زَوَالُ الْغَمَامَةِ عَمَّا اسْتُشْكِلَ فِيْ عَامِ الْرَّمَادَةِ
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: زَوَالُ الْغَمَامَةِ عَمَّا اسْتُشْكِلَ فِيْ عَامِ الْرَّمَادَةِ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    112

    افتراضي زَوَالُ الْغَمَامَةِ عَمَّا اسْتُشْكِلَ فِيْ عَامِ الْرَّمَادَةِ

    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد :
    إخواني الكرام :

    لقد حمي وطيس شبهة ، واشتد أوار نارها ، لتتخذ سبيلا لهدم الملة وتعطيل الشرائع ، واستباحة المحرمات ، وإقرار المنكرات ، وإخماد سيف الحدود والتعزيرات ؛ هذه الشبهة مفادها :

    [ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقم الحد على من سرق عام الرمادة[1] ].

    إن المسلم ليأسف أشد الأسف عندما يرى بعض الإسلاميين قد تعلقوا بهذه الشبهة التي كان أول من أثارها وأعلى منارها وشيد أركانها المستشرقون وأفراخهم من العلمانيين والمناوئين للشريعة الإسلامية حسداً من عند أنفسهم، وطعناً في شريعة الله تعالى، فرد عليهم حماة الإسلام وكُماته، وألقموهم أحجاراً في أفواههم ولا غرو أن يصدر هذه من المعادين للشريعة، لكن الشيء الذي يتعجب له المرء حقاً هو انجرار بعض الإسلاميين وراء هذه الشبهة المتهافتة فإلى أي طريق يسير هؤلاء ؟ وهل هذا إلا تقرير خطير يكشف عن نوايا غير صادقة ؟ وما المصلحة من ترويج مثل هذه الشبه بين عامة المسلمين؟
    إنني على يقين تام بأن شيطان المصلحة عند هؤلاء يجعلهم يرددون وبكل جرأة ما المانع من الأخذ بهذا المبدأ إذا كان يوافق المصلحة الموهومة ؟ حتى وصل الحال بالبعض إلى أن يرددوا قولة ذاك اليهودي الخبيث ميكافيلي :" الغاية تبرر الوسيلة" فقد أصبحت هذه القالة الشيطانية واقعاً ملموساً، وإن لم تصرح بها الألسنة وتهتف لها الحناجر؛ ذلكم أن الشيطان استدرج هذه القلوب شيئاً فشيئاً حتى هان عليها كل شيء، فلم تعد تعظم حرمات الله، وتقف عند حدوده، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
    نعود إلى هذه الشبهة فنقول:

    أولاً: سبحانك هذا بهتان عظيم!
    كيف يروق لمؤمن عرف قدر الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي اعز الله به الإسلام والمسلمين أن يتهمه بهذه التهمة الظالمة الجائرة التي تطعن في عدالته ودينه؟!! وكيف يظن بإمام العدل الذي فرق الله به بين الحق والباطل انه عطل حدود الله؟!
    إن مثل هذه الترهات لا يمكن أن يتفوه بها إلا رافضي حاقد أو علماني مرتد، فهنيئاً لهؤلاء جميعاً فقد وجدوا من أهل الإسلام من يعينهم على باطلهم، ألا بئست هذه العقول التي لم تذق طعم الإيمان ولم تعرف قدر الصحب الكرام رضي الله عنهم.

    ثانياً: إقامة الحدود منوط بثبوت شروطها وانتفاء موانعها.
    يقال لهؤلاء المفتونين : لقد شرع الله الحدود زواجر وجوابر، وحد لها حدوداً، ووضع لها قيوداً، يثبت الحكم بثبوتها، وينتفي بانتفائها، وإذا فقد شرط من شروطها، أو وجد مانع من موانعها لم تنفذ، وكان عدم نفوذها هو عين ما أمر به الشارع الحكيم.
    فحد السرقة مثلاً لا يقام على السارق إلا إذا استوفى جميع شروطه، ومن شروطه أن يكون خفية، وفي حرز مثله، وألا تلحقه شبهة، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ومن الشبهات التي تدرأ الحد حلول قحط وجدب في البلاد والعباد، يوصل الجميع إلى حد الاضطرار الملجئ كما كان الحال في عام الرمادة، فإن عمر رضي الله عنه ما أقام الحد على من سرق لوجود شبهة تدرأ الحد وهي المجاعة والقحط، وما كان للفاروق أن يؤخر إقامة الحد لو كانت السرقة في ظروف عادية لا يشكوا الناس فيها الفاقة والجوع، وما فعله عمر رضي الله عنه من عدم إقامة الحد على من سرق في ذلك العام هو عين ما أمر الله به، فمن الخطأ الفاضح أن نقول: إن عمر رضي الله عنه عطل الحدود أو لم يطبق الشريعة إلى غير ذلك من الشبهات التي يرددها المستشرقون وأفراخهم، وإنما فعل عمر في هذه الحادثة عين الشرع وطبق فيها حكم الله.
    ثم إننا في زمان عظمت فيه البطون، ومالت فيه الكروش، وانتفخت فيه الأوداج والوجوه، من آثار النعمة والغنى، وما الفقر إلا حالة استثنائية، فما الداعي إذاً لإثارة مثل هذه الشبهات؟
    نعم لو أثارها الجوعى في الصومال والبنغال ودول جنوب أفريقيا لاستسيغ الأمر، ولكن الطامة العظمى أن تثار في دول الخليج وبلاد الحجاز والشام ومصر والمغرب العربي، فقد أنعم الله على هذه البلدان بخيرات كثيرة، ونعم وفيرة، وموارد طبيعية كفيلة بأن تُقَوِّم أمة وليس دولة فحسب.
    ويحسن بنا هنا أن نذكر كلاماً قيماً للإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال في كتابه النافع الماتع إعلام الموقعين ما نصه:
    "المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة. قال السعدي: حدثنا هارون بن إسماعيل الخراز ثنا علي بن المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير حدثني حسان بن زاهر أن ابن حدير حدثه عن عمر قال:" لا تقطع اليد في عذق ولا عام سَنَة"([2]) قال السعدي: سألت احمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال:" العذق: النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به. فقال: إي لعمري.
    قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه. فقال لا إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة.
    قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب ثنا أبو النعمان عارم ثنا حماد بن سلمة عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّك َ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ فَقَالَ الْمُزَنِيُّ قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ عُمَرُ أَعْطِهِ ثَمَانَ مِائَةِ دِرْهَمٍ ([3])
    وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين جميعاً، ففي مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها السعدي بكتاب سماه المترجم قال سألت احمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمر من أكمامه فقال: فيه الثمن مرتين، وضرب نكال. وقال: وكل من درأنا عنه الحد والقود أضعفنا عليه الغرم، وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعي، وهذا محض القياس ومقتضي قواعد الشرع، فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة، غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له إما بالثمن أو مجاناً على الخلاف في ذلك، والصحيح وجوب بذله مجاناً، لوجوب المواساة، وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنت بين هذه الشبهة، وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت. فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة كالماء، وشبهة القطع به مرة، وشبهة دعوى ملكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشبه الضعيفة جداً إلى هذه الشبهة القوية، لاسيما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغنى منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه فدرئ.
    نعم. إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع." انتهى .([4])

    ثالثاً: النظر في مقاصد الشريعة.
    اعلم أن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها ومصالحها في الخلق، وهذه المصالح إما أن تكون ضرورية او حاجية أو تحسينية.
    فأما الضرورية: فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين، ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل.
    وأما الحاجيات فمعناها:أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب .
    وأما التحسينات فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق. ([5])
    فإذا تعارضت هذه الأقسام، قدم الضروري فالحاجي فالتحسيني، وإذا تعارضت آحاد هذه الأنواع قدم أهمها، فمثلاً إذا تعارضت مصلحة النفس مع مصلحة المال قدمت النفس لأنها أعظم وهكذا.
    إذا عرفت هذا فاعلم أن الله تعالى شرع حد السرقة لمصلحة حفظ المال، فإذا عارضتها مصلحة أعظم قدمت عليها، وهذا ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام الرمادة فإنه قدم مصلحة حفظ المهجة على مصلحة حفظ المال، وهذا إنما يكون في حال تزاحم المصالح وتعارضها فيقدم الأهم فألاهم، ومن المقرر عند علماء الشريعة أن الضرر يزال، والضرورات تبيح المحظورات، وإذا تعارض مصلحتان قدم أعظمهما، وإذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما ضرراً، وهكذا فان إعمال مثل هذه القواعد في محالِّها ليس من الخروج عن الشريعة ولا من الافتيات عليها، وبهذا التقرير يندفع الإشكال والله اعلم.

    رابعاً: فرق كبير بين من أوقف الحد لعدم ثبوت موجبه وانتفاء موانعه، ومن أوقفه وعطله بناءً على قانون ملفق أو تشريع كفري.
    يقال للمتدرجين في الأنظمة الراهنة: لكم أن تفعلوا ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله من غير وكس أو شطط في مجتمعات انتشر فيها الفقر والمجاعات أما أن توقفوا حدود الله تعالى بحجج واهية، فهذا إغراق في النزع وولوج في الضلالة وتعسف غير محمود، ثم إني سائلكم سؤالا فأجيبوني بصدق وصراحة:
    هل كان الفاروق عمر وحاشاه مستنداً إلى قانون وضعي أو عقوبة جاهلية في عام الرمادة؟
    وهل بدل الفاروق شرع الله ؟ وهل وضع عقوبة للسارق بالسجن أو غرامة مالية مضاهاة لشرع الله ومعاندة له كما تنص عليه قوانين العقوبات الحالية؟
    وإذا كان الجواب بالسلب، ولا بد. فلم الإصرار على الإثم، والتشبث بالباطل، واللجوء إلى قوانين الكفر والإلحاد؟!
    يا قوم إني أعظكم بالله أن تقوموا مثنى وفرادى ثم تتفكروا في حالكم وما صرتم إليه من البعد عن أحكام الشريعة الإسلامية، والحكم بالأحكام الجاهلية بشبه فانية، وحجج واهية، فوالله لست أدري أيبيح التدرج لنا أن نحكم بغير ما انزل الله؟
    أيجيز التدرج لنا تبديل أحكام الله؟
    أيحل التدرج لنا التحاكم إلى الطواغيت المعاصرة من محاكم وهيئات وقوانين؟
    يا قوم إن التدرج المشروع منهج دعوي لا يغير من الأحكام شيئاً، ولا يعبث فيها يمنة ويسرة، ولا يمكن لهذا المنهج أن يخالف نصاً، أو يشرع قانوناً مخالفاً أفلا تعقلون؟!!

    ([1]) في سنة ثماني عشرة أصاب الناس مجاعة شديدة وجدب وقحط، وهو عام الرمادة، وكانت الريح تسفي تراباً كالرماد فسمي عام الرمادة، واشتد الجوع حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافيها من قيحها.
    انظر/ الكامل في التاريخ (1/448) ، المعرفة والتاريخ للفسوي (3/318)، تاريخ ابن خلدون (2/114) ، تاريخ الإسلام للذهبي (3/165)، البداية والنهاية (7/67).
    ومثل هذه الشبهة وقرينتها في الذكر زعمهم أن عمر منع سهم المؤلفة قلوبهم وهذا مخالف لصريح القرآن – زعموا – ولو أحسن هؤلاء الظن بعمر رضي الله عنه لعلموا أنه لم يخرج في هذا الأمر عن شرع الله، كيف وهو الفاروق العدل؟!!
    ولأيقنوا أن هذا من تمام فقهه وعلمه وذلك لأن التأليف منوط بحالة الاستضعاف والحاجة ، وقد أعز الله الإسلام في زمان عمر رضي الله عنه ، فما الداعي له إذا فُقد موجبه ومقتضاه؟!


    ([2]) هذا الأثر ذكره البخاري في التاريخ الكبير (3/4) وقال ابن الملقن في البدر المنير (8/679) : وَهَذَا الْأَثر لم أره فِي كتب السّنَن المسانيد ، وذكره البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (4/240) ولم يعزه لأحد.
    قلت : في إسناده حسان بن زاهر وحصين بن حدير ذكرهما ابن حبان في الثقات ولم يوثقهما غيره.

    ([3]) صحيح: أخرجه مالك (1436) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب فذكره.
    قلت : يحيى بن عبد الرحمن لم يسمع من عمر ولا من جده حاطب ، ولكن رواه عبد الرزاق في المصنف (10/238/ح18977) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه نحوه . وإسناده صحيح إن سلم من الاضطراب والله أعلم.

    ([4]) إعلام الموقعين (3/10-12).

    ([5]) الموافقات للشاطبي (2/18).

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    143

    افتراضي رد: زَوَالُ الْغَمَامَةِ عَمَّا اسْتُشْكِلَ فِيْ عَامِ الْرَّمَادَةِ

    بارك الله فيك، وزادك علماً.
    " يَا مَعْشَر إيَاد، أَيْنَ الآبَاءُ والأجْدَاد؟ وَأَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ الشِّدَاد؟ أَلَمْ يكُونُوا أَكْثَرَ منْكُمْ مَالاً؟ وأَطْوَلَ آجَالاَ؟!".

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •