بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري



هذه القصة الكريمة: قصة ابطال عادة التبني من قصص القرآن الكريم , وقد وردت في سورة الأحزاب , وتناولتها الايات الكريمات 36 - 40



وأصحاب هذه القصة الكريمة
النبي صلى الله عليه وسلم
وزيد بن حارثة رض الله عنه
وأم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش, رضي الله عنها


وللعلم فانّ السيدة زينب تكون ابنة السيدة أميمة بنت عبد المطلب رضي الله عنهنّ, أي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم



زيد بن حارثة رضي الله عنه كان غلاماً صغيراً حين سؤقه أيدي قطاع الطرق من حضن أمه أثناء احدى رحلاتها في زيارة اهلها , ثم باعوه في أسواق مكة, فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد ودخل به على عمته السيدة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد يؤثرها به على نفسه, فلما تزوجت السيدة خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم وهبته له عربون محبةٍ ووفاء, ليعيش زيد رضي الله عنه في كنف النبي صلى الله عليه وسلم معززا مكرما محبوبا



وعندما علم أهله مكانه, قصدوا بيت النبي صلى الله عليه وسلم يساومونه على اخلاء سبيل ابنهم زيد رضي الله عنه مقابل أي ثمن يطلبه, الا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: أوَ أحسنَ من ذلك؟



قالوا: وما ذاك يا ابن عبد المطلب؟



قال صلوات الله وسلامه عليه: أُخيِّرُه بيني وبينكم, فان اختاركم فهو حرٌّ لوجه الله, وان اختارني فهو مني بمنزلة الولد, يرثني وأرثه



فقالوا: لقد أنصفت زودت



ثمّ جيءَ بزيد رضي الله عنه , فعرف أباه وعمّه, وخُيِّرَ, فاختار البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, عند ذلك خرج به النبي صلى الله عليه وسلم الى الملأ من الناس عند الكعبة وأعلن تبَنِّهِ لزيد رضي الله عنه, ومنذ ذلك اليوم صار يُدعى زيد بن محمد.



وتمضي الأيام والأعوام بزيد رضي الله عنه وهو يعبُّ من بيت النبوة عبّا أدبا وخلقاً وحياةً وتكريماً, حتى اذا بُعث النبي صلى الله عليه بالرسالة وأوحيَ اليه كان زيد رضي الله عنه أول الرقيق اسلاما وايامنا بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم



ومع تتابع نزول وحي السماء جبريل عليه الصلاة والسلام على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصقل مفهوم العقيدة في نفوس المؤمنين, ويهذب أرواحهم, ويضبط علاقاتهم الاجتماعية, وينظم حياتهم, ويخرجُ بهم من ربقة الجاهلية الظلماء الى رحاب نور الهدى وضياء الايمان, ويبني مجتمعا جديدا متميزا بالحق والعدالة



لقد كانت حياة زيد رضي الله عنه محوراً لبعض التشريعات الربانية التي هي خيرٌ وبركةً على أمة الاسلام, ويفيه شرفا أن يكون الوحيد الذي ُكر اسمه في القرآن الكريم تصريحاً تارةً وتلميحاً تارةً أخرى, وتعلقت به خاصية تشريع ليغدو هذا التشريع قرآنا يُتلى الى يوم القيامة



ومع توالي الأيام يتفتح شباب زيد رضي الله عنه نضوجاً واكتمالاً وفتوةً وقوةً, ويغدو هذا الأمر هما من هموم النبي صلى الله عليه وسلم في أن يحظى له بفتاةٍ يقترنُ بها تكون له نعم القرين , يهنأُ بها وتهنأ به, ولم يطُل تفكير النبي صلى الله عليه وسلم طويلا بمن ستكون صاحبة الحظ حيث وقع اختياره على وينت بنت جحش رضي الله عنه, ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب رضي الله عنها, ضارباً بذلك أعرافاً جاهلية حكمت نفوس الناس رَدحا طويلاً من الزمن, وكانت زينب رضي الله عنها احدى فتيات قريش اللواتي يتمتعن مكانةً وجمالاً وحسباً ونسباً, ولقد كان قد تقدّمَ اليها الكثيرون فردتهم جميعاً كونها كانت ترى فيهم أنهم أقلّ منزلةً منها , وعلى الرغم من أنها رضي الله عنها قد أسلمت وآمنت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا, الا أنّ عقدةُ التفوق كانت تحكمها وتستأثرُ بعقلها وقلبها بين حين وآخر, ولعلّ ذلك عقبةً في طريق اكتمال الايمان ان استمر, ولا يكتمل ايمان العبد الا بازالتها من منطلق قوله تعالى



انّ أكرمكم عند الله أتقاكم



فلا فرق بين عربي وأعجمي وأبيض وأسود وغني وفقر الا بالتقوى



والنبي صلى الله عليه وسلم كأيّ أب, حدّث عبد الله بن جحش وزينب رضي الله عنهما برغبته في خطبة زينب لزيد رضي الله عنهما, فانتفضا لهذا الطلب على اعتبار كيف تكون ابنة بني هاشم زوجاً لرقيق دعٍّ؟ فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا محال يا رسول الله, اوَ ترضى أنت بذلك؟ وبماذا سيتحدث عنا الناس؟ وكيف سيكون موقعنا في مجتمعنا؟



وبهدوء نبويِّ معهود في النبي صلى الله عليه وسلم ورصانةٍ وتوازنٍ خصّ الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وسلم, امتص غضب وثورة عبد الله وأخته زينب رضي الله عنهما ثم تلا عليهما قوله تعالى:



وما كانَ لمُؤمنٍ ولا مُؤمنةٍ اذا قضى اللهُ ورسولُهُ , أمراً أن يكونَ لهمُ الخيرةُ مِنْ أمرهمْ , ومَنْ يعْصِ اللهَ ورسولَهُ فقدْ ضلّ ضلالاً مبيناً



وأمام قول الله تعالى الكريم سكتا واستسلما, وفوّضا أمرهما الى الله عزوجل ومن ثمّ الى رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه



تمّت الخطبة بينهما وبعد أيامٍ تبِعَ الخطبة الزواج, وتحطّمَ بهذا الزواج أول قيد وعرفً جاهلي, وأوت زينب الى كنف زيد رضي الله عنهما, ومرّت أيام وشهور الزواج الأولى بينهما على أحسن ما تكون العلاقة بين زوجين, وتشاء قدرة الله تعالى بألا يرزقهما الذرية, ومع هذا الحرمان عادت بزينب رضي الله عنها أحاسيسها ومشاعرها عندما تيقظت في أعماقها عقدة التفوق الطبقي بينها وبين زيد رضي الله عنهما, هذه الأحاسيس والمشاعر التي كتمتها في أعماقها ودفنتها في أحشاء صدرها لشهور عدة, وما أن تيقظت من جديد عندها حتى بدأ معاناة زيد رضي الله عنه تطفو على سطح حياته الزوجية الأمر الذي بات عليه, حيث ما أن تلفظ زيد رضي الله عنه من قول الا وهو محسوبٌ عليه, لما فيه من المرارة والأسى, والشعور بالحسرة والندم, وشعوره بالتعالي الدائم من زوجته عليه



ولقد حاول زيد رضي الله عنه أن يكتم هذا الاحساس في صدره متحملا آلام جراحه النفسية, وكرامته الانسانية المكلومة, حتى اذا وجد أنه لم يعد الاحتمال أكثر من ذلك أتى للنبي صلى الله عليه وسلم , ومن قسمات وجهه وتعابريها أدرك النبي صلى الله عليه وسلم معاناته, فسأله عليه الصلاة والسلام عن أسباب حزنه وهمومه, فانحلت عقدة لسانه رضي الله عنه وأفضى بكل ما يُعانيه, والنبي صلى الله عليه وسلم كأي أب يرنو السعادة لولده نصحه بالصبر وقال له عليه الصلاة والسلام: أمسك عليك زوجك, ولا تُفرّط في زينب



الا أنّ سوء الحال استمر بينهما, واشتد عنف الكلمة على لسان زينب رضي الله عنها, ويعود زيد رضي الله عنه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوها للنبي صلى الله عليه وسلم, وفي عينيه دموع تترقرق, وتكاد أن تتفجر, ويعود النبي صلى الله عليه وسلم بمواسته وتخفيف أحوانه , وامره أيضا أن: أمسك عليك زوجك




وتتكرر شكوى زيد رضي الله عنه من سوء معاملة زوجته له, لرسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى اذا شاء الله عزوجل بأن ينتهي كل ما كان بينهما, أمره النبي صلى الله عليه وسلم بفراقها, ونزل قوله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم



واذْ تقولُ للذي أنعمَ اللهُ عليهِ أمسكْ عليكَ زوجَكَ واتقِّ اللهَ وتُخفي ما في نفسكَ ماللهُ مُبْديهِ وتخشى الناسَ واللهُ أحقُّ أنْ تخشاهُ, فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوّجناكها لكيْ لا يكونَ على المؤمنينَ حرَجٌ في أزواجِ أدعِياءهمْ اذا قضَوْا منهنّ وطَراً, وكان أمرُ اللهِ مفعولاً



وأحسّ زيد رضي الله عنه بكابوس شديد قد انزاح عن قلبه وولى, وتهلل وجهه بشرا وتساقطت دموعه غزيرة تبلل خديه ولحيته, وما أسرعه حين أتى داره ليعلن لزينب رضي الله عنهما بالطلاق.



لقد آنّ لهذه الاستمرارية المشحونة بالسلبية , والمحكومة بقضاء الله عزوجل أن تتوقف , وتأخذ منحىً جديداً فيه حكمةٌ وعبرةٌ وتشريعٌ, اذ كان من مألوف عادات الجاهلية وأعرافها أنه لا يجوز للمتبني أن يتزوج من مطلقة متبنيه, لأنه يكون بمثابة الابن عندهم, له كل حقوق الابن على الأب, ولأنّ ارادة الله عزوجل اقتضت أن تبطل عادة التبني الجاهلي , فقد ترتب على هذا المجتمع ابطال كل متعلقاته وفروعه, وما ينتجُ عنه.



وبعد أن مضت شهور العدة, خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وتزوجها ليتحقق قضاء الله عزوجل وحكمه في ابطال عادة التبني, وأمر الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بالزواج من زينب رضي الله عنها مطلقة ابنه بالتبني, وينزل قوله تعالى الكريم ليوافي ما أقدم عليه النبي صلى الله عليه وسلم



ماكان محمّدٌ أبا أحدٍ مِنْ رجالِكُمْ ولكنْ رسولَ اللهِ وخاتَمَ النبيين, وكان الله بكلِّ شيءٍ عليما



ودخلت زينب رضي الله عنها بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حظيت بشرف عظيم بحملها لقب أم المؤمنين, وكانت رضي الله عنها في حياته صلى الله عليه وسلم مثالا للزوجة الصالحة, وكانت رضي الله عنها مزهوّة فرحةً مستبشرةً أن أتى تزويجها من فوق سبع سماوات, وكانت كثيراً ما تردّدُ على مسامع أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ



انّ الله تعالى تولّى تزويجي من فوق سبع سموات, أما أنتنّ فتولّى تزيجكنّ أولياءكنّ.



فرضي الله تعالى عن زيد وزينب, وعن سائر امهات المؤمنين والصحابة الكرام , وصلى الله وسلم وبارك على من رباهم.