندب، واعتبر ذلك بالركوع في صلاة النافلة.
    - قال مقيده - عفا الله عنه - : لوثبت الخبر لقلت بالوجوب، لكنه ضعيف ليس بثابت، فلا يمكن استفادة حكم منه، فالقاعدة في الأصول: [أن الحديث الضعيف ليس بحجة في إثبات الأحكام الشرعية]، ووجه عدم ثبوته: أن في إسناده محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى سيء الحفظ، والقاعدة في الأصول: [أن سوء حفظ الراوي يقتضي ضعف خبره]، وداود بن علي بن عباس الهاشمي قال ابن معين: شيخ هاشمي، إنما يحدث بحديث واحد (قال ابن عدي: أظن الحديث في عاشوراء، وقد روى غير هذا بضعة عشر حديثا)، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطي، وقال ابن حجر في التقريب مقبول، وسواء قلنا أنه سيء الحفظ أو مجهول فحديثه مردود.
    - وقد جاء هذا الحديث عند البيهقي في السنن الكبير بلفظ: «صوموا قبله يوما وبعده يوما»، هكذا في رواية البيهقي عن أبي الحسن ابن عبدان، وهذا اللفظ لوثبت - بقطع النظر عن سابقه - يقتضي وجوب الجمع بين الحادي عشر والتاسع لمن صام عاشوراء، فالقاعدة في الأصول في مبحث معاني الحروف: [أن الواو تقتضي مطلق الجمع]، ومن ثم نحتاج إلى الجمع بينه وبين الذي قبله، لكنه ضعيف جدا في إسناده ابن أبي ليلى سيء الحفظ, وداود بن علي مردود الحديث، وأبو الحسن ابن عبدان، قال عنه الإمام الذهبي-رحمه الله-في الكاشف: "ليس بثقة ,كان يلحق اسمه في الطباق".

    مسألـ(8)ـة: الحكمة من صيام التاسع:
    لصيام التاسع مع العاشر معنيان:
    - المعنى الأول: مخالفة اليهود والنصارى فهم يخصون عاشوراء بالصيام، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس-رضي الله عنهما- عند عبد الرزاق بسند صحيح كما تقدم، ويدل عليه ما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- والذي فيه أنه قال:(حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع ».
    - المعنى الثاني: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال, ووقوع غلط فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر، وهذا المعنى نقله النووي في المجموع عن جماعة من الشافعية وغيرهم، ولعلهم يستدلون على ذلك بما أخرج الطبراني-رحمه الله- في المعجم الكبير (10/330) بسند صحيح عن ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع ؛ مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء »، فهذا الحديث صريح في أنه هم بصوم التاسع خشية فوات العاشر.
    * فيظهر مما سبق أن استحباب صيام التاسع مع العاشر معلل بعلتين وهما الاحتياط والمخالفة، والقاعدة في الأصول: [يجوز تعليل الحكم بعلتين]، ومن ثم فلا تعارض بين الأخبار الواردة في التعليل.

    مسألـ(9)ـة: حكم صيام الحادي عشر من المحرم:
    يشرع صيام الحادي عشر استحبابا، وبهذا قال الجمهور، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في صحيح مسلم، وفيه أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» ومأخذ الحكم من الحديث من قوله: «أفضل»، فهذا اللفظ يتضمن إثبات الثواب على الفعل، والقاعدة في الأصول: [أن ترتيب الثواب على الفعل يقتضي المشروعية-القدر المشترك بين الإيجاب والاستحباب-والأصل عدم الوجوب فيتعين الاستحباب], والفضل ثابت لكل الشهر ومن ذلك اليوم الحادي عشر، وتقدم الأمر بصيامه في حديث ابن عباس عند أحمد في المسند وتقدم أنه ضعيف، وأنه لو ثبت لدل على وجوبه ووجوب التاسع على التخيير.
    ويمكن أن يقرر استحبابه من وجه أخر وهو أن استحباب صيام التاسع معلل بعلتين وهما الاحتياط والمخالفة، وهاتان العلتان متحققتان في الحادي العشر، والقاعدة في الأصول: [أن العلة تعمم معلولها الذي هو الحكم], والقاعدة في الأصول: [أن القياس المنصوص على علته حجة في إثبات الأحكام الشرعية], ولا يشكل على هذا القاعدة الأصولية: [لا قياس في العبادات]، فالمراد الأمر التعبدي الذي لم يعقل معناه.
    وقد قيد الحنفية استحبابه بما إذا لم يصم التاسع، ولعلهم أخذوا ذلك من جهة أن المخالفة تحققت بالتاسع فلا حاجة لصيام الحادي عشر.
    ويجاب عن هذا أن فيه إغفالا لاستحباب صيام كل المحرم, وإغفالا للاحتياط في إصابة عين العاشر.
    وقيده الحنابلة بما إذا اشتبه عليه الشهر[انظر "الشرح الكبير" (3/104)]، ويجاب عن هذا أن في إغفالا لاستحباب صيام كل المحرم.
    إذا تقرر ذلك فالصحيح القول الأول، والله تعالى أعلم.

    مسألـ(10)ـة: الحكمة في صيام الحادي عشر مع العاشر:
    يقال فيه مثل ما قيل في التاسع، وأنه يشرع صيامه مخالفة لأهل الكتاب، واحتياطا لإصابة عين العاشر.
    والله تعالى أعلم، انتهى.

    كتبه: جلال بن علي حمدان السلمي.


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    17

    افتراضي رد: مسائل في صيام المحرم، دراسة حديثية أصولية، للشيخ: جلال بن علي السلمي

    للرفع بمناسبة حلول شهر الله المحرم

    و نبارك لشيخنا الفاضل و لجميع أهل العلم و طلابه عودة الشيخ جلال بن علي السلمي لجامعة أم القرى بعد صدور حكم القاضي بديوان المظالم برد و إلغاء قرار الجامعة و ذلك يوم الأربعاء 24/12/1431هـ .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    431

    افتراضي رد: مسائل في صيام المحرم، دراسة حديثية أصولية، للشيخ: جلال بن علي السلمي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المقداد مشاهدة المشاركة
    والقاعدة في الأصول: [أن ترتيب الثواب على الفعل يقتضي المشروعية - القدر المشترك بين الإيجاب والندب- والأصل عدم الوجوب فيتعين الثاني].

    والقاعدة في الأصول: [ أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال].
    والقاعدة في الأصول:[ أن الاستصحاب حجة في الشريعة ].
    والقاعدة في الأصول: [ أن التخيير يدل على عدم الوجوب والقاعدة في الأصول:[ أن فعله-صلى الله عليه وسلم-للاستحباب ].
    والقاعدة في الأصول: [ أن فعل النبي التقربي يفيد الاستحباب ].
    مادة دسمة بالقواعد العلمية جزاك الله خيرا على الرفع.
    و نريد مزيد مناقشة لهذه القواعد التي وردت في المناقشة قصد المذاكرة فقط وصقل الذهن .
    والله ولي التوفيق

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •