بسم الله الرحمن الرحيم


مراحل القصة:

(أ)-مرحلة الإشارات السريعة العابرة (نحل ووضع):

1-أبو عمرو بن العلاء (النصف الأول من القرن الثني للهجرة): رفض قبول قصيدة ضادية منسوبة إلى ذي الإصبع العدواني، وصحح منها ثلاثة أبيات فقط.

2- (النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة وأوائل القرن الثالث):
-أبو عمرو الشيباني: أنكر مطلع معلقة عنترة بن شداد العبسي، ولم يقبله إلا بعد أن سمع بعض ثقات الرواة له.(1)
-الأصمعي: كان يسيء الظن في مرويات أهل المدينة من الشعر الجاهلي، وأعلن عن شكه في كثير من الشعر المنسوب إلى امرئ القيس، ومهلهل، والأغلب العجلي.(2)
-أبو عبيدة: تحرز في قبول ما يسمعه من الشعر الجاهلي.(3)
-ابن هشام: يلفت الأنظار في سيرته إلى أن كثيرا من الأشعار التي رواها ابن اسحق مشكوك في صحة نسبتها.(4)


(ب)-مرحلة التنظير (ابن سلَّام -231هج-طبقات فحول الشعراء): صدر حديثه بالتنبيه إلى حدوث تزييف في الشعر الجاهلي على نطاق واسع "وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير"، ورد عوامل الوضع في الشعر إلى عاملين رئيسيين، وهما:

1-العصبية القبلية: يرى أن القبائل وضعت شعراً ونسبته إلى شعرائها في الجاهلية، وذلك من أجل إثبات شخصيتها.
2-عبث الرواة.

* ابن سلّام يؤمن بصحة المرويات التي اعتمدها من يسميهم "أهل العلم بالشعر"

(ج)-مرحلة المعتدلين في الشك (نولدكه، آلفرت)(5):
الشعر الجاهلي صحيح النسبة عموماً إلى الجاهليين، لكن حدث فيه تحريف وتغيير وانحدر إلينا عن طريق الرواية الشفوية، قبل أن يتم تدوينها.

(د)-مرحلة المتطرفين في الشك (وضع كلي):

1-المستشرق ماجوليوث: الشعر الجاهلي كله موضوع ومختلق في الإسلام. (مقال نشر في سنة 1925 في "مجلة الجمعية الآسيوية الملكية- بعنوان: "نشأة الشعر العربي"، وهو مقال كان على المجلة ألا تنشره.

2-المستشرق طه حسين: الشعر الجاهلي بعضه صحيح، لكنه مختلق كله. قدم ذلك في كتابه الأول "في الشعر الجاهلي"، وبعده في كتابه "في الأدب الجاهلي"، والثاني أخطر من الأول –عندي-؛ لأن الأدب أوسع من الشعر.(6)


سؤال: هل ما قاله طه كان منحولاً كله من مقالة "ماجوليوث" كما قال الأستاذ محمود شاكر؟

الجواب: لا، فقد زاد طه الطين بلة، وأضاف بخبثه نظرية باطلة –لا أريد أن أناقشها هنا لضيق الوقت تزاوج هذه النظرية بين الشك في صحة الشعر الجاهلي وصحة القرآن الكريم، فأنت مخير في نظريته بين القول بـ"صحة الشعر الجاهلي وعدم صحة القرآن الكريم"، والقول بـ"صحة القرآن الكريم وعدم صحة الشعر الجاهلي".


أكبر نظرية قدمها طه حسين:
(استحالة وحدة لغة الشعر الجاهلي)، وقد رد عليه شوقي ضيف، وكذلك جواد علي، ردوداً تكفي بأن تلقمه الحجر.

(هـ)-مرحلة المتصدين:
1-نمط صعب ونمط مخيف. الأستاذ محمود محمد شاكر.
2-مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية.
3-نقد كتاب الشعر الجاهلي، لمحمد فريد وجدي.
4- نقض كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد الخضر حسين.
5- النقد التحليلي لكتاب في الشعر الجاهلي، لمحمد أحمد الغمراوي.
6- الشهاب الراصد، لمحمد لطفي جمعة.
7- تحت راية القرآن، لمصطفى صادق الرافعي.
8- مقالات في الشعر الجاهلي، ليوسف اليوسف.
9- قضايا الشعر الجاهلي، لعلي العتوم... إلخ.



سؤال: طه حسين ادعى في المحكمة أنه صاحب شخصيتين (شخصية مسلمة، وشخصية ناقدة) هل يصح ذلك؟

لا، قال تعالى:{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ }الأحزاب4

قال طه: "إن الدين حيث يثبت وجود الله ونبوة الأنبياء ويأخذ الناس بالإيمان بهما يثبت أمرين لم يستطع العلم أن يثبتهما.. فالعلم لم يصل بعد إلى إثبات وجود الله ولم يصل بعد إلى إثبات نبوة الانبياء.
إن العلم ينظر إلى الدين كما ننظر إلى اللغة وكما ينظر إلى الفقه وكما ينظر إلى اللباس من حيث أن هذه الأشياء كلها ظواهر اجتماعية يحدثها وجود الجماعة وتتبع الجماعة في تطورها بما تتأثر بما تتأثر به الجماعة.
إذن فالدين في نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر، لم ينزل من السماء ولم يهبط به الوحي وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها". وهذه آراء الفيلسوف اليهودي دوركايم


رأيه في القرآن:
لاشك أن الباحث الناقد والمفكر الحر الذي لا يفرق في نقده بين القرآن وبين أي كاتب ديني آخر يلاحظ أن في القرآن أسلوبين متعارضين لا يربط الأول بالثاني صلة ولا علاقة مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الكتاب قد خضع لظروف مختلفة وتأثير بيئات متباينة.. فمثلاً نرى القسم المكي فيه يمتاز بكل ميزات الأوساط المنحطة، كما نشاهد أن القسم المدني اليثربي تلوح عليه إمارات الثقافة والاستنارة.. وإذا دققتم النظر وجدتم القسم المكي ينفرد بالعنف والقسوة والحدة والغضب والسباب والوعيد والتهديد، ويمتاز كذلك بتقطيع الفكرة واقتضاب المعاني وقصر الآيات والخلو التام من التشريع والقوانين، كما يكثر فيه القسم بالشمس والقمر والنجوم إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الجاهلية الساذجة التي تشبه بيئة مكة تأخراً وانحطاطاً، أما القسم المدني فهو وديع لين مسالم يقابل السوء بالحسنى ويناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين، كما أن هذا القسم ينفرد بالتشريعات الإسلامية كالمواريث والوصايا والزواج والطلاق والبيوع وسائر المعاملات، ولاشك أن هذا أثر واضح من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن.
"وهذه آراء الفيلسوف اليهودي جولدزيهر".

رأيه في الرسول صلى الله عليه وسلم:
ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه من قريش فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون من صفوة بني هاشم وأن تكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصى، وأن تكون قصى صفوة قريش، وقريش صفوة مصر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية.
"وهذه آراء الفيلسوف اليهودي مرجليوث".(7)

قال الأستاذ أنور الجندي في بحثه (هل غير الدكتور طه حسين آراءه في سنواته الأخيرة) : " الواقع أنه ليس هناك دليل من كتاباته الأخيرة أو آثاره من نص يمكن أن يدل على تغير هذه النظرة، بل إن كل الكتابات توحي بأنها أساس لفكرته عن الإسلام ومفهومه له.

*أقوى الردود على طه بخصوص (وحدة لغة الشعر الجاهلي)، ما كتبه أستاذي "عرسان الراميني، وقد فسرها، وأبان فيه أن ردود شوقي وجواد لم تكن بالمستوى المطلوب. ولا أدري إن كان البحث على الشبكة، وقد أحاول لاحقاً أن أجعل تلخيصه في المجلس.



أرجو أن تكفي لإثبات صدقي فيما أتيت به، وقصصته عليكم، والحمد لله رب العالمين.


(1) الأغاني: فذكر أبو عمرو الشيباني أنه لم يكن يرويه حتى سمع أبا حزام العكلي يرويه له.

(2) مثال: اليوسي في زهر الأكم: وكان الأصمعي ينكر نسبة هذا الشعر لامرئ القيس ويقول: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، وأحسبه للحطيئة.

(3) مثال: الأصفهاني في الأغاني: مالك بن الريب... و قال قبل موته قصيدته هذه يرثي بها نفسه ... قال أبو عبيدة الذي قاله ثلاثة عشر بيتا و الباقي منحول ولده الناس عليه.

(4) قال في المقدمة: وَتَارِكٌ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْكِتَابِ... وَأَشْعَارًا ذَكَرَهَا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يَعْرِفُهَا.

(5) راجع للأول مقالة بعنوان "من تاريخ ونقد الشعر العربي القديم- 1861"، وللأخير مقالة بعنوان "ملاحظات عن صحة القصائد العربية القديمة-1871".

(6) راجع كتاب طه حسين كاملاً لكي تتبين لك العبارة.

(7) راجع أنور الجندي "هل غير الدكتور طه حسين آراءه في سنواته الأخيرة".