حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل
النتائج 1 إلى 13 من 13

الموضوع: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    119

    افتراضي حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    ما هي فتوى ماشيخنا الكبار وأئمتنا الأخيار في حكم استخدام أسلحة الدمار ( الشامل) وخصوصاً إذا لم يمكن دفع الكفار الأشرار إلا باستخدامها؟

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    مرحبا ياأخي

    المسألة فيها بحث جميل للشيخ الفهد فراجعه إن شئت.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    119

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    جزاه الله خيرا
    وإنما قصدت أن أعرف رأي مشايخنا الكبار
    كالشيخ العلامة البراك وعبد الكريم الخضير وأقرانهم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    سبحان الله تعالى

    أحسست أن ردك سيكون مثل هذا ولذا ترددت كثيرا في المشاركة السابقة

    على العموم لننتظر فتوى (أئمتنا الأخيار) وعسى أن يكون ذلك قريبا.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    119

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    لا تظلمني أخي الكريم فأن قد رأيت الكتاب المذكور ورأيت الفتوى المصرية وكتب الشيخ علي الحلبي مقدمة في تأيدها ووعدك بإخراج رسالة في المسألة من ست وستين صفحة ووالله ليس في قلبي أي غمز أو لمز لك ولا لمن أشرت إليه
    وإنما قصدت بمشايخنا الكبار لأنه لا يوجد عندي نقل عن أئمة عصرنا الثلاثة ابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله فأردت أن أنزل في الفتوى إلى الطبقة التي تليهم وذلك لأن كلامها أقوى في النفوس وأقطع لأهل الريب والفساد
    ولك مني كل الشكر على مداخلتك ومشاركتك

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    685

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سليمان أحمد مشاهدة المشاركة
    ورأيت الفتوى المصرية
    ماهي الفتوى وفقك الله ؟
    اللهم اسلل سخيمة قلبي


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    241

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    كنت أخي الكريم قد حررت هذه المسألة،فراجعها هنا:
    حكم الشريعة في استخدام أسلحة الدمار الشامل
    قال يونس الصدفي : ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة ؟!

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    119

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    هذه مقدمة علي الحلبي مع الفتوى المصرية
    رحمةُ الدِّينِ الكامِل ؛ في حُكمِ (أسلحة الدّمار الشامل)
    الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِهِ الأمين، وعلى آلهِ وصحبِه -أجمعين-.

    أمَّا بعد:


    فلا يَخْفَى على أحدٍ مِن الناس -كيفما كان! كائناً مَن كان! أينما كان!- سوءُ حالِ المُسلمين -المُعاصِر-، ومدى الضعفِ الحالِّ بهم- ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلاّ بالله-.

    ومع ذلك (!) يَخْرُجُ علينا -وللأسفِ الشَّدِيد- بعضُ الكَتَبَةِ -هُنا وهُناك!- لِيَتَصَدَّرُوا بعضَ مواقعِ الإنترنت، ولِيُصَدِّرُوا (!) -ثَمَّةَ- فتاوى (عامَّة) -في مسائلَ عَسِرَةٍ (هامَّة)؛ دون مُراعاةِ مصلحةٍ أو مفسدةٍ! وبلا نَظَرٍ في مآلات الأفعال!! ومِن غير تنبُّه للمقاصد الكُلِّيَّة للشريعة الإسلاميَّة!!!

    ومِن ذلك: ما أفْتَى (!) بعضٌ منهم -غفر الله لهم- مُجَوِّزاً استخدامَ (أسلحة الدّمار الشامل) -في الحُروب-؛ وكأنَّهُ -هداهُ الله- يُفتي لغير المُسلمين -وهُم المالكون لهذه الأسلحة، والمُسيطِرُونَ على دُول العالَم بشأنِها- أنْ يستعملُوها- ما دامت جائزةً(!)- ضدَّ المُسلمين- الذين هُم -بسبب ضعفِهم الشديد!- أقربُ ما يكونونَ إلى حُكْم العُزَّل -في أحوالِ الحُروبِ العصريَّة-!!

    وردًّا على هذا الهَذْر -اللاّمسؤول-: ألَّفْتُ كتابي «إجابة السائل عن حُكم أسلحة الدّمار الشامل» -في أربع وستِّين صفحةً-، وضمَّنْتُهُ (فتوى «دار الإفتاء المصرية» في حُكم «أسلحة الدمار الشامل»)، والتي نُعَجِّلُ بنشرِها -اليومَ-بتعليقاتي؛ لِـمَا هي عليه مِن تلخيص جيِّد، ولِـمَا تتضمَّنُهُ مِن إحكامٍ للصواب يُؤيِّد...

    سائلاً الله -تعالى- أنْ يهديَنا، ويهديَ بنا، وأنْ يرفعَ عن أُمَّةِ الإسلامِ الذُّلَّ الذي رانَ عليهم، والهَوَانَ الذي وُجِّهَ إليهم!!

    {واللهُ يقولُ الحقَّ وهو يهدي السبيل}.

    وهو -سبحانَهُ- بكُلِّ جميلٍ كفيل...





    نصُّ فتوى (دار الإفتاء المصريَّة) في حُكم (أسلحة الدمار الشامل)


    «الســــؤال([1])


    اطَّلَعْنَا عَلَى الطَّلَب المُقَدَّم بتاريخ 28/ 5/ 2009م -المُقَيَّد برَقْم: 980 لِسَنَةِ 2009م- المُتَضَمِّنِ:

    ظَهَرَتْ في الآوِنَةِ الأخيرةِ بعضُ الكتاباتِ والأُطْرُوحاتِ مِن بعضِ الطوائفِ والفِرَقِ والجماعاتِ التي يَدَّعِي فيها أصحابُها أنهُ يجوزُ لهم استعمالُ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ ضِدَّ الدولِ غيرِ الإسلاميَّةِ!

    زاعِمِينَ أَنَّ قَوْلَهُمْ هذا مُوَافِقٌ للشَّرْعِ؛ مُسْتَدِلِّينَ ببعض النُّصوصِ الفقهية، وبالقياس على مسألة (التَّتَرُّس)، و(التَّبْيِيتِ)، و(التَّحْرِيقِ)([2]) -المذكورة في بعض الكتب الفقهية-!!

    فهل هذا الكلام صحيحٌ، موافِقٌ للشَّرْعِ؟




    الـجـــواب

    أسلحةُالدمارِ الشامل تُطلَق -في الاصطلاحِ العسكريِّ -ويُرادُ بها: صِنفٌ مِن الأسلحةِ غير التقليدية شديدة الفَتْكِ، تُستَخدَم فتُسبِّبُ دمارًا هائلاً في المنطقةِ الُمصابة، سواءٌ في ذلك الكائناتُ الحيَّةُ مِن البَشر والحيواناتِ، والبيئةُ المُحيطة -أيضًا-.

    وتَنقسمُ هذه الأسلحةُ إلى ثلاثةِ أصناف:

    - أسلحة ذَرِّيَّة؛ كالقنبلة النَّووية، والقنبلة الهَيْدْرُوجِين ِيَّة، والقنبلة النَّيْتْرُونِي َّة.

    وهذا النوعُ مُصَمَّمٌبحيث يَنْشُرُ موادَّ إشعاعيةً تُدَمِّرُ البشرَ والمنشآتِ، وتُلَوِّثُ مُدُنًا بأَكْمَلِهَا لِمُدَدٍ زمنيةٍ طويلة، وقد يَقْتَصِرُ بعضُها على تدميرِ البشرِ -فقط- دون المنشآت.


    - وأسلحة كيماويَّة؛ كالغازاتِ الحربيَّةِ ذات الاستعمالات المتعدِّدة، والموادِّ الحارقة، ويكونُ لها تأثيرٌ بَالِغُ الضرر -قد يصلُ إلى الموت- على أيِّكائنٍ حيٍّ يتعرَّضُ لها، كما تصيبُ -أيضًا- الزراعاتِ والنباتاتِ.

    وغالبًا ما تكون هذه الموادُّ السَّامَّةُ في حالةٍ غازيَّةٍ -أو سائلةٍ- سريعة التبخُّرِ، ونادرًا ما تكون صلبةً.


    - وأسلحة بَيُولُوجِيَّة؛ ويُقْصَدُ بها: الجراثيمُ والفيروساتُ التي تُستَخدَمُ لنشر الأمراض الوَبَائِيَّةِ الخطيرة في صفوف العَدُوّ،وإنزال الخسائر بمَوَارِدِهِ الحيوانية أو الزراعية.

    واتخاذُ الدول الإسلامية مثلَ هذه الأسلحة على سبيل رَدْعِ المُعْتَدِين عنها مطلوبٌ شرعي:


    ودليلٌ ذلك قولُ الله -تبارك وتعالى-: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ}[الأنفال: 60].

    قال العلاَّمةُ الألُوسِيُّ في «تفسيره»: «أيْ: مِن كُلِّ مايُتَقَوَّى به في الحرب -كائناً ما كان-». اهـ [(10/ 24) ط. دار إحياء التراث العربي].

    وقد أَمَرَ اللهُ -تعالى- في الآية سَالِفَةِ الذِّكْرِ -برَدْعِ الأعداء؛ حتى لا تُسَوِّلَ لهم أنْفُسُهُم الاعتداءَ على المسلمين.

    والرَّدْعُ -كما هو مبدأٌ شرعيٌّ يَظْهَرُ في الحدودِ والتعازيرِ-؛ فهو -أيضًا- مبدأٌ سياسيٌّ مُعْتَبَرٌ تعتمدُهُ الدُّوَلُ في سياساتِها الدِّفاعيَّة -كما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الاستراتيجيات العسكريَّة-.

    فاتِّخاذُ هذه الأسلحةِ وتحصيلُها مِن مُكَمِّلاتِ ذلك المطلوب، ومُكَمِّلُ المطلوبِ مطلوبٌ، والإذنُ في الشيء إذنٌ في مُكَمِّلات مقصودِه.

    ولا يَخْفَى ما في ذلك مِن فائدةِ خَلْقِ التوازنِ الاستراتيجيِّ والعسكريِّ المُتَبَادَلِ بين الدُّوَلِ؛ إذ يُشَكِّلُ ذلك عاملَ إثناءٍ للدولة التي قد تُسَوِّلُ لها نَفْسُهَا أنْ تُقْدِمَ على عَمَلٍ عِدائيٍّ ضِدَّ بلدٍ مسلمٍ،مِمَّا يُجَنِّبُ -في النهاية- فَرَضِيَّةَ الدخولِ في حربٍ غيرِ مُرادةٍ -أصلاً-.

    هذا مِن حيث تحصيلُ هذه الأسلحةِ، واتخاذُها على سبيلِ التخويف ورَدْعِ المُعْتَدِين.


    وفَرْقٌ بين الاتخاذِ المقصودِ به الرَّدْعُ، وبين المُبادَأَةِ بالاستخدام([3]).

    والصورةُ المسؤولُ عنها فَرْضُها البَدْءُ بالاستخدام، وأنَّ هذا الاستخدامَ مَبْنَاهُ على بعضِ الاجتهاداتِ الفرديَّةِ، أو الرُّؤَى التي تَخُصُّ بعضَ الطوائف والفِرَق والجماعات!!


    وهذا مَمْنُوعٌ شَرْعًا.

    والقَوْلُ بجَوَازِهِ ونسبتُه إلى الشريعة وإلى علمائها: كَذِبٌ وزُورٌ، وافتراءٌ على الشرعِ والدِّينِ.




    ويَدُلُّ على هذا أمورٌ:

    أولاً: أنَّ الأصلَ في الحربِ ألاّ تكونَ إلاّ تحت رايةِ وليِّ الأمرِ المسلمِ([4])، وأنَّ شأنَها مَوْكُولٌ إلى اجتهادِهِ، وأنهُ يجبُ على الرَّعِيَّةِ طاعتُه في ذلك.

    وما وُكِّلَ ذلك إليه إلاَّ لمعرفتِه واستشرافِه على الأمورِ الظاهرةِ والخفيَّةِ، وإدراكِهِ لمآلاتِ الأفعالِ([5]) ونتائجِها، ومصالحِ رعيتِه.


    ولهذا كان إعلانُ الحربِ، وعَقْدُ الاتفاقاتِ العامَّة -أو الدوليَّة-، مُوْكَلاً إليه بمُجرَّدِ تنصيبِهِ، وهو بِدَوْرِهِ لا يُصْدِرُ قرارًا بمجرد الهوى والتشهِّي([6])، بل لا يفعلُ إلا بَعْدَ مراجعة أهلِ الاختصاصِ في كُلِّ مجالٍ له علاقةٌ بقراره -مِن الخبراءِ الفنِّـيِّين والعسكريِّين والمستشارين السياسيِّين-؛ الذين يُعَدُّون -في النهايةِ- مُشاركينَ في صُنْعِ القرارِ الذي لايُمْكِنُ أنْ يَستقِلَّ وَلِيُّ الأمرِ به دُون مشاورتهم.

    واستقلالُ فردٍ -أو أفرادٍ- مِن عُموم المسلمين بتقريرِ استعمالِ مثلِ هذهِ الأسلحةِ ليس افْتِئَاتًا على وليِّ الأمرِ -فقط-، بل هو افْتِئَاتٌ على الأُمَّةِ نَفْسِهَا!

    إذْ إنَّ هؤلاء قد أَعْطَوْا أنْفُسَهُم حقَّ اتخاذِ قراراتٍ تتعلَّقُ بمصيرِ الأُمَّةِ -ككُلٍّ- دون أنْ يَرْجِعُوا إليها وإلى أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ فيها، وذلك في أمورٍ تُعَرِّضُ البلادَ والعبادَ إلى أخطارٍداهِمةٍ.

    قال العلاَّمةُ البَهُوتِيُّ في «شرح مُنتهى الإرادات»:


    «ويَحرُمُ غَزوٌ بلا إذنِ الأميرِ؛ لرجوعِ أمرِ الحربِ إليهِ- لعِلمِهِ بكَثرةِ العَدُوِّ وقِلَّتِهِ، ومكامِنِهِ، وكَيْدِهِ-؛ (إلاّ أنْ يُفاجئَهم عَدُوٌّ) كُفَّارُ (يخافون كَلَبَهُ) -بفتح اللام- أيْ: شَرَّه وأَذَاهُ، فيجوزُ قتالُهم بلا إِذْنِهِ([7])؛ لِتَعَيُّن المصلحة فيه». اهـ([8]).

    ثانيًا: ما في ذَلِكَ مِن خَرْقٍ([9]) للاتفاقاتِ والمواثيقِ والعهودِ الدَّوْلِيَّةِ التي رَضِيَتْهَا الدُّولُ الإسلاميةُ، وانضمَّتْ إليها، وأَقَرَّتْهَا بمَحْضِ إرادتِها وباختيارِها؛ توافُقًا مع المُجتمعِ الدَّوْلِيِّ؛ لِتَحْقِيقِ الأمنِ والسِّلْمِ([10]) الدَّوْلِيَّيْن ِ بقَدْرِ التزامِ الدولِ الموقِّعةِ عليها بها.

    وقد قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود}[المائدة:1]:

    والعُقود: جمع (عَقد)، والعَقد يُطلق على كُلِّ التزامٍ واقِعٍ بين جانبَيْنِ في فِعْلٍ ما.


    قال شيخُ الإسلامِ التونُسيُّ العلاَّمةُ ابنُ عاشور -مُعَلِّقًا على هذه الآية في «تفسيرِه»-:

    «التعريفُ في (العُقُودِ) تعريفُ الجنسِ للاستغراقِ؛ فشَمَلَ العقودَ التي عاقَدَ المسلمون عليها ربَّهم، وهو الامتثالُ لِشريعتِه...

    ومِثْلُ ما كان يُبَايعُ عليه الرسولُ -صلى الله عليهِ وآلِهِ وسلَّم- المؤمنينَ أنْ «لا يُشرِكُوا بالله شيئًا، ولا يَسْرِقُوا، ولا يَزْنُوا..» ([11])...


    وشَمَلَ العُقودَ التي عاقد المسلمونَ عليها المشركينَ...ويشم ُ العقودَ التي يتعاقدُها المسلمون بينهم». اهـ([12]).

    وروى التِّرمذيُّ([13]) عن عمرِو بنِ عوفٍ المُزَنِيِّ -رضي الله عنه-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «المسلمونَ على شُرُوطِهم؛ إلاَّ شرطًا حَرَّمَ حَلالاً، أو أَحَلَّ حَرَامًا».

    قال الإمامُ الجَصَّاصُ:


    «وهو عُمومٌ في إيجابِ الوَفاءِ بجميعِ ما يَشرُطُ الإنسانُ على نفسِهِ ما لمْ تَقُمْ دِلالَةٌ تُخَصِّصُهُ». اهـ([14]).

    وروى البخاريُّ([15]) عن عليٍّ -رضي الله عنه-، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «ذِمَّةُ المسلمينَ واحدةٌ، يَسعى بها أدناهُم؛ فمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا؛ فعليهِ لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ»:

    وقولُه -صلى الله عليه وآله وسلم-: «ذِمَّةُ المسلمين»، أي: عهدُهم.

    وقولُه: «يسعى بها أدناهم»، أي: يتولَّى ذِمَّتَهُم أَقَلُّهُم عددًا؛ فإذا أعطى أحدُ المسلمينَ عهدًا لمْ يكنْ لأحدٍ نَقْضُهُ؛ فما بالُنا بِوَليِّ الأمرِ؟!

    وقولُه: «مَن أخْفَرَ»، أي: نَقَضَ العهدَ.

    وقولُه: «صَرْفٌ ولا عَدْلٌ»، أي: لا فَرْضًا ولا نَفْلاً.

    والمعنى: لا يَقْبَلُ الله -تعالى- منه شيئًا مِن عمله.

    وروى البخاريُّ في «صحيحِهِ»([16]) عن عبدِ الله بنِ عمرٍو -رضي الله عنهما-: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «أربعٌ مَن كُنَّ فيه؛ كانَ مُنافقًا خالصًا، ومَنكانتْ فيه خَصْلَةٌ مِنهنَّ؛ كانت فيه خَصلةٌ مِن النفاق حتى يَدَعَهَا: إذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَر، وإذا خَاصَمَ فَجَر».

    وَرَوَى البَيْهَقِيُّ([17]) عن عَمْرِو بنِ الحَمِق الخُزَاعِيِّ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «إذَا أَمَّنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ على نفسِهِ، ثمَّ قَتَلَهُ؛ فأنا برِيءٌ مِن القاتِل، وإنْ كانَ المقتولُ كافرًا».

    ومِن ثَمّ؛ فإنَّ كُلَّ أطرافِ تلك العهودِ والمواثيقِ الدَّوْلِيَّةِ هُم في حالة سِلْمٍ وتَرْكٍ للقتال بمُوجب ما اتَّفَقُوا عليه؛ قال -تعالى-: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم}[الأنفال:61].


    ثالثًا: ما يتضمَّنُه هذا الفعلُ مِن مُباغتةٍ وقَتْلٍ للغافِلِين:

    وقد رَوَى أبو داود، والحاكِمُ في «المُستدرك»([18]) عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا يفتِك المؤمنُ، الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ».


    قال ابنُ الأثيرِ: «الْفَتْك: أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ صَاحِبهُ وَهُوَ غَارٌّ غَافِلٌ، فَيَشُدّ عَلَيْهِ، فَيَقْتُلُهُ». اهـ([19]).

    ومعنى الحديث: أن الإيمان يمنع عن الفَتْك كما يمنع القيدُ عن التصرُّف.

    وقولُهُ -عليه الصلاة والسلام-: «لا يَفْتِكُ مؤمنٌ»: هو خبرٌ بمعنى النَّهي؛ لأنه مُتَضَمِّنٌ للمَكْرِ والخَدِيعَة.


    أو هو نَهْيٌ.

    وَلَـمَّا وَقَعَ خُبَيْبٌ الأنْصَارِيُّ -رضي الله عنه- أسيرًا لدى المشركين، ثُمَّ بِيعَ بمَكَّةَ، فابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الحارِثِ بنِ عامرٍ بن نوفل بن عَبْد مَناف، وكان خُبَيْبٌ هو مَن قَتَلَ الحارثَ بنَ عامرٍ يومَ بَدْر، فلَبِثَ خُبَيْبٌ عندهم أسيرًا.


    وفي يومٍ استعارَ خُبَيْبٌ (مُوسَى) -مِن بِنْتِ الحارِث- لِيَسْتَحِدَّ بها، فأَعَارَتْهُ، فأَخَذَ ابنًا لَـهَاوَهِيَ غَافِلَةٌ، فلَمَّا جاءَتْهُ وجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ على فَخِذِهِ، و(المُوسَى) بيَدِهِ، ففَزِعَتْ فَزْعَةً، فقال لها خُبَيْب: «تَخْشَيْنَ أنْ أقْتُلَه؟! ما كُنْتُ لِأَفْعَل َذلك».

    قالت بنتُ الحارث: «واللـهِ ما رأيتُ أسيرًا -قطُّ- خيرًا مِن خُبَيْب»([20]).

    فهذا رَجُلٌ مُسلمٌ أسيرٌ لدى أعدائِهِ الذين يُدَبِّرُونَ لِقَتْلِهِ، وهو على شَفِيرِ الموت، ورُغْمَ ذلكَ: عندما تَحِينُ له فرصةٌ يُمْكِنُه أنْ يُدْمِيَ قلوبَهم فيها بقَتْلِ ابنِهم يَعِفُّ عن ذلك؛ لأَنَّ خُلُقَ المسلمِ لا يَتَضَمَّنُ الخِدَاعَ، ومباغتَةَ الغافلين.


    رابعًا: ما يتضَمَّنُهُ هذا الفعلُ مِن قَتْلٍ وإِذايةٍ للنِّساء والصبيانِ:

    وقد رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ([21]) عن عبدِالله بنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أنَّ امرأةً وُجِدَتْ في بعضِ مغازي النبيِّ -صلى الله عليه وآله وسلم- مقتولةً، فأنكرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قَتْلَ النساء والصبيان.


    وفي رواية أخرى -لهما([22])-: فنهى رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن قَتْلِ النِّساءِ والصبيانِ.

    قال الإمامُ النوويُّ: «أَجْمَعَ العلماءُ على العملِ بهذا الحديثِ، وتحريمِ قَتْلِ النِّسَاءِ والصبيانِ إذا لمْ يُقَاتِلُوا.

    فإنْ قاتَلُوا؛ قال جماهيرُ العلماء: يُقْتَلُون». اهـ([23]).

    خامسًا: ما يَسْتَلْزِمُهُ هذا الفعلُ مِن قَتْلٍ وإذايَةٍ للمسلِمِينَ الموجُودِين في هذه البلادِ مِن ساكِنيها الأصلِيِّين، أو مِمَّن وَرَدُوا إليها.

    وقد عظَّم الشَّرْعُ الشَّرِيفُ دَمَ المُسْلِمِ، ورَهَّبَ ترهيبًا شديدًا من إراقتِهِ، أو المِسَاسِ به بلا حَقّ:

    قال -تعالى-: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[النساء:93].

    وقال -سبحانه-: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}[المائدة:32].


    وروى النَّسائي في «سننه»([24]) عن عبدِ الله بن عَمْرٍو -رضي الله عنهما-، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «لَزَوَالُ الدُّنْيا أهْوَنُ عند الله مِن قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم».

    وروى ابنُ ماجَه([25]) عن ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، قال: رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يطوفُ بالكعبةِ، ويقولُ: «ما أطْيَبَكِ وأطْيَبَ ريحَكِ! ما أعْظَمَكِ وأعظَمَ حُرْمَتَكِ!

    والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ؛ لَـحُرْمَةُ المؤمِنِ أعظمُ عند الله حُرْمَةً مِنْكِ: مالُهُ، ودَمُهُ، وأَنْ نَظُنَّ بهِ إلاَّ خَيْرًا».


    وجريمةُ قَتْل المسلم -عَمْدًا وعُدْوانًا-: كبيرةٌ ليس بعد الكفر أعظمُ منها([26]).

    وفي قَبُول توبة القاتل خلافٌ بين الصحابة([27]) -ومَنْ بعدهم-.

    سادسًا: ما سيجرُّه هذا الفعلُ الأخرقُ مِن ويلاتٍ ومصائبَ على المسلمين -جميعًا- بل والدنيا ككُلٍّ-؛ لأن الدولةَ المعتدَى عليها قد تقابلُ هذا التصرُّفَ بتصرُّفٍ مماثلٍ، أو أشدَّ نكايةً.

    كما أن الآثارَ المدمِّرةَ الناجمةَ عن بعض هذه الأسلحة قد تتعدَّى مجردَ البُقعةِ المصابةِ، وتجرفُها الرياحُ إلى بلاد أخرى مجاورةٍ لا جريرةَ لها.


    فمفاسدُ هذا الفعلِ -العاجلةُ والآجلةُ- أعظمُ بكثير من مصالحه -إن كان ثمَّ مصلحةٌ فيه أصلاً-!

    ومِن القواعدِ الشرعيةِ العظيمةِ: أن دفع المفسدة واجبٌ، وأنه مقدمٌ على جلب المصلحة.

    سابعًا: ما يترتَّبُ على استعمال بعض هذه الأسلحة من إتلافٍ للأموالِ والمنشآتِ والممتلكاتِ العامَّة والخاصَّة.

    وإتلافُ المال وإضاعتُهُ مِمَّا جاء الشرعُ بتحريمه.

    وتزدادُ الحُرْمَةُ وتتضاعفُ إذا كان هذا المالُ المتلَفُ ليس مملوكًا للمُتْلِف، بل هو مملوكٌ لغيره -كما هو الحالُ هنا-، فتتعلَّق الحرمةُ بمخالفةِ نهي الشرع -من جهة-، وبحقوق المخلوقين -من جهة أخرى-.

    ثامنًا: استعمالُ هذه الأسلحة -في بعض صُوره- يلزمُه أن يدخُلَ الفاعلُ إلى البلاد المستهدفة، وذلك بعد استيفائها لإجراءاتِ الرسميةَ المطلوبةَ منه للدخول.

    وموافقةُ هذه البلاد على دخولِ شخصٍ -ما- إلى بلادها متضمِّنَةٌ أنها توافقُ على دخوله بشرط عدم الفساد فيها([28]).

    وهو -وإن لم يُذكر لفظًا- إلا أنه معلومٌ في المعنى.

    وقد نصَّ الفُقهاءُ على نحو هذا؛ قال الإمام الخِرَقي في «مختصره»:


    «مَن دخل إلى أرض العدو بأمان، لم يَخُنْهُم في مالهم».

    قال ابن قُدامة -شارحًاعبارتَه-:


    «أما خيانَتُهُم فمحرمةٌ؛ لأنهم إنما أعطَوْه الأمانَ مشروطًا بتركِه خيانَتَهُم، وأَمْنِه إيَّاهم من نفسه.

    وإنْ لم يكن ذلك مذكورًا في اللفظ فهو معلومٌ في المعنى.

    ولذلك؛ مَن جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضًا لعهده، فإذا ثبت هذا؛ لمْ تَحِلَّ له خيانتُهم؛ لأنه غَدَرَ، ولا يصلحُ في ديننا الغَدْرُ». اهـ([29]).


    وأما النصوصُ الشرعيةُ والفقهيةُ -التي جُعِلَت تُكَأَةً لترويجِ هذه الفكرةِ الآثمةِ-: فهي نصوصٌ منتزعةٌ مِن سياقاتها، مختلفةٌ في مناطِها؛ فالاحتجاجُ بها نوعٌ من الشَّغَب؛ حيثُ إنَّ فيه إهدارًا للفروق المعتبرة بين الأحوال المختلفة؛ كالفَرْقِ بين حالة الحربِ وحالة السِّلْم، وأن لحالة الحرب أحكامًا خاصَّةً بها تختلفُ عن حالة السِّلْم الذي تُعصَم فيها الدماءُ والأموالُ والأعراضُ.

    وهذا فرقٌ مُؤَثِّرٌ لا يستقيمُ معه إلحاقُ استعمالِ هذهِ الأسلحةِ بما ورد في كُتُبِ الفقهِ مِن جواز تبييتِ العَدُوِّ، وجواز رمي التُّرس([30]) -وغيرها من المسائل الواردة في الفقه الإسلامي-.

    فقياسُها عليها مَحْضُ خَطَأٍ.


    وإنْ كانت هذه المسائلُ المنقولةُ مسائلَ صحيحةً في نفسها، وفي محلِّها الذي قصده الفقهاءُ منها، وفي حكمها الذي نزَّلُوه عليها، ولكنَّ الخطأَ -كلَّ الخطأ- في نقل هذه الأحكامِ الصحيحةِ من محلِّها وواقعِها إلى محلٍّ مُغايرٍ وواقعٍ مختلفٍ -صُورةً وتكييفًا وحكمًا-.

    كما أنه لا يصحُّ قياسُ استخدام هذه الأسلحةِ على قتالِ الصائلِ وقتلهِ؛ إذ من المعلوم أن هناك فروقًا بين (أحكام دفع الصائل)([31])، و(أحكام باب الجهاد).

    منها: أنَّ الصائلَ إنما يُدْفَع بالأخفِّ فالأخفِّ، فلو دُفِعَ بالكلام حَرُمَ الضربُ، ولو أمكن دفعُهُ باليد حَرُمَ دفعُهُ بالسيف،وهكذا...

    وهو ما لا يَتَّسِقُ مع إجازةِ استعمالِ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ على الوجهِ المذكور.


    وما يُستَدَلُّ به في هذاالمقام من الأحاديث الواردة في جوازِ تَبْيِيتِ المشركين، أو جوازِ استخدام المنجنيق([32])، أوجوازِ التحريقِ، وقياسِ استخدامِ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ -على هذه الصُّوَرِ-: هو -في الحقيقةِ- قياسٌ باطلٌ؛ لظُهور الفرق الشاسع والواضح بين الأمْرَيْن؛ من أنَّ هذه الأحاديثَ واردةٌ في حالة الحرب، وفَرْقٌ بين حُكم حالة الحرب، وحُكم غيرها.

    كما أنَّ هناك فارقًا كبيرًا -من حيثُ الأثرُ- بين رمي الأحجار بالمنجنيق، وبين رمي أسلحة الدمار الشامل -كما لا يخفى-؛ لأن أَثَرَ الرمي بالمنجنيق قاصرٌ بالنسبة إلى أسلحة الدمار المذكورة.

    كما أن هذه الوقائعَ الواردةَ في السنة النبويةِ إنما تمَّت تحت رايةِ وليِّ الأمر، وهو فارقٌ رئيسٌ وجوهريٌّ بينها وبين ما تستلزِمُهُ هذه الدعوى من الخروج على ولاة الأمر، وإعطاء آحاد الناس حقَّ إعلانالحروب من عند أنفسِهم افتئاتاً على الأُمَّةِ، وعلى وُلاةِ أُمورها -تحت مسمَّى: (الجهاد)!-.

    كما أن هذه الأحاديثَ -بفرضِ صِحَّتِها([33])- إنما هي وقائعُ أعيانٍ لا عُموم لها([34]).

    ولهذا؛ ذهب بعضُ العلماء إلى أن الأصلَ عدمُ جواز التبييتِ والتحريقِ والتخريبِ؛ اعتمادًا على النصوص القولية في الباب، والتي لها صفةُ العُمومِ.

    على أنَّا نرى أنَّ الصوابَ هو: منعُ استعمال أنواع أسلحة الدمار الشامل، التي تُسبِّب في حرائقَ عامَّةٍ؛ اتباعًا لمقتضى النهي القوليِّ عن التحريق بالنار بعد أن أمر به -صلى الله عليه وآله وسلم-، ثم نهى عنه قبل أن يَقَعَ، رُغْمَ أن الحالةَ كانت حالةَ حرب، وقال -فيما رواه البخاريُّ([35]) عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إنَّ النارَ لا يُعَذِّبُ بها إلا الله».

    فنهى -صلى الله عليه وآله وسلم- عن التحريق.

    ومعلومٌ أن كثيرًا من أسلحةِ الدمار الشامل تُسبِّب حرائقَ هائلةً؛ فالصوابُ: منعُ استخدامها -مطلقًا-، ولو في الحروبِ -للنهي العامِّ عن التحريق-.


    وأمَّا إلحاقُ هذه المسألة بمسألة تبييت العدو فهو نوعٌ من المغالطة؛ لأن محلَّ تجويز الفقهاء لمسألة تبييت العدو مُقَيَّدٌ بقيود؛ منها:

    أن يكون ثَمَّ حالةُ الحرب.

    وأن يكونَ العدوُّ المقصودُ تبييتُه عدوًّا يجوز قتالُه، خلافًا لمن بيننا وبينهم اتفاقاتٌ ومواثيقُ لها حكم الهدنة.

    فلا يجوزُ تبييتُ مَن بيننا وبينه هُدنةٌ أو ذِمَّةٌ -أو ما جرى مجراهما من المواثيقِ والعهودِ والاتفاقات الدَّوْلِيَّة-؛ إذ صار كُلُّ طرفٍ من أطرافها موضعَ تأمينٍ من سائر الأطراف الأخرى على النفوس والأموال والأعراض.

    وإذا كان هؤلاء لا يجوزُ معهم التبييتُ -ونحوُهُ-، فلأن يكونَ استخدامُ هذه الأسلحةِ الفتَّاكةِ في حقِّهِم حرامًا من باب أَوْلَى وأحرى.

    أما (مسألةُ التَّتَرُّس) -ونحوها-؛ فإنها لا تجوزُ إلا في حالة الحرب، وبشروطٍ وصُور محدَّدة تناولها الفقهاءُ بالتفصيل([36]).

    وبناءً على ذلك:


    فهذه الدعوى من الدعاوى الباطلةِ، والقولُ بها والترويجُ لها من عظيم الإرجافِ، والإجرامِ، والإفسادِ في الأرض الذي نهى اللهُ -تعالى- عنه، وتوعَّد فاعلَه بأشد العقاب.

    قال -تعالى-: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُون َ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً}[الأحزاب:60].

    وقال -سبحانه-: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين}[الأعراف:85].

    وقال -عَزَّ مِنقائل-: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم.أُ ْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم}[محمد:22-23].



    والله -سبحانه وتعالى-أعلم»([37]). اهـ.

    * * * * *

    ============================== ======




    ([1])وما في الحاشية مختوماً بحرف (ع) فهو مِن قلمي.

    ([2]) انظُر في أحكام (التَّتَرُّس)، و(التَّبْييت): «الإنجاد في أبواب الجهاد» (1/193-195)، و«مجموع الفتاوى» (20/52).

    وفي (التَّحْريق): «السيل الجرار» (4/550). (ع).


    ([3]) وهو تفريقٌ غايةٌ في الأهميَّة؛ فانتَبِهْ له... (ع).

    ([4]) قال الإمامُ ابنُ قُدامة -رحمهُ اللهُ- في «المُغْنِي» (13/16):

    «وأَمْرُ الجهاد موكولٌ إلى الإمام واجتهادِهِ».

    وقال أستاذُنا الشيخ العلاّمةُ محمد بن صالح العُثَيْمِين -رحمهُ اللهُ- في «الشرح المُمْتِع» (8/25-26):

    «لو جازَ للنَّاسِ أنْ يغزُوا بدونِ إذنِ الإمام لأصبحتِ المسألةُ فَوْضَى! كلُّ مَن شاء ركب فرسه وغَزَا!!

    ولأنَّه لو مُكِّنَ الناسُ مِن ذلك لَحَصَلَت مفاسدُ عظيمةٌ؛ فقد تتجهَّز طائفةٌ مِن الناسِ على أنَّهُم يُريدون العَدُوَّ، وهُم يُريدُون الخُروج على الإمام!! أو يُريدُون البَغْيَ على طائفةٍ مِن الناسِ؛ كما قال اللهُ -تعالى-: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحُجُرات:9]، فلهذه الأُمور الثلاثةِ -ولغيرِها- أيضاً- لا يجوزُ الغَزْوُ إلاّ بإذنِ الإمام».

    وقد تقرَّرَ «عملُ المُسلمين -مُنذُ أزمنةٍ مُتطاولةٍ- على أنَّ مَن اسْتَوْلَى على ناحيةٍ مِن النواحي، وصار له الكلمةُ العُليا؛ فهو إمامٌ فيها».

    كذا في «الشرح المُمتع» (18/13) -له- رحمه الله-. (ع).


    ([5]) وهذا بابٌ عظيمٌ جدًّا يُغْلِقُهُ -أو يُغْفِلُهُ!- كثيرٌ مِن المُتحمِّسِين العاطِفِيِّين:

    قال العلاّمةُ الشاطبيُّ في «الموافقات» (5/177-178):

    «النظر في مآلات الأفعال مُعْتَبَرٌ مقصودٌ شرعاً -كانت الأفعال مُوافقةً أو مخالفةً-.

    وذلك أنَّ المجتهدَ لا يحكمُ على فعلٍ مِن الأفعالِ الصادرةِ عن المُكلَّفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نظرِه إلى ما يَؤولُ إليه ذلك الفعلُ:

    - فقد يكونُ مشروعاً؛ لمصلحةٍ فيه تُسْتَجْلَبُ، أو لِمفسدةٍ تُدْرَأ، ولكنْ له مآلٌ على خِلافِ ما قُصِدَ فيه.

    - وقد يكونُ غيرَ مشروعٍ؛ لمفسدةٍ تنشأ عنه، أو مصلحةٍ تندفعُ، ولكنْ له مآلٌ على خِلافِ ذلك...» إلخ..

    وقد كَتَبَ بعضُ الباحثين في تحقيقِه وضوابطِه كتاباً مُستقِلاً عُنوانُه: «اعتبار المآلات، ومُراعاة نتائج التصرُّفات» -جدُّ نافعٍ-. (ع).


    ([6]) هذا هو الأصلُ، وقد يَتَخَلَّف! (ع).

    ([7]) انظُر تفصيلَ القولِ -في (جهادِ الدَّفْعِ)- في: «الفُروسيَّة» (187-189) للإمامِ ابنِ القيِّم، و«مَشارع الأشواق إلى مصارع العُشَّاق» (1/ 101) لابن النحَّاس. (ع).

    ([8]) (1/ 636) ط. عالمالكتب.

    ([9]) وما يَتْبَعُ ذلك مِن أذى وبلاء! (ع).

    ([10]) وكُلُّ ذلك دَفْعاً للأذى والضَّرَر عنها!

    بل الأُمَّةُ -الآنَ- وللأسفِ الشديد- لا تقدِرُ على ما هو أدنى مِن ذلك - مِن تحصيل طعامِها وشرابِها!!-!


    ([11]) رواهُ البخاريُّ (18)، ومُسلم (1709) عن عُبادة بن الصامِت. (ع).

    ([12]) «التحرير والتنوير» (6/ 74)، ط. الدارالتونسية للنشر.

    ([13]) برقم (1352).

    وهو حديثٌ صحيحٌ؛ يُنظَرُ تخريجُه في «إرواء الغليل» (1303) لشيخِنا الإمامِ الألبانيِّ -رحمهُ اللهُ-. (ع).


    ([14]) «أحكام القرآن» (2/ 418)، ط. دار الفكر.

    ([15]) برقم (1771).

    ورواهُ مسلم برقم (1370) -أيضاً-. (ع).


    ([16]) (برقم: 34).

    ورواهُ مُسلم (58) -أيضاً-. (ع).


    ([17]) (9/142).

    وقد حسَّنَهُ شيخُنا في «السلسلة الصحيحة» (1/439). (ع).


    ([18]) «سُنن أبي داود» (2769)، و«المُستدرك» (8037).

    وصحَّحَهُ شيخُنا في «صحيح الجامِع» (2802). (ع).


    ([19]) «النهاية في غريب الحديثوالأثر» (3/ 775)، ط. المكتبة العلمية ببيروت.

    ([20]) رواهُ البخاريُّ (2880) عن أبي هريرةَ. (ع).

    ([21]) «صحيح البخاريّ» (285)، و«صحيح مُسلم» (1744). (ع).

    ([22]) بعد الحدِيثَيْنِ السابقَيْن -مُباشرةً-. (ع).

    ([23]) «شرح مسلم» (48/12)، ط. دار إحياء التراث العربي.

    ([24]) (برقم: 3987).

    وقد خرَّجَهُ شيخُنا الإمامُ -مُصَحَّحاً- في «غاية المرام» (439). (ع).


    ([25]) (برقم: 3932).

    وصحَّحَهُ شيخُنا الإمامُ في «السلسلة الصحيحة» (3420). (ع).


    ([26]) مِن جِهَةِ فِعل الذُّنوب، وليس مِن جهةِ تَرْكِ الفرائِض؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «ما مِن عبدٍ يلقَى اللهَ لا يُشرك به شيئاً -لم يَتَنَدَّ بدمٍ حرامٍ- إلاَّ أُدْخِلَ الجنَّةَ مِن أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شاء».

    وهو حديثٌ صحيحٌ؛ مخرَّجٌ في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (2963) -لشيخِنا الإمام المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني -رحمهُ اللهُ-.

    وقال -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أنْ يغفِرَهُ إلاّ الرَّجُلَ يقتلُ المؤمنَ متعمِّداً، أو الرَّجُلَ يموتُ كافراً».

    وهو مخرَّجٌ في: «الصحيحة» (2035) -لشيخِنا-. (ع).


    ([27]) انظُر تحقيق ذلك في:

    «المصنَّف» (9/355-359) -لابن أبي شيبة-، و«سُنن سعيد بن منصور» (686)، و(669)، و(670)، و«شرح مسلم» (6/236) -للنووي-، و«تفسير ابن كثير» (1/814).

    ورجَّحَ شيخُ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (7/223)، و(18/187) أنَّهُ له توبةٌ. (ع).


    ([28]) قال شيخُنا العلاّمةُ محمد بن صالح العثيمين -رحمهُ اللهُ- في «شرح الأربعين النوَوِيَّة» (ص270)-:

    «لا يحلُّ لنا أموالُ المُعاهِدين ولا دماءُ المعاهِدين، حتى إن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن قَتَلَ مُعاهِداً لَم يَرَح رائحةَ الجنَّة»- نسأل الله العافية-.

    وبهذا نعرف عُدوانَ وظُلمَ وضلالَ أولئك المغرورين الذين يعتدون على أموال الكفار المعاهِدين، سواء كان الكافرُ عندك في بلدك وهو معاهد، أو أنت في بلده.

    فإنَّنا نسمعُ من بعض الشباب الذين في بلاد الكُفر مَن يقول: إنه لا بأس أن نُفسد أموال هؤلاء الكفار!

    فتجدُهم يعتدون على أنوار الشوارع! ويعتدون على المتاجر! ويعتدون على السيارات!

    وهذا حرامٌ عليهم.

    سبحان الله؛ قوم احتضنوكم وأنتم في عهدهم، وليسوا هم في عهدكم وتخونون!!

    هذا أشدُّ ما يكون تشويهاً للإسلام، وقَدْحاً في الإسلام».

    قلتُ: وحديث: «مَن قَتَلَ مُعاهِداً..»: رواه البخاريُّ (2995) عن عبد الله بن عمْرٍو. (ع).


    ([29]) «المغني» (9/ 237)، ط. دار إحياء التراثالعربي.

    ([30]) أي: التَّتَرُّس، وانظُر «فتح القدير» (5/449) -لابن الهُمام-، وما تقدَّمَ (ص41). (ع).

    ([31]) انظُر كتابَ «الجهاد؛ أنواعُهُ وأحكامُهُ» (ص229-234) -للأخ الشيخ الدكتور حَمَد العُثمان -نَفَعَ اللهُ به-.(ع).

    ([32]) رواه البيهقيُّ (9/84)، والعُقَيْلِيّ في «الضُّعفاء» (2/243)!

    وضعَّفَهُ السُّيوطيُّ في «جمع الجوامع» (30240 - «كنز العمال»). (ع).


    ([33]) قدَّمْنا أنَّ حديثَ الرَّمْيِ بالمنجنيقِ لا يصحُّ إسنادُهُ. (ع).

    ([34]) انظُر «قواطع الأدلَّة في الأصول» (1/273) للسَّمْعانِيّ.

    ولمزيدٍ مِن الفائدة؛ انظر: «صيانة صحيح مُسلم» (ص191) -للإمامِ ابنِ الصَّلاح-. (ع).


    ([35]) (برقم: 2795). (ع).

    ([36]) راجع: «البحر الرائق» (5/80)، «حاشية ابن عابدين» (3/223)، «روضة الطالبين» (10/239)، «مغني المحتاج» (4/223)، «المغني» لابنقدامة ( 8/449)، (10/386).

    ([37]) هذا آخِرُ فتوى (دار الإفتاء المصريَّة).

    وهي فتوى نافعةٌ جامِعَةٌ -جزاهُمُ اللهُ خيراً-. (ع).




    الشيخ علي بن حسن الحلبي الأثري

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    السلام عليكم ياأخي
    على العموم غفر الله لي ولك وللجميع
    قصدي إفادتك بما أستطيع ولم أطلع على مانشرته من كتاب للحلبي
    ولاأعرف أحد من أهل العلم يحتج على العلماء بفتوى علماء آخرين. فالعلماء يستدل لإقوالهم لا بأقوالهم!!!!
    * ولعل أن يكون لي وقفات مع بحثه إن يسر الله ذلك.
    ---------------
    سررت بالنقاش معك أخي الحبيب , جمعنا الله وإياك في الفردوس الأعلى.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    119

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    اللهم ارزقنا علماً نافعاً

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    هذا الموضوع من نوازل العصر الحادثة , ويحتاج -حقيقة- لمعرفة أقوال الأئمة الكبار المجتهدين فيه , لا سيما وقد تصدر للكلام فيها بعض طلبة العلم على جهة الفتوى لا المدارسة , وأنا من باب المدارسة -لا الفتوى- أنقل بحثا -مختصرا- أقنعني مضمونه , متعلقا بحالة ابتداء استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد العدو لا بحالة الدفع أو الرد بالمثل ؛ فإليكموه أحبتي :


    التحرير الكامل
    لمسألة ابتداء استخدام اسلحة الدمار الشامل


    بقلم : أبي أسيد الشامي


    الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين , وبعد :
    إن للجهاد في الإسلام أحكاما لا ينبغي تجاوزها , وآدابا لا ينبغي إغفالها , جماعها العدل مع العدو –فضلا عن الصديق- لعموم قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] {البقرة:190} .
    وقد ابتلي المسلمون قديما وحديثا بأناس من بني جلدتهم رفعوا شعار الجهاد في سبيل الله واستباحوا تحته الدماء والأموال والأعراض المعصومة بغيا وعدوانا , ومن هذا القبيل تنادي البعض لاستخدام ما يسمى بـ(أسلحة الدمار الشامل) – على جهة الابتداء- ضد غير المسلمين ؛ ناسبين هذه الدعوى الظالمة إلى شرع الله ودينه , ومتقولين بها على العلم وأهله , وهي دعوى مناقضة لأصول الدين القويم , وسماحة الشرع الحنيف , وبيان هذا من أوجه عدة:

    الوجه الأول: إن في استخدام هذا النوع من الأسلحة إهلاك شامل للكائنات الحية (حيوانات أو نباتات) , وهذا الإهلاك هو من جنس الفساد المحرم بنص القران , كما قال سبحانه [وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ] {البقرة:205}.
    وقد أخذ الحافظ ابن قدامة من هذه الاية حرمة قتل النحل وحرمة قتل الدواب صبرا فقال : "وقد ثبت أن رسول الله (r) نهى عن قتل النحلة ونهى أن يقتل شيء من الدواب صبرا ولأنه إفساد فيدخل في عموم قوله تعالى )وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(", هذا في نحل ودواب الكفار فكيف بالإهلاك العام للحرث والنسل والبيئة والبنيان .

    الوجه الثاني: إن استخدام هذا النوع من الأسلحة يفضي إلى قتل النساء والأطفال والشيوخ ومن لم يقاتل من الرجال , وكل هؤلاء يمنع ابتداء قتلهم كما قال الله تعالى : [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ] {البقرة:190}, قال ابن عباس في تفسير هذه الآية : "لا تقتلوا النساء ولا الصِّبيان ولا الشيخ الكبير وَلا منْ ألقى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يَده، فإن فَعلتم هذا فقد اعتديتم" .
    والابتداء باستخدام أسلحة الدمار الشامل من قبيل العدوان المحرم لانه أفضى إلى قتل من لم يبتديء القتال , وهو من قبيل العدوان .
    ولهذا فقد صح عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه انكر على أصحابه قتل النساء والأطفال فعن رباح بن ربيع قال [كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال انظر علام اجتمع هؤلاء فجاء فقال على امرأة قتيل فقال ما كانت هذه لتقاتل , قال وعلى المقدمة خالد ابن الوليد فبعث رجلا فقال قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفا] .
    وكذلك صح عنه (صلى الله عليه وسلم) من حديث الأسود بن سريع أنه قال : [ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية ؟ ألا إن خياركم أبناء المشركين , ألا لا تقتلوا ذرية ؛ ألا لا تقتلوا ذرية كل نسمة تولد على الفطرة فما يزال عليها حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها] , وهو تصريح واضح بحرمة قتل نساء وأطفال وشيوخ الكفار .

    الوجه الثالث: إن استخدام هذا النوع من الأسلحة ـوبخاصة الاسلحة النوويةـ يفضي بلا ريب إلى تهديم المنازل , وقطع الطرقات , وتحريق الأشجار والزروع وكل هذا محرم فعله فعن ؛ معاذ بن أنس الجهني قال [غزوت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم غزوة كذا وكذا فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي في الناس أن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له].
    وعن أبي بكر الصديق أنه أوصى بعض أمراء الجند فقال له : (لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا صغيرا ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شجرا مثمرا ولا دابة عجماء ولا بقرة ولا شاة إلا لمأكلة ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه) .

    الوجه الرابع: إن الله تعالى قد كتب الإحسان في كل شيء وأمر به كما قال سبحانه [وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] {البقرة:195} , وعموم الأمر هنا يشمل حتى طريقة القتل في جهاد الكفار، والقتل بهذه الأسلحة ليس من الإحسان في شيء، ويوضحه قول النبي صلى الله عليه وسلم : [إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة] , و(القِتلة) بكسر القاف معناها صفة القتل، والقتل بهذه الأسلحة ليس منالإحسان .
    ولهذا نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن قتل الكفار بتحريقهم بالنار لما صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: ([إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار,ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينأردنا الخروج إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهمافاقتلوهما] .
    والقتل بهذه الأسلحة -وبخاصة النووية- محقق تماما لمعنى التحريق بالنار , وهو من جنس المثلة , والنبي (صلى الله عليه وسلم [نهى عن المثلة] أي التمثيل بالقتلى ولو كانوا من الكفار .

    الوجه الخامس: قد بين النبي (r) أن الجهاد المتضمن للافساد موجب للحوق الاثم بصاحبه , لحديث معاذ بن جبل (t) عن رسول الله (r) قال : [الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكفاف] , قال : الشوكاني –رحمه الله- : "قوله [لن يرجع بالكفاف] أي لم يرجع لا عليه ولا له من ثواب تلك الغزوة وعقابها بل يرجع وقد لزمه الإثم لأن الطاعات إذا لم تقع بصلاح سريرة انقلبت معاصي والعاصي آثم".
    وقال : الزرقاني –رحمه الله- : "وغزو لا ينفق فيه الكريمة ولا يياسر بضم الياء الأولى فيه الشريك ولا يطاع فيه ذو الأمر الإمام أو نائبه ولا يجتنب بالبناء للمفعول في الأربعة فيه الفساد فذلك الغزو لا يرجع صاحبه كفافا من كفاف الشيء وهو خياره أو من الرزق أي لا يرجع بخير أو بثواب يغنيه أو لا يعود رأسا برأس بحيث لا أجر ولا وزر بل عليه الوزر العظيم ولفظ المرفوع وأما من غزا فخرا ورياء وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكفاف".
    ومن المتفق عليه بين عقلاء المسلمين أن قتال العد باستخدام أسلحة الدمار الشامل هو من قبيل الإفساد في الأرض , فلا ينفع مستخدمها حسن قصده مع شناعة فعله , بنص حديث الرسول _صلى الله عليه وسلم) .

    الوجه السادس: قد اتفقت عموم حكومات شعوب الأرض –ومنها الإسلامية- وتعاهدت على عدم استخدام اسلحة الدمار الشامل في حروبها ومعاركها , واستخدامها نقض لهذه العهود والمواثيق , ونحن مأمورون بان نوفي بالعهود والمواثيق لقوله تعالى [وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا] {الإسراء:34}, وقوله سبحانه [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ] {المائدة:1}, وحرم ربنا علينا نقض العهود والمواثيق لقوله سبحانه [وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ] {النحل:91}.
    ولهذا فقد التزم الصحابة بالوفاء بعهودهم ومواثيقهم مع الكفار حتى في حالة الحرب ومن ذلك ما رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان قال: ما معنى أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل قال فأخذنا كفار قريش قالوا إنكم تريدون محمدا ؟ فقلنا ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرناه الخبر فقال : انصرفا نفي بعهدهم ونستعين الله عليهم) .
    واستخدام البعض لها هو بلا ريب نقض لهذه العهود والمواثيق , لأذن ذمة المسلمين واحدة ويسعى بها أدناهم فكيف لو كان كبيرهم (؟!) ؛ وهذا الناقض مستحق للدخول تحت معنى قوله (صلى الله عليه وسلم) من حديث عبد الله بن عمرو [أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة منالنفاق حتى يدعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حَدَّث كذب، وإذا عاهد غَدَر، وإذا خاصمفَجَر] .

    الوجه السابع: إن استخدام المنتسبين للإسلام لهذا النوع من الأسلحة ضد غير المسلمين , يفضي بلا ريب إلى إيجاد المسوغات والأعذار لاستخدام غير المسلمين لأسلحتهم المماثلة تجاه المسلمين بدعوى صد عدوان المنتسبين للاسلام عليهم , والواقع يشهد أن غير المسلمين يمتلكون أضعاف أضعاف ما يمتلكه المسلمون من هذه الأسلحة , وأنهم أقدر على استخدامها ضد المسلمين , وأن أي فعل من المسلمين يفضي إلى اعطاء غيرهم الذريعة لحربهم واستئصالهم فهو محرم بالاتفاق .

    أقوال العلماء في هذه المسألة :

    لما كانت هذه المسألة معاصرة حادثة , لم يكن لاهل العلم المتقدمين قول صريح فيها , وهذا لا يعني أنهم لم يتكلموا بمضامينها ولوازمها , بل تكاد كلمتهم تتفق على حرمة بعض هذه المضامين واللوازم ومن ذلك :

    أولا : قال النووي في شرح مسلم (12/73) :"أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والأطفال إذا لم يقاتلوا" .
    ولا ريب أن استخدام أسلحة الدمار الشامل متضمن لقتل النساء والأطفال , فاستخدامها محرم بإجماع أهل العلم على بعض بعض مضامينها فكيف بعموم ما تضمنته من إفساد .

    ثانيا: صدر عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية -بالاتفاق- قرار يقضي بقتل كل من أشاع الفساد في الأرض في البلدان الإسلامي وغيرها بالقتل والتدمير الخاص أو العام , كما جاء في نص القرار : " قرار رقم (148) الصادر في الدورة الثانية والثلاثين بتاريخ 12/1/1409 .
    الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ، ولاعدوان إلا على الظالمين. وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .
    وبعد:
    فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية والثلاثين المنعقدة في مدينة الطائف ابتداء من 18/1/1409 إلى 12/1/1409بناءً على ماثبت لديه من وقوع عدة حوادث تخريب ذهب ضحيتها الكثير من الناس الأبرياء ، وتلف بسببها كثير من الأموال والممتلكات والمنشآت العامة في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها ، قام بها بعض ضعاف الإيمان أو فاقديه من ذوي النفوس المريضة والحاقدة ، ومن ذلك:
    نسف المساكن ، وإشعال الحرائق في الممتللكات العامة ، ونسف الجسور والأنفاق ، وتفجير الطائرات أو خطفها ، وحيث لو حظ كثرة وقوع مثل هذه الجرائم في عدد من البلادن القريبة والبعيدة ، وبما إن المملكة العربية السعودية كغيرها من البلدان عرضة لوقوع مثل هذه الأعمال التخريبية ، فقد رأى مجلس هيئة كبار العلماء ضرورة النظر في تقرير عقوبة رادعة لمن يرتكب عملاً تخريبياً ، سواء كان موجهاً ضد المنشآت العامة والمصالح الحكومية ، أو كان موجهاً لغيرها بقصد الإفساد والإخلال بالأمن.
    وقد اطلع المجلس على ماذكره أهل العلم من أن الأحكام الشرعية تدور من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس ، والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة وهي: الدين والنفس والعرض والعقل والمال. وقد تصور المجلس الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الأعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم ، وماتسببه الأعمال التخريبية من الإخلال بالأمن العام في البلاد، ونشوء حالة الفوضى والأضطراب ، وإخافة المسلمين وممتلكاتهم.
    والله سبحانه وتعالى قد حفظ للناس أديانهم وأبدانهم وأرواحهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم بماشرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، ومما يوضح ذلك قوله سبحانه وتعالى:{من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً} الآية، [ سورة المائدة الآية: 32] وقوله سبحانه وتعالى{إنما جزاءُ الذين يُحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرضِ فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [سورة المائدة الآية 33 ]
    وتطبيق ذلك كفيل بإشاعة الأمن والأطمئنان، وردع من تسوله له نفسه الأجرام والأعتداء على المسلمين في أنفسهم وممتلكاتهم ، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وغيرها على السواء، لقوله سبحانه: {ويسعون في الأرضِ فساداً} , والله تعالى يقول : {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياةِ الدنيا ويُشهد الله على مافي قلبه وهو ألد الخصام* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسدَ فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لايحب الفساد} [سورة البقرة، آية204-205] وقال تعالى:{ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} [سورة الأعراف ، الآية:]
    قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضر بعد الإصلاح ، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر مايكون على العباد ، فنهى تعالى عن ذلك. أ. هـ وقال القرطبي: نهى سبحانه وتعالى عن كل فساد قل أو كثر بعدصلاح قل أو كثر فهو على العموم على الصحيح من الأقوال أ. هـ.
    وبناء على ماتقدم ولأن ماسبق إيضاحه يفوق أعمال المحاربين الذين لهم أهداف خاصة يطلبون حصولهم عليها من مال أو عرض، وهؤلاء هدفهم زعزعة الأمن وتقويض بناء الأمة ، واجتثات عقيدتها ، وتحويلها عن المنهج الرباني ، فإن المجلس يقرر بالإجماع مايلي:
    أولا : من ثبت شرعاً أنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الأرض التي تزعزع الأمن ، بالأعتداء على النفس والممتلكات الخاصة أو العامة، كنسف المساكن أو المساجد أو المدارس أو المستشفيات والمصانع والجسور ، ومخازن الأسلحة والمياه والموارد العامة لبيت المال كأنبيب البترول ، ونسف الطائرات أو خطفها ونحو ذلك فإن عقوبته القتل ، لدلالة الآيات المتقدمة على أن مثل هذا الإفساد في الأرض يقتضي إهدار دم المفسد ، ولأن خطر هؤلاء الذين يقومون بالأعمال التخريبية وضررهم أشد من خطر وضرر الذي يقطع الطريق فيعتدي على شخص فيقتله أو يأخذ ماله ، وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة.
    ثانياً : أنه لابد قبل إيقاع العقوبة المشار إليها في الفقرة السابقة من إستكمال الإجراءات قبل إيقاع العقوبة المشار إليها في الفقرة السابقة من إستكمال الإجراءات الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى، براءة للذمة واحتياطاً للأنفس، وإشعاراً بما عليه هذه البلاد من التقيد بكافة الإجراءات اللازمة شرعاً لثبوت الجرائم وتقرير عقابها.
    ثالثاً: يرى المجلس إعلان هذه العقوبة عن طريق وسائل الأعلام.
    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه".

    ثالثا : ولأجل عموم ما تقدم فقد ابطل الشيخ (علي جمعة) -مفتي مصر ورئيس دار الافتاء فيها- نسبة القول بجواز استخدام اسلحة الدمار الشامل لعلماء المسلمين بالقول: "والقول بجوازه ونسبته إلى الشريعة وإلى علمائها كذبٌ وزورٌ وافتراءٌ على الشرعوالدين" .


    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    119

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    جزاك الله خيرا وبارك فيك

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    120

    افتراضي رد: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

    كتاب الشيخ ناصر الفهد كامل شامل في هذا الباب

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •