بسم الله الرحمن الرحيم






السلام عليكم- أيها الكرام- ورحمة الله وبركاته









لقد تواترت نصوص الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم سلفا وخلفا على البعد عن كل ما يمكن أن يؤثر على صفاء دين الإنسان، فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن مخالطة من يخوض في آياته وجعل الجالس معهم طوعا واختيارا في حكمهم، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدجال وأمر من سمع به أن ينأى عنه وأمر صلى الله عليه وسلم بالابتعاد عن مواطن الفتن.



وكان علماء السلف من أشد الناس تطبيقا لمثل هذه النصوص ومن الأمثلة على هذا ما ورد في سير أعلام النبلاء ج11 ص 285.



قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء -أو قال: أصحاب الخصومات- فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.



ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟
قال: لا.
قالا: فنقرأ عليك آية؟
قال: لا، لتقومان عني، أو لأقومنه.
فقاما.
فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأ عليك آية؟
قال: خشيت أن يقرآ آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي.



وقال رجل من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟
فولى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة.



وقال ابن طاووس لابن له يكلمه رجل من أهل البدع: يا بني، أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول.
ثم قال: اشدد اشدد.



وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل.أ.هـ.



ولو أراد أحد أن يتتبع مواضع هذه النصوص وأنواعها وتطبيقاتها لطال به المقام جدا.



ومن المؤسف أن القول بمثل هذه النصوص والآثار تصنف عند كثير من الخلف على أنها جبنا أدبيا وعلى أن العامل بها ليس عنده ثقة في نفسه وفيما يحمله.



وفي الوقت ذاته يقرر هؤلاء الخلف أن هناك ما يسمى باللاوعي أو العقل الباطن الذي وظيفته تخزين ما يمر على الإنسان من معلومات ومناظر وإظهارها في الوقت المناسب عند اجتماع ظروفها وانعقاد أسبابها.



وهذا الأمر، أعني تخزين المعلومات وإظهارها في وقتها، أمر معلوم بالحس والتجربة، ولكن من المفارقات العجيبة أن كثيرا من أهل الجدل وخصوصا من يجادل في أمور الدين، يقر هذه الأمر في الأمور الدنيوية، ويشتد في ردها عندما تتعلق بالأمور الدينية.



وعلى هذا فنسأل: هل كان السلف في تطبيق مثل ما ذكرنا من النصوص يستخدمون ما يسمى بـ (اللاوعي أو العقل الباطن)؟



بالطبع: لا. ولكنهم يأتمرون بأمر شرعي ويثقون بأن الله الذي أمرهم في كتابة وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أعلم بما يصلحهم من أنفسهم، ويعتبرون دينهم جوهرة ثمينة لا يمكن أن تعرض لأدنى شيء يخدشها ولو كانت نسمة الريح اللطيفة.



كما أن السلف قد طبقوا قاعدة قرآنية محكمة ذكرها الله بقوله ((فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)) يونس 32، فليس هناك إلا أمران لا ثالث لهما: حق أو باطل. فلما علموا أنهم على الحق أدركوا أنهم ليسوا بحاجة إلى التحول عنه إلى غيره إذ ليس ثم هناك إلا الباطل، فتمسك أخي الكريم بهذه القاعدة فإنها عظيمة النفع.



وبناء على ما تقدم، فقد سبق علماء السلف علماء العصر الحديث إلى هذه المسألة النفسية المهمة، وهذا قدر كل من اقتفى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وجعلهما بين عينيه والحمد لله، ((فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)) طه 123.



إن العجب لا ينقضي من أناس عافاهم الله في أديانهم وأفكارهم فذهبوا يدخلون كل موقع شبهه أو شهوة، فلما خف دينهم أو كاد أن يذهب أخذوا يسألون من أين أتينا؟ وإنما أوتوا من قبل أنفسهم ((وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) آل عمران117.



وأخيرا- ياكرام- مما علق في عقلي الباطن أو في اللاوعي لدي، ما ذكره الشيخ الأديب على الطنطاوي رحمه الله في ذكرياته في المجلد الأول منها، كمثال على من يتعرض لمواطن الفتنة ومواد الشرور من المسلسلات وغيرها ثم تظهر له بعد حين مؤثرة على دينه، مثل لهذا رحمه الله مثالا أسوقه بالمعنى لا بالنص. مثل بالصحراء الجرداء حين يمر بها الإنسان قاحلة لا حياة فيها، ثم يمر بها بعد نزول المطر فيراها جنة غناء فيتساءل أين كانت مواد هذه النبات التي خرجت منها هذه الجنة، ونسي أن هناك من الحبوب واللقاحات التي لا ترى حملتها الريح ثم ظهر أثرها عند انعقاد الأسباب التي قدرها الله.


وهذا المثل وإن كان لا يطابق من كل وجه إلا أن فيه تعبيرا واضحا عن المقصود.



اللهم إني أعوذ من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأسألك الثبات على دينك إلى يوم لقاك، وصلى الله وسلم على النبي الأمي وعلى آله وأصحابه بإحسان إلى يوم الدين.




والســــــلام