بسم الله الرحمن الرحيم ..
الحمدُ للَّه بما أنعمَ على الإسْلَام وأهله..والصَّلاة والسَّلام عَلى محمدٍ وآله..
إنَّ مبحثَ "دلالة أفعال الرَّسولr" من المباحث المُهمة التي لا زالت تفتقر إلى الدرس والتحليل, وكنتُ قد تعجبت من هذا الكلام الذي صَدر من أستاذنا الشيخ الكبير محمد بلحسان , فبادرتُه مقاطعا –بصيغة مستفهم- : قد كُتب في الموضوع , وَمن أَشهَر ما كتب "أفعالُ الرسول ودلالتها على الأحكام" للدُّكتور محمد سليمان الأشقر..فأجابني الأستاذُ : كُلُّ ذلك غيرُ كاف , بل لا أظن أن فردا سيُوفِ الموضوعَ –على خطورته وضخامته- حقَّه.
وقد كنتُ أقرأ كتابا للأصولي الدكتور "سعد الدين العثماني" –الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية المغربي- حفظه الله بعنوان : "تصرفات الرسول r بالإمامة" وهو كتاب قيم جدا , فوقع نظري على كلام له يقول فيه (ص39) : {..وقد ذهب كثير من العلماء إلى ان تصرفاته r في أمور الدنيا التي تخضع للتجربة هو فيها بشر ككل الناس , وليست للإتباع ولا للإقتداء . ومنهم الفقيه أبو محمد بن حزم (ت456هـ) الذي قال لما ساق الحديث الأول [حديث أنتم أعلم بأمور دنياكم] : "فهذا بيان جلي –مع صحة سنده- في الفرق بين الرأي في أمور الدنيا والدين} .
فبحثتُ عن الكلام في الإحكام : فكان كما قال , وهذا التأكيد .. قال رحمه الله (ص742) :
"قال أبو محمد : فهذا بيان جلي مع صحة سنده في الفرق بين الرأي في أمر الدنيا والدين وأنه صلى الله عليه و سلم لا يقول الدين إلا من عند الله تعالى وأن سائر ما يقول فيه برأيه ممكن فيه أن يشار عليه بغيره فيأخذ عليه السلام به لأن كل ذلك مباح مطلق له وإننا أبصر منه بأمور الدنيا التي لا خير معها إلا في الأقل وهو أعلم منا بأمر الله تعالى وبأمر الدين المؤدي إلى الخير الحقيقي وهذا نص قولنا".
بل نقل الشوكاني-رحمه الله- في إرشاد الفحول عن ابن حزم قوله بالإجماع على جواز الإجتهاد في الدنيويات , فقال (2/217) :" أجمعوا أيضًا على أنه يجوز لهم الاجتهاد فيما يتعلق بمصالح الدنيا، وتدبير الحروب، ونحوها، حكى هذا الإجماع سليم الرازي، وابن حزم."
إلا أن المشكل في الأمر , هو قول ابن حزم رحمه الله (ص740) : "وأما أمور الدنيا ومكايد الحروب ما لم يتقدم نهي عن شيء من ذلك وأباح صلى الله عليه و سلم تعالى له التصرف فيه كيف شاء فلسنا ننكر أن يدبر عليه السلام كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا فإن شاء الله تعالى إقراره عليه أقره وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع إلا أن كل ذلك مما تقدم الوحي إليه بإباحته إياه ولا بد".
فقوله : "إلا أن كل ذلك مما تقدم الوحي إليه بإباحته إياه ولا بد". مشكل للغاية , لأن ابن حزمٍ يعتبر المباح حكما شرعيا أصالة وليس لإكمال القسمة أو تجوزا -كما يقول جمهور الأصوليين- وبالتالي فهو نص من الله تعالى أو نبيه ..وهو الحلال عنده , فإذا كان موحى إليه بإباحة كذا من الأمور فأي معنى هنا للإجتهاد الذي قد يُقر عليه وقد لا يُقرُّ؟
لعله يستدل رحمه الله –والله أعلم- بقوله تعالى : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ؛..
لكن : ألا ينبغي أن يستثنى ما ينطق به في أمور الدنيا من عموم الآية ؟
لأن "وصفه عليه السلام بالإمامة فهو وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء، لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة ، وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس، وهذا ليس داخلا في مفهوم الفتيا ولا الحكم، ولا الرسالة ولا النبوة، لتحقق الفتيا بمجرد الإخبار عن حكم الله تعالى بمقتضى الأدلة" [الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي : 55] .
اللهم إذا قصد ابن حزم –رحمه الله- ضرورة موافقة أصول التشريع وعموماته المطلقة الآمرة بمعنى ما والناهية عن معنى آخر , وعليه فلا إشكال , وهذا هو قول أهل الإسلام قاطبة , وانظر لقول ابن القيم في الطرق الحكمية (ص20): "فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه ... وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات، ولو لم ينطق بها الشرع ما دامت تفضي إلى مقصوده، بإقامة الحق وتحقيق العدل والقسط الذي ما أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب السماوية إلا لذلك" ........

آمل حلَّ الإشكال , وأن أرى تحريراتكم الشريفة وتوسعاتكم البحثية..

______
وابن حزم بحرٌ , تحار معه ..حتى إذا ظننت أنك قد فهمت مراميه طلع عليك بمدلهمة أخرى ..لله دره!
كيف لا وهو الذي عنده مقطع الحق، ومشعب السداد، ومفصل الصواب..
ورأيتُ الشيخ فؤادا الهاشمي قد أورد فيه-والبيت للمتنبي- :
إذا تغلغل فكر المرء في طرف *** من مجده غرقت فيه خواطره



قلت بعد تأمل في هذا البيت : أحسن والله !

وعلى سبيل الطرفة : فقد ذكروا أن شاعرا لئيم الضَّريبة كلما قال شعرا , جلس يتأمل فيه , ثم قال : أحسنتُ والله!

-------------
ولنبتعد عما كنا بصدده لنلج "رواقا " آخر , يكون أرحب من رواق الحرَّاق بمدينة الرباط..
فإن معرفة هذا الباب وإحكامه لمما يعود على المرء بالخير الكثير ويجنبه الشر المستطير – من جنس شرور هذه الأيام المتعلقة بالسياسة- ..
فإذا كانت الظروف الدولية والفكرية التي تشكل "العقل الجمعي" للأمة قد تغير , فلا بد لفكر يسود الجماعة المزمعة أن يتطور بما يلاءم الحال ..وهذا باب واسعٌ ؛ قال ابن فرحون-رحمه الله- في تبصرة الحكام (3/ 104) : " السياسة نوعان، سياسة ظالمة، فالشرع يحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم، وتدفع كثيرًا من المظالم، وتردع أهل الفساد، ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية، فالشرعية يجب المصير إليها، والاعتماد في إظهار الحق عليها، وهي باب واسع تضل فيه الأفهام، وتزل فيه الأقدام".
وانظر إلى حزب التحرير كيف تورط في حمق فكري اسمه "لا حل للمشاكل إلا بالخلافة" !
وكأنه النظام الذي لا يجوز غيره !
يقول شيخنا الدكتور الحسن العلمي- في بحث له خصَّني به- : " وقد قرر أئمة المسلمين أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من تصرفات بالإمامة في التدابيرالسياسية لشؤون المسلمين، كتنظيم الجيوش، وشن الحروب، وعقده للمعاهدات بين دار الإسلام ودار الحرب، وسياسته المالية في عطاءاته وهباته فيما سوى الغنائم والزكاة، وتنظيمه لمؤسسات الدولة الإسلامية، وسياسته في الاقتصاد، ونحو ذلك، لايلزم في تنزيله على واقع المسلمين وما يعرض لهم من الوقائع المشابهة الإلتزام بتطبيق فروعه وجزئياته في كل العصور والأمكنة."
...إن الدولة في الإسلام دولة مدنية وليس "أوتوقراطية" ونحن نجاري القوم فيما اصطلحوا عليه , وقبل أيام قامت القيامة على المحقق الفاضل "سلمان العودة" لأجل هذا التعبير , وإنما المقصود أن الدولة لا يستمد مدبروها قداسة إلهية في أحكامهم كما كان الحال مع سلالة "لويس" الحاكمة لفرنسا , بل هم قوم من البشر يحاسبون على أفعالهم , ويُعزلون إن بدر منهم ما يدل على عدم الجدارة..
قال الشيخ سعد الدين العثماني (ص96) : "الدولة في الإسلام دولة دنيوية , قراراتها بشرية , واجبها تبني أقصى درجات الموضوعية والواقعية في تسيير شؤون المجتمع مع الإلتزام بالأساس المرجعي والدستوري الإسلامي" .
لكن الكارثة أن لا شئ مفقود في عالمنا العربي كالواقعية ! ويبدو أن مثقفي العرب أكثرهم سرياليين حالمين.
والأحلام تختلف فبعض الأحلام متحللة وبعضها منغلق . ومن وصل إلى الحكم جرب نظريته ليذوق الشعب من كأس السموم الخاص به.