جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"
النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

  1. #1
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    الحمد لله وحده
    قال ابن حجر رحمه الله في الفتح عند شرح حديث "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا في السماء":


    "قوله فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك وقال بن التين قوله فلم يزل الخلق ينقص أي كما يزيد الشخص شيئا فشيئا ولا يتبين ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين فكذلك هذا الحكم في النقص ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق ولا شك أن عهدهم قديم وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الاشكال" انتهى كلام الحافظ رحمه الله.


    قلت جواب هذا الإشكال بعون الله من وجهين:

    ليس من الصواب في مناهج النظر أن يُستند في صنعة ما إلى ظنٍ لا ينهض فيها للاستدلال في نقد أو تأويل ظن آخر يصلح للاستدلال في تلك الصنعة. فالذي بين أيدينا حديث صحيح ثابت في منزلة الظن الموجب للقبول الصالح للاستدلال، بينما ما نظر فيه الحافظ رحمه الله إنما هو من جنس الظن الواهن الذي لا يصلح للاستدلال. فنحن لم يأتنا من خبر من نثق بكلامه اتصالا فضلا عن أن يكون تواترا بما لا يدع مجالا للطعن في صدق الخبر المنقول = نقلٌ بأن تلك الديار التي قيل بأنها لقوم عاد وثمود هي بعينها ديار عاد وثمود! إنما هي بقايا (ولا ندري أديار هي أصلا أم غير ذلك) أبقاها الله لنا آية من قوم سالفين لا ندري لأيهم كانت، ولا نملك إلا جمع القرائن الضعيفة في محاولة معرفة العصر أو الزمان الذي ترجع إليه تلك الآثار.

    فقول الحافظ رحمه الله: "كديار ثمود" مردود بأننا لا ندري أهي ديارهم حقا أم ديار غيرهم من الأمم.. فإن تقرر ذلك المعنى، سقط الإشكال بذلك رأسا!

    وهذا التعقب في أصول الاستدلال من الأهمية بمكان، فقد رأيت من الإخوة من يرجع إلى هذا الاستشكال من الحافظ رحمه الله فيجعله بابا لإنهاض اكتشافات علماء الحفريات والآثار ونحوهم لمنزلة النظر في نقد وتأويل متون الحديث، فضلا عن جملة معطيات "المنهج العلمي الإمبيريقي" بصفة عامة، فتراهم يسول لهم ذلك المدخل الأخذ والرد من كلام السالفين في تأويل الكتاب والسنة على وفق ما تحملهم عليه ظنونهم في ذلك، فترى متونا لم يتعرض لها أحد من أهل الصناعة بالنقد أو الرد من قبل قط، وهؤلاء الإخوة يردونها بكل سهولة متذرعين بأن من الأئمة والشراح من "اعتمد منهج النظر التجريبي" مدخلا للتأويل والنقد، فها نحن نرى الحافظ ابن حجر رحمه الله يستشكل بناءا على هذا النظر!! وهذا ولا شك ثغر خطير ينبغي أن يسده أهل العلم حتى لا يتسع الخرق على الراقع وتضيع معالم هذا المنهج المبارك الذي حفظ لهذه الأمة دينها إلى يوم الناس هذا، والله المستعان.

    وقد يقول القائل: وهل غاب عن ذهن الإمام الحافظ رحمه الله هذا المعنى في مسألة قوة الاستدلال حتى طرأ على باله هذا الإشكال؟ ونقول إن الإمام رحمه الله تركه إشكالا، بمعنى أنه طرأ على ذهنه ولم يجد له جوابا! لا بمعنى أنه عارض به الحديث أو أومأ ولو من بعيد إلى الطعن في متنه! والظاهر أنه أورد الإشكال على تأويل الشراح له بأن المراد النقص التدريجي، إذ تعقب بهذا الإشكال كلام ابن التين كما في النقل، وهذا التعقب لا يستقيم للوجه الثاني من الجواب كما سيأتي.

    ولكني أوردت هذا الوجه الأول من الجواب لأبين أن الاستشكال نفسه غير معتبر بوجه من الوجوه، لقيامه على طريقة غير مستقيمة في النظر في أخبار الغيب (وهو من الغيب الزمني).. فلا أبرح هذه الجزيئة من الجواب حتى أبين هذا المعنى، وأوضح أن بني آدم من بعد النبيين والمرسلين ليسوا بمعصومين، ولكل جواد كبوة، ولكل إمام هفوة.. ومسألة الخلط في منازل الأدلة من حيث قوة الاستدلال هذه مسألة دقيقة لا يتفطن إليها كثير من طلبة العلم والمشتغلين بالنظر والتأصيل والتقعيد. فالسبب في أننا نعترض على أصحاب الإعجاز العلمي في جملة كبيرة مما يذهبون إليه (لا في كل ما عندهم فمنه ما هو صواب وحق على تفصيل علمي ليس ههنا محل البسط فيه)، إنما هو خلطهم في منازل الأدلة وقوة الاستدلال واختلاف طبيعة الدليل الظني ومنزلته من فن إلى فن.. فما يرقى للاستدلال عند علماء الفلك مثلا، قد لا يرقى نظيره من الأدلة للاستدلال عند علماء الكيمياء أو الفيزياء.. والدليل الظني يتفاوت في قوته بمقاييس الصناعات كل صنعة بحسب طبيعة الأدلة التي يتحصل عليها أصحابها.. فصنعة التأريخ – مثلا – معلوم أن ضابط القبول والرد فيها ليِّن ليس بالشديد كما هو الشأن في مرويات الحديث، فأهل التاريخ قد يقبلون الاستدلال بخبر هو بمقاييس أهل الحديث لا يرقى للرواية أصلا، وهذا معلوم عند المشتغلين بكلا الصنعتين. ولذلك فإنه لا يسوغ ولا يصح الاستشكال على متن ثابت عند أعلى درجات الصحة (بمقاييس أهل صناعة الحديث) بسبب دليل من الأدلة التي لا يقبل بمثلها إلا أهل التأريخ في صناعتهم، فهم يقبلونها لا لشيء إلا لكون تلك الأدلة غاية ما يمكن للباحث منهم التحصل عليه في مادته، كالنظر في أحوال الآثار وبقايا الأولين وجمع نثار وثائقهم التي لم تبلغنا إلا بالية مهلهلة قد أخذ منها الزمان حظه وافرا.. فهم يقبلونها أحيانا وإن لم يعلموا من ناقلها ولا من كاتبها بأي طريق موثوق متصل، ويخرجون منها بمعلومات يُستدل بها في بابها عندهم لأنه لا شيء بين أيديهم في تلك الصناعة يرقى لردها لكونه فوق منزلتها في قوة الاستدلال في ذات الأمر.. فإن وجدوا ما هو أقوى دلالة في ذلك فإنهم يلزمهم المصير إليه ولا شك..
    ومثال ذلك حجر رشيد الذي اكتشفه باحثو الحملة الفرنسية في مصر في القرن الثامن عشر الميلادي.. هذا الحجر لعلنا لا ندري – إلا افتراضا – من كاتبه ومن صاحبه، ومع ذلك فقد أخذ منه الناس كثيرا مما يعرفونه في زماننا هذا عن الكتابة الهيروغليفية، فإن جاءهم من جنسه ما يرده اختلفوا، حتى يأتي دليل ثالث على نفس الوتيرة وفي نفس المنزلة يوافق أحد الدليلين، فتثقل الكفة به، أو يأتي ما يخالفه ويعلوه في القوة فيرد به، وهكذا.. فالمتأمل يرى بوضوح أن منزلة الدليل والاستدلال في تلك الصنعة (كصنعة الأركيولوجيا وعلوم الآثار) هي بالجملة أدنى بكثير من شرط الدليل الذي به يقبل الخبر أو التأويل في علوم السنة والحديث..

    ولهذا كان استشكال الحافظ رحمه الله استشكالا غير مقبول من جهة منهج النظر نفسه.. فقد جاء الحافظ بدليل نظري من أدلة أصحاب الحفائر والتواريخ – على منزلتها المعتبرة عندهم – يستشكل به تأويل بعض الشراح لحديث صحيح.. وهذا مسلك ليس بالمستقيم، والله أعلم.


    الوجه الثاني هو أننا حتى وإن سلمنا بأن هذه الآثار والديار هي لقوم ثمود ونحوهم، فإنه لم يقل أحد بأن ظاهر الحديث يلزم منه أن يكون النقص على اطراده وتدرجه عبر الأجيال = على وتيرة واحدة (بمعنى أن يكون معدل التناقص من جيل إلى جيل ثابتا لا يتغير). فلربما كان التناقص سريعا في الأجيال الأولى قبل الطوفان، ثم كان التناقص فيما بعد الطوفان في الأحجام والقوى وأطوال الأعمار أبطأ كثيرا، حتى وصل الحال إلى ما نحن عليه اليوم (وهو نظير ما كان عليه الناس في زمان النبي محمد عليه السلام) فلا مزيد من التناقص بعد ذلك. فلعل بناة الهرم المصري كانوا من زمان ما قبل الطوفان، ممن كانوا أقرب إلى مقياس آدم عليه السلام، بينما بناة تلك الديار المنسوبة إلى ثمود ممن جاءوا بعد الطوفان من أجيال كانت إلى مقياسنا نحن اليوم أقرب..

    ثم إنه لا يمنع العقل من أن يكون بناة تلك الديار التي يشير إليها الحافظ رحمه الله (أو من بنيت لهم) = جنس من الأجناس البشرية قصيرة القامة في زمانهم، مقارنة بأجناس أخرى كانت باقية فيها صفة "العماليق" حتى انقرضت تلك الأجناس فيما بعد. فالذي يظهر أن التدرج في النقص لم يكن على وتيرة واحدة في سائر أجناس البشر، فقد كان في زمان دواد عليه السلام عماليق (جالوت وآله) وقد شهد القرءان للتفاوت بينهم وبين بني إسرائيل ((قوما جبارين)).. فأثبت وجود التفاوت بينهم وبين بني إسرائيل في القوة وضخامة الجسد وهم جميعا بنو زمان واحد متعاصرون، وفي كتب بني إسرائيل تجد وصفا للقوم بأنهم كانوا عماليق (فيما يسمى بالعهد القديم)! وفي كثير من مرويات الأمم السالفة كذلك روايات وأساطير عن أمم من العمالقة.. فمجرد وجود من يصف قوما من الأقوام في زمانه بأنهم عمالقة = هذا يدل على أن الناس قد تفاوتوا فيما بينهم في مقدار التناقص المنصوص عليه في تلك الرواية حيث تسارع الأمر في بعض الأجناس وتباطأ في البعض الآخر منها! فلا يسع الناظر في تلك الديار - على التسليم بأنها ديار قوم ثمود أو ترجع إلى زمانهم - أن يعترض بصغر حجمها على صحة معنى التناقص المطرد المستمر المنصوص عليه في الحديث، أو أن يستشكل عليه بهذا!


    ثم على هامش هذا الجواب أضيف تعقبا لقول ابن التين الذي نقله الحافظ: " أي كما يزيد الشخص شيئا فشيئا ولا يتبين ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين فكذلك هذا الحكم في النقص" فأقول إن التغير التدريجي قد يكون على عدة أجيال، فيكون متوسط أطوال البشر في تناقص من جيل إلى جيل، لا من ساعة إلى ساعة كما هو متصور هنا، بمعنى أن الرجل الواحد ينكمش في نفسه عبر سنوات عمره فيتناقص بذلك نسله من بعده! وهذا التصور قد دلنا على فساده ما يعرفه الناس الآن من علوم الجينات والوراثة ولا يحتاج ذلك المعنى إلى مزيد بسط وبيان، والله أعلى وأعلم.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    432

    افتراضي رد: جواب إشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    شكرا جزيلا سيدى الفاضل
    أما قوم عاد فالإختلاف فى تحديد مساكنهم فكبير جدا فمنهم من يقول باليمن و منهم من يقول بالأردن و من يقول بصحراء الربع الخالى و من يقول بمصر
    و فى كل هذه الأماكن آثار تناسب أحجامهم
    و قد تم إكتشاف هيكل عظمى فى بيرو طوله 15 مترا عام 1989 م و الظاهر أنهم سلالة مستقله فعلا لأن هذا الهيكل العملاق وجد الى جوار هياكل أخرى بالحجم العادى و متعاصرا معها .
    و كذا فى تحديد زمانهم فمنهم من قال قبل الطوفان و منهم من قال بعده
    بارك الله فيك و جعله فى ميزان حسناتك

  3. #3
    عدنان البخاري غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    المملكة العربية السعودية - مدرس بدار الحديث بمكة
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    تقدم بحث يناسب أطرافًا في هذا الموضوع هنا:
    خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ..

    وبالنسبة لما أثير من كلامٍ حول ديار قوم عادٍ فقد نصَّ القرآن على أنَّهم كانوا بالأحقاف (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف)، والأحقاف جنوب جزيرة العرب، إلَّا إن كان الخلاف منسحبًا على هذه التسمية أيضًا!

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    432

    افتراضي رد: جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    بل خلاف تاريخى سيدى لا علاقة له بالتسمية
    و انما يعتمد على آثارا عمد كل باحث الى نسبتها الى قوم عاد نظرا لضخامتها

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.


    قال ابن خلدون في مقدمته:

    "واعلمْ أنَّ تلك الأفعال للأقدمين إنما كانت بالهندام، واجتماع الفعَلة، وكثرة الأيدي عليها؛ فبذلك شيدت تلك الهياكل والمصانع. ولا تتوهَّمْ ما تتوهّمه العامّة أنَّ ذلك لعِظَم أجسام الأقدمين عن أجسامنا في أطرافها وأقطارها، فليس بين البشر في ذلك كبير بون كما تجد بين الهياكل والآثار.
    ولقد ولع القُصَّاص بذلك وتغالوا فيه، وسطروا عن عاد وثمود والعمالقة في ذلك أخباراً عريقة في الكذب، من أغربها: ما يحكون عن عوج بن عناق، رجُلٍ من العمالقة الذين قاتلهم بنو إسرائيل في الشام؛ زعموا أنه كان لطوله يتناول السمك من البحر ويشويه إلى الشمس!"
    ثم قال:
    "كذلك عوج بن عناق: هو فيما ذكروه من العمالقة أو من الكنعانيين الذين كانوا فريسة بني إسرائيل عند فتحهم الشام. وأطوال بني إسرائيل وجسمانهم لذلك العهد قريبة من هياكلنا. يشهد لذلك أبواب بيت المقدس، فإنها وإن خربت وجددت، لم تزل محافظة على أشكالها ومقادير أبوابها. وكيف يكون التفاوت بين عوج وبين أهل عصره بهذا المقدار؟! وإنما مثار غلطهم في هذا أنهم استعظموا آثار الأمم، ولم يفهموا حال الدول في الاجتماع والتعاون، وما يحصل بذلك وبالهندام من الآأثار العظيمة، فصرفوه إلى قوة الأجسام وشدّتها بعِظَم هياكلها. وليس الأمر كذلك."
    وقال بعد ذلك، وهنا بيت القصيد:
    "وقد زعم المسعودي، ونقله عن الفلاسفة، مزعماً لا مستند له إلا التحكُّم، وهو: أنّ الطبيعة التي هي جِبِلّة للأجسام، لـمّا برأ الله الخلقَ كانت في تمام المرّة ونهاية القوة والكمال. وكانت الأعمار أطول والأجسام أقوى، لكمال تلك الطبيعة؛ فإنّ طروء الموت إنما هو بانحلال القوى الطبيعية، فإذا كانت قوية، كانت الأعمار أزيد. فكان العالم في أولية نشأته تامّ الأعمار، كامل الأجسام. ثم لم يزل يتناقص، لنقصان المادة، إلى أن بلغ إلى هذه الحال التي هو عليها. ثم لا يزال يتناقص إلى وقت الانحلال وانقراض العالم.
    وهذا رأي لا وجه له إلا التحكم كما تراه، وليس له علّة طبيعية ولا سبب برهاني. ونحن نشاهد مساكن الأولين وأبوابهم وطرقهم فيما أحدثوه من البنيان والهياكل والديار والمساكن، كديار ثمود المنحوتة في الصلد من الصخر، بيوتاً صغاراً وأبوابها ضيّقة. وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنها ديارهم، ونهى عن استعمال مياههم وطرح ما عجن به وأهرقه، وقال: " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم". وكذلك أرض عاد، ومصر، والشام، وسائر بقاع الأرض شرقاً وغرباً. والحق ما قرّرناه."
    وأترك هذه النقول ليواجهها أو يوجّهها أخونا أبو الفداء، كما عوّدنا...
    وابن خلدون كتب ما كتب قبل اكتشاف الديناصور...
    والله ولِيّ التوفيق.

  6. #6
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    بارك الله فيكم أيها الأحبة
    وشكر لكم الإثراء والمدارسة النافعة..
    الإشكال إنما يأتي بالأساس من منهج الاستدلال وطريقة النظر كما أسلفتُ في المشاركة الأولى..
    وكلام ابن خلدون رحمه الله فيما تفضلتم بنقله أخي الواحدي هو كما يظهر أشد إغراقا في هذا المهيع مما نرى في استشكال ابن حجر رحمه الله.. وبينما كان الحافظ مستشكلا متوقفا فيما أشكل عليه، نرى ابن خلدون رحمه الله يدفع بنفسه في ذلك الطريق دفعا، يحاجج بما معه فيه ويأخذ ويرد، وما كان يلزمه ذلك أصلا كما سيأتي.
    دعني أنبه ابتداءا إلى فرق ظاهر بين السياقين، سياق إيراد الحافظ في الفتح وسياق كلام ابن خلدون المنقول. فأقول إنه لما كان كلام الحافظ في معرض الاستشكال على فهم السابقين لحديث صحيح بمثل هذه الأمور (بقايا ما ينسب إلى ثمود ونحوهم من البنايات والديار)، جاء الخلل عنده من جهة الانتهاض بمثل هذه الأشياء إلى منزلة تأويل نص من نصوص السنة بها والاستشكال على ظاهر معناه .. أما ابن خلدون فنراه – في المقابل - يورد كلامه ذاك ردا على أصحاب الأساطير وعلى الفلاسفة الذين زعموا أن الخلق كله في تناقص مطلق في كل شيء، كأن الكون ماض في انهيار وتفكك يتهدم شيئا بعد شيء من يوم أن خلقه الله إلى يوم القيامة، وكأن القيامة ستقوم يوم لا يبقى في الكون قوة تجمع بعضه إلى بعض من سوء ما بلغ به حاله!! وهذا باطل بين لا يخفى بطلانه.. وبينما كان يكفي للجواب عليه أن يقال للفيلسوف أن انظر إلى إحكام صنعة الكون ونظمه وانضباطه في كل صغيرة وكبيرة، ((هل ترى من فطور))، نجده يحشد مشاهدات حسية (بفرضيات أصحاب التاريخ الظنية في تفسيرها) على أنها يمكن ترجيها وتغليبها على تلك الفرضيات الفلسفية في مقابلها، وليس هذا بما يسلم من الأخذ والمجاذبة من جانب من يجادله، بل هو مردود عليه كما سيأتي..
    وقد نلتمس عذرا لابن خلدون في أنه لم يكن في معرض دراسة نص نبوي تأويلا وتوجيها كما كان الحال مع الحافظ رحمهما الله.. وكلامه كان من باب الرد على كلام متهافت بصنوف الأدلة التي يعظمها المردود عليه.. غير أنني قدمت بأنه أغرق في ذلك وما كان يلزمه أن يفعل، فبيان بطلان وتهافت تلك الفلسفة التي أشار إليها لا يحتاج إلى التعويل على كلام قد يثبت بطلانه هو الآخر بمشاهدات أخرى من مثله وعلى درجته في قوة الاستدلال في بابها (تاريخ الأمم السابقة عند أصحاب التاريخ: ثم أصحاب الأركيولوجيا في زماننا) فتسقط حجته بذلك ويأتي من بعده من يتخذ من كلامه هذا مادة للتندر!
    فالحكمة تقتضي أن ينقب المناظر أو المحاجج عن أقوى الحجج ليقدم الكلام بها حتى لا يطول عليه الطريق.. وهذا يأتي من حسن تقدير منازل الأدلة وقوة الدلالة فيها، وتفاوتها في ذلك من صناعة إلى صناعة ومن فن إلى فن.
    والذي يظهر من كلام ابن خلدون في الحقيقة يخالفه الظن به، من كون مثله لا يغفل عن نص في منزلة حديث خلق آدم وما أثبت النبي عليه السلام فيه من تناقص للخلق (خلق البشر) إلى يوم نزول الوحي بهذا المعنى.. فلا أدري كيف يمكن توجيه تلك النقولات من غير تخطئته فيها، والله المستعان!
    تأمل قوله هذا: " لا تتوهَّمْ ما تتوهّمه العامّة أنَّ ذلك لعِظَم أجسام الأقدمين عن أجسامنا في أطرافها وأقطارها، فليس بين البشر في ذلك كبير بون كما تجد بين الهياكل والآثار.
    ولقد ولع القُصَّاص بذلك وتغالوا فيه، وسطروا عن عاد وثمود والعمالقة في ذلك أخباراً عريقة في الكذب، من أغربها: ما يحكون عن عوج بن عناق، رجُلٍ من العمالقة الذين قاتلهم بنو إسرائيل في الشام؛ زعموا أنه كان لطوله يتناول السمك من البحر ويشويه إلى الشمس!"

    قلت لا شك أن في كلام أصحاب الأساطير إفراطا وخرافات.. ولكن هذا لا تقوم به الحجة في إبطال ما يريد إبطاله! فكلامه هنا ظاهره إنكار عظم خلق الأولين مطلقا، وهذه مجاوزة ومجازفة منه رحمه الله .. فليت شعري كيف هو من الحديث الذي بين أيدينا؟ وكيف هو من مثل قول الله تعالى: ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) [الروم : 9]
    وقوله رحمه الله:
    "واعلمْ أنَّ تلك الأفعال للأقدمين إنما كانت بالهندام، واجتماع الفعَلة، وكثرة الأيدي عليها؛ فبذلك شيدت تلك الهياكل والمصانع"
    هذا محض افتراض منه، فمن أين أتته البينة به حتى يقرر هذا التقرير؟
    بل إن شئنا اليوم أن نثبت له بطلان هذا المعنى (معنى الاكتفاء بما ذكر من ترتيبات ليتمكن بشر في مثل أجسامنا من بناء كثير من تلك المباني الكبرى التي خلّفها الأولون) لسهل علينا هذا جدا، بنفس ذلك الطريق الذي سلكه في الاستدلال ولكن بفارق عدة قرون من تراكم المعارف التجريبية والنظريات المبنية عليها .. فيكفي أن نسأله: كيف يمكن أن تنقل قطعة حجر تزن سبعين طنا (من بعد قطعها من مكانها بهذه الدقة ابتداءا) لتُرص مثل هذا الرص المحكم العجيب في بنيان هرم الجيزة "بالهندام واجتماع الفعلة وكثرة الأيدي عليها" كما يقول؟ لا شك أنه لو علم - رحمه الله - أوزان تلك الأحجار وما يلزم بشرا بمثل أجسامنا تلك من "ترتيبات" لمجرد خلعها من مكانها فضلا عن تحريكها ونقلها ثم رصها كقوالب الطوب مع مراعاة التوجيه الفلكي للمجاري والأنفاق داخل بنيان الهرم المصمت على هذا النحو الذي نراه .. لأعاد النظر! فالمسألة ليست بالسهولة التي تصورها رحمه الله.. إن القوم المفتونين بهذا البنيان في زماننا لا يسمونه "بالمعجزة" إلا لأننا نعجز حقا عن بناء بنيان مثله حتى مع ما توصلنا إليه من تقنيات! ولكن بالنسبة لرجل طوله يقارب الثلاثين مترا، فإن المقاييس حينئذ تختلف!! هذا وحدِّث ولا حرج عن بقايا الديناصورات وما يسمى بالميجافاونا Mega-fauna(كالماموث وغيره من هياكل لدواب كثيرة عملاقة)، وكلها تدخل في جنس (الهياكل والآثار) التي اتخذ هو منها دليلا!
    وقوله: " وأطوال بني إسرائيل وجسمانهم لذلك العهد قريبة من هياكلنا"
    قلت فمن الذي تكلم عن ذلك العهد؟ ومن الذي قال أن عدم وجدان الأثر دليل على العدم؟ هذا فساد واضح في الاستدلال!
    أما كلام المسعودي في " انحلال القوى الطبيعية" وقوله " لم يزل يتناقص، لنقصان المادة" و" ثم لا يزال يتناقص إلى وقت الانحلال وانقراض العالم" فكل هذا كما قال فيه: تحكم باطل لا برهان عليه! ولكن ما كان يلزمه الخوض في تلك المجازفات حتى يثبت بطلانه وتهافته، والله المستعان.
    أما قول ابن خلدون بأن النبي عليه السلام قد أشار إلى أنها ديارهم يعني بذلك ديار ثمود، فما وقفت على نص صحيح بهذا المعنى، بمعنى إثبات نسبتها إلى ثمود.. وفي جميع الأحوال فلا إشكال حتى على التسليم بأنها هي ديار ثمود، كما تقدم في المشاركة الآنفة..
    فالحاصل أنه هو الذي تحكم بغير بينة رحمه الله وما كان له ذلك..
    هذا والله أعلى وأعلم.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,168

    افتراضي رد: جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    ما زلت أتساءل إلى اليوم: كيف استطاعت جماعة صغار - ولو كانوا ألوفا - أن يرفعوا أكبر صخرة في أهرامات مصر الكبار؟؟

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,617

    افتراضي رد: جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    ينظر هنا فله علاقة : http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=27442

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2014
    المشاركات
    27

    افتراضي رد: جواب استشكال للحافظ في الفتح عند شرحه لحديث "طوله ستون ذراعا"

    أخي الطيب نضال مشهود (إبتسامة!!) هناك من يرى أن الأهرام بنيت بقوة الجن الذي كان الفراعنة يسخرونهم ويملكونهم سحراً !!!!!!!!!!!!!!!!! ولم لا تساعد الشياطين الانس على بناء معابد شركية كانت ولا تزال !!!!!
    أما عن الإشكال في الحديث فتبقى إعتراضات في الفهم البشري لكن وكا تعلمون يجب التسليم بالنص النبوي وما لم يتبين حل الإشكال فيكفينا قول الشافعي : أمنت برسول الله وبقول رسول الله وعلى مراد رسول الله كما روي عنه من وجه .
    يقولون لي : فيك إنقباضٌ ، وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •