يقول الدكتور سليمان محمد توبولياك أستاذ الشريعة
- أن الأقليات الإسلامية التى تعيش في الدول غير الإسلامية التي تطبق النظم الديمقراطية، هى تستند أصلا على التعددية الحزبية، والحزب في هذه الأنظمة هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على حقوق الأفراد الذين ينتمون إليه، وكل من لا حزب له لا يستطيع أن يحصل على حقوقه كاملة، والحقوق في الإسلام ضرورة، وكل ما يؤدي إلى تحقيقها فهو ضرورة، ومن هنا نقول إنه يجوز للمسلمين الذين يعيشون أقلية أن يؤسسوا حزبًا لهم.

2- إن الإسلام يأمرنا بالاتحاد والتعاون على البر والتقوى، وإقامة الحزب تعد من أخص صور التعاون على البر والتقوى، وأهمها، لأنه عليه يعتمد ـ في معظم الدول ـ بقاء هذه الأقليات الإسلامية وتماسكها.
3- إن القرآن الكريم يطالب المسلمين بإقامة الدين ونشر الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) )سورة آل عمران :104).
وهذا يتطلب من الأقليات المسلمة أن تكون منظمة، لتتمكن من تحقيق هذا الهدف، ولا يمكنها أن تفعل ذلك في ديار الكفر، إلا إذا نظمت نفسها، ووحدت صفوفها، تحت لواء واحد وذلك هو الحزب.
4- نستدل على ذلك بقاعدة: “وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
والواجب على جميع المسلمين بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيها أن يدعو إلى الإسلام، وأن يتصدوا لجميع مخططات الأعداء ومكائدهم، وأن يطالبوا بحقوقهم، ويحافظوا عليها، وذلك كله واجب على المسلم، وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي إقامة الحزب في تلك المجتمعات، ومن هنا يكون ذلك واجبًا عليهم، لأن نظم تلك المجتمعات تقوم على الحزب، ومن له حزب يستطيع أن يكون له قوة ووجود في تلك المجتمعات.
وقاعدة ارتكاب أخف الضررين ، فحتى لو سلمنا أن في إنشاء الحزب بعض المخالفة والضرر، إلا أننا نعتقد أن في عدم تأسيس الحزب ضررًا أكبر، حيث يهدد ذلك بقاء الإسلام والمسلمين في تلك البلاد، ويؤدي إلى ضياع الحقوق والحريات لهؤلاء المسلمين، ولذلك نرتكب الضرر الأخف لندفع الضرر الأكبر منه.
5- صيانة الحقوق والحريات العامة، ولها في الشريعة الإسلامية منزلة عالية، فلقد رفع الإسلام هذه الحقوق إلى مستوى الحرمات”إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا” ، ولا يتأتي تحقيق مقصود الشارع في صيانة هذه الحقوق والحريات إلا بإنشاء هذه الأحزاب التي تحمي الناس من عسف السلطان وجور الحكام.
6- إذا نظرنا إلى القوى المناوئة للإسلام، وجدناها تعمل في صورة جماعية وتكتلات وأحزاب وجبهات، ولا يقبل في ميزان الشرع ولا العقل أن يواجه الجهد الجماعي المنظم والمعد بكل أسباب القوة والمنعة بجهود فردية مصحوبة بالضعف والهزيمة والعشوائية، والحركة الفوضوية، والروح الاتكالية فالعمل الجماعي لا يفله إلا عمل جماعي مماثل، والقوة لا تفلها إلا القوة، والحديد لا يفله إلا الحديد ، وقد قال الله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدكم) (سورة الأنفال: 60)
7- الواقع المشهود أكبر دليل على ذلك حيث يوجد حزب إسلامي في بريطانيا، وغيرها.
وهذه الأحزاب كان لها دور كبير في تنظيم ونهوض المسلمين هناك ونشر الوعي، وأعتقد أنه لو لم تكن الأحزاب موجودة لما حصل المسلمون في هذه الدول على ما حصلوا عليه.
8- من المعروف في الإسلام أن الأحكام لم تشرع إلا لتحقيق مصالح العباد، في المعاش والمعاد، وأي حكم يخرج من المصلحة إلى المفسدة، أو من الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة في شيء فإذا قلنا بعدم جواز قيام الحزب الإسلامي في الدولة غير الإسلامية، لا شك في أن ذلك الحكم سيضع الناس في الحرج والخطر، حيث لم يعد يمكنهم أن يحافظوا على حقوقهم، وحرياتهم العامة، ويدافعوا عن كيانهم، مما يدل على أن ذلك الحكم يعارض الحكمة من تشريع الأحكام ـ كما ذكرنا ـ والشريعة جاءت أصلاً للتيسير على العباد وما جاءت لإيقاعهم في الحرج والضيق.
9- كما أنه لا يوجد أي دليل يدل على تحريم الأحزاب خاصة إذا كانت هذه الأحزاب ملتزمة بالقواعد والضوابط الشرعية المقررة.
هذا عن حكم إقامة الأحزاب في حالة السماح لهم بذلك.
ويبقى الحكم في إقامة الحزب في الدولة غير الإسلامية هو الجواز على الأصل، بل قد يصل إلى الوجوب كما ذكرنا، ما دام الحزب ملتزمًا بالقواعد الشرعية ومنضبًطا بها.
ومن الأمور التي ينبغي على من يريد إقامة حزب أن يتقيد بما يلي
:
1-
أن يقوم هذا الحزب على أساس القرآن والسنة، لأن القيام على غير هذا الأساس باطل ومرفوض في الإسلام.
2- أن يكون الهدف من إقامة هذا الحزب التعاون على البر والتقوى، والعمل لوجه الله تعالى، ممثلاً في الدفاع عن الإسلام من كل الشبهات التي توجه ضده، ومتمثلا في العمل في كل المجالات النافعة للمسلمين.
3- أن يكون أساس هذا الحزب توحيد كلمة المسلمين في ذلك البلد على كلمة واحدة، قدر المستطاع، بغض النظر عن أصله، ولونه، ولغته وأن يحاول أن يصلح بين المسلمين إذا كان بينهم فرقة ومنافرة.
4- لا يجوز تشكيل أي حزب آخر في ذلك البلد لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى تفرقة المسلمين ومن ثم إلى إضعافهم وتمكين العدو منهم كما حدث في البوسنة قبيل الانتخابات إلا إذا انحرف هذا الحزب عن القرآن والسنة.
5- أن يحاول من يريد تشكيل أي حزب أن يقيم علاقات مع المسلمين في غير بلده، ومع المسلمين في العالم الإسلامي، ليزيد الاهتمام والتآلف بين المسلمين لقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) (سورة الحجرات:10)
6- أن يحاول هذا الحزب أن لا يرتكب أخطاء الأحزاب الأخرى في العالم الإسلامي، وأن لا يفرق ويفاضل بين الناس حسب انتمائهم إلى الحزب أو عدمه.
بل عليهم أن يكونوا مع الحزب إذا كان على الحق، وأن ينتقدوه، ويحاولوا أن ينصحوا قيادته إذا انحرف، وجانب الصواب.
7- يجب أن يكون هذا الحزب حزبًا إسلاميًا، لا علمانيًا، كما يقول الشيخ حسن الترابي: حركة توحيد تؤم كل مقاصد الحياة، فواهم من يقيسها على الأحزاب السياسية، أو يحسبها مشروع طلب السلطة، فإنما هي التزام شامل لهذا الدين الكامل الذي يوحد المعابد يوحد المقاصد: سياسة واقتصادًا، وسلماً وجهادًا، وثقافة واجتماعًا، وترويضًا وتعلمًا وصلاة ونسكًا، ومحيًا ومماتًا” والله تعالى أعلى وأعلم.
يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528622912

مما يجب التنبيه عليه، ولا يحسن السكوت عنه هنا: ما يشيعه بعض الأفراد وبعض الفئات التي تحمل النسب الإسلامي، من أفكار تتعلق بهذا الجانب.
ومن ذلك ما صدر لبعضهم من حكم أو فتوى تجعل أي تكوين لجماعة، أو انتساب إليها عملا محرمًا، وابتداعًا في الدين لم يأذن به الله، سواء سميت هذه المؤسسة جماعة أو جمعية أو حزبًا، أو ما شئت من الأسماء والعناوين.
وهذه جرأة غريبة على دين الله، وتهجم على الشرع بغير بينة، وتحريم لما أحل الله بغير سلطان. فالأصل في الأشياء والتصرفات المتعلقة بعادات الناس ومعاملاتهم الإباحة. وتكوين الجماعات العاملة للإسلام منها.

بل الصـواب أن تكـوين هذه الجماعات مما توجـبه نصـوص الشرع العامـة، وقواعـده الكلية.فالله تعالى يقول: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2)، ويقول : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا). (آل عمران: 103).
والرسول – صلى الله عليه وسلم- يقول: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” (متفق عليه عن أبي موسى. ورواه أيضًا الترمذي والنسائي كما في صحيح الجامع الصغير 6654)، “يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار”. (رواه الترمذي في سننه من حديث ابن عمر).
والقاعدة الفقهية تقول: “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب“. ومن المؤكد أن خدمة الإسلام في هذا العصر، والمحافظة على كيان أمته، والعمل لإقامة دولته، لا يمكن أن يتم بجهود فردية متناثرة هنا وهناك، بل لا بد من عمل جماعي يضم القوى المتشتتة، والجهود المبعثرة والطاقات المعطلة، ويجند الجميع في صف منتظم، يعرف هدفه، ويحدد طريقه.
يؤكد هذا أن القوى المعادية للإسلام، والتي تعمل لأهداف أخرى، لا تعمل متفرقة، بل في صورة كتل قوية ومؤسسات جماعية كبرى، تملك أضخم القوى المادية والبشرية.
فكيف نواجههـا فـرادى متفرقين، والمعركـة تقتضي رص الجميع في صف واحـد، كما قال الله تعالى:( إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ). (الصف: 4)
إن العمل الجماعي لنصرة الإسلام، وتحرير أرضه، وتوحيد أمته، وإعلاء كلمته فريضة وضرورة. فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع، والعمل الجماعي يعني تكوين جماعات أو أحزاب تقوم بهذا الواجب.
جماعات من المسلمين لا جماعة المسلمين
هناك على النقيض من هذه الفكرة فكرة أخرى: ترى العمل الجماعي فريضة، وتحصر هذه الفريضة في جماعة معينة ترى أنها وحدها تمثل الحق الخالص، وما سواها هو الباطل: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ). (يونس: 32).
وبعبارة أخرى تصف هذه الفـئة نفسـها بأنـها “جماعة المسـلمين”، وليـست مجـرد “جماعة من المسلمين” وما دامت هي جماعة المسلمين فكل من فارقها فقد فارق الجماعة، وكل من لم يدخل فيها، فليس في جماعة المسلمين!
وكل ما جاء من أحاديث عن (الجماعة) ولزومالجماعة”، ومفارقة “الجماعة” تنزل على جماعتها.
وهذا النوع من الاستدلال، وتنزيل النصوص على غير ما جاءت له، باب شر على الأمة؛ لأنه يضع الأدلة في غير مواضعها.
ومن هؤلاء من يجعل الحق مع جماعته أو حزبه دون غيره، لمبررات موضوعية يسبغها على حزبه أو جماعته وحدها، وينفيها عمن سواها.
وكثيرًا ما يضع بعضهم أوصافًا فكرية وعملية، عقدية وخلقية، يحدد بها “جماعة الحق” أو “حزب الحق” لتنطبق على جماعته دون غيرها، وهذا نوع من التكلف والتعسف لا يقبله منطق العلم.
وثمة آخرون يجعلون التقدم الزمني هو المعيار الأوحد، فمن سبق غيره فهو الجدير بأن يكون هو صاحب الحق، أو محتكر الحق والحقيقة.
حتى زعم بعض الأحزاب في بعض البلاد الإسلامية أنه وحده يمثل الحق؛ لأنه الحزب الأول الذي أخذ زمام المبادرة، وكل حزب يشكل بعد ذلك يجب أن يلغي نفسه، ولا حق له في البقاء؛ لأن قبول الجماهير له بمثابة المبايعة له، وفي الحديث: “إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما”. (رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد كما في صحيح الجامع الصغير 421).
إن هذه الفتاوى الجاهلة الجريئة من أناس لم ترسخ أقدامهم في علوم الشريعة. هي التي تورد الأمة شر الموارد، وتوقعها في شر المهالك. ولقد قال بعض الفقهاء في العصور الماضية حين رأى فتاوى بعض من ينتسبون إلى العلم: لبعض من يفتي الناس اليوم أحق بالسجن من السرّاق! وذلك لأن السراق يفسدون دنيا الناس، وهؤلاء يفسدون عليهم دينهم.
فكيف لو رأى أولئك الفقهاء ما نقرؤه أو نسمع من فتاوى زماننا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويقول الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس ـ أستاذ الشريعة بالأردن ـ:

العمل للإسلام من خلال جماعة واجب شرعي.. على هذا قامت النصوص من الكتاب والسنة، فكما أن الكفر يُواجِه من خلال جماعة منظمة وتنظيمات قوية، يوالي بعضها بعضا لذا أوجب الإسلام على كل مسلم أن يواجه هذه التنظيمات الجاهلية بتنظيم قوي، يدافع عن الإسلام وعن أهل الإسلام.. وإذا لم يوجد هذا التنظيم فسيتعرّض المسلمون للفتنة في الدين؛ إذ يكون الكفار –الذين يوالي بعضهم بعضا، وينصر بعضهم بعضًا أقوى من المسلمين المتفرقين.. تأملي قوله تعالى: “والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”، أي عليكم أن تواجهوا الكفار بتنظيم تتم فيه الموالاة والنصرة فيما بينكم ضد أولئك الكفار، فإذا لم تفعلوا ذلك فقد كنتم سببًا في فتنة المسلمين عن دينهم
ونجد أيضًا أن عمر يقول: “لا إسلام إلا بجماعة.. ولا جماعة إلا بإمارة.. ولا إمارة إلا بطاعة”، أي لا يتحقق الإسلام كما أراده الله إلا بجماعة، وهذه الجماعة الأصل فيها أن تكون لها قيادة -وهي الإمارة في قول عمر-، وأن تحدد العلاقة بين الجماعة وقيادتها على أساس الطاعة -وهذا هو التنظيم-؛ ولذلك نجد أن الإسلام يخاطب الهيئة الاجتماعية: قاتلوا.. اجلدوا (مع أن الذي يقوم بالجلد واحد) وقال: اقطعوا.. فخاطب الجماعة وأمرها؛ لأنها هي التي تمكّن الواحد من القطع أو الجلد
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بالسعودية ما يلي :
وجود هذه الجماعات الإسلامية فيه خير للمسلمين، ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله وأن لا تتنافر مع بعضها وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداهما الأخرى، وتنصح لها وتنشر محاسنها وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها، ولا مانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وعليهم أن يترسموا طريق الحق ويطلبوه، وأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم، وأن يتعاونوا مع الجماعات فيما ينفع المسلمين بالأدلة الشرعية، لا بالعنف ولا بالسخرية، ولكن بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن، وأن يكون السلف الصالح قدوتهم والحق دليلهم، وأن يهتموا بالعقيدة الصحيحة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم.
وكل من هذه الفرق فيها حق وباطل، وخطأ وصواب، وبعضها أقرب إلى الحق والصواب وأكثر خير وأعمُّ نفعاً من بعض، فعليك أن تتعاون مع كل منها على ما معها من الحق وتنصح لها فيما تراه خطأ، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
كما أن كل من هذه الجماعات تدخل في الفرقة الناجية، إلا من أتى منهم بمكفر يخرج عن أصل الإيمان، لكنهم تتفاوت درجاتهم قوةً وضعفاً بقدر إصابتهم للحق وعملهم به وخطئهم في فهم الأدلة والعمل. فأهداهم أسعدهم بالدليل فهماً وعملاً. فاعرف وجهات نظرهم، وكن مع أتبعهم للحق وألزمهم له، ولا تبخس الآخرين إخوتهم في الإسلام، فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتبع الحق حيثما كان ولو ظهر على لسان من يخالفك في بعض المسائل، فالحق رائد المؤمن، وقوة الدليل من الكتاب والسنة هي الفيصل بين الحق والباطل.أ.هـ

خلاصة بحث الدكتور كمال مصري في الجماعات الإسلامي :
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?cid=1120711347953&pa gename=IslamOnline-Arabic-Daawa_Counsel/DaawaA/DaawaCounselingA
الخلاصة: (لمن أراد تفاصيل البحث عليه اتباع الرابط)
-
جماعة المسلمين هي الأمَّة، أو السواد الأعظم من الأمَّة حسب اصطلاح الفقهاء.
-
الجماعات الموجودة لا تستند في تأسيسها إلى نصوص السنَّة المطهَّرة الواردة في لزوم الجماعة ووجوب البيعة إلا على سبيل الاستئناس، وإنَّما استنادها إلى النصوص العامَّة التي تحضُّ على التعاون على البرِّ والتقوى، وتنهى عن الفشل والتنازع، وفي هذا السياق عليها أن تسعى بكلِّ طاقتها للتعاون والتكامل والتعاضد، والابتعاد كلَّ الابتعاد عن التقاتل والتنازع والتخاصم.
-
البيعة المعقودة لهذه التجمُّعات بمثابة العقد، والطاعة لها تكون في حدود ما اتُّفِق عليه في هذا العقد، ويكون التحلُّل منها عند الاقتضاء بإنهاء هذا التعاقد.
-
مفهوم الجماعة أو التجمُّع أشمل من مجرَّد ما تعورف عليه اليوم بـ”الجماعات الإسلاميَّة” بل يشمل كلَّ هيئةٍ أو مؤسَّسةٍ أو جمعيَّةٍ من هيئات ومؤسَّسات وجمعيَّات المجتمع يمكن خدمة الإسلام من خلالها، إذ خدمة الإسلام هو الغاية، والكيانات هي الوسيلة، فبأيِّ شكلٍ كانت تبقى وسيلة، مجرَّد وسيلة.
-
إذا لم تكن هذه التجمُّعات هي جماعة المسلمين، فلا مانع من عمل المسلم في جماعةٍ أو في أكثر من تجمُّعٍ منها، والتزامه بها طالما حقَّق ذلك مصلحةً للأمَّة، وانتفى التعارض بينها أو أمكن الجمع بينها.
-
اقتضت الضرورة الشرعيَّة الاجتماع لأداء بعض الفرائض التي لا يمكن أداؤها إلا بالاجتماع، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.
-
إذا كان الأصل هو السعي من خلال تجمُّعٍ من هذه التجمُّعات القائمة إلى إيجاد جماعة المسلمين بالمعنى السياسيّ، فإنَّ بعض الناس لا يتسنَّى له أداء الدور إلا خارج هذه الأطر، أو تكون مصلحة العمل الإسلاميِّ في مكانة خارجها أغلب من المصلحة في لزومه لها، فهؤلاء يترجَّح في حقِّهم ما يحقِّق أكمل المصلحتين، وإذا عُرِف مقصود الشارع سُلِك في حصوله أوصل الطرق إليه.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله عزام ـ رحمه الله ـ
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528602242

إذا كان هذا هو حال البشرية اليوم من الفساد، والانحلال والشقاء والضنك فالخلاص يمكن في تكوين جماعة إسلامية، تأمر بالمعروف، وتنهي عن المنكر، وتتحمل تكاليف الدعوة إلى الله.
1
ـ قال الله عز وجل: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر” (آل عمران: 104).
واللام في (ولتكن) للأمر والأمر للوجوب.
2
ـ وقال تعالى: “والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر” فلا بد من توفر هذه الصفات الأربع في النفس الناجية يوم القيامة.

ولذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة العصر بأنها تعدل ثلث القرآن فكلمتان فحسب لأنهما بينتا وجوب الدعوة، كانتا ثلث القرآن. فكل واحد في خسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله. وقوته العملية بطاعته، فهذا كماله في نفسه، ثم كمل غيره بوصيته له بذلك. وأمر به، وبملاك ذلك كله، وهو الصبر، فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح بتعليمه إياه ووصيته بالصبر عليه.
ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو فكر الناس في سورة العصر لكفتهم فالله سبحانه لم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه حتى يوصي بعضهم بعضًا ويرشده إليه، ويحثه عليه. فإن كان من عدا هؤلاء فهو من الخاسرين.
3ـ ويقول الله عز وجل: “قل إنني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدًا إلا بلاغًا من الله ورسالاته. ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا”. (سورة الجن: 23).
إذن فلا نجاة إلا بتبليغ دعوة الله إلى الناس.
4
ـ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتزام الجماعة:
عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس: إني قمت فيكم كما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة.
ويجب أن تلاحظ أن الجماعة هم أهل العلم المتقون الذين ذكرهم الله في الآية: “أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب”. (الزمر: 9).
وكما يقول ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية قال تعالى: “إنما يخشى الله من عباده العلماء”. (سورة فاطر: 28).
5
ـ الجنة ثمن التزام الجماعة:
وما أجمل التعبير النبوي “من أرد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة“.
ولقد حدد الحديث أن المراد بالجماعة هم الملتقون في الله، والمؤتلفون على دينه مهما كان عدد الجماعة ضئيلاً، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد. وأشد ما تكون حاجة الناس إلى الجماعة عندما يعم الفساد ويطغى الباطل كما وصف أول الحديث الشريف.
6
ـ حكم العمل في جماعة
وعلى هذا فالعمل في جماعة لإعادة حكم الله في الأرض فرض لازم وفي عنق كل مسلم، لأن معظم تكاليف هذا الدين جماعية ولا يستطيع المسلم أن يمارس دينه كما يريد الله إلا في مجتمع مسلم.
وكذلك ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإعادة الخلافة والأمانة على الأرض، فرض فالعمل من أجل قيامها فرض.
يقول تعالى: “إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون” المائدة 55.
فالولاية، والنصرة والبيعة إنما تكون في الله ومع المؤمنين.
قال تعالى: “والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”. الأنفال 73.
أي إن لم يتول المؤمنين بعضهم بعضا كما يتكالب الكفار جميعا عليهم، وينصرون بعضهم بعضا ضد المؤمنين فإن الفتنة –الشرك- تعم الأرض بانتصار الباطل.
ومن أبسط البديهيات أن الجماعة لابد لها من أمير يطاع، وجنود يطيعون، ولقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأمير رجل إذا كانوا ثلاثة في سفر، فيكف إذا كانوا يريدون إعادة المجتمع الإسلامي.
روى أبو هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم” .
7
ـ فريضة الجهاد اليوم أشد منها أيام التابعين:
وإذا كان التابعون يسيحون في الأرض جهادا لنشر كلمة الله، وهم يعيشون في دار الإسلام تظلهم، وتطبق شريعتهم، ويرون ذلك فرضا ففريضة الجهاد اليوم آكد، وأكثر ضرورة ومساسا بالواقع الذي نحياه وذلك لأجل غرضين:
الأول: إقامة هذا الدين ومجتمعه في بقعة من البقاع.
الثاني: نشر هذا الدين في الأرض انطلاقا من قاعدته الأولى.
فكل من يلقي الله ولا يعمل لنصرة دينه، وإعلاء كلمته فإنه يلقى الله آثما، وذلك لأننا نواجه جاهلية أعتى وأشد من التي واجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم، مزودة بكل وسائل العلوم الحديثة لمحاربة الحق وأهله.
وفي الحديث عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: “…والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على أيدي المسيء، ولتأطرنه على الحق إطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم” أي كما لعن بني إسرائيل وفي بعض الروايات لهذا الحديث تلا صلى الله عليه وسلم الآية: “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون” المائدة 78-79.
8
ـ المعروف الأكبر والمنكر الأكبر:
يجب العمل في جماعة لإزالة المنكر والأكبر، وهو جريمة إقصاء الإسلام عن الحكم، وتحكيم الشرائع الوضعية ويجب الأمر بالمعروف الأكبر، وهو إعادة القرآن إلى منصة الحكم، لأن كل فساد البشرية ينبع من هذه القضية الكبرى، والأمر بالمعروف فرض، يقول الجويني (إمام الحرمين): (فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالإجماع) وأن التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض بها، واستخلاص قوة التنفيذ من الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف، وأي تخاذل من المسلمين عن هذا الفرض يؤدي إلى مصائب وكوارث الصالحين، والطالحين، والبهائم والحشرات، يقول تعالى: “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة” الأنفال 25.
وعن العرس بن عميرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة” وبالإمكان التغيير لو صمم الناس لأن الطاغوت واحد وهم كثير.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده، فقلت يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال: بلى قالت فكيف يصنع أولئك، قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون الى مغفرة من الله ورضوان“.
وقد جاء في الذكر الحكيم: “إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون”. البقرة 15-160.
قال صلى الله عليه وسلم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون دواب الأرض .
قال مجاهد وعكرمة هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم وأخرج القرطبي عند تفسير آية: “لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة” فاطر 45.
فقال: قال ابن مسعود يريد جميع الحيوان مما دب ودرج، وقال ابن مسعود كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم.
وقال يحيى ابن كثير: أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر فقال له رجل: عليك بنفسك، فإن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال أبو هريرة كذبت؟ والله الذي لا إله إلا هو –ثم قال- والذي نفسي بيده إن الحبارى (نوع من الطيور) لتموت هزلا في وكرها لظلم الظالم.
9
ـ رأي أبي حنيفة
وأبو حنيفة يرى ضرورة العمل الجماعي والالتقاء على رجل صالح قال ابن المبارك: لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا أنه سيموت، فخلوت به، فقال: كان والله رجلاً عاقلاً، ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر.
قلت: وكيف كان سببه؟ قال: كان يقدم ويسألني، وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله، وكان شديد الورع، وكنت ربما قدمت إليه الشيء فيسألني عنه ولا يرضاه ولا يذوقه، وربما رضيه فأكله، فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن اتفقنا أنه فريضة من الله تعالى فقال لي: مد يدك حتى أبايعك، فأظلمت الدنيا بيني وبينه، فقلت: ولم؟ قال: دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه وقلت له:إن قام به رجل وحده قتل، ولم يصلح للناس أمر، ولكن إن وجد عليه أعوانًا صالحين ورجلاً يرأس عليهم مأمونًا على دين الله لا يحول. وكان كلما قدم علي تقاضاني، فأقول له: هذا أمر لا يصلح بواحد، ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء, وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض، لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده، وهذا متى أمر به الرجل وحده أشاط بدمه، وعرَّض نفسه للقتل، فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه، وإذا قتل الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض نفسه، ولكنه ينتظر، وقد قالت الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
ثم خرج إلى مرو حيث كان أبو مسلم فكلمه بكلام غليظ، فأخذه، فاجتمع عليه فقهاء أهل خراسان وعبّادهم حتى أطلقوه، ثم عاوده فزجره، ثم عاوده ثم قال: ما أجد شيئًا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك، ولأجاهدنك بلساني ليس لي قوة بيدي، ولكن يراني الله وأنا أبغضك فيه فقتله.
هذا قول أبي حنيفة، وهو يؤكد على ضرورة العمل الجماعي من أجل القيام بفريضة الأمر بالمعروف.
10
ـ ابن تيمية وشرعية العمل الجماعي:
اسمع قول ابن تيمية في شرعية العمل الجماعي، مما لا تكاد تصدق أنه من كلام القدماء يقول رحمه الله:
وأما لفظ الزعيم فإنها مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: “ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم” فمن تكفل طائفة فإنه يقال: هو زعيم، فإن كان قد تكفل بخير كان محمودا على ذلك وأن كان شرا كان مذموما على ذلك، وأما رئيس الحزب، فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل وإعراض عمن في حزبهم، سواء كان على الحق أو الباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله ورسوله، فإن الله ورسوله، أمر بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.
وقد أقام الله عز وجل الأمر بالمعروف علامة فارقة بين الإيمان والنفاق، يقول الله عز وجل: “المنافقون والمنافقات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون” التوبة 66.
ويقول أيضا: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم”. التوبة 71.
ليس الدين مجرد ترك المحرمات الظاهرة بل القيام بجميع ذلك بالأوامر المحبوبة لله تعالى أيضا وأكثر الديانين لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس.
وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله، ودينه وكتابه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلا عن أن يريدوا فعلها وفضلا عن أن يفعلوها.
وأقل الناس دينا وأمقتهم إلى الله، من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعا، وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويتمعر لله ويغضب لحرماته، ويبذل ماله في سبيل نصرة دينه.
والنبي صلى الله عليه وسلم كانت ساعاته موقوفة على الجهاد وقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفع العاملين ذكرا وأعظمهم عند الله مقدرة.
11
ـ رأي ابن القيم
ويقول ابن القيم: في هؤلاء الذين يتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل الزهد والذكر والانقطاع (هؤلاء في نظر العلماء من أقل الناس دينا، فأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضاع ودينه يترك، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها، وهو بارد القلب ساكن اللسان؟ شيطان أخرس، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم، ورياساتهم، فلا مبالاة بما يجري على الدين وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قوبلوا في الدنيا بأعظم بلية، وهم لا يشعرون وهو موت القلوب فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره لدين الله أكمل).
ويروى لنا التابعي الكوفي الفقيه النبيل عامر الشعبي أن رجالا خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريبا يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فأتاهم ففرحوا بمجيئه إليهم فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد، فقال عبد الله لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟، وما أنا ببارح حتى ترجعوا، فاشتغل بدلالة عباده عليه فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبيهم).
ولا يزالون يسألونك: هل شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثهم على الخير، ونهيهم عن الشر؟.
يقول الإمام عبد القادر الجيلاني: يا زهاد الأرض تقدموا، خربوا صوامعكم واقربوا مني، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل ما وقعتم به، تقدموا.
شبهة
وقد يزين الشيطان لبعض الأفراد أن يعتزل الجماعة ليتفرغ للشعائر كالصلاة والصيام والتطوع، هؤلاء الناس لا يدركون طبيعة هذا الدين، ولا يعرفونه، ولا يعلمون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الركن الركين الذي من أجله كرم الله هذه الأمة فقال عز شأنه: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”. آل عمران 110.
وقوله: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”. آل عمران 104.
روى الطبراني في الأوسط عن جابر مرفوعا (أوحى الله إلي ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال: إن فيها عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين، قال: اقلبها عليه وعليهم، وفي رواية الإمام أحمد –به فابدأ- فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط، أي لم يحمر وجهه غضبا لي“.
وذكر أبو عمر في كتاب التمهيد: أن الله سبحانه أوحى إلى نبي من أنبيائه أن قل لفلان الزاهد أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة ،وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العز، ولكن ماذا عملت فيما لي عليك؟ فقال: يا رب وأي شيء لك على؟ قال: وهل واليت في واليا أو عاديت في عدوا؟.
والله أعلم

هذا بحث مختصر قام به الكاتب محمد صديق و فيه فتاوى لشيوخ كبار:
http://www.shareah.com/index.php?/records/view/action/view/id/1976/
لا شك أن الصحوة الإسلامية التي تشهدها كثير من الدول الإسلامية قد بدأت تؤتي أكلها، وهو ما تمثل في التزام فئام وأفواج من المجتمع المسلم بأحكام الإسلام و تبنيهم لقضيته, و قد ظهر ذلك جليًّا عبر محاولات جادة لنصرة الإسلام و العمل على العودة لتحكيم الشريعة من أجل أن تتبوأ الأمة الإسلامية مكانتها الرائدة بين أمم الأرض.
ومن القضايا التي كثر حولها اللغط واختلفت فيها الآراء حول هذه الصحوة المباركة: قضية حكم العمل الجماعي و مدى مشروعية الانتماء للجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة الإسلامية، كسبيل للوصول إلى جماعة المسلمين.
ولقد تباينت آراء أطياف العمل الإسلامي إزاء هذه القضية على النحو التالي :
القول الأول : بدعية العمل الجماعي :
يرى هذا الفريق أنه لا شرعية لقيام هذه التجمعات ابتداء في مرحلة الاستضعاف، وأن الجماعة والبيعة لا تكون إلا بعد التمكين ونصب الإمام, ومجمل ما عولوا عليه في هذه المسألة ما يأتي:
1- إن الأحاديث الواردة في لزوم الجماعة ووجوب البيعة لا تنصرف إلى شيء من هذه التجمعات، وإنما يقصد بها الجماعة التي هي الأمة، والبيعة التي تعقد للإمام الذي يجتمع عليه الناس كلهم، أو جمهورهم وأهل الشوكة منهم على الأقل، ويكون له من الغلبة ما يمكنه من حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
2- ما أدت إليه هذه التجمعات من انقسام الصف الإسلامي وتهارج أتباعه، وتكريس الفرقة بين العاملين للإسلام، وإضعاف الولاء للجماعة بمفهومها العام والشامل.
3- ما أثر عن السلف من أنه إذا تفرق الناس فلا يتبع أحد في الفرقة، فإما جماعة المسلمين بمفهومها العام وإما الاعتزال،وقد جاء في حديث حذيفة ((… فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها)).[البخاري، (3606)، ومسلم، (4890)]
4- الاعتبارات الأمنية وما يترتب على هذه التجمعات من التعجيل بضرب العمل الإسلامي، واستعداء خصومه عليه، ومع ما يترتب على ذلك من الفتن، وانكسار الدعوة، وصد الناس عن سبيل الله. ( جماعة المسلمين،د.صلاح الصاوي ص14 )
يقول الدكتور بكر أبو زيد : (والخلاصة أن البيعة في الإسلام واحدة من ذوي الشوكة : أهل الحل والعقد لولي المسلمين وسلطانهم وأن ما دون ذلك من البيعات الطرقية والحزبية في بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة كلها بيعات لا أصل لها في الشرع، لا من كتاب الله ولا سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولاعمل صحابي ولا تابعي، فهي بيعات مبتدعة، وكل بدعة ضلالة وكل بيعة لا أصل لها في الشرع فهي غير لازمة العهد، فلا حرج ولا إثم في تركها ونكثها، بل الإثم في عقدها؛ لأن التعبد بها أمر محدث لا أصل له، ناهيك عما يترتب عليها من تشقيق الأمة وتفرقها شيعًا وإثارة الفتن بينها، واستعداء بعضها على بعض فهي خارجة عن حد الشرع سواء سميت بيعة أو عهدا أو عقدا ) [ حكم الانتماء للأحزاب والجماعات الإسلامية، الشيخ بكر أبو زيد، ص128]
القول الثاني:وجوب العمل الجماعي :
وجمهور هذا الاتجاه على أن إقامة الجماعات الدعوية، والانتظام في سلكها على أساس الطاعة لأمير، واجب من الواجبات الشرعية في هذا الزمان، فمن تخلف عنه فهو آثم .
ومجمل ما عولوا عليه :

<LI class=MsoNormal>1- أنه ما لا يتم الواجب به إلا فهو واجب, و أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله هي من أهم الواجبات التي على الأمة السعي نحو تحقيقها كسبيل إلى تحكيم الشريعة، وهي لا تتم إلا باجتماع وإمام مطاع. 2- أن إقامة جماعة المسلمين من أهم الواجبات المفروضة على الأمة, والجماعات الدعوية هي السبيل نحو هذه الجماعة.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق: (لا شك أن أي جماعة من جماعات البر والتقوى والخير والدعوة التزمت ذلك فهي جماعة مشروعة، وأما حكم هذا التجمع فهو إما واجب حتمي إذا دعت الحاجة إليه، لما أسلفنا من نصر الدين، أو أنه دعوة إلى الخير لا تتحقق إلا بالاجتماع أو إنكار منكر لا يحصل إلا باجتماع، أو دفع شر وضرر عن الأمة لا يتحقق إلا باجتماع ” ( كتاب أصول العمل الجماعي، عبد الرحمن عبد الخالق، ص 14)
يقول الدكتور ياسر برهامي : ( والصورة المثلى لعودة الخلافة من غيبتها أن يكون أهل الحل والعقد من أهل السنة والجماعة مجتمعين على مطاع هو أمثل أهل العلم منهم، للقيام بالمقدور عليه من فروض الكفاية؛ فإن تعذر ذلك استقل كل أهل بلد بعالمهم، إلى أن يتيسر جمعهم، وإن كان لابد لهم أن يأخذوا بالأسباب التي تؤدي إلى جمعهم، لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) [كتاب العمل الجماعي بين الإفراط والتفريط، ياسر برهامي، ص 23]
القول الثالث : مشروعية العمل الجماعي :
ويرى أصحاب هذا الرأي أنه لا منازعة في مشروعية الاجتماع على الخير والتعاقد عليه، والتزام الطاعة للقائم عليه في غير معصية، وذلك بالشروط الآتية:
1 – ألا يتضمن تحزبًا على أصل بدعي يخالف أصول أهل السنة والجماعة، فإن مثل هذا التحزب هو أساس نشأة الفرق الضالة، وقد قال الشاطبي رحمه الله: (أن هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات؛ إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعًا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية؛ لأن الكليات نص من الجزئيات غير قليل، وشاذها في الغالب ألا يختص بمحل دون محل، ولا بباب دون باب، واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلي، فإن المخالفة فيها أنشأت بين المخالفين خلافًا في فروع لا تنحصر، ما بين فروع عقائد وفروع أعمال.
ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة، عاد ذلك على كثير من الشرعية بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضًا، وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة)[الاعتصام، الإمام الشاطبي، (2/200-201)].
2- ألا يقصد به منازعة السلطان المسلم -إن وجد- والسعي في نقض بيعته وحل عقدة إمامته؛ وذلك للأدلة التي تحرم النكث وتلزم بالأئمة وتوجب الطاعة لهم في غير معصية، وتنهى عن منابذتهم إلا بالكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان.
3- ألا يعقد الولاء والبراء على أساس الانتساب إلى هذا الاجتماع؛ لأن معقد الولاء والبراء هو الكتاب والسنة على رسم منهاج النبوة لا غير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب؛ أي تصير حزبًا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا؛ مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق وبالباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق أو الباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله؛ فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن الفُرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان)[ مجموع الفتاوى: 11/ 92]
وقال في موضع آخر: (والذي يوجبه الله على العبد قد يوجبه ابتداءً؛ كإيجابه الإيمان والتوحيد على كل أحد، وقد يوجبه لأن العبد التزمه وأوجبه على نفسه، ولولا ذلك لم يوجبه؛ كالوفاء بالنذر للمستحبات، وبما التزمه في العقود المباحة؛ كالبيع والنكاح والطلاق.. ونحو ذلك، إذا لم يكن واجبًا، وقد يوجبه للأمرين؛ كمبايعة الرسول على السمع والطاعة له، وكذلك مبايعة أئمة المسلمين، وكتعاقد الناس على العمل بما أمر الله به ورسوله). [مجموع الفتاوى: (29/ 345، 346)].
يقول سماحة الشيخ ابن باز، رحمه الله :
(الواجب على كل إنسان أن يلتزم بالحق ، قال الله عز وجل ، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ، وألا يلتزم بمنهج أي جماعة لا إخوان مسلمين ولا أنصار سنة ولا غيرهم ، ولكن يلتزم بالحق ، وإذا انتسب إلى أنصار السنة وساعدهم في الحق ، أو إلى الإخوان المسلمين ووافقهم على الحق من دون غلو ولا تفريط فلا بأس ، أما أن يلزم قولهم ولا يحيد عنه فهذا لا يجوز، وعليه أن يدور مع الحق حيث دار، إن كان الحق مع الإخوان المسلمين أخذ به، وإن كان مع أنصار السنة أخذ به، وإن كان مع غيرهم أخذ به، يدور مع الحق، يعين الجماعات الأخرى في الحق، ولكن لا يلتزم بمذهب معين لا يحيد عنه ولو كان باطلا، ولو كان غلطًا، فهذا منكر، وهذا لا يجوز، ولكن مع الجماعة في كل حق ، وليس معهم فيما أخطأوا فيه)[فتاوي ابن باز، (8/217)] .
يقول الدكتور صلاح الصاوي :
(والعدل بين هؤلاء جميعا أن يقال: إن اجتماع الناس على طاعة، وتعاقدهم على الوفاء بها، ودعوة الناس إلى ذلك، إنما هو من جنس التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وذلك لينتظم بها أمر الدعوة، ويجتمع بها شمل العاملين للإسلام, وتكون هذه التجمعات أجزاء من جماعة المسلمين, ويتحدد سلطان قياداتها في ضوء ما اتفق عليه، ويحسن أن يكون العهد مفصلًا لما ينشئه من حقوق, وما يرتبه من التزامات).[ مراجعات حول الثوابت والمتغيرات،د.صل ح الصاوي، ص48].
يقول الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة :
(والخلاصة أن هذه التجمعات على خير ونفع ما دامت لم تقم إلا لهدف صالح، ولم تجتمع على بدعة أو ضلالة، ولم تختـزل الإسلام في أطروحتها ورؤيتها، والعمل للإسلام إطار أوسع وأشمل يمكن أن يتحقق من خلال هذه الوسيلة ومن خلال الجهود الشخصية والأعمال المؤسسية العامة، وفي كل خير) [ فتوى على موقع الإسلام اليوم ]