(( في معنى قول الفقهاء : المتطهر ينوي رفع الحدث ))

اعلم أن الحدث له معنيان في اصطلاح الفقهاء :
أحدهما : الأسباب الموجبة للوضوء , ولذلك يقولون لها أحداثا وأسباب أحداث إذا وجد منها مايوجب الوضوء .

ثانيها : المنع المترتب على هذه الأسباب , فإن من صدر منه سبب من هذه الأسباب منعه الله تعالى من الإقدام على العبادة حتى يتوضأ .

ولاأعلم للحدث معنى ثالثا , والقصد لرفع الحدث الذي هو السبب محال لإستحالة رفع الواقع ؛ فيتعين أن يكزن المنوي هو المنع وإذا ارتفع المنع ثبتت الإباحة ؛ فيظهر بهذا البيان بطلان القول بأن التيمم لايرفع الحدث , فإن الإباحة حاصلة به فيكون الحدث مرتفعا ضرورة ؛ والإ اجتمع المنع والإباحة ؛ وهما ضدان .

وسؤال : إذا كان الحدث منعا شرعيا ؛ والمنع حكم الله تعالى ؛ وحكمه قديم واجب الوجود ؛ فكيف يتصور رفع واجب الوجود ؟

وجوابه : هذا سؤال عام في سائر الأحكام المحكوم بتجددها عند الأسباب ؛ كإرتفاع التحريم في المرأة بعقد النكاح وارتفاع الإباحة فيها بالطلاق , وكذلك سائر موارد الشريعة .


والجواب عنه في الجميع : أن الحكم مرتفع بإعتبار تعلقه ؛ ويتجدد لاعتبار ذاته ؛ والتعلق عدمي يمكن ارتفاعه وإن كان قديما ؛ فإن القديم إن مايستحيل رفعه إذا كان موجوداً ؛ والإ فعدم العالم قديم وقد ارتفع .

تنبيه الأحكام الشرعية لاتزيد على خمسة : الواجب والندب والإباحة والتحريم والكراهة . وأكثر الفقهاء لايعقلها في مواردها لتغير اللفظ عليه ؛ فإذا سمع الطهارة لايعقلها وهي راجعة إلى التحريم ؛ وإذا سمع الحدث لايعقله وهو راجع للتحريم ؛ وإذا سمع المندوب لايعقله ؛ وهو راجع إلى الإباحة الممكنه من التصرف ؛ وإذا سمع فساد العقد لايعقله وهو راجع للتحريم وهو المنع من التصرف في المعقود عليه من عين أو منفعة ؛ وإذا سمع الطلاق لايعقله وهو راجع للتحريم ؛ وإذا سمع العتق وهو راجع إلى إباحة المنافع للعبد بعد حجر الرق ؛ وإذا سمع الجنابة لايعقلها وهي راجعة إلى تحريم ملابسة العبادات ومواطن القربات في المساجد وغيرها ؛ وإذا سمع صحة العقود لايعقلها وهي راجعة للإباحة ؛ وهي الإذن في التصرف في المعقود عليه ؛ والفرق بينها وبين الِملك أن الملك أعم لترتبه على الإرث حيث اتنفت الصحة في العقود ويترتب على الأسباب الفعلية كالإحتطاب والإعتشاب والصيد ونحوه ولاتوصف هذه الأسباب بالصحة ؛ ولذلك يتقرر مفيد الملك ممن لايتصور منه العقود الصحيحة ؛ كالصبي والسفيه والمجنون . والله تعالى الخالق لما يشاء من الخير في قلوب العباد .