السياسة التي يريدها السلفيون
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: السياسة التي يريدها السلفيون

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    فلسطين
    المشاركات
    144

    افتراضي السياسة التي يريدها السلفيون

    بقلم فضيلة الشيخ "أبو عبيدة" مشهور بن حسن آل سلمان
    حفظه الله تعالى ورعاه


    الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وآله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه ، وصلى بصلاته إلى يوم الدين ، قال تعالى : {يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم }. ( أ )
    أما بعد .( أ )
    لم يرد في القرآن ذكر للفظة (السياسة)، ولا لجذرها (ساس) ومشتقاتها؛ إذ هذه اللفظة معرَّبة على رأي ابن كمال باشا -(ت 940هـ)-، فإنَّه قال في كتابه «تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية» ([1]) ما نصه:
    «(السِّياسة): معرَّب (سَهْ يَسَا)، وهي لفظة مركبة من كلمتين:
    أولاهما: أعجمية، والأُخرى: تُركيّة؛ فإنَّ (سَهْ) بالعجمية: ثلاثة، و(يَسَا) بالمُغل: الترتيب؛ فكأنه قال: التراتيب الثلاثة.
    وسبب هذه الكلمة على ما ذكر في «النجوم الزاهرة»: «أنَّ جنكيزخان -ملك المُغل- كان قد قسَّم ممالكه بين أولاده الثلاثة، وجعلها على ثلاثة أقسام، وأوصاهم بوصايا لم يخرجوا عنها، وبقي فيما بينهم إلى يومنا هذا مع كثرتهم، واختلاف أديانهم، فصاروا يقولون: (سه سيا)، يعني: التراتيب الثلاثة -التي رتبها جنكيزخان، فثقل ذلك على العامة فعربوها بتغيير الترتيب، فقالوا: سياسة».
    قال أبو عبيدة: لمادة (السياسة) ذكر في السنة النبوية؛ فأخرج البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل) رقم (3455)، ومسلم (كتاب الإمارة: باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول) رقم (1842) بسندَيْهِمَا إلى أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- رفعه إلى النَّبِيِّ قال:
    «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ».
    ومعنى (تسوسهم)؛ أي: يتولون أمورهم؛ كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية.
    والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه -قاله النووي في «شرح صحيح مسلم» (12/320 - ط. قرطبة)-.

    * تحقيق التعريب:
    أفاد صاحب «دراسات في تأصيل المعربات والمصطلح» (ص 131-132) أنَّ لفظة (السياسة) بمعنى: استصلاح الخلق بإرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم، أو المنهج المتبع في تدبير مرافق الحياة العامة، ومنها: السياسة المدنية، والسياسة التربوية، وسياسة السوق الحرة.
    أقول: إنَّ اللفظ -بمفهومه الحديث- مولَّد توليدًا معنويًّا، والمولد على ما جاء في «المعجم الوسيط»([2]): «المولَّد من الكلام: كل لفظ كان عربيَّ الأصل ثم تغير في الاستعمال، أو هو اللفظ العربي الذي يستعمله الناس بعد عصر الرواية».

    * السياسة عربية:
    اللفظ عربي فصيح متصرف، وهو مصدر ساس الناس يسوسهم سياسة: ورد في «جمهرة اللغة»([3]) لابن دريد (ت 321هـ): «وَسُسْتُ القومَ أَسُوسُهم سياسة، وكذلك الدواب».
    وقال الجوهري في «الصحاح»([4]) (ت 393هـ) -مادة س و س-: «سُسْتُ الرعية سياسةً، وسُوِّسَ الرجلُ أمورَ الناس، على ما لم يسم فاعله، إذا مُلِّكَ أمرهم».
    وجاء في «اللسان»([5]) لابن منظور (ت 711هـ): «وساس الأمر سياسةً: قام به،... وسوَّسه القومُ: جعلوه يَسُوسُهم».
    أمَّا صاحب «القاموس»([6]) (ت 817هـ)، فقد قال: «وسُسْتُ الرعيةَ سياسةً: أمرتُها ونهيتُها، وفلان مُجرّب قد ساس، وسيس عليه: أدَّب وأُدِّبَ».
    إنَّ بين مؤلفي «الجمهرة» و«الصحاح» و«اللسان» و«القاموس» وولاة جنكيزخان (ت 644هـ/1227م) بونًا واضحًا من الزمن!
    والعجب كيف خفي هذا على شدَّةِ وضوحه وكثرة وقوع هذه اللفظة في الكتب المتقدمة على عصر جنكيزخان.
    على أنَّه يمكن أن يفهم مسلك ابن كمال في تعريب هذه اللفظة (سه يسا)، وهي دخيلة قد صادفت إيقاعًا صوتيًّا للكلمة العربية (سياسة).
    ومن قبيل المصادفة أن تحمل كلاهما في الدلالة معنى الرعاية والحكم، وهذا شبيه باللفظ الدخيل (تكنولوجيا Technology)، والتي عُرِّبت بـ(التِّقْنِيِّ ) أو (التكنية) للدلالة على التطبيق العملي لنظريات العلم.
    يقول عبد الصبور شاهين: «من الواضح أن مصطلح (التقنية) قد جاء موفقًا لما في أصواته من توافق بينه وبين المقابل الانجليزي..»([7])».
    إذن؛ لفظة (السياسة) عربية، ولكنها لم ترد في القرآن الكريم بمادتها ولا بمفهومها الحديث المولد تولدًا معنويًّا.

    * تعريفات:
    هذه جملة من (التعريفات) المذكورة في كتب (الاصطلاح) قديمًا لـ(السياسة) بإطلاق، أو لـ(السياسة الشرعية) -وجلُّها تدور حول معنىً مشترك، مأخوذ من أصل المادة اللغوية الذي ذكرناه آنفًا-:
    قال الكفوي في «الكليات» (ص 510):
    «السياسة: هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجِّي في العاجل والآجل، وهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم، ومن السلاطين والملوك على كل منهم في طاهرهم لا غير، ومن العلماء -ورثة الأنبياء- على الخاصة في باطنهم لا غير.
    والسياسة البدنية: تدبير المعاش مع العموم على سنن العدل والاستقامة».
    وقال الأحمد نكري في «دستور العلماء» (2/140):
    «السياسة المدنية: علم بمصالح جماعة متشاركة في المدنية ليتعاونوا على مصالح الأبدان وبقاء نوع الإنسان؛ فإنَّ للقوم أن يعاملوا النبي والحاكم والسلطان كذا، وللنبي والحاكم والسلطان أن يعامل كل منهم قومه ورعاياه كذا.
    ثم السياسة المدنية قسمت إلى قسمين إلى ما يتعلق بالملك والسلطنة، ويُسمَّى: علم السياسة، وإلى ما يتعلق بالنبوة والشريعة، ويُسمَّى: علم النواميس.
    ولهذا؛ جعل بعضهم أقسام الحكمة العملية أربعة، وليس ذلك بمناقض لمن جعلها ثلاثة أقسام؛ لدخول المذكورين تحت قسم واحد.
    السياسة (نكاه داشتن)([8])، وفي «الصراح»: (السياسة رعيت داري كردن)، وفي «غاية الهداية»: (ويسمى السياسة المدنية -بفتح الميم والدال، وضمهما- سمي بها لحصول السياسة المدنية؛ أي: مالكية الأمور المنسوبة إلى البلدة بسببه)».
    والمعاني المذكورة قريبة من قول النسفي في «طلبة الطلبة» (ص 167):
    «السياسة: حياطة الرَّعية بما يصلحها لطفًا وعنفًا».
    ونص بعض الفقهاء على أنَّها: فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بهذا الفعل دليل شرعي؛ فقال ابن عقيل: «السياسة: ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ، ولا نزل به وحيٌ».
    ونقل ابن نجيم عن المقريزي: «أنَّها القانون الموضوع لرعاية الآداب، والمصالح، وانتظام الأموال».
    وذكر ابن عابدين أنَّ السياسة تستعمل عند الفقهاء بمعنى أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب -ولو بالقتل-، كما قالوا في اللوطي والسارق إذا تكرر منهما ذلك حلَّ قتلهما سياسةً.
    ولذا؛ عرَّفها بعضُهم: «بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسمًا لمادة الفساد»، وقيل: السياسة والتعزير مترادفان([9]).
    وعرَّفها بعضُ المعاصرين([10]) بقوله:
    «السياسة (Politics, policy): مِن ساس الدابة؛ إذا راضها وعني بها: رعاية شؤون الأُمَّة بالداخل والخارج وفق أحكام الشرع.
    السياسة الشرعية (Legal policy): عملُ وليِّ أمر المسلمين في الأحكام الاجتهادية بما يحقِّق مقاصد الشريعة، تاركًا ظواهر بعض النصوص، وذلك فيما لو كان العمل بتلك الظواهر يُؤدِّي إلى الإضرار بمصالح الرعيَّة لظروفٍ طارئةٍ.
    ومنه قولهم: للإمام تقييد المباح إذا كان عدم التقييد يؤدي إلى إلحاق ضررٍ بمصالح عموم الرعيّة.
    مثالها: الحكم بمنع بعض الأفراد من الزواج باليهودية أو النصرانية إذا كان الزواج بهنَّ يؤدِّي إلى إلحاق ضررٍ بمصالح الرعيَّة؛ كأن يكون أولئك الأفراد عاملين في السفارات، أو قواد جيشٍ، وإنما أبيح للحاكم هذا العمل من باب السياسة الشرعيَّة» انتهى.

    * نتائج وملاحظات:
    نستفيد مما مضى من نقولات في معنى (السياسة) أمورًا، يمكننا إجمالها فيما يأتي:
    أولاً: إنَّ مدار معنى (السياسة) على استصلاح شؤون الناس؛ فـ(الصلاح) و(الإصلاح) ليس هدفًا للسياسة والساسة، وإنما هو معناها وأصلُها ولبُّها.
    ثانيًا: خصَّ بعضُهم (السياسة) بمعنى الرئاسة أو القيادة، وهذا لازم للمعنى السابق.
    ثالثًا: ومِن لوازم هذا اللازم ما جاء في كلام بعض الحنفية أنها الزجر والتأديب.
    وكذا ما قاله صاحب «معين الحكام» (ص 169) -وهو علاء الدين الطرابلسي الحنفي-: «السياسة شرع مغلظ»!
    رابعًا: جنح بعضهم في تعريف السياسة إلى الجانب العملي؛ بمعنى: أنها إجراءات وتصرفات المسؤولين لعملية الإصلاح، وهذا لازم للمعنى -أيضًا-.
    خامسًا: السياسة لم تقتصر في الشرع على نصوص الوحيين الشريفين، بل يدخل فيها كلُّ ما يُصلِحُ شؤون الناس، وقد نقل ابن القيم في كتابه المستطاب «إعلام الموقعين» (6/512-513 - بتحقيقي) و«الطرق الحكمية» (ص 15 - ط. العسكري) مناظرةً جرت بين ابن عقيل وبين بعض الفقهاء القائلين: (لا سياسة إلاَّ ما وافق الشرع)، بيَّن فيها الجانب الفاسد لهذا القول بتفصيل بديع، حيث قال -رحمه اللَّه تعالى- ما نصُّه:
    «وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل([11]) وبين بعض الفقهاء؛ فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة الشرعية هو الحزم، ولا يخلو من القول به إمام، وقال الآخر: لا سياسة إلاَّ ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإِنْ لم يشرعه الرسول ، ولا نزل به وحيٌ.
    فإِنْ أردتَ بقولك: (لا سياسة إلاَّ ما وافق الشرع)؛ أي: لم يخالف ما نطق به الشرع؛ فصحيح، وإِنْ أردتَ لا سياسة إلاَّ ما نطق به الشرع؛ فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير، ولو لم يكن إلاَّ تحريق المصاحف([12]) كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق عليٍّ -كرَّم اللَّه وجهه- الزنادقة في الأخاديد([13])، ونفي عمر نَصْرَ بن حجاج([14]).
    قلتُ [أي: ابن القيم]: هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضَنْك، ومعترك صعب، فَرَّطَ فيه طائفة فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرَّأوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد، وسَدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق التي يعرف بها المُحِقَّ من المُبطِلِ، وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنَّها أدلة حقٍّ، ظَنًّا منهم مُنَافاتها لقواعد الشرع.
    والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة، والتطبيق بين الواقع وبينها، فلمَّا رأى وُلاَةُ الأمر ذلك وأنَّ الناس لا يستقيم أمرهم إلاَّ بشيءٍ زائدٍ على ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العَالَم، فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويل، وفسادٌ عريض، وتفاقَمَ الأمرُ، وتعذَّر استدراكه.
    وأفرط فيه طائفة أخرى فسوغت منه ما يُناقض حكم اللَّه ورسوله ، وكلا الطائفتين أُتِيَتْ من قِبَلِ تقصيرها في معرفة ما بعث اللَّه به رسوله ؛ فإنَّ اللَّه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقِسْطِ، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحُهُ بأيِّ طريقٍ كان، فذلك من شرع اللَّهِ ودينه، ورضاه وأمره.
    واللَّه -تعالى- لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، ويبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه، وأدل وأظهر.
    بل بيَّن ما شرعه من الطرق أنَّ مقصوده إقامة الحق والعدل، وقيام الناس بالقسط؛ فأيُّ طريقٍ استخرج بها الحق ومعرفة العدل، وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبَّه بما شَرَعَهُ من الطرق على أشباهها وأمثالها، ولن تجد طريقًا من الطرق المُثْبِتَةِ للحقِّ إلاَّ وفي شَرْعِهِ سبيلٌ للدلالةِ عليها، وهل يُظنُّ بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟!
    ولا نقول: إنَّ السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمرٌ اصطلاحي، وإلاَّ فإذا كانت عَدْلاً فهي من الشرع»، ثم ضرب -رحمه اللَّه- أمثلة لعمل النَّبيِّ بالسياسة الشرعية، وخلفائه الراشدين من بعدِهِ؛ فانظرها([15])، ولا تُفرِّط بها؛ فهي «السياسات العادلة التي ساسوا بها الأُمَّة، وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها»([16]).
    سادسًا: ومع ما سبق؛ فإنَّ السياسة أصبحت تُقَيَّدُ في العصور المتأخرة بلفظة (الشرعية)! ولهذا أسباب؛ منها:
    1- القول بأنَّ السياسة مقتصرة على ما وردت في نصوص الوحي، وهذا تضييق وتحجير!
    2- بالنظر إلى ما استجدَّ في حياة الناس من تغيير وتبديل، وما طرأ في حياتهم من حوادث، وما جنت أيديهم من إحداث، فوقعوا في ورطات بمقدار بُعدهم عن هدي النبوة، ولذا قسموا السياسة([17]) إلى أقسام؛ وتنوّعت هذه الأقسام بالنظر إلى مصادرها تارةً، وإلى محالّها والأماكن التي تجري فيها تارةً أُخرى.
    فها هو ابن خلدون -مثلاً- يُقسِّم في «مقدمته» (ص 170) السياسة إلى: (عقلية) و(شرعية)؛ فيقول -بعد كلام-:
    «فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء، وأكابر الدولة، وبُصرائها كانت (سياسةً عقلية)، وإن كانت مفروضة من اللَّهِ بشرعٍ يقررها ويشرعها كانت (سياسةً دينية)».
    ومن هنا؛ وقع (الفراق) بين (الدين) -عقيدةً وشريعةً- و(السياسة) -ممارسة عملية الإصلاح من قِبَلِ الولاة-؛ قال ابن خلدون -أيضًا-على إثر الكلام السابق مُفرِّقًا بين (الملك السياسي) و(الخلافة)-:
    «الملك السياسي: هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار.
    والخلافة: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأُخروية والدنيوية الراجعة إليها».
    وأشار شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه اللَّه- في «مجموع الفتاوى» (20/392-393) إلى تأريخ هذا الانفصام المبتدع -النكد- بين (الشرع) و(السياسة)، فقال:
    «فلمَّا صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس، وتقلد لهم القضاء مَن تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيًا في السياسة العادلة؛ احتاجوا حينئذٍ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين، حتَّى صار يقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع، وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكمًا أَنْ يحكم بالشرع والآخر بالسياسة.
    والسبب في ذلك أنَّ الذين انتسبوا إلى الشرع قصَّروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة؛ إذا حكموا ضيعوا الحقوق، وعطلوا الحدود، حتَّى تسفك الدماء، وتؤخذ الأموال، وتستباح المحرمات، والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوعٍ من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى، ويتحرَّى العدل، وكثير منهم يحكمون بالهوى، ويحابون القوي ومَن يرشوهم، ونحو ذلك».
    ومن ها هنا؛ جاء تقرير ابن القيم -رحمه اللَّه- السابق بديعًا، لَمَّا حَكَى أنَّ (السياسة) في الشرع هي: (عدل اللَّهِ ورسولِهِ )، وقال -قبل ذلك-:
    «ونحن نُسمِّيها سياسة تبعًا لمصطلحهم»!
    فكمال الشريعة ومحاسنها في حقيقتها ولُبِّها ومعانيها، وجعل السياسة مقابل الشريعة، والنظر إليهما على أنهما نوعان مُتقابلان، وقسيمان مختلفان، ظلمٌ لكليهما.
    وقد ردَّ شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه اللَّهُ- على هذا الخطأ والغلط! وبيَّن منشأ هذا المذهب الشطط! حيث قال في «مجموع الفتاوى» (20/391-392) ما نصُّه:
    «يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين، وفي تصانيفهم، إذا احتجَّ عليهم مُحتجٌّ بِمَن قتلَهُ النَّبِيُّ أو أمر بقتله؛ كقتله اليهودي الذي رضَّ رأس الجارية، وكإهداره لدمِ السَّابَّةِ التي سَبَّتْهُ -وكانت معاهدة-، وكأمره بقتل اللوطي -ونحو ذلك-؛ قالوا: هذا يعمله سياسةً!
    فيقال لهم: هذه السياسة؛ إنْ قلتم: هي مشروعة لنا؛ فهي حقٌّ، وهي سياسة شرعية.
    وإن قلتم: ليست مشروعة لنا؛ فهذه مخالفة للسنة.
    ثم قول القائل -بعد هذا-: سياسة؛ إمَّا أَنْ يريد أنَّ الناسَ يساسون بشريعة الإسلام، أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام.
    فإِنْ قيل بالأول؛ فذلك من الدين، وإِنْ قيل بالثاني؛ فهو الخطأ!
    ولكن منشأ هذا الخطأ: أنَّ مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول اللَّه ، وسياسة خلفائه الراشدين.
    وقد ثبت في «الصحيح» عنه أنَّه قال: «إنَّ بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء»([18])» انتهى.
    مع الاعتراف والإقرار بأنَّ الفراق بينهما، أعني: الشريعة -عقيدةً وعملاً- والسياسة -تنظيرًا وتطبيقًا- واقعٌ من غير دافع، منذ زمن العباسيين، واتسع هذا الفرق بِمُضِيِّ الزمن، حتَّى ظهرا في هذه الآونة على أنهما متقابلان؛ لا صلة للشريعة بالسياسة، ولا للسياسة بالشريعة! ولا قوَّة إلاَّ باللَّهِ.
    وحقٌّ لنا -بعد هذا كلِّه- أَنْ نتساءل: هل اصطلاح (السياسة) محمود أم مذموم؟
    ونجيب على هذا بقولنا:

    * المحمود والمذموم من السياسة:
    إنَّ مصطلح (السياسة) لا يحمد بإطلاق، ولا يُذم بإطلاق.
    ومَن أطلق (ذمَّه) نظر إلى تسفّله لا إلى علوِّه، وإلى تبذّله لا إلى سمّوه، ويوشك هذا اللفظ -بسوء تصريف الاستعمال له- أن يصبح بلا معناه الذي رسم له، بل بلا معنىً؛ كالألفاظ المهملة، وكما يجازف إعلام الغرب -اليوم، وقبل اليوم- بكلمة (الإرهاب)([19])، يرمي بها من غير هدف!! ويَسِمُ بها من هبَّ ودبَّ، فكان من آثار ذلك أن نبَّه الناس إلى عداوتهم للإسلام، وفتح لبعضهم -بما يُردد من لفظها، وبما يُبدع من أسبابها- أبوابًا وطرائق، كذلك جازف بكلمة (السياسة)، يرمي بها المصلحين!

    * المصلحون والسياسة:
    فهذه اللفظة (مظلومة) بتبرء المصلحين منها، وهي دونهم([20]) تبقى ذليلة مهينة مجردة من جلالها وسمّوها؛ فإنَّ أعلى معانيها -كما رأينا- تدابير الممالك بالقانون والنظام، وحياطة الشعوب بالإنصاف والإحسان، ولكنها تدنَّتْ فنـزلت -ولا قوَّة إلا باللَّه- إلى معنى التحيل على الضعيف ليؤكل، وقتل مقوّماته ليهضم، والكيد للمستيقظ حتى ينام، والهَدْهدةِ للنائم حتى لا يستيقظ.

    * علماء السلفيين والسياسة:
    هذا المعنى الأخير هو المذموم، وهو المنفي عند أعلام السلفيين من العلماء والمصلحين، وأطلق واحد([21]) منهم -على هذا المنفي- مقولةً اشتهرت عنه غاية، أَلاَ وهي: (من السياسة ترك السياسة)([22]).
    ذلك؛ لأنَّ لسان حاله ومقاله كان ينادي بتحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا، وتحرير النفوس من تَأْلِيهِ الأهواء والرجال، وأنَّ تحرير العقول لأساس لتحرير الأبدان، وأصل له، ومحال أن يتحرر بدن يحمل عقلاً (عبدًا)! ولا يتحقق هذا التحرير إلاَّ بالتصفية والتربية؛ فمن السياسة الانشغال بالحقيقة والجوهر، وكان هذا هو هَمُّ ذلك القائل وشغله الشاغل، وكأنه كان يقول:
    دَعِ الطنطنة لعشاق المظاهر والتهاويل، ودَعِ الأصداء الفارغة تجبّ نفسها، ودَعِ الدعوى للمتشبعين بما ليس فيهم، وهَاتِ الحقيقةَ التي لا تُدْحَض، والحجة التي لا تُنْقَض.

    * سياسة متروكة:
    إنَّ إشغال الأُمَّة بقضاياها المصيرية دون إعداد العُدَّة اللازمة للتربية الإيمانية الجادّة، وتحقيق الربانيّة، والبناء على المقاصد الشرعية الصحيحة، لم يأتِ بنتائج سليمة، وما لم ينشأ ذلك عن إيمان راسخ، لم يظهر له ثمرة ناضجة، ولما بُلِيَتْ سرائرُ أولئك العاملين على الإشغال دون إمهال، وباستعجال وإهمال؛ تبيَّن أن (سياستهم) -كلهم- التسابق إلى غاية واحدة، هي (كراسي النيابات)، وما يتبعها من الألقاب والمرتبات، تحقيقًا للمكاسب والرواتب والمناصب (أصالةً) و(نهايةً)، وإذ كلُّ شيءٍ بدؤه السياسة، فنهايته التجارة، والأعمال بخواتيمها!!
    هذه هي السياسة التي من السياسة تركها، إذ جُعِلَتْ أداةَ مساومة، وفخ اقتناص المذبذبين من أبناء المسلمين، ممن يريدون الإصلاح بالمُشاركة بإعطاء (الصوت) فحسب! دون أي عناء، ولا سيما إن علَّق الناخب شعارات فيها تهديد ووعيد بلعنة اللَّه، والحرمان من دخول الجنة، وتوظيف النصوص لاختياره دون سواه، وفي ذلك من المضاهاة لليهود والنصارى بما لا يشتبه إلاَّ على صاحب الهوى!

    * سياسة منفيّة:
    فهذه السياسة عند الربانيين هي المنفية، التي مدارها على تطويع الدين للمصالح الشخصية، والمطامع الدنيوية، وجعلها وسيلة جاه، وذريعة للتضليل، وقد بلوناها وخبرناها وحاولنا إصلاحها في رجالها إشفاقًا على هذه الأُمَّة، فبُحَّت الأصوات، وأَكْدَت الوسائل، فلا يقولنّ قائل: (فينا) و(فيهم) و(فيها) غير هذا، فأهل مكة أدرى بشعابها!

    * للحقيقة والتاريخ:
    نقرر هذا للحقيقة والتأريخ على الرغم من قول المُتأثِّرين بهذا النوع المذموم من (السياسة): إنَّ كلامكم هذا فيه نصرة لفريق على فريق، ويحملهم هذا المعنى الذي فيه غلوّ على القول بترجيح (طائفة) على (طائفة)، أو تجريح (الحق) و(أهله)، دون التقعيد والتأصيل والتدليل! لأنَّ (الحزبيّة) والتهافت على نصرة (الشعارات) و(الشارات) و(الأسماء) هو الديدن! و(الافتتان) المُزري بـ(الأشخاص) نراه على أقبح (صورة) في حين أن ذلك ليس من مصلحة (الأُمَّة) ولا من عمل (ساستها) المصلحين!

    * السياسة وطلبة العلم المبتدئين:
    ومع هذا؛ فإننا ننكر أن يكون في (السياسة) اليوم (دين)! ولكننا لا ننكر أن يكون في (الدين) (سياسة)، وهذا (النوع) منها مناط بالمقاصد والمصالح المعتبرة، نصون الصغار ومَن هم في طريق التعلم والتربية عن أن (يُقرروه)، أو (يُقدّروه)، ونقول لهؤلاء -وجلهم من الشباب (المتحمِّسين)، ويعملون من أمام (تقريرات) العلماء (الكبار)-:
    إنَّه لا ينبغي لكم أن تتدخلوا في السياسة؛ لأنكم لا تحسنونها، ولا يجوز لكم -ألبتة!- أن تنطقوا بلسانها، وتقول لكم: لسان السياسة (أعجمي)! ولسانكم عربي مبين!!
    وأما نحن؛ فنقول: إنَّ طريقكم الموصول إلى جلال العلم لا يتّفق مع (أوساخ) السياسة، وما لم تفعلوا؛ فستغلب عليكم طباع (السوء)، وستقذف بكم (السياسة) في (المعتقلات) مع (المجرمين)!!

    * خطر السياسة على مصاير العلماء:
    كان ابن خلدون يرى أنَّ الاشتغال بالسياسة لا يليق بالعلماء، وأُثِرَ عن محمد عبده أنَّه قال: لعن اللَّهُ (السياسة) ومادة (ساس) (يسوس)!!
    و(السياسة) المعنية -هنا- هي المشاركة في الأحداث الجسام التي تعصف بالأُمَّة، ويتمخض عنها أن يكون المشارك فيها متحيزًا متحزبًا إلى فئة من أُمَّتِهِ دون أُخرى، بحيث يفقد موقعه اللائق به فيها، وتُصرفُ عنه -بسبب ذلك- القلوبُ، والعالم بطبيعة مركزه هو قطب الرحى في الإصلاح، والحَكَمُ العدل بين أهل الاختلاف، والواجب المطلوب منه هو إقامة أشرف ما يمكن من الأخلاق من خلال الدعوة إلى الدين الحق، والقول الصدق.
    والواجب الشرعي على العلماء -ولا سيما في المرحلة التي نعيش- إحياء الربانية من خلال التصفية والتربية، والانقطاع لأداء هذه الرسالة السامية، فما ينبغي لهم الاشتراك في السياسة من قريب أو بعيد، وهم أدرى الناس بما تتعرض له ديارهم من عواصف الخلاف، فما ينبغي أن تُخرِجَ الأحداثُ الجسامُ العلماءَ من وقارهم المنشود، وتزحزحهم عن موقعهم المعهود، وتسوقهم إلى معاطب لا يسلم معها أحد، ولا ينفع في دفعها علاج!
    وإنَّ رأسي ليدور كلما فكرت في مصاير أقوام منتسبين للعلم الشرعي بَلْبَلَتْهُم الحوادثُ، فلا يعرفون إلى أين يتّجهون، وقد أحاطت بهم القواصف، والفتن العواصف، وعرَّضوا أنفسهم لِمَا لا يطيقون من الفتنة، قد كان أسلافنا يعتزلونها، وما كانوا -رضي اللَّهُ عنهم- جبناء، ولكنهم كانوا يعرفون أن الفتنة تخبط خبط عشواء، فلا تفرِّقُ بين العاصي والمطيع، ولا تدري أين تقع أخفافها الهوج الثقال!

    * المُسيَّسون: حقيقة ودعوى:
    هنالك آراء وأقاويل كثيرة قالها المفكرون والصحفيون و(الساسة) في (السياسة)، ومن (أسوإ) هذه (القالات) ما يُتَّهم به (العلماء الربانيون السلفيون) أنهم (مُسَيَّسون)! ودينهم يأبى عليهم الكذب والرياء والنفاق -وهي الأقانيم الثلاثة التي تقوم عليها السياسة غير الشرعية-، وهم أشرف من أن يعملوا لغير مبادئهم، أو تسخَّر علومهم ومواهبهم وعطايا اللَّه لهم لخدمة الغير كائنًا مَن كان!
    وما وقعت المصايب، وتفرق الناس، وظهرت المعايب إلاَّ عندما أصبح بعض (العلماء) -فيما ظهر للناس، وهم في حقيقة أمرهم: القائمون مقامهم بسبب أنهم (المُفوَّهون) بينهم- (مُسَيَّسُون) من (أحزابهم) و(دعواتهم) أو (حكوماتهم)، وأصبحت الإدارة واتخاذ القرار بين يدي غيرهم، وهم أداة يُلعب بهم!

    * أعداؤنا والسياسة:
    أمَّا مَن هم أعداء ديننا، الطامعون في خيرات بلادنا؛ فنتكلم معهم بـ(السياسة) في (السياسة) ليدركوا أننا نفهم معنى (السياسة)!
    فنقول:
    ما قولكم في التدخل في شؤون ديننا؟! وابتلاع خيرات بلادنا؟! وصرف الأموال والأوقات في دراسة (مكمن) قوتنا؟! وتشويه تاريخنا؟! وامتهان لغتنا؟! وبث الشهوات والشبهات بيننا؟!!
    ما قولكم في كل ذلك؟! أهو من الدين، أم من السياسة؟!!
    كيف تُبيحون لأنفسكم التدخل فيما لا يعنيكم (!!) من شؤون ديننا، ثم تُحرِّمون علينا الدخول فيما يُعنينا من شؤون دنيانا؟!!
    فنحن وإياكم فريقان:
    فريق أخضع الدين للسياسة ظالمًا!
    وفريق أدخل السياسة في الدين مُتظلِّمًا!
    فهل يستويان؟!!
    إننا إذا ما حاكمناكم إلى الحقِّ غلبناكم! وإذا حاكمتمونا إلى القوة غلبتونا!
    ولكننا قوم ندين بأنَّ العاقبة للحق لا للقوَّة ! ! !

    * صرخة:
    ثم نقول لإخواننا المسلمين، وساستنا الحريصين: العلماء مادّة قوتكم، وأولياء أموركم، وعماد أعمالكم، ومجمع غاياتكم التي تعملون لها -إن كنتم صادقين-، ونقول:

    * لباب السياسة وقشورها:
    إنَّ حظَّ الكثير من الناس من (السياسة) القشور لا اللباب، والكلام في الأحداث لتحقيق (الذات) بالظن والتخمين لا بالحقِّ واليقين!
    أمَّا (اللباب) و(لباب السياسة) -على وجه أخص-؛ فهو نصيب العلماء، وهو الذي قدَّمناه من نقولات عنهم، مفادها (إيجاد الأُمَّة)، و(إقامة الدين) فيها، بتثبيت مقوّماتها، وإيجاد تقاليد صحيحة، وعادات صالحة، بتصحيح عقيدتها، وبتربيتها على الاعتداد بنفسها، والاعتزاز بقوتها المعنوية، والمغالاة بقيمتها وبميراثها، وبالإمعان في ذلك كله حتَّى يكون لها عقيدة راسخة تناضل عنها، وتستميت في سبيلها، وترى أنَّ وجود تلك المقوّمات شرط لوجودها، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض عليها من مجموع ذلك إلهام لا يغالب ولا يرد، بأنَّ تلك المقوّمات متى اجتمعت وتلاحقت؛ تلاقحت، ومتى تلاقحت وَعَدَتْ (إصلاحًا)، و(تغييرًا).

    * الحزبيون والعلماء:
    يا إخواننا وأحباءنا -خطاب عطف وود، وتقدير وإشفاق- يا مَن انغمستم بالحزبيّة، وتراكمَتْ في قلوبكم رواسبُ وموروثات أفرزها ضغطُ الواقع، وانتقلت من حماسات وعواطف، وانقلبت إلى أفكار ومواقف، فواللَّهِ! إنَّنا لا نحتقركم، فما أنتم إلاَّ من رأس المال الواجب علينا حفظه قبل أن نفكر بالأرباح! ولسنا -واللَّهِ- نتهمكم على ديننا! فأنتم عندنا أجلُّ من ذلك، ولكننا نعدّ مواقفكم من (العلماء) ناشئة عن بُعدكم عن التربية الإيمانية، والتقعيدات العلمية الأصولية، وإن من أسوإ أعمالكم احتقاركم للسواد الأعظم من الأُمَّة -وهي أُمتكم!- فلا تفكرون في عدادها مع دراسة درجة استعدادها، ولا تلتفتون إلى تصحيح الأُسس فيها، كما يفعل من يترسم (لباب السياسة)!

    * حظ الحزبيين من السياسة:
    اسمحوا لي حين نعتقد أن حظ الكثيرين من الخائضين بـ(السياسة) من (لباب السياسة) صفر في صفر؛ فإنَّ لوَوْا ألسنتهم بشيء من ذلك، كذبتهم أعمالُهم، وصدمهم الواقع، وفضحتهم عواقب أمورهم، وكشفتهم قالات أفعالهم!
    يا أحباءنا لا نريد صياحًا في واد! ولا نفخًا في رماد! ولا إهمالاً للعباد!! ولا ضياعًا للبلاد!!

    * سياسة التربية، وتربية السياسة:
    فالواجب إعمال (سياسة التربية) لا (تربية السياسة)، ولا يعرف أهمية هذا الفرق إلاَّ مَن كان صادق الحدس، قويَّ الزَّكانة، يعرف النتائج، ويخبر الآثار، ويفرق بين اللباب والقشار.
    فـ(سياسة التربية) هي (لباب السياسة)، و(تربية السياسة) هي (قشور السياسة)! والفرع يتبع الأصل، كما أن (القشر) لحفظ (الأصل)، وهذا بمثابة الفرق بين (العالم العامل) و(العامل عالم)!
    وأيّ عاقل لا يدرك بالتصور والتقدير أن الأصل مقدّم على الفرع، وإنَّ الغرب وعيونهم -للأسف- لأفقه وأقوى مظنة من هؤلاء المغفلين من الشباب (المساكين) حين يُخوّف من (العلماء) ويُسمّيهم (عاملين بالسياسة)، نعم! يسمّيهم كذلك، وهم ليسوا (ساسة عاملين)؛ لأن النتائج والآثار معلومة، وأنهم عاملون بجدٍّ؛ لإيجاد ما أعدم، وبناء ما هدم، وزرع ما قلع، وتجديد ما أتلف! فلا الإسلام يسمح لهم غير ما عملوه، ولا يرضى الأعداءُ عن ذلك العمل!
    ماذا يريد هؤلاء؟! أيريدون بناءً على غير أصول؛ فيبوؤا بضياع الأصل والفرع معًا؟! أم يريدون أن يجعلوا الفروع سلمًا للأصول، لا على طريقة العلماء والحكماء والفحول، وإنما على طريقة المغفلين والحمقى والسفهاء؟!

    * مذهب الحمقى والمغفَّلين:
    وإليك مذهب واحدٍ منهم في قضية؛ فاعرفه، بل احفظه وانشره، لعل من عنده بقية (علم) و(فهم) يرعوي:
    «قال السفاحُ لأَبي دُلامَة: سَلْني حاجَتَك، قال: كلبُ صيدٍ، قال: أعطوه، قال: وغلامٌ يقود الكلبَ ويصيدُ به، قال: أعطوه غُلامًا، قال: وجارية تُصلحُ لنا الصيدَ وتُطْعمنا منه، قال: أعطوه جاريةً، قال: هؤلاء يا أميرَ المؤمنين عيالٌ ولا بُدَّ لهم من دار يسكنونها، قال: أعطوه دارًا تجمعهم، قال: وإِنْ لم تكن ضيعةٌ فمِن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتُك مئةَ جَريبٍ عامرةً ومئةَ جريبٍ غامرة، قال: وما الغامرة؟ قال: ما لا نباتَ به، قال: قد أَقطعتُك يا أميرَ المؤمنين خمس مئة جريبٍ غامرة من فيافي بني أسدٍ، فضحك وقال: اجعلوها كلَّها عامرةً، قال: فائذن لي أن أُقَبِّلَ يدَك، قال: أمَّا هذه فَدَعْها فإنِّي لا أفعلُ، قال: واللَّهِ ما منعتني شيئًا أقلَّ ضررًا على عيالي منها»([23]).
    فمذهب هؤلاء العاملين بـ(تربية السياسة) لإقامة الدين قائمة على اختلال المنطق، وفساد القياس، وغياب الأصول!
    إنَّنا نعدّ ضعف النتائج من أعمال (الأحزاب) و(التجمعات) آتيًا من الغفلة -أو التغافل- عن هذه الأصول، ومن إهمالهم للتربية الإيمانية، وإقامة الربانية، وتحقيق الولاية الشرعية.


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    فلسطين
    المشاركات
    144

    افتراضي رد: السياسة التي يريدها السلفيون

    فجيعة:
    لقد وصل هذا الداء لبعض أبناء الدعوة الحقَّة -الدعوة السلفية-، ولا سيما عند انتشارها، وكثرة أبنائها، ولا سيما ذاك الصنف المتهوِّر، الذين لم يعرفوا العلماء، ولم يخالطوهم، ولم يجثوا على الركب بين أيديهم، فراحوا ينفردون في المواقف، سواء من الأشخاص أو الأحداث، دون علم ولا فهم، ولا تجربة، ولا عقل، ولا حلم، دون تقدير للمواقف والآثار المترتبة عليها؛ حتَّى أخرجت العلماء من مقام التلطف في النصيحة لبعضهم إلى مقام الإيجاع في التنديد!!
    وهنالك صنف آخر ظنوا أنَّ (السلفية) حُكْمٌ على الآخرين بالإعدام، فلا فرق بين فلتة وزلة، وزلة وخطيئة، وخطيئة وكبيرة، وكبيرة وشرك؛ فإِنْ ظهرت عورة فلا تُسْتَر، وإن سترت فلا يسكت عن صاحبها، وإنما توصف بأبشع وأشنع وأفحش الألفاظ، وهذا (الوصف)([24]) تلوكه الألسن، وتقذفه الأفواه، وتجتره الشفاه، وينتشر على أسنَّة الأقلام، ويستقر على الشبكات (العنكبوتية) (الإنترنت)!

    * إلى هؤلاء وأولئك الملحقين أنفسهم بالمربين والأساتيذ والمشايخ:

    يا هؤلاء وأولئك! أردتم أن تثلموا سيوف الحق، وأقلام الصدق، فلا تلوموا إلاَّ أنفسكم إذا خشن متنُهُ، وآلم جُرْحُهُ، فتجرّعوا هذه النصائح علىمرارتها في لهواتكم:
    يا قومنا! إنَّا نخشى أن تفسدوا على الأُمَّة بهذه الدروس، وتينكم الطروس: الدمَ الجديد في حياتها، فمن الواجب أن يصان هذا الدم عن أخلاط الفساد، ومن الواجب أن يتمثّل فيهم (الحق) و(العدل) و(العلم) و(التزكية)، ومن الواجب أن تربَّى ألسنتهم وأقلامهم([25]) على الصدق والطهر والخير، لا على البذء وعورات الكلام.
    يا إخواننا! إنَّ الأُمَّة تنظر إلى أعمالكم، وتسمع قيلكم، وإننا نتوقع أن تشعر بما في سلوككم من اضطراب وتناقض بين المبادئ والأعمال، فتنـزع -أو تتزعزع- ثقتها لا بكم، وإنما بالدين الحق، والمنهج الصدق، وَيَذهب الحق في الباطل، وإننا -واللَّهِ- لا نرضى لكم هذه العاقبة، ولا نرضى لأُمَّةٍ فقيرة من الرجال أن يسوء ظنها برجالها!
    يا ..... ! إنَّ الدعاوى والزعم و(تكبير) الصغائر، وتصغير (الكبائر) كل ذلك مما لا يقوم عليه دين ولا تربية ولا خلق!
    يا أصحابنا! إنكم أحرجتمونا بأقوالكم وأفعالكم ومواقفكم! فواللَّهِ لا أدري كيف تزعمون أنكم تخدمون (الدعوة) وقد قطَّعتم أوصالها، وشتمتم رجالها، وسفهتم كل رأي إلاَّ رأيكم، ولا أتصوَّر كيف تعلّمون (شبابها) وقد ضربتم المثل في تلك (الأوراق) و(الدروس) و(المجالس) (العالية) في أساليب السبّ، التي لم نعهدها إلاَّ من تلقين بعض (الأحزاب) لطائفة من (الشباب) في (معاهد) المقاهي والأزقّة، إن تضرية (الشبان) على الشتم والسباب والجرأة (جريمة) ما بعدها شر.
    يا هؤلاء! إن لزم النقد([26])، فلا يكون (الباعثُ) عليه (الحقد)، وليكُنْ موجّهًا إلى (الآراء) بالتمحيص، لا إلى (الأشخاص) بالتنقيص!
    يا أولئك! لعل مِنْ (صَنْعَتِكم) أَنْ تُضَيِّعُوا على (الأُمَّة) هذا (الجيل) وتفسدوا (مواهبه) و(إمكاناته)، وتلهوه بـ(مناقشاتكم) المرسومة -أو المزبورة!-!

    * المحافظة على رأس المال:

    فواللَّهِ إنَّا نخشى ذلك، ونخشى أكثر من ذلك على هذه (الثلة) المقبلة على العلم والعلماء، والمنكبّة على تحصيله، اسمعوا قول بعض أئمة المصلحين السلفيين([27]) ماذا يقول عن هذه (الثلة):
    «هذه الطلائع التي هي آمال الأُمَّة، ومناطُ رجائها، والتي لا تحقق رجاء الأُمَّة إلاَّ إذا انقطعت إلى العلم وتخصصت في فروعه، ثم زحفت إلى ميادين العمل مستكملة الأدوات تامَّة التسلح، تتولى القيادة بإرشاد العلم، وتحسن الإدارة بنظام العلم، فتثأر لأُمَّتها من الجهل بالمعرفة، ومن الفقر بالغنى، ومن الضعف بالقوَّة، ومن العبودية بالتحرير، وتكتسح من ميدان الدين بقايا الدجالين، ومن ميدان السياسة والنيابة بقايا السماسرة والمتجرين، ومن أفق الرياسة بقايا المشعوذين والأُميين.
    هذه الطائفة الطاهرة الطائفة بمناسك العلم قد ألهبتم في أطرافها الحريق بسوء تصرفكم، فبدأت تنصرف من رحاب العلم إلى أفنية المقاهي، ومن إجماع العلم إلى خلاف الحزبية.
    إن من طلاب العلم هؤلاء من يدرُسُ الدين، وإن الدين لا يجيز لدارسه أن يفتيَ في أحكامه إلاَّ بعد استحكام الملكة، واستجماع الأدلة حذرًا من تحليل محرم، وإنَّ منهم الدارس للطب، وإن قانون الطب لا يجيزُ لدارسه أن يضعَ مبضعًا في جسمٍ إلاَّ بعد تدريب وإجازة خوفًا من إتلاف شخص... فهل بلغ من هوان الأُمَّة عليكم أن تضعوا حظها في الحياة في منـزلة أحط من حظ امرأة في طلاق، وأن تجعلوا حقها في الدواء أبخس من حق مريض على طبيبه» انتهى.
    هذه نصائح مريرة، وحقائق شهيرة، لم نسمِّ فيها أحدًا، فمن استفزّه الغضبُ منها، أو نزا به الألم من وقعها؛ فهو المريب يكاد يقول خذوني!

    * سياسة وكياسة:

    يا إخواننا! إنَّ مع (السياسة) شيئًا يُسمَّى (الكياسة)، وهو خُلُقٌ ضروري للمختلفين، حتى لا تتبعثر (القوى) مع (الخلاف)، ولا يتشعب (الهوى) بين (الألوف) من (الأُلاّف)!

    * تحذير:

    يا إخواننا! ليس كل من تسربل بثوب هذه (الدعوة) منها! فلا تسمحوا لهؤلاء (الدخول) بينكم، ولا (التربع) على (عروشكم)! ولا النفخ في (آذانكم)، ولا الوسوسة في (قلوبكم) و(صدوركم)!

    * ضروب وألوان:

    واعلموا أنَّ هؤلاء على ضروب وألوان؛ فمنهم وسيلة (الشيطان) وسلاحه، ومنهم (الدسيسة) لأعوانه وحزبه، ومنهم من يخطب ودّ (الدعوة) إجلالاً، إلى رائم من (نفوذها) استغلالاً، إلى عامل على (الكيد) لها احتيالاً!

    * صلح واتِّحاد:

    يا إخواننا! يا أحباءنا! أَرُوا هؤلاء جميعًا أنكم (فوقهم)، وادعوهم لـ(الصلح) و(الإخلاص) و(الاتحاد) ودعوهم في ميدان (الرأي) المتشعِّب، و(الهوى) المفرِّق، وذكّروهم بمنهج علمائكم الكبار؛ فالتاريخ والمواقف يشهدان بأنهم نصروا الحق حيث دار، وأنهم يزنون الرجال بالأعمال، على مبدءٍ ثابتٍ راسخ، وبيان ناصع، وصراحة لا جمجمة فيها، وحقيقة لا يماري فيها إلاَّ ذو دخلة سيئة، أو هوى مضلّ.

    * جريمة نكرة:

    واللَّهِ! إنها لجريمة نكرة، تقيموا على أنفسكم دليلها: أنكم أعداء للعلم، وقطَّاع لطريقه، إن تركتم الانشغال به، وسبل تحصيله، وتعليمه، أو تساهلتم في نشره، أو صدكم شيء -كائن ما كان- عنه، أو زغتم عن الجادة التي ترككم عليها الكبار الكبار!

    * الثبات الثبات:

    يا إخواننا! اثبتوا على (الحق) و(العدل) الذي معكم، وهو تركة العلم فيكم ولكم، فإنَّ بثباتكم عليه تدحضون افتراء المفترين، وتقوّل المتقوّلين، وتشكيك المتربصين، وكيد الحاسدين، وتقطعون دابرهم، وتعلون عليهم، وما ظهر منهم وما بطن، وتثبتون أنَّ مبدأكم وغايتكم أعلى و(أغلى) من (المبادئ) كلها، ما استتر منها وما علن؛ فإنَّ الدين كله يقين لا يتزعزع، وبصائر لا تزيغ.

    * السياسة التي نريد:

    لا يلزم من كلامنا في (السياسة) أننا (نسوس)! ولا في (الساسة) أننا (سسنا)، ولا أظن أن أحدًا لا يتكلم في (السياسة)! ولكن قد يكون الكلام هو (الصلب)، وغالبًا هو (الملح)، وقد يكون في (الجهر)، وغالبًا في (السر)! وقد يكون بحلم، وغالبًا بانفعال وردّة فعلٍ! وقد يكون بحق وعدل، وغالبًا بجهل!
    ما أجمل الكلام في (السياسة) بـ(كياسة)، وتوظيف ما يجري من (أحداث) لترسيخ ما جاء في نصوص الوحيين الشريفين، والبُعد عن الظن والتخمين، والبقاء في دائرة اليقين!
    ومما ينبغي أن يعلم: أنَّنا بحاجة إلى (السياسة) -بمعناها الشرعي- في عملية الإصلاح، فتغيير المفاهيم الأساسية من مبادئ ومفاهيم، وتكثير عدد أتباع الحق، وتحييد أكبر عدد من غيرهم، لا يتم ذلك إلاَّ باتباع سياسة التدريج والتغيير، وفق سنة اللَّهِ الشرعية والكونية: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
    ويعلم بيقين أنَّ المراد بـ(التغيير) ما أشرنا إليه من وجود (أُسسه) و(مؤسساته)، فعليهم وبهم يتأسس، فمن (السياسة): (التأسيس): وهذا عمل (الدعاة) و(طلبة العلم) و(الخطباء) و(الوعاظ) و(الآمرين بالمعروف) و(الناهين عن المنكر)([28]).
    وأمَّا عنصر (التنفيذ) فليس لهؤلاء، والعجلة في هذا الباب -من غير اعتبار تقعيدات العلماء الكبار، واعتماد فتاويهم في هذا المضمار- مقتل للأُمَّة! فضلاً عن ذلك الصنف من المتوثبين من (القلقين) و(المتحمِّسين)!
    وهذا (الصنف) إنْ بقي متماسكًا؛ فإنَّ جل أفراده يدورون ويتحوّلون، ويعلمون في نهاية المطاف ما أخبرتك به من فرق بين (تأسيس التغيير) و(تنفيذ التغيير)!
    فكما أنَّ دورة (الشر): ظهور، فانتشار، فعموم، فاستقرار، فاستحكام، فاستعصاء، فعلوّ وحكم؛ فهكذا دورة (الخير)!
    فتنبه! ولا تكن من الغافلين!!
    وآخر دعوانا أنِ الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين.

    --------------------------------------------------------------------------------
    ([1]) (ص 67-68 - ضمن كتاب «دراسات في تأصيل المعرّبات والمصطلح») للدكتور حامد قنيبي.
    ([2]) (2/1056).
    ([3]) (1/179).
    ([4]) (3/938).
    ([5]) (6/108).
    ([6]) (ص 710).
    ([7]) «اللغة العربية لغة العلوم» (ص 318).
    ([8]) بالفارسية: الاحتفاظ.
    ([9]) انظر: «معجم المصطلحات الاقتصادية» (ص 195-196)، و«الموسوعة الفقهية الكويتيّة» (25/296)، و«معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية» (2/307).
    ([10]) هو: الأستاذ قطب مصطفى سانو في «معجم مصطلحات أصول الفقه» (ص 239).
    ([11]) في كتابه «الفنون» -كما في «الطرق الحكمية» (ص 15 - ط. العسكري).
    ([12]) رواه البخاري (4987) (فضائل القرآن: باب جمع القرآن) من حديث أنس بن مالك.
    ([13]) رواه البخاري (3017) (الجهاد: باب لا يُعذَّب بعذاب اللَّه)، و(6922) (استتابة المرتدين: باب حكم المرتد والمرتدة) من طريق أيوب عن عكرمة، قال: أُتِيَ عليٌّ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس...
    وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (6/586)، و«جامع الترمذي» (1462)، و«سنن البيهقي» (8/195)، و«المجالسة» (3/454-455) وتعليقي عليه، و«فتح الباري» (6/151).
    ([14]) خرجتُها في تعليقي على «الحنائيات» رقم (266).
    ([15]) وانظر كذلك: «الطرق الحكمية» له (ص 12، 308).
    ([16]) من كلام ابن القيم -رحمه اللَّه- في «الإعلام» (6/517 - بتحقيقي).
    ([17]) مثله قول ابن القيم -رحمه اللَّه- في «الإعلام» (6/517 - بتحقيقي):
    «وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة، كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل، وكلُّ ذلك تقسيم باطل!
    بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل؛ كلُّ ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد؛ فالصحيح قسم من أقسام الشريعة، لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها!
    وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبنيٌّ على حرف واحدٍ، وهو عموم رسالة النَّبِيِّ إلى كُلِّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنَّه لم يحوج أُمَّتَهُ إلى أحدٍ بعده، وإنَّما حاجتهم إلى مَن يبلِّغهم عنه ما جاء به...».
    ... في أنواع من التقسيمات من حيثيات متعددات.
    ([18]) أخرجه البخاري (3455)، ومسلم (1842) من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-.
    ([19]) «وأمَّا استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه وُلاةُ الجور سياسةً، وهيبةً، وناموسًا، وحرمةً للملك؛ فهو أظهر من أن يذكر»؛ قاله ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى- مثالاً من الأمثلة التي سردها بعد أَنْ ذَكَرَ الحديث الذي روي موقوفًا عن ابن عباس -رضي اللَّه عنه-، ومرفوعًا إلى النَّبِيِّ ، حيث قال: «يأتي على الناس زمانٌ يُستحلُّ فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء:...، والقتل بالرهبة،...». انظر: «بيان الدليل» (105)، و«إعلام الموقعين» (4/529، 530 - بتحقيقي).
    أخرج الحديثَ المرفوعَ الخطابيُّ في «غريب الحديث» (1/218)، وإسناده ضعيف؛ لأنَّه معضل، فرفعه الأوزاعي إلى النَّبِيِّ ، ولم أقف على الموقوف، فإِنْ كان له إسنادٌ متماسك فيُحتجُّ به؛ فمثل هذا لا يقال بالرأي.
    ([20]) أي: دون المصلحين من العلماء الربانيين.
    ([21]) هو الشيخ العلامة، محدّث العصر، محمد ناصر الدين الألباني -رحمه اللَّه تعالى-.
    ([22]) لا يحاكم أحد إلا بمراده، ولا يعلم ذلك -على الوجه الحق- إلا خواصّه، وأكتب هذه السطور وأنا أدرك جيّدًا مراد شيخنا الألباني من مقولته السابقة.
    ([23]) انظر: «الأغاني» (10/248-249)، «محاضرات الراغب» (2/547)، «التذكرة الحمدونية» (8/182)، «المستطرف» (2/56).
    ([24]) هكذا بالإفراد؛ لأنَّه واحد في جميع الأشخاص، لجميع الهفوات! وهو (الإعدام)!
    ([25]) إذ أصبح كل من يحسن الحروف مؤلفًا أو كاتبًا! وهذا تفريع على قاعدة: (المنهي عنه شرعًا ليس كالمعدوم حسًّا)؛ فتنبه! ولا تكن من الجاهلين!
    ([26]) نقد مَن أخطأ من طلبة العلم في مسائل جزئيات، وأصوله وعقيدته ومنهجه على السداد والصواب، مع التنويه أن الردَّ على أهل البدع باب من أبواب الجهاد.
    ([27]) هو الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي في جريدته «البصائر».
    ([28]) جميع هؤلاء بمثابة (جند) و(مساعدين) للعلماء الكبار، والآفة العظيمة: جعل (الدعاة) في (شق)، و(العلماء) في (آخر).
    فالأصل بينهم (التكامل) لا (التآكل)؛ كحال (الأمراء) مع (العلماء)، وإلى اللَّهِ المشتكى من الفصل بين مصادر القوة والعزّ في الأُمَّة.
    ومن المصايب أن ينشغل هذا الصنف بـ(تنفيذ التغيير)، ولو بـ(التهييج)!!

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •