التحكيم في الشريعة بين الزوجين أنمـوذجاً



عبد القادر أحنوت(*)




سعت الشريعة الإسلامية إلى حسم مادة النزاع والخلاف بين الناس بوسائل رضائية قبل اللجوء إلى قوة السلطان، ومن هذه الوسائل: التحكيم الإسلامي.

التحكيم في اللغة والاصطلاح:
التحكيم لغةً: جعل الحكم إلى الآخر ليحكم، يقال: حكَّمتُ فلاناً في مالي؛ إذا جعلتُ الحكم إليه فيه، وحكَّمتُ الرجل: فوضتُ الحكم إليه، وحكَّموه في الأمر تحكيماً أمروه أن يحكم وأجازوا حكمه. فالتحكيم في اللغة هو: اختيار شخص وتفويض الأمر إليه للفصل بين المتنازعين[1].
والتحكيم في اصطلاح الفقهاء لا يخرج عن المعنى اللغوي.
جاء في «ردِّ المحتار» لابن عابدين أن التحكيم عرفاً هو: تولية الخصمين حاكماً يحكم بينهما[2].
لكن حكم المحكَّم – بفتح الكاف - ملزِم للخصمين لولايته عليهما[3]؛ لذلك كان لا بد من إضافة الإلزام إلى التعريف، فيكون التعريف الجامع للتحكيم هو: «اتفاق بين طرفي خصومة معينة، على تولية من يفصل في منازعة بينهما، بحكم ملزِم، يطبق الشريعة الإسلامية»[4].
مشروعية التحكيم:
والأدلة على جواز التحكيم من الكتاب والسنة وعمل الصحابة كثيرة أذكر بعضها مما يغني عن النظر في غيرها.
أما جوازه من الكتاب: فقوله - تعالى -: {وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: ٥٣].
وهي من الآيات الأصول التي يستدل بها على مشروعية التحكيم عموماً[5].
ومن السُّنَّة: ما رواه النسائي عـــن أبــي شــريح قــال: يا رسول الله! إن قومي إذا اختلفوا في شيء فأتوني فحكمت بينهم فرضي عني الفريقــان، فقــال لـه رسول اللــه - صلى الله عليه وسلم - : «ما أحسن هذا!»[6].
وقَبِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحكيم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة، وقَبِلَ حكمه فيهم لما اتفقوا على الرضا بحكمه[7].
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: «فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مَهمَّاتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج»[8].
شروط التحكيم:
للتحكيم شروط تتعلق بطرفَي النزاع، وهما المتخاصمان، ويشترط فيهما: العقل، والبلوغ، وأهلية التصرف بأن تكون لهما ولاية على أنفسهما، وأن يكونا أهلاً لرفع الدعوى غير محجور عليهما.
وأخرى تتعلق بالمحتكَم إليه الذي يُختار للفصل بين المتنازعين، وقد اشترط فيه الفقهاء ما اشترطوه فيمن يُوَلَّى القضاء، إلا أن بعض هذه الشروط هي محلُّ اختلاف بين الفقهاء، ومن أهم هذه الشروط:
1 - أن يكون المحتكَم إليه مسلماً.
2 - أن يكون بالغاً عاقلاً صحيح الفكر والتمييز، جيد الفطنة بعيداً من السهو والغفلة، يتوصــل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل[9].
3 - أن يكون المحتكَم إليــه معلــوماً ومعينــاً بالاســم أو بالصفة.
4 - أن يكون ذكراً، وأجاز الحنفية تحكيم المرأة فيما تصح فيه شهادتها، وشذَّ ابن جرير الطبري فجوَّز قضاءها في جميع الأحكام.
5 - أن لا يكون بينه وبين أحد الخصمين قرابة تمنع من الشهادة؛ كأن يكون أحد فروعه أو أصوله أو زوجته؛ للتهمة[10].
6 - العدالة: بأن يكون «صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفاً عن المحارم، متوقياً المآثم، بعيداً عن الريب، مأموناً في الرضا والغضب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإذا تكاملت فيه فهي العدالة التي تجوز بها شهادته وتصح معها ولايته»[11].
وإذا كان المقرر في الفقه الإسلامي أنه يشترط في المحتكَم إليه ما يشترط في القاضي المولَّى؛ فإن اختيار الطرفين له ورضاهما بحكمه من شأنه أن يخفف من بعض هذه الشروط وتصح حكومته رغم ما يشوبها من نقص ترجيحاً لعامل الثقة على عامل الكفاءة.
فقد ذهب الحنفية إلى جواز تحكيم الفاسق أو العامي؛ فإذا حاز الفاسق ثقة المتحاكمين وهما يعلمان سبب فسقه؛ فإن حكومته صحيحة، وكذلك العامي إذا تولَّى التحكيم واسترشد بالعلماء صحَّت حكومته[12].
ولا يشترط عند المالكية لصحة تولية المحتكم إليه أن يكون سليم الحواس، فتصح حكومة الأعمى والأخرس والأصم وينفذ قضاؤه[13].
قلت: وجواز تحكيم هؤلاء منوط بإصابة وجه الشرع وعدم تجاوز حدوده، فإذا اصطدم حكمه بالنص أو العقل فلا مجال لقبوله وتنفيذه.
مجالات التحكيم:
قال السرخسي في «المبسوط»: «وليس ينبغي للمحكَّم أن يقضي في إقامة حدٍّ أو تلاعن بين زوجين؛ لأن اصطلاح الخصمين على ذلك غير معتبر...»[14].
قال صاحب «الاختيار»: «ولا يجوز التحكيم فيما يسقط بالشبهة كالحدود والقصاص؛ لأنه لا ولاية لهما على دمهما حتى لا يباح بإباحتهما، وقيل: يجوز في القصاص؛ لأنهما يملكانه فيملكان تفويضه إلى غيرهما، والحدود حــق لله - تعالى - فلا يجوز»[15].
وقال ابن فرحون في «التبصرة»: «التحكيم جائز في الأمــوال وما في معنــاها، والمحكَّـم لا يقيم حداً ولا لعــاناً ولا يحكم في قصاص أو قذف أو طلاق أو نسب»[16].
قال القرطبي: «الضابط في موضوع التحكيم أن كل حق اختص به الخصمان يجوز التحكيم فيه»[17].
قلت: ومفهوم المخالفة يقتضي أن كل ما هو راجع إلى الحق العام لا تحكيم فيه.
التحكيم بين الزوجين:
قد يحدث نوع من النشوز من قبـــل الزوجــين معــاً، ولا يعرف الظالم منهما من المظلوم؛ لــذا أمر الله - تعالى - والحالة هذه؛ ببعث الحكمين إذا وقع الشقاق أو خيف من وقوعه، فقال - عز وجل -: {وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: ٥٣].
وحقيقة الشقاق أن يأتي كل منهما ما يشق على صاحبه، فيكون كل واحد في شق غير شق صاحبه.
مَنِ المخاطبُ في الآية؟
قد اختلف الفقهاء في المخاطَبين بهذا الخطاب في الآية، كما اختلفوا في مدى اختصاص الحكمين بالتفريق، وهل تشترط موافقة الزوجين أم يتفردان بذلك دونهما؟
قال السدي: يخاطب الرجل والمرأة إذا ضربها فشاقته، تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري وحالي كذا، ويبعث الرجل حَكَماً من أهله ويقول له: حالي كذا؛ قاله ابن عباس، ومال إليه الشافعي.
وقال سعيد بن جبير: المخاطب السلطان، ولم ينته رفع أمرهما إلى السلطان، فأرسل الحكمين.
وقال مالك: قد يكون السلطان، وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين.
وعلى القول: إن المخاطب في الآية هو السلطان فقط جمهور الفقهاء[18].
ويدل على ذلك قوله - تعالى -: {وَإنْ خِفْتُمْ} فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم يقل: فإن خافا، ولأن تعيين الحكمين إذا كان من الزوجين لم يكن لفعل البعث معنى[19].
ويؤجل حكم السلطان إلى ما بعد حكم الحَكَمين، فإن حصل الإصلاح وإلا رفع التقرير إليه ليحكم بالتفريق بينهما، ويكون الفراق بطلقة بائنة[20].
شروط الحكمين:
يشترط في المحكَّم أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً عدلاً معيَّناً بالاسم أو بالصفة، أهلاً للقضاء وتحمل الشهادة، غير خصم، وعالماً بموضوع الخلاف. فهذه الشروط مطلوبة التحقق فيمن تسند إليه مهمة التحكيم، واشتراط وجودها في الحَكَم بين الزوجين من باب أَوْلى.
قال القرطبي: «والحَكَمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة؛ إذ هما أقعد الناس بأحوال الزوجين؛ بشرط كونهما من أهل العدالة وحسن النظر والتبصر بالفقه، فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل غيرهما من أهل الثقة والعدل، كل ذلك إذا أشكل الأمر، فإن عَلِمَ القاضي مَن الظالم مِن الزوجين فإنه يأخذ منه الحق ويجبره على إزالة الضرر»[21].
صفة الحكمين:
اختلف الفقهاء في صفة الحكمين: هل هما حاكمان يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل من الزوجين ولا إذن منهما، أم هما وكيلان ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق، وذلك على قولين:
القول الأول: أنهما وكيلان عن الزوج والزوجة ولا يجوز لهما أن يفرقا ولا أن يأخذا من المرأة فداء عند استصوابها الخلع، إلا بتوكيل من الزوجين لهما، وهو رأي أبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وبه قال الطبري[22].
القول الثاني: أنهما حاكمان لهما حق الحكم وإصدار القرار الإلزامي ولو بالتفريق بين الزوجين، وهذا رأي مالك وأصحابه[23]، والشافعي في القول الآخر، وأحمد في الرواية الثانية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «والحَكَمان كما سمَّاهما الله - تعالى - هما حَكَمان عند أهل المدينة وأحد القولين للشافعي وأحمد. وعند أبي حنيفة والقول الآخر لهما: هما وكيلان»، ثم رجح الأول فقال: «لأن الوكيل ليس بحكـم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من أهله، ولا يختص بحال الشقاق، ولا يحتاج إلى نص خاص».
واستدل أصحاب هذا القول بظاهر قوله - تعالى -: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا}. قال ابن العربي: «هذا نص من الله - سبحانه - في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحَكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بيَّن الله - سبحانه - كل واحد منهما فلا ينبغي لشاد - فكيف لعالم - أن يركب معنى أحدهما على الآخر، فذلك تلبيس وإفساد للأحكام»[24].
وبعد عرض أدلة الفريقين يظهر رجحان القول: إنهما حاكمان ينفذ فعلهما كما ينفذ فعل الحاكم في الأقضيــة وليسا وكيلين؛ لظهور أدلته، ولأن الأصل في الشرع رفع الحرج وإزالة الضرر اللاحق بهما أو بأحدهما. ويمكن أن يقع التفريق بطريق الخلع إذا رضيته الزوجة، ويقع الطلاق في هذه الحالة بائناً.
وبالجملة: فإن تقدير المسألة يرجع إلى الحكمين؛ فإن رأيا المصلحة في الجمع جمعا، وإن رأياها في التفريق فرقا؛ لأن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة وهما كحاكم الإمام. والله أعلم وأحكم.

__________________________
(*) أستاذ زائر بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور - المغرب.

[1] القاموس المحيط، للفيروز آبادي: 2/1444. لسان العرب، لابن منظور: 12/142. المصباح المنير، للفيومي، 78-79. مختار الصحاح، للرازي، ص78.

[2] رد المحتار على الدر المختار: 8/125.

[3] الاختيار لتعليل المختار، للعلامة عبد الله بن مودود الموصلي الحنفي: 2/357.

[4] مجلــس مجــمع الفقـــه الإســـلامي المنعقد بأبو ظبـــي بدولة الإمارات العربية المتحـدة مــن 1 إلى 6 ذو القعــدة 1415هـ، المـــوافق 1-6 أبريل 1995م، (قرار رقم: 95/8/د 9).

[5] أحكام القرآن، لابن العربي:1/421.

[6] أخرجه النسائي. باب: إذا حكَّموا رجلاً فقضى بينهم.

[7] أخرج حديثه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

[8] 12/92، ط2، 1392هـ، دار إحياء التراث.

[9] الأحكام السلطانية، ص 130.

[10] الاختيار لتعليل المختار، للموصلي:2/357. مغني المحتاج، للخطيب الشربيني: 4/379.

[11] الأحكام السلطانية، 131.

[12] رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين: 8/126. بدائع الصنائع، للكاساني: 7/3.

[13] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 4/130.

[14] المبسوط: 16/111

[15] الاختيار لتعليل المختار: 2/357.

[16] تبصرة الحكام: 1/43.

[17] الجامع لأحكام القرآن: 6/180.

[18] انظر: الجامع لأحكام القرآن: 5/151.

[19] التحرير والتنوير، لابن عاشور: 5/44، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس.

[20] التفريع، لأبي القاسم بن الجلاب البصري: 2/87، ط1، 1408هـ - 1987م، دار الغرب الإسلامي.

[21] الجامع لأحكام القرآن: 5/174.

[22] انظر: أحكام القرآن، للجصاص: 3/152. الأم للشافعي: 5/103. تفسير الطبري: 8/329.

[23] انظر: الإشراف، للقاضي عبد الوهاب البغدادي:2/724. شرح الزرقاني على الموطأ: 3/268. بداية المجتهد، لابن رشد: 2/163.

[24] أحكام القرآن: 1/441.