بحثٌ في لفظة " لعمري " - للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: بحثٌ في لفظة " لعمري " - للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    258

    افتراضي بحثٌ في لفظة " لعمري " - للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله

    " لَعَمري"
    بـقلم: فضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري
    المدرسبالجامعة الإسلامية
    ( مجلة الجامعة الإسلامية / العدد 26 (

    الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلامعلى نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

    فلقدجرى بيني وبين بعض الإخوان بحث مهم حول زعم النحويين إن كلمة "لعمري" نص في اليمينكما قال ابن مالك في ألفيته:

    وفي نص يمين ذا استقر ... وبعد لولا غالباً حذفالخبر

    وأثارت هذه الدعوى بيننا استشكالاً عميقاً لأنها لا تتلاءم مع نهي الشارععن الحلف بغير الله على القول بأنها يمين شرعاً، لما ثبت في:


    1- حديث عمر ابن الخطابرضي الله عنه عند الشيخين،قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافععن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بنالخطاب رضي الله عنه وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: (( ألا إن الله ينهاكم أنتحلفوا بآبائكم من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )).

    2- وعند ابن أبي شيبة في مصنفه
    من طريق عكرمة، قال : قال عمر: (( حدثت قوماً حديثاً فقلت " لا وأبي " . فقال رجل من خلف :" لا تحلفوا بآبائكم " ، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لو أن أحدكمحلف بالمسيح هلك والمسيح خير من آبائكم )) .
    قال الحافظ : وهذا مرسل يتقوى بشواهده.

    3- وعند
    الترمذي من وجه آخر عن ابن عمر : أنه سمع رجلاً يقول : " لا والكعبة " فقال: لا تحلفبغير الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من حلف بغير الله فقد كفرأو أشرك )) .
    قال الترمذي : حسن وصححه الحاكم.

    4- وقال النووي: قال ابن عباس رضي الله
    عنهما: ( لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر ) .

    5- وروى عبد
    الرزاق عن الثوري عن أبي سلمة عن وبرة قال: قال عبد الله : - لا أدري ابن مسعود أو ابنعمر - : ( لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً ) . اهـ ( ج8 ص469 منالمنصف )91.
    قال الهيثمي : ورواه الطبراني في الكبيرورجاله رجال الصحيح. ( ج4 ص )177.

    وقال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله
    ؛أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده .

    وقال ابن عبد
    البر : أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلفبها وجزم غيره بالتفصيل فقال فإن اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في اللهحرم الحلف به وكان بذلك كافراً وعلى هذا يتنزل حديث الترمذي المذكور.
    وأما إذاحلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلكولا تنعقد يمينه.
    قال الماوردي : لا يجوز لأحد أن يحلف أحدا بغير الله لا بطلاق ولا
    عتاق ولا نذر وإذا حلف الحاكم أحداً بشيء من ذلك وجب عزله لجهله . اهـ

    وهذاهو سبب الاستشكال المذكور آنفاً حول كلمة "لعمري" وفي ضمن البحث قلت : إن لفظ "لعمري" ليس يميناً شرعياً، بل هو يمين لغوية : أ- لخلوه من حروف القسم المعروفة المحصورةفي الواو والباء والتاء ،
    ب-ولعدم الكفارة على من أقسم بها.
    هذا مع ثبوت الحديث بأن
    النبي صلى الله عليه وسلم نطق بها ، وصح عن بعض أصحابه رضي الله عنهم التفوه بها ، منهم :
    ابن عباس ، وعثمان ابن أبي العاص ، وعائشة أم المؤمنين ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق ، وعمربن الخطاب، وأبو عبيدة ابن الجراح ، وغيرهم رضي الله عنهم ،
    وكذلك صح عن التابعين لهمبإحسان استعمالها ، منهم : عطاء ، وقتادة ، وغيرهما كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى ،
    ولم يثبت عن أحد حسب الاستقراء مخالفتهم ، إلا ما حُكي عن الحسن البصري وإبراهيم
    النخعي .

    قال عبد الرزاق :اخبرنا معمر عن مغيرة عن إبراهيمأنه كان يكره "لعمرك" ولا يرى بـ"لعمري " بأساً .
    قال معمر : وكان الحسن يقول : لا بأس
    بـ"وأيم الله"، ويقول قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأيم الذي نفسي بيده" .اهـ ( ج8 ص469- 471) .

    وهما محجوجان بالنصوص الواردة في جواز التكلم بها إن لم نحمل
    قولهما على عدم بلوغ النصوص إليهما ، وهذا هو الأظهر المظنون بمثلهما أو على أنهمامنعا ذلك سداً للذريعة.
    وأما قياس إبراهيم النخعي هذه الكلمة "لعمري"على قولالإنسان "وحياتي" فقياس مع فارق ، وهو باطل - كما هو معروف في فن الأصول - ؛ لأن الأخيرةمعها واحد من حروف القسم التي أجمع على أنها صريحة في اليمين بخلاف تلك أي " لعمري "فإن اللام فيه ليست من أدوات القسم لما تقدم. بل مثل هذه اللفظة تعتبر جرياً علىرسم اللغة تذكر لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط لأنه أقوى من سائر المؤكدات وأسلممن التأكيد بالقسم بالله لوجوب البر به وليس الغرض فيه اليمين الشرعي ، فصورة القسمعلى هذاالوجه المذكور لا بأس به ، ولهذا شاع بين المسلمين استعمالها. وقد قال النوويفي شرحه على حديث مسلم والدارمي وأبي داود ؛ أعني حديث إسماعيل بن جعفر قال مسلمالنيسابوري القشيري في صحيحه : حدثني يحيى بن جعفر ، قال مسلم النييسابوري القشيري فيصحيحه : حدثني يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد جميعاً عن إسماعيل بن جعفر ، عن أبي سهيل عنأبيه ، واسم أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، ونافع هذا عم مالك بن أنسالإمام وهو تابعي سمى أنس بن مالك عن طلحة بن عبيد الله: (( أنه جاء رجل إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنامن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة ، فقال: هل عليّ غيرهن؟ قال: لا إلا أنتطوع، وصيام شهر رمضان. فقال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أنتطوع ، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل عليّ غيرها؟قال: لا إلا أن تطوع. فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقالرسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح وأبيه أو دخل الجنة وأبيه إن صدق )) .

    وقال الحافظ
    محيى الدين النووي في شرحه: هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه مع قولهصلى الله عليه وسلم: (( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم )) وجوابه أن قوله صلى اللهعليه وسلم: (( أفلح وأبيه )) ليس حلفاً إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها فيكلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف ، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه منإعظام المحلوف به ومضاهاته به ومضاهاته به الله سبحانه وتعالى فهذا هو الجوابالمرضي ، وقيل : يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى واللهأعلم. اهـ
    وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام النووي هذا وزاد: "ولأبي داود مثل روايةمسلم لكن بحذف (أو) في قوله: "أفلح وأبيه إن صدق ودخل الجنة وأبيه إن صدق". ثم قال: "إن هذه كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرت على لسانهم ( عقري وحلقي) وما أشبه ذلك أو فيه إضمار اسم الرب. وكأنه قال ورب أبيه وقيل هو خاص به صلى اللهعليه وسلم ويحتاج هذا القول إلى دليل وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه قال هو تصحيف،وإنما كان والله فقصرت اللامان واستنكر القرطبي هذا وقال أنه يجزم الثقة بالروايةالصحيحة وغفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ "وأبيه" لم تصح لأنها ليست في الموطأوكأنه لم يرتض الجواب فعدل إلى رد الخبر وهو صحيح لا مرية فيه".
    قال البيهقي: "وأما الذي روينا في كتاب الصلاة عن طلحة بن عبيد الله في قصةالأعرابي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفلح وأبيه إن صدق". فيحتمل أن يكونهذا القول منه صلى الله عليه وسلم قبل النهي ويحتمل أن يكون جرى ذلك منه على عادةالكلام الجاري على الألسن وهو لا يقصد به القسم كلغو اليمين المعفو عنه. ويحتمل أنيكون النهي إنما وقع عنه إذا كان منه على وجه التوقير والتعظيم لحقه دون ما كانبخلافه ولم يكن ذلك منه على وجه التعظيم بل كان على وجه التوكيد.
    ويحتمل أنه كانصلى الله عليه وسلم أضمر فيه اسم الله تعالى كأنه قال لا ورب أبيه وغيره لا يضمر بليذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه". قال السهيلي في روض الأنف ج6 ص548 غزوة خيبر حول شرح "فاغفر فداء لك ما أبقينا" بعنوان "استعمال الكلمة في غير موضعها"قال في ذلك: "فربكلمة ترك أصلها واستعملت كالمثل في غير ما وضعت له أولا كما جاءوا بلفظ القسم فيغير موضع القسم إذا أرادوا تعجباً واستعظاماً لأمر كقوله عليه الصلاة و السلام فيحديث الأعرابي من رواية إسماعيل بن جعفر: "أفلح وأبيه إن صدق" ومحال أن يقصد صلىالله عليه وسلم القسم بغير الله تبارك وتعالى لا سيما برجل مات عليه الكفر وإنما هوتعجب من قول الأعرابي والمتعجب منه مستعظم ولفظ القسم في أصل وضعه لما يعظم فاتسعفي اللفظ على هذا الوجه قال الشاعر:
    فلا وأبي أعدائها لا أخونها ... فإن تك ليلىاستودعتني أمانة
    لم يرد أن يقسم بأبي أعدائها ولكنه ضرب منالتعجب وقد ذهب أكثر شراح الحديث إلى النسخ في قوله: "أفلح وأبيه" قالوا نسخه قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" وهذا قول لا يصح لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كانيحلف قبل النسخ بغير الله ويقسم بقوم كفار وما أبعد هذا من شيمته صلى الله عليهوسلم تالله ما فعل هذا قط ولا كان له بخلق، وقال قوم رواية إسماعيل بن جعفر مصفحةوإنما هو "أفلح والله إن صدق"وهذا أيضاً منكر من القول واعتراض على الاثبات العدولفيما حفظوا. وقد خرج مسلم في كتاب الزكاة قوله عليه الصلاة والسلام لرجل سأله أيالصدقة أفضل فقال: "وأبيك لأنبئنك أو قال لأخبرنك "وذكر الحديث. وخرج في كتاب البروالصلة قوله لرجل سأله: "من أحق الناس بأن أبره؟ أو قال: "أصله فقال وأبيك لأنبئكصل أمك" الحديث.
    فقال: "في هذه الأحاديث كما ترى "وأبيك" فلم يأت إسماعيل بنجعفر إذا في روايته بشيء إمر ولا بقول بدع. وقد حمل عليه في روايته رجل من علماءبلادنا وعظماء محدثيها يعني الحافظ بن عبد البر وغفل عفا الله عنه عن الحديثيناللذين تقدم ذكرهما وقد خرجهما مسلم بن الحجاج وفي تراجم أبي داود في كتاب الإيمانفي مصنفه ما يدل على أنه كان يذهب إلى قول من قال بالنسخ وأن القسم بالآباء كانجائزاً. والذي ذكرناه ليس في باب الحلف بالآباء كما قدمنا ولا قال في الحديث وأبي،وإنما قال وأبيه أو وأبيك بالإضافة إلى ضمير المخاطب أو الغائب وبهذا الشرط يخرج عنمعنى الحلف إلى معنى التعجب الذي ذكرناه هكذا في الروض الآنف ج6 ص548 في غزوة خيبرالطبعة الأخيرة.
    وقال الحافظ: "وأقوى الأجوبة الأولان وهما أن هذا كان قبل النهيأو أنها كلمة جارية على اللسان كما تقدم في كلام النووي. وكونه منسوخاً أصح لحديثعمر وابنه".

    فصلٌ في ذكر بعض ما ورد فيهذه الكلمة مرفوعاً وموقوفاً ومقطوعاً

    فهاك أيها القارئ الطالب للحق بعضما ورد في هذه الكلمة مرفوعاً اسرده لك بعدما مهدت به على هذه المسألة ولقد فتشتوسألت عمن ألف في خصوصيتها فلم أجد من قرع بابها قبل قلمي هذا.

    فأقول وباللهالتوفيق (الأحاديث المرفوعة) في المسألة قولاً وتقريراً من الشارع صلى الله عليهوسلم:

    1- قال أبو داود سليمان بن الأشعث في سننه : حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ثنا
    شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن خارجة بن الصلت عن عمه بن صحار التميميأنه مر بقوم فأتوه فقالوا إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل فأتوهبرجل معتوه في القيود فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية وكلما ختمها جمعبزاقه ثم تفل فكأنما أنشط من عقال فأعطوه شيئاً ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرله ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
    (( كل ، فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت
    برقية حق )) .

    2- وقال أبو داود أيضا في سننه : حدثنا عبد الله بن مسلمة عبد مالك عن زيد بن
    أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال:
    نزلت وأنا وأهلي ببقيع الغرقد
    ، فقال لي أهلي : اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله لنا شيئاً نأكله ، فجعلوايذكرون من حاجتهم ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلاً يسألهورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا أجد ما أعطيك )) فتولى الرجل وهو مغضب وهويقول: " لعمري إنك لتعطي من شئت " ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يغضب عليّ أنلا أجد ما أعطيه، من سأل منكم وله أوقية أو عد لها فقد سأل إلحافا )) .
    قال الأسدي
    :فقلت للقحة لنا خير من أوقية ، - والأوقية أربعون درهماً - ، قال : فرجعت ولم أسأله فقدم عليرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك شعير أو زبيب فقسم لنا منه أو كما قال حتىأغنانا الله عز وجل.
    قال أبو داود : هكذا روى الثوري كما قال مالك . اهـ


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    258

    افتراضي رد: بحثٌ في لفظة " لعمري " - للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله

    فصلٌ في الآثار عنالصحابة

    وقد تقدم أن سبعة من الصحابة نطقوا بهذه الكلمة بعد وفاته صلىالله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي روى حديث النهي عن الحلف بغيرالله فقد ثبت عنه في كتابه إلى أبي عبيدة بن الجراح أنه قال:
    "
    أما بعد فقد قدمعليّ أخو ثمالة بكتابك يخبرني فيه بنفر الروم إلى المسلمين براً وبحراً وبما جاشواعليكم من أساقفتهم وقسيسهم ورهبانهم وإن ربنا المحمود عندنا والصانع لنا والعظيم ذاالمن والنعمة الدائمة علينا قد رأى مكان هؤلاء الأساقفة والرهبان حيث بعث محمداًصلى الله عليه وسلم بالحق وأعزه بالنصرة ونصره بالرعب على عدوه وقال وهو لا يخلفالميعاد {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّلِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} فلا تهولنككثرة ما جاءك منهم فإن الله منهم بريء من برئ الله منه كان قمنا أن لا تنفعه كثرةوإن يكله الله إلى نفسه ويخذله ولا توحشنك قلة المسلمين في المشركين فإن الله معكوليس قليلاً من كان الله معه فأقم بمكانك الذي أنت فيه حتى تلقى عدوك وتناجزهموتستظهر بالله عليهم وكفى به ظهيراً وولياً ونصيراً. وقد فهمت مقالتك احتسب أنفسالمسلمين إن هم أقاموا ودينهم إن هم تفرقوا فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أنيمدهم الله بملائكته ويأتيهم بغياث من قبله.
    وأيم اللهلولا استثناؤك بهذا لقد كنت أسأت ولعمري إن أقام لهم المسلمون وصبروا فأصيبوا لماعند الله خير الأبرار ولقد قال الله عز وجل {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُوَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} فطوبى للشهداء وإن لمن عقلعن الله ممن معك من المسلمين لأسوة بالمصرعين حول رسول الله صلى اللهعليه وسلم فيمواطنه فما عجز الذين قاتلوا في سبيل الله ولا هابوا الموت في جنب الله ولا وهنالذين بقوا من بعده ولا استكانوا لمصيبتهم ولكنهم تأسوا بها وجاهدوا في الله منخالفهم منهم وفارق دوينهم ولقد أثنى الله على قوم بصبرهم فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْنَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِيسَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّالصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَاعَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فأما ثواب الدنيا فالغنيمةوالفتح وأما ثواب الآخرة فالمغفرة والجنة واقرأ كتابي هذا على الناس ومرهمفليقاتلوا في سبيل الله وليصيروا كيما يؤتيهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. فأما قولك أنهم قد جاءهم ما لا قبل لهم به فإن لا يكن لكم بهم قبل فإن لله بهم قبلاولم يزل ربنا عليهم مقتدرا ولو كنا والله إنما نقاتل الناس بحولنا وقوتنا وكثرتنالهيهات ما قد أبادونا وأهلكونا ولكن نتوكل على الله ربنا ونبرأ إليه من الحولوالقوة ونسأله النصرة والرحمة وإنكم منصورون إن شاء الله على كل حال فأخلصوا للهنيتكم وارفعوا إليه رغبتكم واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم فتفلحون".
    قال أحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب في العصور العربيةالزاهرة ذكرها صاحب فتوح الشام ص 162.
    قلت: قال أبو عبد الله الواقدي مؤلف فتوجالشام والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب و الشهادة ما اعتمدت في أخبار هذهالفتوح إلا الصدق وما نقلت أحاديثها إلا عن الثقات.
    قال الخطيب البغدادي فيكتابه الموضح: "أخبرنا السكري أخبرنا جعفر الواسطي أخبرنا ابن المتوكل أخبرناالمدائني قال: قال عبد الله بن فائد وغسان ابن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الله بنمسور بن مخرمة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال لمتمم بن نويرة أنشدني مرثيتك أخاكمالكاً فأنشده:
    ولا جزعاً مني وإن كنت موجعا ... لعمري وما عمري بتابينهالك
    قال الإمام أحمد حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بنوقاص قال أخبرتني عائشة رضي الله عنها قالت خرجت يوم الخندق أقفو الناس فسمعت وئيدالأرض ورائي فإذا أنا بسعد بن معاذ رضي الله عنه ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحملمجنة قالت فجلست إلى الأرض فمر سعد رضي الله عنه وعليه درع من حديد قد خرجت منهأطرافه فأنا أتخوّف على أطراف سعد قالت وكان سعد رضي الله عنه من أعظم الناسوأطولهم فمر وهو يرتجز ويقول:
    ما أحسن الموت إذا حان الأجل ... ليث قليلاً يشهدالهيجا حمل
    قالت فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين وإذا فيها عمر بنالخطاب رضي الله عنه وفيهم رجل عليه تسبغة له تعني المغفر فقال عمر رضي الله عنه ماجاء بك"لعمري"والله إنك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تخور قالت فما زاليلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت في ساعتئذ فدخلت فيها فرفع الرجل التسبغة عن وجههفإذا هو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فقال يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوموأين التخور أو الفرار إلا إلى الله" الحديث ذكره ابن كثير بطوله جـ3 ص479.
    ومنهم ابن عمر رضي الله عنهما فقد جاء عن جويرية بنت أسماءعن نافع بن شيبة قال: "لقي الحسين معاوية بمكة عند الردم فأخذ بخطام راحلته فأناخبه ثم ساره طويلاً وانصرف فزجر معاوية الراحلة فقال له ابنه يزيد لا يزال الرجل قدعرض لك فأناخ بك"قال: "دعه لعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله"في كلام طويل إلىأن قال: "وقال ابن عمر للحسين: "لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير بينالدنيا والآخرة فاختار الآخرة وإنك بضعة منه ولا تنالها ثم اعتنقه وبكى وودعه فكانابن عمر يقول غلبنا بخروجه ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة ورأى من الفتنةوخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن يتحرك". انتهى من سير النبلاءجـ3ص199.
    ومنهم ابن عباس قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري من بنيقشير قبيلة من العرب معروفة النيسابوري في باب النساء الغازيات جـ12 ص190: "حدثناعبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا سليمان يعني ابن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عنيزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله عن خمس خلال فقال ابنعباس لولا أن أكتم علماً ما كاتبت إليه كتب إليه نجدة [1] أما بعد فأخبرني هل كانرسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهم بسهم وهل كان يقتلالصبيان ومتى يتقضى يتم اليتيم وعن الخمس لمن هو؟
    فكتبإليه ابن عباس رضي الله عنهما كتبت تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلميغزو بالنساء وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلميضرب لهن وان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان،وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم"فلعمري" إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذلنفسه ضعيف العطاء منها فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتموكتبت تسألني عن الخمس لمن هو، وإنا كنا نقول هو لنا فأبى علينا قومنا ذلك"وأخرجمسلم عن عروة ابن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال ان ناساً أعمى اللهقلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه أنك لجلف جاف"فلعمري"لقدكانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهابن الزبير فجرب بنفسك فوالله لأن فعلتها لأرجمنك بأحجارك والمراد بالرجل ابن عباسانتهى من مسلم في باب نكاح المتعة جـ1 ص452.
    وأما عائشة أم المؤمنين رضي اللهعنها فقد نطقت بـ"لعمري".
    قال محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه في باب قولهتعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثناإبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة رضي اللهعنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} قال قلت: "أكذبوا أم كذّبوا"قالت عائشة: "كذّبوا"قلت: "فقد استيقنوا أن قومهمكذبوهم فما هو بالظن"قالت: "أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك"فقلت لها: "وظنوا أنهم قدكذبوا"قالت: "معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها"قلت: "فما هذه الآية؟"قالت: "همأتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتىإذا استيأسوا ممن كذبوهم من قومهم فظنت الرسل أن أتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله عندذلك".
    وأخرج الحاكم في مستدركه بسنده إلى عبد الله بن وهبأخبرني عمرو ابن الحارث أن بكيراً حدثه أن أمه حدثته: أنها أرسلت إلى عائشة رضيالله عنها بأخيه مخرمة وكانت تداوي من قرحة تكون بالصبيان فلما داوته عائشة وفرغتمنه رأت في رجليه خلخالين جديدين فقالت عائشة أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنهشيئاً كتبه الله عليه لو رأيتهما ما تداوى عندي وما مرّ عندي لعمري للخلخالين منفضة أطهر من هذين قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي فيالتلخيص سمعه ابن وهب منه.
    وأما عثمان بن أبي العاص فقد أخرج إسحاق بن راهويه فيمصنفه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: "كانت يمين عثمان بن أبي العاص لعمري" [2] وقال الحافظ بن حجر في الإصابة في أسماء الصحابة: "ذكر المرزباني في معجم الشعراءأن عثمان بن بشر بن دهمان كان قد شد في الجاهلية على عمرو بن معد يكرب فهرب عمروفقال عثمان:
    حواسر يخمشن الوجوه على عمرو ... لعمرك لولا الليل قامتمآتم
    وأما أبو عبيدة بن الجراح: فإنه ثبت أنه تكلم بها في كتابه إلى عمر بنالخطاب رضي الله عنهما ولفظه: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عمر أمير المؤمنينمن أبي عبيدة بن الجراح.
    سلام عليكم فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أمابعد:
    فإن الروم قد أقبلت فنزلت فحل طائفة منهم مع أهلهاوقد سارع إليهم أهل البلد ومن كان على دينهم من العرب وقد أرسلوا إلي أن أخرج منبلادنا التي تنبت الحنطة والشعير والفواكه والأعناب وأنكم لستم لها بأهل والحقواببلادكم بلاد الشقاء والبؤس فإن أنتم لم تفعلوا سرنا إليكم بما لا قبل لكم به ثمأعطينا لله عهداً أن لا ننصرف عنكم ومنكم عين تطرف فأرسلت إليهم: أما قولكم أخرجوامن بلادنا فلستم بأهله فلعمري ما كنا لنخرج منها وقد دخلناها وورّثناها الله منكمونزعناها من أيديكم وإنما البلاد بلاد الله والعباد عباده وهو ملك الملوك يؤتيالملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز منيشاء ويذل من يشاء وأما ما ذكرتم من بلادنا وزعمتم أنها بلاد البؤس والشقاء فقدصدقتم قد أبدلنا الله بها بلادكم بلاد العيش الرفيغ أي الواسع والسعر الرخيصوالفواكه الكثيرة فلا تحسبونا بتاركيها ولا منصرفين عنها ولكن أقيموا لنا فوالله لانجشمكم إتياننا ولتأتينكم إن أقمتم لنا فكتبت إليك حين نهضت إليهم متوكلاً على اللهراضياً بقضاء الله واثقاً بنصر الله كفانا الله وإياكم والمؤمنين مكيدة كل كائدوحسد كل حاسد ونصر الله أهل دينه نصراً عزيزاً وفتح لهم فتحاً يسيراً وجعل لهم منلدنه سلطاناً نصيراً . انتهى . من جمهرة رسائل العرب وقد عزاها صاحبها إلى فتوحالشام ص109.


    وروى البزار بسند فيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي - وهو ضعيف جداً- ،وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به ، عن جابر قال : دخل علي بن أبي طالب على فاطمة رضيالله عنها يوم أحد فقال :
    أفاطمـة هاك السيـف غيرذميـم * فلسـت برعديـد ولا بلئيـم
    لعمري لقد أبليت في نصر أحمد * ومرضاة رب بالعباد عليم

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت أحسنت القتال فقد أحسنه سهل بنحنيف وابن الصمة وذكر آخر فنسيه علي فقال جبريل صلى الله عليه وسلم يا محمد هذاوأبيك المواساة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل إنه مني فقال جبريلوأنا منكما انتهى من مجمع الزوائد جـ6 ص 122.
    وأما أسماء بنت أبي بكر الصديق رضيالله عنهما فقد ذكر الحافظ الذهبي في سير النبلاء انها فاهت بهذه الكلمة بما لفظهسفيان بن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي قال قدمت أسماء من الحبشة فقال لها عمر ياحبشية سبقناكم بالهجرة فقالت "لعمري"لقد صدقت كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلميطعم جائعكم ويعلم جاهلكم وكنا البعداء الطرداء أما والله لأذكرنه لرسول الله صلىالله عليه وسلم فأتيته فقال للناس هجرة واحدة ولكم هجرتان.
    وكذلك الصحابي الذيجاءه الأسدي يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أقره صلى الله عليه وسلم علىالنطق بها لما تولى وهو مغضب حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أجد ماأعطيك فقال "لعمري" إنك لتعطي من شئت الحديث تقدم عند أبي داود في باب الأحاديثالمرفوعة ومنهم أبو هريرة.
    (
    قال عبد الرزاق) باب الحلف بغير الله وأيم الله "ولعمري"
    قال الراوي أخبرها عبد الرزاق قال أخبرها ابن جريج قال سمعت عطاء يقولكان خالد بن العاص وشيبة بن عثمان يقولان إذا أقسما "وأبي" فنهاهما أبو هريرة عنذلك أن يحلفا بآبائهما قال فغير شيبة فقال"لعمري"وذلك أن إنساناً سأل عطاء عن "لعمري"وعن"لا"ها الله إذا أبهما بأس فقال لا ثم حدث هذا الحديث عن أبي هريرة وأقولما لم يكن حلف بغير الله فلا بأس فليس"لعمري"بقسم. نتهى منه جـ8 ص469 إلى 471.
    وروى عبد الرزاق أيضاً عن الثوري عن إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوصقال: قال عبد الله من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذا الصلواتالمكتوبة حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى وإن الله قد شرع لنبيكم سننالهدى"ولعمري"ما أخال أحدكم إلا وقد اتخذ مسجداً في بيته ولو أنكم صليتم في بيوتكمكما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولو تركتم سنةنبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقهأو معروف نفاقه ولقد رأيت الرجل يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف فما من رجليتطهر فيحسن الطهور فيخطو خطوة يعمد بها إلى مسجد لله تعالى إلا كتب الله له بهاحسنة ورفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى إن كنا لنقارب في الخطا جـ -1 ص 516 [3] .
    الأحاديث المقطوعة في المسألة.
    وقد ذكرنا في أول التمهيد أن كلمة "لعمري" تكلم بها التابعون منهم عمر بن عبد العزيز فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلىعدي بن أرطأة وكان عاملاً على البصرة: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أن قبلك عمالاًقد ظهرت خيانتهم وتسألني أن آذن لك في عذابهم كأنك ترى أن لك جنة من دون الله فإذاجاءك كتابي هذا فإن قامت عليهم بينة فخذهم بذلك وإلا فاحلفهم دبر صلاة العصر باللهالذي لا إله إلا هو ما اختانوا من مال المسلمين شيئاً فإن حلفوا فخل سبيلهم فإنماهو مال المسلمين وليس للشحيح منهم إلا جهد إيمانهم "ولعمري" لأن يلقوا اللهبخياناتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم والسلام - انتهى سيرة عمر بن عبدالعزيز للإمام مالك ص55.
    وذكر ابن كثير أنه لما احتضر عمر بن عبد العزيز سمعغسالاً يغسل الثياب فقال ما هذا فقالوا غسالاً فقال يا ليتني كنت غسالاً أكسب ماأعيش به يوماً بيوم ولم آل الخلافة ثم تمثل فقال:
    ودانت في الدنيا بوقعالبواتر
    لعمري لقد عمرت في الملك برهة
    ولي سلّمت كلالملوك الجبابر
    وأعطيت حمر المال والحكم والنهي
    كحلم مضى في المزمناتالغوابر
    وأضحى الذي قد كان مما برني
    ولم أسع في لذات عيش نواضر
    فيا ليتنيلم أعن بالملك ليلة
    وقد أنشد هذه الأبيات أيضاً معاوية بن أبي سفيان عند موتهوقال عمر بن عبد العزيز لزوجته فاطمة بنت عبد الملك قد علمت حال هذا الجوهر كلهاوما صنع فيه أبوك ومن أين أصابه فهل لك أن أجعله في تابوت ثم أطبع عليه وأجعله فيأقصى بيت مال المسلمين وأنفق ما دونه فإن خلصت إليه أنفقته وإن مت قبل ذلك "فلعمري"ليردنه إليك قالت له افعل ما شئت ففعل ذلك فمات رحمه الله تعالى ولم يصلإليه فرد ذلك عليها أخوها يريد بن عبد الملك فامتنعت من أخذه وقالت ما كنت لأتركهثم آخذه فقسمه يزيد بين نسائه ونساء بنيه. انتهى من سيرة عمر بن عبد العزيز بروايةمالك بن أنس تأليف أبي محمد عبد الله بن عبد الحكم ص53.
    وقال أيضاً كتب عمر بنعبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وكان والي المدينة أما بعد فقد قرأتكتابك إلى سليمان تذكر فيه أنه كان يقطع لمن كان قبلك من أمراء المدينة من الشمعكذا وكذا يستضيئون به في مخرجهم فابتليت بجوابك فيه "ولعمري"لقد عهدتك يا ابن أمحزم وأنت تخرج من بيتك في الليلة الشاتية المظلمة بغير مصباح "ولعمري "لأنت يومتئذخير منك اليوم ولقد كان في فتائل أهلك ما يغنيك والسلام- انتهى منه ص55.
    وقال أيضاً دخل عمر بن عبد العزيز على الوليد بن عبد الملكفقال يا أمير المؤمنين إن عندي نصيحة فإذا خلا لك عقلك واجتمع فهمك فسلني عنها قالما يمنعك منها الآن قال أنت أعلم إذا اجتمع لك ما أقول فإنك أحق أن تفهم، فمكثأياماً ثم قال يا غلام من بالباب فقيل له ناس وفيهم عمر بن عبد العزيز فقال أدخلهفدخل عليه فقال نصيحتك يا أبا حفص فقال عمر إنه ليس بعد الشرك إثم أعظم عند الله منالدم وإن عمالك يقتلون ويكتبون أن ذنب فلان المقتول كذا وكذا وأنت المسؤول عنهومأخوذ به فاكتب إليهم أن لا يقتل أحد منهم أحدا حتى يكتب إليك بذنبه ثم يشهد عليهثم تأمر بأمرك على أمر قد وضح لك قال بارك الله فيك يا أبا حفص ومنع فقدك عليّبكتاب فكتب إلى أمراء الأمصار كلهم فلم يخرج من ذلك إلا الحجاج فإنه أمضه وشق عليهوأقلقه وظن أنه لم يكتب إلى أحد غيره، فبحث عن ذلك فقال من أين دهينا أو من أشارعلى أمير المؤمنين بهذا فأخبر أن عمر بن عبد العزيز هو الذي فعل ذلك فقال هيهات إنكان عمر فلا نقض لأمره ثم أن الحجاج أرسل إلى أعرابي حروري جاف من بكر بن وائل ثمقال له الحجاج ما تقول في معاوية فنال منه قال له ما تقول في يزيد فسبه قال فماتقول في عبد الملك فظلّمه قال فما تقول في الوليد فقال اجورهم حين ولاك وهو يعلمعداءك وظلمكقال فسكت عنه الحجاج واقترضها منه ثم بعث به إلى الوليد وكتب إليه أناأحوط لديني وأرعى لما استرعيتني وأحفظ له من أن أقتل أحداً لم يستوجب ذلك وقد بعثتإليك ببعض من كنت أقتل على هذا الرأي فشأنك وإياه فدخل الحروري على الوليد وعندهأشراف أهل الشام وعمر فيهم فقال له الوليد ما تقول فيّ قال ظالم جائر جبار قال ماتقول في عبد الملك قال جبار عات قال فما تقول في معاوية قال ظالم قال الوليد لابنالريان اضرب عنقه فضرب عنقه ثم قام فدخل منزله وخرج الناس من عنده فقال يا غلاماردد عليّ عمر فرده عليه فقال يا أبا حفص ما تقول
    في هذاأصبنا فيه أم أخطأنا فقال عمر ما أصبت بقتله ولغير ذلك أرشد وأصوب كنت تسجنه حتىيراجع الله عز وجل أو تدركه منيته فقال الوليد شتمني وشتم عبد الملك وهو حروريأفتستحل ذلك قال "لعمري" ما أستحله لو كنت سجنته إن بدا لك أو تعفو عنه فقام الوليدمغضباً فقال ابن الريان لعمر يغفر الله لك يا أبا حفص لقد راددت أمير المؤمنين حتىظننت أن يأمرني بضرب عنقك فقال عمر ولو أمرك كنت تفعل قال أي"لعمري"قال عمر أذهبإليك - انتهى ص115.
    ومنهم قتادة،قال ابن جرير في تفسيره الجليل حدثنا الحسن قالأخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْمِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَىالنِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} قال فما بال أقوام يتكلفون علمالناس فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري "لعمري"أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفته الأنبياء قبلكقال نبي الله نوح عليه السلام: {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقال نبيالله شعيب عليه الصلاة والسلام {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْمُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} وقال الله لنبيه عليه الصلاةوالسلام {لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } .
    ومنهمعطاء فقد أخرج الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه في باب طواف النساء معالرجال قال وقال لي عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم قال ابن جريج أخبرنا قال أخبرنيعطاء إذ منع ابن هشام الطواف مع الرجال قال كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى اللهعليه وسلم مع الرجال قلت بعد الحجاب أو قبل قال إي "لعمري"لقد أدركته بعد الحجابقلت كيف يخالطن الرجال قال لم يكن يخالطن. وروى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عنعطاء قال قلت له أيحق على النساء إذا سمعن الأذان أن يجبن كما هو حق على الرجال قاللا "لعمري" جـ3 ص 147.



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    258

    افتراضي رد: بحثٌ في لفظة " لعمري " - للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله

    فصلٌ فيأقوال أئمة التفسير واللغة في " لعمرك "

    قال الإمامأبو الفتح ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي الفقيه الحنفي الخوارزمي ( المولود سنة538هـالمتوفى سنة 616هـ ) في كتابه المغرب في ترتيب المعرب :
    العمر بالضم والفتح ؛ البقاء
    ،إلا أن الفتح غلب في القسم حتى لا يجوز فيه إلا الفتح ، ويقال لعمرك ولعمر اللهلأفعلن كذا ، وارتفاعه على الابتداء وخبره محذوف.

    وقال أبو السعادات المبارك بنمحمد بن محمد الجزري - المعروف بابن الأثير - في النهاية في غريب الحديث :
    وفي الحديث أنه
    اشترى من أعرابي حمل خبط فلما وجب البيع قال له اختر فقال له الأعرابي عمرك اللهبيّعا أي أسأل الله تعميرك وأن يطيل عمرك والعمر بالفتح العمر ولا يقال في القسمإلا بالفتح وبيعا منصوب على التمييز أي عمرك الله من بيّع ومنه حديث لعمر الهك هوقسم ببقاء الله ودوامه وهو رفع بالابتداء والخبر محذوف تقديره لعمر الله قسمي أو ماأقسم به واللام للتوكيد فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر، فقلت عمر الله وعمركالله أي بإقرارك لله وتعميرك له بالبقاء.

    قال القرطبي فيتفسيره :
    والعمر بضم العين وفتحها لغتان ومعناهما واحد إلا أنه لا يستعمل في القسم
    إلا بالفتح لكثرة الاستعمال، وتقول عمرك الله أي أسأل الله تعميرك وكره كثير منالعلماء أن يقول الإنسان لعمري لأن معناه وحياتي قال إبراهيم النخعي يكره للرجل أنيقول لعمري لأنه حلف بحياة نفسه وذلك من كلام ضعفة الرجال ونحو هذا قال مالك أنالمستضعفين من الرجال والمؤنثين يقسمون بحياتك وعيشك وليس من كلام أهل الذكران وإنكان الله سبحانه أقسم به في قصة لوط عليه السلام فذلك بيان لشرف المنزلة والرفعةلمكانه فلا يحمل عليه سواه ولا يستعمل في غيره وقال ابن حبيب ينبغي أنيصرف"لعمرك"في الكلام لهذه الآية وقال قتادة هو من كلام العرب قال ابن العربي وبهأقول لكن الشرع قد قطعه في الاستعمال ورد القسم إليه وقال القرطبي القسم بلعمركولعمري في أشعار العرب وفصيح كلامهم كثير قال النابغة الذبياني:
    لقد نطقت بطلاعليّ الاقارع ... لعمري وما عمري عليّ بهين
    أراد بالأقارع بني قريع بن عوفوكانوا قد وشوا به إلى النعمان.


    وقال طرفة العبد:
    لك الطول المرضى وثنياهباليد ... لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى
    والطول بكسر الطاء وفتح الواو الحبلقوله وثنياه أي ما ثنى منه ثم قال وقال بعض أهل المعاني لا يجوز هذا لأنه لا يقاللله عمر وإنما هو تعالى أزلي ذكره الزهراوي وقال أبو حيان في البحر المحيط وهذاالكلام يوهم أن العمر لا يقال إلا فيما له انقطاع وليس كذلك العمر والعمرالبقاء.


    وقال الجوهري في صحاحه قال ابن الأعرابي احتشمته أغضبته وأنشد:
    بطئالنضج محشوم الاكيل ... لعمرك إن قرص أبي خبيب


    وقال في صحاحه أيضا:
    عمر الرجل بالكسر يعمر عمراً وعمراً وعلى غير قياس مصدرهالتحريك أي عاش زمناً طويلاً ومنه قولهم أطال الله عمرك والعمر وهما وإن كانامصدرين بمعنى واحد إلا أنه استعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح فإذا أدخلت عليهاللام رفعته بالابتداء قلت لعمر الله واللام لتوكيد الابتداء والخبر محذوف والتقديرلعمر الله قسمي أو ما أقسم به، فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وقلت عمر اللهما فعلت كذا وعمرك الله ما فعلت ومعنى لعمر الله وعمر الله أحلف ببقاء الله ودوامهوإذا قلت عمرك الله فكأنك قلت بتعميرك الله أي بإقرارك له بالبقاء.


    وقول عمر بنأبي ربيعة المخزومي :
    قمرك الله كيف يلتقيان * أيها المنكح الثريا سهيلاً
    أيسألت الله أن يطيل عمرك لأنه لم يرد القسم بذلك.

    قال أبو الفضل جمال الدين محمدبن مكرم - المعروف بابن المنظور - الإفريقي المصري الأنصاري الخزرجي ، في كتابه لسانالعرب :
    العمر بالفتح والعمر بالضم والعمر بضم العين والميم الحياة يقال قد طال عمره
    وعمره لغتان فصيحتان فإذا أقسموا قال في القسم "لعمري ولعمرك"يرفعونه بالابتداءويضمرون الخبر كأنه قال "لعمرك"قسمي أو يميني أو ما أحلف به.

    قال ابن جني :
    ومما
    يجيزه القياس غير أنه لم يرد به الاستعمال خبر العمر من قولهم لعمرك لأقومنّ فهذامبتدأ محذوف الخبر وأصله لو أظهر خبره لعمرك ما أقسم به فصار طول الكلام بجوابالقسم عوضاً من الخبر.
    وقيل العمر هاهنا الدين وأياً كان فإنه لا يستعمل فيالقسم إلا مفتوحاً وفي التنزيل العزيز {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْيَعْمَهُونَ} لم يقرأ إلا بالفتح.


    وقال أبو حيان : قال أبوالهيثم النحوي"لعمرك" لدينك الذي تعمر وقال ابن الأعرابي عمرت ربي أي عبدته وفلانعامر لربه أي عابد قال ويقال تركت فلاناً يعمر ربه أي يعبده فعلى هذا لعمرك لعبادتكوقال الزجاج ألزموا الفتح القسم لأنه أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمريفلزموا الأخف وقد تقدم من كلام القرطبي أن قتادة قال لعمري ولعمرك من كلام العربقال ابن العربي وبه أقول لكن الشرع قطعه في الاستعمال ورد القسم إليه وقال ابنمنظور روى عن ابن عباس في قوله تعالى {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ} الآية أي لحياتك قالوما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وقال قال أبو الهيثمويقولون معنى لعمرك لدينك الذي تعمر وأنشد بيت عمر بن أبي ربيعة المتقدم قال عمركالله عبدتك الله فنصب وأنشد:
    وذرينا من قول من يؤذينا ... عمرك الله ساعةحدثينا
    فأوقع الفعل على الله عز وجل في قوله "عمرك الله وقال الأخفش في قوله {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ} الآية وعيشك وإنما يريد العمر وقال أهل البصرة اضمر له مارفعه لعمرك المحلوف به وقال الفراء الإيمان يرفعها جواباتها.


    قال الأزهري : وتدخلاللام في لعمرك فإذا أدخلتها رفعت بها بالابتداء فقلت لعمرك ولعمر أبيك فإذا قلتلعمر أبيك الخير نصبت الخير وخفضت فمن نصب أراد أن أباك عمر الخير يعمره عمراًوعمارة فنصب الخير بوقوع العمر عليه ومن خفض الخير جعله نعتاً لأبيك وقال المبرد فيقوله عمرك الله إن شئت جعلت نصبه بفعل أضمرته وإن شئت نصبته بواو حذفته وعمرك اللهوإن شئت كان على قولك عمّرتك الله تعميرا وأنشدتك الله نشيداً ثم وضعت عمرك في موضعالتعمير وأنشد فيه:
    هل كنت جارتنا أيام ذي سلم ... عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا
    يريد ذكرتك الله وقال الأزهري عمرك الله مثل نشدتك اللهقال أبو عبيد سألت الفراء لم أرتفع لعمرك فقال على إضمار قسم ثان كأنه قال وعمركفلعمرك عظيم وكذلك لحياتك مثله قال والدليل على ذلك قول الله عز وجل {اللَّهُ لاإِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُ مْ} الآية.. كأنه أراد والله ليجمعنكم فأضمرالقسم، قال المبرد وفي لغة وعملك يريدون لعمرك ومنه قول عمارة بن عقيلالحنظلي:
    تعرض لي من طائر لصدوق ... عملك ان الطائر الواقع الذي
    وتقول إنكعمري لظريف وقال ابن منظور العرب تقول عمرك الله افعل كذا وإلا فعلت كذا بالنصب وهومن الأسماء الموضوعة في موضع المصادر المنصوبة على إضمار الفعل المتروك إظهارهوأصله من عمّرتك الله تعميرا فحذفت زيادته فجاء على الفعل وأعمرك الله أن تفعل كذاكأنك تحلّفه بالله وتسأله بطول عمرك قال الشاعر :
    ألوي عليك لو أن لبك يهتدي ... عمرتك الله الجليل فإنني
    قال الكسائي عمرك الله لا أفعل ذاك نصب على معنى عمرتكالله أي سألت الله أن يعمّرك كأنه قال عمرت الله إياك قال ويقال أنه يمين بغير واووقد يكون عمر الله وهو قبيح وعمر الله يعمر عمراً وعمارة وعمراً وعمر يعمر ويعمرالأخيرة عن سيبويه كلاهما عاش وبقي زمناً طويلاً .
    قال لبيد :
    لو كان للنفساللجوج خلود ... وعمرت حرسا قبل مجرى داحس
    وأنشد محمد بن سلام كلمة جرير:
    لقدحديت تيم حداء عصبصبا ... لئن عمرت تيم زماناً بغرة
    ومنه قولهم أطال الله عمركقال الحافظ بن عبد البر في الاستيعاب قال عمرو بن الأهتم التميمي:
    لصالح أخلاقالرجال سروق ... ذريني فإن البخل يا أم هيتم
    ولكن أخلاق الرجال تضيق ... لعمركما ضاقت بلاد بأهلها
    وقال الحافظ بن حجر قال هشام بن الكلبي حدثني جعفر بن كلابأن عمر بن الخطاب ولى علقمة بن علاثة العامري حوران فنزلها إلى أن مات وخرج إليهالحطيئة في جده قد مات وأوصى له بجائزة فرثاه بقصيدة منها:
    وبين الغنى إلا ليالقلائل ... فما كان بينني لولقيتك سالماً
    بحور أن أمسىأدركته الحبائل ... لعمري لنعم المرء من آل جعفر
    وأقوال الشعراء في هذه الكلمةكثيرة.

    فصل في بيان أقوال أئمةالمذاهب في الكلمة المسؤول عن حكمها

    أما الإمام مالكففي المدونة الكبرى رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن عبد الرحمن بن القاسموغيره عن مالك رحمه الله قال سحنون قلت أرايت قوله "لعمري "أتكون هذه يميناً قالقال مالك لا تكون يميناً.
    قال الحطاب في كتابه مواهب الجليل شرح مختصر خليل لأبيالمودة الجندي التركي المالكي ما نصه وقوله"لعمري"أو هو زان أو سارق أو قال والصلاةوالصيام والحج أو قال هو يأكل لحم الخنزير والميتة أو يشرب الدم أو الخمر أو يتركالصلاة أو عليه لعنة الله أو غضبه أو أدخله الله النار وكل ما دعى به على نفسه لميكن بشيء من هذا يميناً.
    وأما الإمام امام أهل السنة أحمد بن حنبل الشيباني فقدقال الموفق بن قدامة في المغني قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وقد سئل عن الرفعإي "لعمري"ومن يشك في هذا كان ابن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه وأمره أن يرفع وقالفي موضع آخر في نفس الكتاب وإن قال "لعمري"أو "لعمرك"أو"عمرك"فل يس بيمين، في قولأكثرهم وقال الحسن في قوله "لعمري"عليه الكفارة ثم قال والدليل على أنه ليس بيمينأنه أقسم بحياة مخلوق فلم تلزمه كفارة كما لو قال وحياتي وذاك لأن هذا اللفظ يكونقسماً بحياة الذي أضيف إليه العمر فإن التقدير لعمرك قسمي أو أقسم به والعمر الحياةوالبقاء وقال أبو عبد الله محمد بن مفلح في كتابه الفروع وإن قال "لعمري"أو قطعالله يديه ورجليه أو أدخله الله النار إن فعل كذا فذلك لغو نص عليه الإمام أحمد ولايلزمه إبرار القسم في الأصح.
    وقال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في مختصر الإنصاف وإن قال لعمري أو لعمرك فليس بيمين في قول الأكثر وقالالحسن في قول"لعمري" كفارة وبمثل هذا أفتى حفيده الشيخ عبد اللطيف في منهاج التأسيسفي الرد على ابن جرجيس العراقي حيث قال إن المذهب والأكثر لا يرى أن لعمري أو لعمركيمين وانتفاء الكفارة لانتفاء اليمين . وأما قول الحسن فمرجوح كما تقدم وقد يكونيوجب الكفارة لمعصية القائل وفجوره مع أن اليمين غير مقصودة بها بل هذا يجري علىألسنتهم من غير قصد كقوله عقري وحلقي وقوله ثكلتك أمك بل هو غير معلوم وغير مفهوممن كلام أهل العلم والإيمان وأئمة هذا الشأن أنه يمين بل صريح كلامهم نفي هذا وأنهليس بقسم ثم قال وليس الغرض اليمين الشرعية وتشبيه غير الله به وفي التعظيم حتى يردعليه أن الحلف بغير اسمه تعالى وصفاته عز وجل مكروه كما صرح به النووي في شرحه علىمسلم بل الظاهر من كلام الحنفية أنه كفر إن كان باعتقاد أنه حلف يجب البر به وحرامإن كان بدونه كما صرح به بعض الفضلاء.
    3-
    الأحناف أما المذهب الحنفي فقد قالالعيني في عمدة القاري شرح البخاري وإذا قال "لعمري"فقال الحسن البصري عليه الكفارةإذا حنث فيها وسائر الفقهاء لا يرون فيها كفارة لأنها ليست عندهم يمينا انتهى.


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    258

    افتراضي رد: بحثٌ في لفظة " لعمري " - للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله

    خاتمة المطاف

    لقد تبين مماتقدم من النصوص الدالة على أن كلمة " لعمري " ليست يميناً شرعية تجب الكفارة به تبينمن ذلك أن اليمين الشرعية هي اليمين التي تجب الكفارة على من حلف بها إذا حنث. وأماما ذكره ابن القيم في كتابه التبيان في أقسام القرآن ( ص 428 ) بمن أن أكثر المفسرينمن السلف والخلف بل لا يعرف من السلف فيه نزاع أن "لعمرك "في قوله تعلى {لَعَمْرُكَإِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} قوله إن هذا قسم من الله بحياة رسولهصلى الله عليه وسلم وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لاتعرف لغيره ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط عليه الصلاةوالسلام "لعمرك"إنهم لفي سكرتهم يعمهون "وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرينبل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال . قالابن عباس رضي الله عنهما والعمر بفتح العين المهملة والعمر بضمها واحد إلا أنهمخصوا القسم بالمفتوح لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف بها على ألسنتهم وأيضاً فإنالعمر حياة مخصوصة فهو عمر شريف عظيم أهل أن يقسم به لمزيته على كل عمر من أعماربني آدم ولا ريب أن عمره وحياته صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم والآيات فهو أهلأن يقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات - انتهى.
    فهذا الكلام من الإمامابن القيم يحمل على أنه إنما أراد أن هذه الكلمة قسم لغة وإلا فإن الأحاديث الصحيحةالمتقدمة تمنع وتنهى عن الحلف بغير الله من المخلوقات فإن ذلك من أعظم المحرمات كمادلت عليه الأحاديث المتقدمة هذا كله في غير قسم الله تعالى بما شاء من مخلوقاتهفإنه يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون وقد تقدم في النصوص التي سردناهاعن الأئمة أن هذه الكلمة ليست من الإيمان الشرعية التي تجب الكفارة بها عند الحنثبل هي محمولة على أحد الوجوه المتقدمة.
    أولاً : حمله علىحذف مضاف وقد نقل ذلك عن بعض أهل العلم فيكون التقدير "لواهب عمري"كما في أمثالهامما أقسم فيه بغير الله على قول كقوله تعالى والشمس والليل، والقمر.
    وثانياً: أنيكون المراد بها وبأمثالها ذكر صورة القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط لأنهأقوى من سائر المؤكدات وأسلم من التأكيد بالقسم بالله تعالى لوجوب البر به وليسالغرض اليمين الشرعية وتشبيه غير الله تعالى به في التعظيم بل الظاهر من كلامالأحناف أنها كفر إن كان يعتقد أنه حلف يجب البر به. وحرام إن كان بدون ذلك كما صرحبه بعض الفضلاء فعلى هذا فذكر صورة القسم على أحد الوجوه المذكورة لا بأس به ولهذاشاع استعمال هذه الكلمة بين العلماء بإجماعهم. كما تقدمت عليه النصوص.
    واللهأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه هداةالأمم.


    --------------------------------------------------------------------------------


    [1] هو نحدة بن عامر الحروري بن وؤس الخوارج زائغ عنالحق ذكر في الضعفاء الجرجاني وهو ابن عمير اليماني خرج باليمامة عقب موت يزيد بنمعاوية وقدم مكة وله مقالات معروفة واتباع انقرضوا وقد ذكر له الحافظ ترجمة فيتهذيب التهذيب قتل بعد ابن عباس بقليل في سنة 70 اللسان للحافظ.

    [2]
    قال الإمامأحمد بن حنبل حدثنا إسماعيل عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال كانت يمين عثمان بنأبي العاص"لعمري" انتهى من العلل للإمام أحمد ص406.
    [3]
    أخرجه مسلم وأبو داودففي مسلم ج1 ص232 وفي أبي داود ج1 ص81 .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    9,577

    افتراضي رد: بحثٌ في لفظة " لعمري " - للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله

    بارك الله فيك أخي
    بحث طيب ونقل مميز
    جزاك الله كل خير
    تَصْفُو الحَياةُ لجَاهِلٍ أوْ غافِلٍ ... عَمّا مَضَى فيها وَمَا يُتَوَقّعُ

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •