اغتنم فرصتك في رمضان




بقلم: خباب مروان الحمد
Khabab1403@hotmail.com

الحمد لله ذي الطول والآلاء ، وصلَّى الله على سيدنا محمد خاتم الرسل والأنبياء ، وعلى آله وصحابته الأتقياء ، أمَّا بعد:
حدَّثني أحد الإخوة الدعاة الفضلاء عن قصَّة وقعت لأحد الشباب الصالحين في شهر رمضان المبارك...
شاب لم يبلغ السابعة عشرة من عمره … كان همُّ الدعوة يجري في قلبه، وحين يقدم شهر رمضان يتهيَّأ له بالصالحات والبر والطاعات، فكأنَّ لسان حاله يقول عن شهر رمضان:

لي فيك حين بدا سناك وأشرقا *** أمل سألت الله أن يتحقَّقا


فمنذ أن يقدم شهر رمضان يتهيَّأ له ذلك الشاب بالأعمال الجليلة، ومن ذلك أنَّه كان يقوم كل يوم قبل غروب الشمس بدقائق، فيذهب هذا الشاب إلى مكان اصطفاف السيارات عند الإشارات الضوئيَّة ....
بابتسامة مشرقة، ووجه مضيء بالإيمان ـ نحسبه كذلك ـ يقوم بتوزيع الإفطار لأولئك الصائمين في سياراتهم مما تيسر من الماء والرطب والكعك....
وكان يرفق ذلك بمطويات دعويَّة تحث على نشر الدين والفضيلة ومكارم الأخلاق، وقد بقي على ذلك عدَّة سنوات يقوم بهذا العمل الفضيل.
وأثناء قيامه بهذا العمل كعادته ، جاءت سيَّارة مسرعة عند إحدى الإشارات التي كان واقفاً بجانبها فاصطدمت به فأرْدَتْه قتيلاً مضرَّجاً بدمائه، وهو صائم لله عزَّ وجل، يقوم بتفطير الصائمين، وإدخال السرور عليهم وعلى أولادهم، ويدعوهم إلى الله تعالى فهنيئاً له عمله ذلك، وتقبَّله الله تعالى في جنانه.
لقد أثَّرت هذه القصَّة في نفسي كثيراً، وتذكَّرت حين سمعتها ذلك الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال : " إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله " ، فقيل : كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: " يوفقه لعمل صالح قبل الموت " أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصحَّحه الألباني في صحيح الترمذي.
إنَّنا لو قابلنا ذلك الشاب الداعية ـ رحمة الله عليه ـ وهو يقوم بأعمال خير عديدة؛ من تفطير الصوَّام، وإلقاء السرور عليهم، والدعوة إلى الله، والعمل المنتج تحت شعاع الشمس، صائماً نهاراً طويلاً؛ بحال كثير من المسلمين في شتَّى البقاع الذين يمر عليهم رمضان تلو رمضان ، دون أن يغتنموا فيه تلك الفرص الجليلة التي قلَّ أن تجتمع في شهر كما اجتمعت في هذا الشهر، فلو قارنَّا حال أولئك بذلك الشاب الداعية لوجدنا بينه وبينهم بوناً شاسعاً وفرقاً هائلاً، فشتَّان بين من يغتنم وقته بالطاعات ومن يغتنمه بالموبقات!
ولو أردنا أن نحرِّك أفكارنا، و نستخدم أذهاننا لالتقاط تلك الفرص والمغانم والمكاسب والثروات التي نستطيع أن نجنيها أو أن نبذرها في هذا الشهر ـ لطال بنا المقام، ولأدركنا قيمة هذا الشهر العظيم وما فيه من خيرات وبركات تنهال علينا ونحن عنها غافلون.
ففي هذا الشهر نستطيع أن نفعِّل الكثير من المشاريع الدعوية والأفكار الإصلاحيَّة، ونبذر الأعمال الصالحة، وننتهج سبل أهل الخير والسبق في استغلال الأوقات الفضيلة بما يفيد أمَّتنا ومجتمعنا.
· لماذا رمضان فرصة؟

بشرى العوالم أنت يا رمضان *** هتفت بك الأرجاء والأكوان



سعدت بلقياك الحياة وأشرقت *** وانهلَّ منك جمالها الفتَّان


لو تفكَّر كل واحد منَّا في طبيعة حياته ومسيرة أوقاته، فسيدرك أنَّنا نعيش كل ثانية وكل دقيقة بفرصٍ وأنفاسٍ لن تعود، وأنَّ هذه الأيام التي نقطعها ونفرح بها لبلوغ غاية أو لنيل مقصدٍ محبَّبٍ للنفس ، ستؤول في النهاية إلى النقصان من العمر، سواء أشعرنا أم لم نشعر، وحينها لا مناص ولا فرار من الله إلاَّ إليه؛ لاغتنام هذه الأوقات بالنافع المفيد، وترك اللهو واللعب والأوقات الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل قد تجلب الحسرة والمرارة التي تعتصر قلب المرء.
إنَّ من أعظم الفرص، بل هي الجامعة لكل الفرص التي نجتنيها ونكتسبها في شهر رمضان؛ فرصة العبوديَّة لله والقيام بحقِّه، والتوجه إليه والاستعانة به والانطراح بين يديه، فهي الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، وجميع الفرص الأخرى متفرِّعة عن هذا الأصل العظيم الذي تندرج فيه وتنتهي إليه كل أعمالنا وعباداتنا ومعاملاتنا.
شهر رمضان فرصة للعبد الصائم؛ لأنَّه يجد فيه عدَّة أحاديث تحثُّه على اغتنامه بمزيد من العمل لكي ينال مزيداً من الأجر، ويكفي في ذلك ذكر حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يقول:" إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنَّة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين " أخرجه مسلم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" أخرجه البخاري ومسلم.
ومعنى إيماناً: إيماناً بوجوبه، ومعنى احتساباً: استشعاراً بالأجر عند ربِّه، كما قاله العز بن عبد السلام (كتاب مقاصد الصيام : (ص 34))
· اغتنم فرصك واكتسبها:
بداية .... ما أجمل أن نستشعر قدوم هذا الشهر الفضيل، وأن نعلم أنَّ قدوم هذا الشهر هو خير وبر وبركة على الأمة الإسلاميَّة، ولقد كان السلف الصالح يستبشرون بقدوم شهر رمضان، ويعدون أنفسهم إلى ذلك اللقاء الجميل، ولقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: (مرحباً بشهر خير كله؛ صيام نهاره، وقيام ليله، النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله) ، وقد أخبر المعلَّى بن الفضل رحمه الله عن سلفنا الصالح مع رمضان بقوله:(كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثمَّ يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم) فلك أن تتخيَّل أنَّهم كانوا لمدَّة ستة أشهر يترقبون شهر رمضان ويدعون الله تعالى أن يبلغهم هذا الشهر الكريم، كلُّ ذلك حفاوة به وبقدومه…
ومما ذكره ابن رجب الحنبلي في لطائف لمعارف أنَّ رجلاً من الصالحين باع جارية لأحد الناس .. فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان الطعام .. فقالت الجارية : لماذا تصنعون ذلك ؟ قالوا : لاستقبال الصيام في شهر رمضان .. فقالت : وأنتم لا تصومون إلا في رمضان ؟! والله لقد جئت من عند قوم السنة عندهم كلها رمضان .. لا حاجة لي فيكم .. ردوني إليهم .. ورجعت إلى سيدها الأول!!!
وفي زمننا المعاصر يختلف الذين يستقبلون شهر رمضان، ولهم في ذلك طرق مختلفة ومتنوعة؛ فمنهم من يستقبله باللهو واللعب، ومنهم من يستقبله بالأكل والشرب ، ومنهم من يستقبله بالنوم ومنهم من يستقبله ببرمجة وقته لمشاهدة البرامج والمسلسلات عبر شاشة الرائي(التلفاز)، إلى غير ذلك من أنواع الاستقبال.
وذلك هو استقبال المفرِّطين الذين لم يدركوا حقيقة فضائل هذا الشهر، ومنافع أيامه، وفوائد لياليه، وعظمة شعيرته.
غير أنَّ المؤمن السبَّاق لعمل الصالحات؛ يستقبله بالمسارعة إلى عمل الخيرات، وتجنُّب المنكرات، متمثِّلاً قول الله تبارك وتعالى: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين" سورة آل عمران : (133).
والمسابق لعمل الخيرات واقتناص الفرص، شيمته التطلُّع والترقب لكل فرص الخير وغنائم البر ومعارج القبول ليتقرب بها إلى ربِّ العالمين، ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، وخوفاً من أليم عقابه.
والمسابق لعمل الخيرات يعلم يقيناً أنَّ الله ـ تعالى ـ حثَّ عباده على المسارعة والمسابقة لعمل الخيرات، كما قال عز وجل : " فاستبقوا الخيرات" سورة البقرة : (148) وقال عزَّ وجل: " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله " سورة الجمعة : (9) ، ولكنَّ مريد الآخرة يدرك لا محالة أنَّ الدنيا متاع زائل، ويعلم أنَّ مسارعته فيها والمسابقة لطلبها يخالف المنهج القرآني؛ فالله تعالى يقول : "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" سورة الملك: (15) وفرق كبير بين المسارعة والمسابقة وبين المشي، ولهذا جعل سبحانه وتعالى أصل عمل العبد في نيل ثواب الآخرة والسعي لتطلُّب الأجر من الله، ولكن في أمور الدنيا قال تعالى:(ولا تنس نصيبك من الدنيا) سورة القصص : (77).
وحين نرجع البصر متأمِّلين في هذه الآيات نجد أنَّ طلب الدنيا استخدم معه المشي، لأنَّ طلب الإنسان للدنيا غريزة في النفس؛ والغرائز لا تحتاج لتكليف أو تشويف، لكنَّ السعي للآخرة تكليف فاقتضى طلب المسارعة، فالإنسان لا يحتاج لدفع كي يحرص على طلب الدنيا بخلاف العمل الصالح.
فما أجدرنا بالقيام بحق الله تعالى لاغتنام هذه الفرص الرمضانية، والمنح الربانيَّة، والعطايا السخيَّة التي اجتمعت لنا لكي نقوم بها في هذا الشهر العظيم!
· مقترحات عمليَّة لاغتنام الفرص الرمضانيَّة:
إذا اتفقنا سويّة على أنَّ الفرص في هذا الشهر كثيرة والمغانم فيه غزيرة، فحريٌّ بالعبد المؤمن أن يسعى لاكتسابها ويحاول تطبيقها؛ ليخرج من العيش في ظلاله بنتيجة ترضيه حين يراها في صحائف أعماله، "يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون" سورة النور: (24). وإنَّ من هذه الفرص الجليلة:
• (العطاء) : فهذا الشهر يتيح لنا فرصاً كثيرة لتقديم العطاء والخير للناس، وإكرامهم وإسبال الجود عليهم، من قبيل: تفطير الصوَّام، والتصدق بالمال، وتعليم الناس العلم، والسعي في خدمة المحتاجين والمكروبين، وهو فرصة لكي يحرص روَّاد وقُوَّاد العمل الخيري في شهر رمضان على مزيد من العطاء، وبذل الإيجابيَّة الفعَّالة في أوساط الناس.
• (العمل) : فشهر رمضان يعطيك دفعة حركيَّة ، ووقوداً حيوياً، وطاقة مستمرة في العمل، فأنت في هذا الشهر تصلي لله تعالى القيام وصلاة التراويح، وأنت في هذا الشهر تتصدق، وكان صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجاهدون فيه لإعلاء كلمة الله، وينتصرون فيه للإسلام والمسلمين، ولا يصدُّهم عن ذلك الصوم والجوع والعطش، فهذا الشهر فرصة للمسلمين في بلاد المسلمين ليستثمروا طاقاتهم لنصرة الإسلام والمسلمين.
• (الإنجاز) : فمن صام شهر رمضان كاملاً فقد أنجز إقامة هذا المشروع الكبير على أتم ما يرام، وهو بهذا يعطيك دفعة روحيَّة لإنجاز أعمالك والتمرن عليها، وترك التسويف والتسويغ غير اللائق، الذي لن يجني المرء منه سوى الهم والغم.
• (التنظيم) : من يتأمَّل هذا الشهر الكريم يجد دقَّة التنظيم في أداء شعائره، فلا يدخل وقت في وقت، فللصيام وقت، وللإفطار وقت، ويكفي شاهداً على ذلك قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ :(إذا أذن بلال فلا تمسكوا ، ولكن أمسكوا إذا أذَّن ابن أم مكتوم ) أخرجه البخاري ومسلم، والفرق بين أذان ابن أم مكتوم وأذان بلال كما في الحديث:(ما بينهما إلاَّ أن ينزل هذا ويصعد هذا)! وهو بهذا يكسبك دفعة إلى الأمام لكي تُحسِن استغلال وقتك بالنافع المفيد، وتحاول تنظيم وقتك وساعاتك لكي تقوم بالعمل وتنجزه على قدم وساق، وبأتم ما يرام !
• (الدعوة) فالناس في هذا الشهر راغبون في كل خير، كما أنَّه في هذا الشهر تصفَّد الشياطين، وتكون فيه القلوب إلى الخير أقرب، فهي فرصتك لكي تدعو أقاربك وأرحامك وجيرانك، فهذا الشهر فرصة دعويَّة يستغل الداعية فيه جميع إمكاناته لنشر دعوة الإسلام لدعوة من يستطيع دعوته من الأمَّة المسلمة.
• (التكافل الاجتماعي) : هذا الشهر الكريم فرصة ذهبيَّة لبر لوالدين، وصلة الأرحام ، والإحسان إلى الإخوان، وحمل هموم الأمَّة المسلمة بالقيام بأداء حقوقها ؛ فيتفقَّد المحتاجين والمعوزين والفقراء والمساكين، ويقوم بخدمتهم وأداء حقوقهم، ويتعاون مع الجمعيات الخيريَّة ويدلها على الفقراء والمساكين والذين لا يسألون الناس إلحافاً، وكذلك يقوم بإخراج الزكاة إنَّ حان موعدها في هذا الشهر الكريم، ويصرفها في أهلها الذين يستحقونها، ويشعر بشعور الضعفاء والفقراء، ويحاول قدر الإمكان أن يقدم لهم خدماته ، والله عزَّ وجل سيجزيه خير الجزاء.
• (تقوية الإرادة) : فهي فرصة عظيمة لمبتغي الخير في هذا الشهر الفضيل، يستطيع من خلالها أن يستثمر روح الإرادة التي جعلته يصوم نهار رمضان كاملاً ، ومن كان كذلك فهو يستطيع أن يقلع عن التدخين، وعن شرب المخدرات والمسكرات المحرمة، في هذا الشهر وغيره من الشهور، ويسيطر على شهواته ونزواته وأهوائه ورغباته التي تحول بينه وبين إرادته وعزيمته.
• (فضيلة التوبة) : في هذا الشهر تتنزل رحمات الله، ويعتق سبحانه كثيراً من عباده من النار ـ أعاذنا الله منها ـ فهو فرصة للعصاة والمذنبين والمقصرين في حقوق الله ـ وكلنا ذاك الرجل ـ للبداية بصفحة جديدة مع الله، وتوبة صادقة إليه، وإقلاع عن الذنوب والمعاصي والآثام، وبما أنَّ من المعلوم أنَّ الشياطين تصفَّد في شهر رمضان، فيا حبَّذا استغلال إقبال القلوب على الخير والعبادة، فهناك كثير من التائبين يعلنون توبتهم، ويقلعون عن ذنوبهم ومعاصيهم، فهو فرصة للمربين؛ لكي يبذلوا طاقاتهم في تربية هذه النفوس المقبلة على العبادة، وإفادتها ببرنامح تربوي لتقوية الإيمان وأواصر الخير في القلوب الكسيرة التائبة.
• (مجازاة النفس) : في هذا الشهر فرصة كبيرة لمجازاة النفس إن خيراً فخير، وإن شراً فعقوبة لها تردعها عن مطالبها الأمَّارة بالسوء، ولهذا كان العيد مكافأة لمن أحسن في هذا الشهر العظيم، وأمَّا من يسيء فيه فإنَّه ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ومن خلاله نستطيع أن نلزم أنفسنا الخير. وأمَّا إن تمرَّدت هذه النفس، فإنَّنا نمنعها ونحرمها من مبتغياتها لكي تكون لنا عوناً على الطاعة .
• (التحفيز) فهذا الشهر يحفِّز النفوس المؤمنة ويفجِّر الطاقات الكامنة في النفوس للعمل لما يرضي الله ـ تبارك وتعالى ـ ففيه تحفيز لمجاهدة النفس، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث القدسي :(يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) متفق عليه، كما أنَّ في كل ليلة فيه عتقاء، وذلك بسبب صيامهم وتقواهم لله ـ عزَّ وجل ـ فهذا التحفيز الكبير للقلوب سبب رئيس في الاستمرار بالصيام والقيام، فإنَّ:(من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه، فأي أجر وأي تحفيز أعظم من هذا؟!
• (التعلق بالمساجد) : نستطيع في هذا الشهر العظيم تعويد أنفسنا على التعلق بالمساجد ، لكي نكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه، ومن ذلك:الاعتكاف في المساجد في العشر الأواخر؛ للخلوة برب العالمين، وسؤاله الهداية، ومناجاته في هذه الأوقات لعلَّه يفتح على من دعاه فتوح العارفين، ويقيه من نار الجحيم، ويدخله جنة النعيم.
ومن ذلك: انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فيصلي الصائم العصر ويبقى جالساً لانتظار صلاة المغرب، وينال أجر الرباط الذي أخبر عنه رسول الله، وذلك بانتظار الصلاة بعد الصلاة، ويكسب الصائم في جلوسه في المسجد أجوراً عديدة من قراءة القرآن والدعاء وذكر الله والتوبة إليه، وصلاة المغرب جماعة مع المسلمين، والتي كثيراً ما يفرِّط فيها الصائمون، ويقعدون في بيوتهم، ولا يلبُّون داعي الله لصلاة المغرب جماعة مع المصلين!!
• (استغفار الأسحار) : فرمضان فرصة للاستغفار في وقت فضيل يكون أكثر المسلمين عنه غافلين ، وهو وقت السحر ، وخصوصاً أنَّ هذا الوقت هو وقت سحوره وطعامه قبل أن يبدأ الصيام مع طلوع الفجر، فهذه الفرصة غنيمة باردة، ينبغي للعبد المؤمن أن يقتنصها للاستغفار في هذا الوقت الفضيل الذي يتنزَّل فيه رب العالمين، ليغتنم العبد فرصته، ويكتسب غنائم الأجر في هذا الوقت ، ولقد ذكر الله من صفات المؤمنين في محكم التنزيل حيث قال:"والمستغفرين بالأسحار" سورة آل عمران : (17) وقال:" وبالأسحار هم يستغفرون" سورة الذاريات : (18).
• (مراجعة القرآن) شهر رمضان فرصة لمن تفلَّت منه حفظ القرآن، ليقوم بمراجعته آناء الليل وأطراف النهار، وليقوم به الليل، ويقرأه متدبراً لما فيه من أحكام ومعانٍ، وقد كان حال سلفنا الصالح عجباً في تأمل القرآن وختمه في هذا الشهر العظيم.
• (عمرة فيه تعدل حجة) : من محاسن هذا الشهر أنَّ فيه فرصة عظيمة للمعتمرين ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:(عمرة في رمضان تعدل حجة)، فيا فوز وسعادة من فاز بأجر حجَّة في شهر رمضان إذا أدَّى العمرة خالصاً لوجه الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• (تنقية القلوب) : في هذا الشهر العظيم أيضاً فرصة لتجديد العلاقات الأخوية، وإعادة صلة ما قطعه القريب مع أقاربه بسبب خلاف أو شجار، فيستعيذ بالله من الشيطان، ويجعل قلبه سليماً، لا غلَّ فيه ولا حقد ولا حسد، ويجدد علاقاته مع أقاربه وأرحامه وخلاَّنه على ميزان الشريعة، مع القيام بالحقوق التي افترضها الله من حقوق المسلم على المسلم، كما أنَّ من المهم استغلال هذا الشهر الكريم للإصلاح بين القلوب المتشاحنة، والنفوس المتباغضة، ففي هذا أجر عظيم وفضل كبير كما هو معلوم.
• (طيب الكلام) : رمضان فرصة كبيرة لكي يتعلم المسلم ويعتاد على النطق بالألفاظ الطيبة، وترك الألفاظ القبيحة والإقلاع عنها ، وعدم مبادلة الأسوأ بالأسوأ، وإنَّما بالأحسن والتغافل عن أخطاء الآخرين:(فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني امرؤ صائم) كما وجَّه بذلك الحبيب ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في هذا الحديث آنف الذكر، وقد أخرجه البخاري ومسلم.
• (التجديد والتغيير) فهذا الشهر الكريم فرصة مباركة ويانعة، لمن يريد تجديد الإيمان، والتغيير إلى الأفضل، وهو نقطة انطلاقة عمليَّة لإزالة الران عن القلوب بسبب تراكم الذنوب، وهو فرصة لتطوير النفس والرقي بها بما يرضي ربَّها سبحانه وتعالى، لتدرك يقيناً أنَّها قد غيَّرت فعلياً من مجرى حياتها إلى ما كانت تتوق إليه وتتمنَّى تطبيقه.
• (الصبر) : يستطيع المرء من خلال هذا الشهر أن يتعلم في دورة مكثَّفة معانيَ الصبر الثلاثة، من الصبر على طاعة الله في صيام رمضان، والصبر عن معاصي الله بالإقلاع عن قبيح القول والكلام وكل ما لا يرضي الله في هذا الشهر الكريم، إلى الصبر على ما قدَّر الله وقضاه من فرض صيام هذا الشهر الكريم بالكمال والتمام، ورضي الله عن الأحنف بن قيس الذي قيل له:(إنَّك شيخ كبير وإنَّ الصيام يضعفك) فقال: (إني أعده لسفر طويل، والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه) سير أعلام النبلاء.
(وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء، وقد أحسن من قال:

إذا لم يكن في السمع مني تصاون *** وفي بصري غضُّ وفي منطقي صمت



فحظي إذاً من صومي الجوع والظمأ *** فإن قلت إنِّي صمت يومي فما صمت)



(لطائف المعارف لابن رجب)


• (قلَّة الاستهلاك) من فوائد هذا الشهر التقليل من المطاعم والمشارب، لا كما يفعله كثير من الناس ، حيث يجلبون جميع الأشكال والألوان من المطاعم، وكأنَّه شهر أكل وشرب، مع أنَّ حقيقته التقليل من الأكل والشرب، والأخذ بمبدأ الاقتصاد في الطعام والشراب بلا شح وبخل ولا إسراف ومَخْيَلة ، بل يكون وسطاً بين ذلك، لكي يكون الاستهلاك فيه مقنَّنا، وليس كل ما يشتهيه المرء يشتريه، وقد أمر تعالى بالتوسط في أكل الطعام، فقال:(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنَّه لا يحب المسرفين) سورة الأعراف :(31).
• (تربية الأولاد) : فالأب المربي والأم المربية يستطيعان من خلال هذا الشهر بثَّ الفضائل في قلوب أولادهم، وهجر الرذائل، وتحبيب الصيام والقيام والقرآن لهم، بشتَّى الأشكال ، وأنواع التشويقات، وما أحلاها من جِلسة يجمع فيها الأب أولاده قبل الإفطار بنصف ساعة، ويلقي عليهم درساً مَّما يعلمه أو حتَّى من كتاب ميسَّر، ويشرح لهم ما لا يعلمونه، ثمَّ قبيل الأذان يرفع يديه هو وأولاده بالدعاء والتضرع وقرع أبواب السماء بجميع الأدعية المأثورة والطيبة.
• (الدعاء) من أفضل الأوقات التي يشعر فيها قلب المؤمن بالطمأنينة والسعادة ساعات المناجاة لله رب العالمين، وخصوصاً في شهر رمضان الذي جاءت آية الدعاء من بين الآيات الحاثَّة على صيام هذا الشهر العظيم، تذكيراً بأهميَّته في هذا الشهر، فيتوجب على المسلم ألاَّ ينسى نفسه وإخوانه المسلمين من دعوة صالحة صادقة يقوم بها داعياً ربَّ العباد، لعلَّ الله تعالى يفرج عنه وعن جميع المسلمين همومهم وكروبهم.
• (ليلة فيه بألف ليلة) هنيئاً لمن ناله رضوان الله، ووفقه لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، وعمل فيها وجدَّ واجتهد، وأحيا الليل كلَّه، وأيقظ أهله، وشدَّ المئزر، وأكثر من الدعاء، ومن ذكر الله تعالى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت : يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: ( قولي : اللهم إنَّك عفو تحب العفو فاعف عني) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
• (الدخول إلى الجنَّة) فهذا الشهر الفضيل فرصة للصائمين للدخول إلى الجنان، ولا ريب أنَّ للصائمين إيماناً واحتساباً باباً يدخلونه إلى الجنَّة وهو باب الريَّان، كما أنَّ الأجر العظيم ينتظرهم يوم القيامة، فإنَّ الصوم لله وهو سبحانه وتعالى سيجزي عباده الصائمين الأجر الجزيل.
• (تنظيم الغذاء وتخفيف الوزن) : فرمضان فرصة وقائيَّة وعلاجيَّة لمن يودُّون الاعتناء بترتيب غذائهم وتنظيمه ، ومحاولة التخفيف من الأكل والشرب الذي هو في أصله مصلحة للجسم ، ولكن إذا زاد عن حده انقلب سوءاً ومفسدة على النفس وإضراراً بها، فيفسد من خلاله الروح والبدن، ويوصي لقمان ابنه فيقول: ( يا بني ، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة)، فحري بالعبد الصائم تقليل أكله، ليزداد عبادة لربه وخصوصاً في هذا الشهر الكريم.
• (شكر الله) في هذا الشهر فرصة لشكر الله تعالى، وخصوصاً إذا أطاع العبد ربه ، واجتنب معاصيه وما يسخطه، فيحمد العبد ربَّه شاكراً له من قلبه وبلسانه وبأفعاله على أن منَّ عليه بتلك الفضائل وجنَّبه الرذائل، كما قال تعالى:(ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) سورة البقرة :(185).
· وفي نهاية المطاف:
فهذه فرص تلمَّستها بعد تأمُّل ذهني، أقدِّمها لإخواني المسلمين طيبةً جاهزةً، راجياً الله أن يقوموا بالتقاطها والقيام بأدائها، وعَلِمَ الله الذي لا إله إلاَّ هو ، ما من شهرٍ يمر على المسلمين أفضل أجراً ولا أعلى ذكراً ولا أكثر قرباً لقلوب المسلمين من هذا الشهر العظيم؛ الذي تفتَّح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران، فهنيئاً لمن اغتنمه بالطاعات، ويا لخسارة من فرَّط فيه، وأضاع حقوقه وواجباته ومقاصده.
ولله درُّ الأديب مصطفى الرافعي إذ قال في ختام مقال له عن رمضان: (ألا ما أعظمك يا شهر رمضان ! لو عرفك العالم حق معرفتك لسمَّاك"مدرسة الثلاثين يوما") مجلة التمدن الإسلامي.
لقد جمع هذا الشهر جميع ألوان العبادة، وشتَّى أشكال الروحانيَّة والتقرب إلى الله، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


خباب مروان الحمد