وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى
النتائج 1 إلى 18 من 18

الموضوع: وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    10,782

    افتراضي وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى


    وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي
    (الشيخ محمد بن علي بن جماح)



    لجينيات


    رحل هذه الليلة السابعة والعشرون من شهر رجب سنة 1430 حوالي الساعة السابعة مساءً أحد أكابر أعلام بلاد غامد وزهران ،الشيخ العالم الداعية محمد بن علي بن محمد آل جماح الغامدي،علم الأعلام في بلاد غامد وزهران ،وشيخ المعلمين،واستاذ الدعاة، عن عمر يناهز التسعين أو يربو عليها،عاش رحمه الله حميدا عالي الذكر بالخير،مشهورا بين الناس بالفضل،سعيدا بالدعوة الى الله ونشر العلم النافع،صابرا في سبيل ذلك، وكان صاحب شخصية مؤثرة له سمت حسن وصوت مهيب وصورة جميلة وهيبة ووقار،وذكاء نافذ وبصيرة وفراسة،وقد متعه الله بصحة جيدة،حتى تعلل في سنواته الأخيرة ببعض علة في القلب ،و لم يوقفه ذلك عن العمل الخيري، والدأب في ذلك حتى آخر ساعة من عمره المبارك،حيث كان قبيل وفاته بساعتين أو نحوها في اجتماع لجنة الموارد في جمعية تحفيظ القرآن في مدينة بلجرشي0

    ومن أراد أن يكتب تاريخ منطقة الباحة في هذا العصر –وخاصة في الجانب التعليمي والدعوي- لابد أن يذكر المدرسة السلفية ومؤسسها الشيخ بن جماح رحمه الله،وهي المدرسة التي امتد اثرها في بلاد غامد وزهران وبني عمر وخثعم وبلقرن وبني شهر،ووصل تأثير دعاتها إلى بقاع كثيرة من البلدان التهامية والبدوية المصاقبة لبلاد غامد0

    أخذ الشيخ القرآن أولا على يد والده الشاعر الحكيم الشهير ذائع الصيت في بلادنا علي جماح المتوفى سنة 1366رحمه الله،ثم تتلمذ على الشيخ الفقيه علي بن ابراهيم المداني واخذ عنه الفقه الشافعي والنحو وغيرهما

    ولما بلغ عمره اثني عشر عاما أهداه احد اقاربه كتاب التوحيد للامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فحفظه وتأثر بما حواه من علم ودليل وصفاء وعودة الى الينابيع الأولى الصافية ،وأثر في صياغة شخصيته العلمية كما سيظهر فيما بعد0

    سافر الى الحبشة بمعية أخيه الكبير لطلب الرزق،وفيها تعرف على جملة من علماء مصر من الأزهر،وتأثر كثيرا بعلماء ودعاة جماعة أنصار السنة المحمدية المصريين الذين فتحوا في بلاد الحبشة مدرسة لتعليم ابناء المسلمين،وكان هذاالتأثر بهم له أثر في صياغة شخصيته العملية بعد عودته الى بلاده واجتهاده في نشر العلم والدعوة0

    عاد الشيخ وهو فتى ينضح بالحيوية والنشاط وقد اكتسب الخبرة ورأى أجناسا من الناس وعلم أنه لا مجال لإصلاح أحوال البلاد والعباد الا بالدعوة الى الله والتعليم
    فوضع أسس دعوته في ورقة و بحث عن أفاضل الناس من اهل بلجرشي وخاصة من أصدقاء والده وعرض عليهم البدء بحركة دعوية سلفية،مستلهما ما كتبه الشيخ محمد حامد الفقي في حركته السلفية بمصر،فوافقوه ووقعوا على مقترحه، وكان يرى ان العمل للاسلام لا ينجح بشكل جيد الا بوضع طريقة ادارية يسير عليها، واستمر هذا دأبه حتى آخر حياته،وكان مما تضمنه الاتفاق مع هؤلاء الافاضل وضع رئيس لهم وأمين صندوق ووقتا اسبوعيا للاجتماع وتدارس الأمور والمستجدات،واتف قوا على الا يدعوا الناس الى خير الا وقد فعلوه هم،ولا ينهون الناس عن شر الا وقد بدأوا بتركه،ثم تحركوا في محيطهم ونشطوا ، وكما هو المتوقع دائما فقد حصلت لهم عوائق ،فاستعاض الشيخ بن جماح عن هذا النشاط الدعوي، بإنشاء مدرسة لتعليم أبناء العشيرة الأقربين،وكانت هذه نواة المدرسة السلفية وذلك في عام 1370وفتح المدرسة في قرية القرى في منزل الأخوين الوجيهين الكريمين: عبدالله بن سعيد وأخيه صالح بعد معاناة شديدة للحصول على المكان إلا أنه لم يلتحق بالمدرسة طلاب سوى أبناء الأعضاء ،وبذل في سبيل اقناع الشباب بالدراسة جهدا كبيرا، ومن ذلكانه كان في قرية (المكارمة) إمرأة من أهل القرآن تدعى: زهرة بنت محمد الأعمى غفر الله لها، وكان عندها ما يقارب (25) طالباً تعلمهم القرآن الكريم، فطلبهم الشيخ بن جماح منها على أن يعوضها ببنات تقوم بتعليمهم فوافقت إلا أن الطلبة تلكأوا بسبب دعايات مضادة للشيخ ودعوته، ولكنه قرر لهم درساً، وفي نهايته كان يخرج بهم إلى البر ويمارس معهم بعض الألعاب الشعبية حتى ألفوه، فأخذهم وعوض المعلمة زهرة ببنات أكثر منهم فسرت بذلك، رحمها الله واعلى درجتها في عليين.

    وكان الشيخ بن جماح يعمل في هذه المدرسة مديراً ومعلماً وخادماً، واختار نخبة من المتعلمين الأفاضل المحتسيين لكي يعملوا معه في المدرسة، ولم يلبث توقف حركة الدعوة إلى الله تعالى في المساجد والأسواق والمناسبات سوى أشهر فقط، حتى تم إعداد الطلبة الأذكياء، وقاموا بدور كبير بالدعوة في بيوتهم وعشيرتهم وكان الشيخ يعدهم علميا وعمليا ويملي عليهم نصائح وتوجيهات، ويقوم بتوزيعهم على مساجد القرى وجوامعها، وقوبلت الدعوة على ألسنتهم بالقبول والمحبة والرغبة، واستؤنف عمل الدعوة من الأساتذة الكبار الذين كانوا في معية الطلاب الصغار مساندين لهم ومؤيدين.
    ومن المدرسة بدأ التحرك الدعوي مرة أخرى،على غرار ما فعله أنصار السنة المصريين الذين التقى بهم في الحبشة،مراعيا فارق الأوضاع والأعراف ،ومستفيدا من اندهاش الناس بجودة أداء الطلاب الصغار،فوسع نطاق دعوته حتى وصلوا بيشة وضواحيها وبلاد خثعم وشمران وعليان وبلقرن وبني عمرو وبني شهر وحتى عسير وأحد رفيدة،و قد أثمر هذا التحرك انتشار صيت المدرسة السلفية واحتشاد الطلاب من قبائل ومناطق عديدة للدراسة فيها0
    واقتضى ذلك البحث في قضية بناء بيت للطلاب المهاجرين لطلب العلم وبناء مدرسة واسعة ،فكان ذلك في قرية الشعبة(قرية أسرة الغمد شيوخ شمل غامد) وساعد اعيان وتجار غامد في جدة وغيرها في بناء المدرسة السلفية والتي هي المدرسة الأولى- فيما أظن- في بلاد غامد وزهران0

    وفي أثناء زيارة الملك سعود رحمه الله للمنطقة سنة 1374 خص المدرسة السلفية بزيارة وأقيم فيها حفل كبير له،ولما اطلع على ما تقوم به من دور وما تضطلع به من مهام تعليمية وتربوية ودعوية أمر بدعمها سنويا بمبلغ يسلم للشيخ من وزارة المالية0

    فشجع ذلك الدعم المادي والمعنوي من الملك أن يقوم الشيخ بن جماح بافتتاح عدة فروع للمدرسة السلفية :فرعان لتعليم البنات في بلجرشي(وهي أول مدارس نظامية للبنات في المنطقة) وفرع في قرية (الأبنا) جنوب بلجرشي ،وفرع في بني حسن من بلاد زهران،ثم انتقل الى قرية النصباء،ثم لما قصرت النفقة وضعفت المساعدات ،وافتتح التعليم النظامي توقفت هذه الفروع،وبقيت المدرسة الأصل في بلجرشي مستمرة بوصفها مدرسة أهلية خيرية يدعمها اهل الاحسان وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله،وصارت المدرسة فيما بعد تحتوي على المراحل الثلاث الابتدائي والمتوسط والثانوي،وبقيت كذلك حتى تحولت عام 1411 الىمدرسة حكومية، وبقي لمؤسسها الشيخ بن جماح حق النظارة الشرعية والاشراف0

    ومما اشتغل به الشيخ رحمه الله إضافة الى التعليم والدعوة الى الله تعالى تعليم القرآن وتحفيظه ومن أوائل ذلك فتحه الحلقات لذلك عام 1370،ثم زادت عام 1380،ثم لما أسست جمعية لتحفيظ القرآن في بلجرشي كان مشاركا ومشجعا ومؤيدا،وفي سنة 1409 انتخب رئيسا لها فصير اسمها (الجمعية الخيرية السلفية لتحفيظ القرآن في محافظة بلجرشي وتوابعها) ونشطت وأصبح لها عدة فروع وتخرج فيها عددا غير قليل من الحفاظ وبقي مشتغلا في شأن تعليم وتحفيظ القرآن حتى قبيل وفاته بساعات0

    وقد ترك الشيخ من الأبناء –في حد علمي- عليا وعبد المنعم،وترك من التلاميذ عددا كبيرا،وقد درست على يديه في المدرسة السلفية مادة الفروسية وكان المنهج علميا وعمليا اما العلمي فكان كتاب ابن القيم الفروسية،وأما العملي فكان منه تعلم السباحة وفنون أخرى،وتخرجت فيها من الابتدائية 1390-1391،وقد درس فيها والدي رحمه الله قبلي وتخرج فيها في نحو عام 1380ودرس فيها جدي لأمي عثمان بن مرشد الشهري رحمه الله وأتى بعائلته وبابنه من بلاد بني شهر ليدرس في السلفية،ولهذا قلت هو شيخي وشيخ أبي وشيخ جدي، وأعرف جملة من الأعيان المعروفين ممن تخرجوا في هذه المدرسة ومنهم على سبيل المثال استاذي الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي إمام المسجد النبوي،والشيخ داوود العلواني العمري،والشيخ عبد الهادي العلواني،والشيخ عبد الله بن مجدوع القرني وشقيقه،والشيخ الدكتور سالم بن محمد القرني ،والتاجر المعروف علي المجدوعي وآخرون لا يتسع المجال لحصرهم هنا0
    أما زملاؤه ومعاونوه في التعليم في السلفية وفي الدعوة الى الله تعالى فكثير أذكر منهم الشيخ سعيد الدعجاني، والشيخ سعد بن حجر، والشيخ ناصر بن سعفة، والشيخ عبدالله ابو علامة بن محمد الفقيه، والشيخ علي بن جنيدي،والشيخ ناصر بن مغرم ،والشيخ علي بن مغرم، ومن أسرة (الغمد)الشيخ أحمد بن سعيد البدوي،والشيخ عبدان بن علي،والشيخ عبد العزيز بن سعيد وابنه سعيد بن عبد العزيز0

    أما محبوه والمتأثرون به والمعجبون بشخصيته وعلمه فأكثر من أن يحصيهم العد،ولذلك عم الحزن بفقده وتبادلوا التعازي بينهم بموته،فكل يعزي الآخر في ذلك ؛لأنه فقيد الجميع ،أسأل الله تعالى له الرحمة والرضوان والعفو والغفران، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه

    وكتبه سعيد بن ناصر الغامدي ‏28‏/07‏/1430 كولالمبور



    منقول

    http://www.lojainiat.com/?action=showMaqal&id=9065


    وآفة العقلِ الهوى ، فمن علا *** على هواه عقله ، فقد نجا

    ابن دريد

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    613

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    رحمه الله رحمة واسعة
    ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,642

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    غفرالله له ورحمه اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله
    وجزى الله د سعيد بن ناصر الغامدي خيرا على مقاله
    قال الامام المنذري رحمه الله :
    وناسخ العلم النافع :
    له أجره وأجر من قرأه أو كتبه أو عمل به ما بقي خطه ،
    وناسخ ما فيه إثم :
    عليه وزره ووزر ما عمل به ما بقي خطه .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,683

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    نسأل الله ان يرحمه وان يدخل فسيح جناته
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً


    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    10,782

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد بن عمر مشاهدة المشاركة
    قصيدة ألقاها الشيخ عائض القرني في محاضرته
    ( أسباب انشراح الصَّدر ) 28/7/1430 هـ
    التي كانت في جامع الأمير محمد بن سعود في بلجرشي
    بعد أن تكلَّم الشَّيخ عايض عن وفاة الشَّيخ ابن جمَّاح رحمه الله وعزَّى النَّاس في وفاته
    وذكر أنَّ الشَّيخ هو الذي اتصل عليه ليلقي هذه المحاضرة وأنَّ الشَّيخ أقره على عنوانها


    فَيَا قَبَرَ ابْنَ جمَّاح صَبَّحَكَ الرِّضَا == وَجَادَكَ غَيْثٌ يَطْرُقُ الرَّوْضَ مُمْرِعا
    وَيَا قَبَرَ ابْنَ جمَّاح هَاكَ تحيَّةً ====== مُضَمَّخَةً بِالْمِسْكِ عِطْرا مُذَعْذِعا
    وَيَا قَبَرَ ابْنَ جمَّاح زَارَتْكَ رَحْمَةٌ ====== تُزفُّ بِهَا لِلْخُلْدِ نُزْلاً مُوَسَّعا
    وَيَا قَبَرَ ابْنَ جمَّاح لُطْفاً بِشَيْبِهِ ===== فَكَمْ عَاشَ لِلإِسْلاَمِ شَيْخاً مُرَصَّعا
    وَيَا قَبَرَ ابْنَ جمَّاح ضَيْفُكَ قَانِتٌ ==== يَبِيْتُ اللَّيَالِي بَاكِيَ الْعَيْنِ مُوجَعا
    وَيَا قَبَرَ ابْنَ جمَّاح رِفْقاً بِجِسْمِهِ ====== فَقَدْ ذَاقَ لِلإِسْلاَمِ حتَّى تمزَّعا
    دَعَانِي قُبَيْلَ الْمُوِتِ آتِيْهِ زَائِراً ======= فَنَادَيْتُهُ لَبَّيْكَ وَالْقَلْبُ مُفْعَما
    فَفَارَقَنَا قَبْلَ اللِّقَاءِ مُسلِّماً ========== وَوَدَّعَنَا أَنْعِمْ بِذَاكَ مُوَدِّعا
    وَقُلْتُ لَهُ لَوْ أنَّ مَرْسُوْلَكَ الَّذِي ===== بَعَثْتَ بِهِ أَلْفَى الْجَوَابَ مُشَيَّعا
    فَكَيْفَ وَقَدْ نَادَيْتَنِي وَدَعَوْتَنِي ==== فَهَا أَنَا قَدْ لَبَّيْتُ لَوْ كُنْتَ مُسْمَعا
    عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ ===== وَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَيُشْكَرُ مَنْ دَعا
    وَأَكْرَمَكَ الرَّحْمَنُ جَلَّ جَلاَلُهُ ===== بِصُحْبَةِ خَيْرِ الْخَلْقِ فِي جَنَّةٍ مَعا
    منقول:
    http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/showthr...79#post1083779
    وآفة العقلِ الهوى ، فمن علا *** على هواه عقله ، فقد نجا

    ابن دريد

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    10,782

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خضر بن سند مشاهدة المشاركة
    إذا المرء أعيته السيادة ناشئاً ..... فمطلبها كهلاً عليه بعيد

    ترجمة للعالم الجليل محمد بن علي آ ل جمّاح رحمه الله

    كتبها
    خضر بن صالح بن سند
    جدة 26/7/1430


    *** عجالة سريعة سيعقبها ترجمة للشيخ الجليل قريباً إن شاء الله




    الحلقة الأولى

    بن جمّاح ...باعث أمَّةٍ ....وسَيدُ قَوِمهِ ...سيرة عالم شجاع في زمن الضعفاء


    ابن جمَّاح ..وما أدراك ما هذا الاسم ؟ .

    بيت شامخ , وقامة باسقة , ومجد تليد .

    في جبال عالية متسامية إلى السماء , تبعد عن مكة قرابة الثلاثمائة كيل جنوباً , لكي تصلها من مكة تتجه لتصعد جبال الطائف العالية التي هي بداية جبال السروات المأهولة بالسكان , تصل للطائف ثم تستمر في تنقلك وتمرّ في أثناء سيرك بين المزارع والقرى والبلدات الجميلة على قبائل عربية أصيلة تعيش من قبل الإسلام هنا , فعمرها قارب الألفين سنة وهي تعيش في هذه المناطق الزراعية الجميلة .

    تصل بعد الطائف بمئتين وخمسين كيلاً لمدينة يقال لها بلجرشي , تتبع قبيلة غامد , هذه المدينة تتكون من مجموعة من القرى الفاتنة الجمال , تقترب من المنحدر الصخري الهائل المطل على تهامة وتبتعد قليلاً عنه أحياناً , يعيش هنا عشرات الألوف من البشر بين مزراعهم وبيوتهم الحجرية التي بنائها آبائهم على مر العصر والقرون , تصطف الطيور على الأشجار أو الصخور التي تحدد المزارع والمدرجات الزراعية على نغمات خرير الماء وحفيف الأشجار وحركة المزارعين لتحي وترحب بالمارة والزوار .

    بلجرشي هي قبيلة ومدينة في نفس الوقت , فهي أهم مدينة في ذلك الشريط الجبلي بعد الطائف , قامت بها حضارات متواضعة لكونها معزولة طبيعياً بفضل الجبال العالية , يعيش الناس في قراهم حياة طيبة وهادئة , يعيشون بحب وود رغم طول السنين وتقادم الدهور .

    هنا ولد شاعر مجيد قبل نحو مئة وخمسين سنة من تاريخ تحرير هذه الكلمات , أي قبل سنة (1280) من الهجرة , أصبح هذا الشاعر حكيماً تسير بأقواله الركبان في المنطقة , يتسابق الناس لحفظ أقواله وحِكَمِه التي لازالت تعيش إلى اليوم في ذاكرة الناس , وتسير هذه الكلمات مع أبناء القبائل المحيطة يترنمون بها بين الحواضر الكبرى التي رحلوا إليها بعد ذلك , كثير من هذه الحكم والقصائد لقيت عناية ورعاية وقد دونها كبار المؤرخين والكتاب في هذه الجبال , ولقد أحصيت أكثر من عشرين مصنفاً معاصراً ذكروا هذا الشاعر أو أفردوا له صفحات طوال في جمع شعره وقصائده .

    هذا الشاعر الحكيم لسان شعره ولهجته تحاكي أبناء ناحيته وقومه , ربما تعسّر على المرء الغريب الإمساك بزمام بعض الألفاظ , ولكنها من صميم لغة العرب , و هذه من اللهجات التي عرفتها العرب وبقيت و عاشت و يتداولها الناس في هذه المنطقة , هذه اللهجات يتحدث بها الناس ويعرفون مدلولاتها ومراميها , والشاعر الحق هو من يستطيع أن يوصل المعلومة إلى مستمعيه , ويستطيع أن يوجد حلولاً لمشاكلهم , هو الذي يقول الكلمة فتنقذف في قلب السامع محدثة أثراً عاطفياً أو حربياً أو سلوكياً , وليس الشاعر من يغرب عليهم ويتعالى بألفاظه وفصاحته .

    هذا الشاعر المجيد يقال له ( علي بن جمّاح ) , يكفي لمعرفة شهرته أن تسأل أبناء القبائل في هذه الجهات عن الشاعر بن جماح , سيتسابق الناس ونقلة الشعر ومتذوقوا الكلام الجميل في الزمان المتأخر في إخبارك عن شعره وعن قصائده , سيخبرونك عن القصائد التي أنهت حروباً طاحنة , أو أنقذت أمماً من الموت أو الجهالة .

    سيخبرونك عن رحلاته لمدينة مكة قبل الحكم السعودي لمفاوضات الصلح والسلام , وسيخبرونك عن تجوله في جازان وحكايات الإدريسي , وسيخبرونك عن جولاته في القرى المحيطة , وعن قصائده بين القبائل والأفراد لحقن الدماء وجمع الكلمة , وسيخبرونك عن إيقافه ونبذه للعداوة القبلية والعصبية الجاهلية , سيخبرونك عن قصائده الطويلة في الحكم والمواعظ والرقائق , سيخبرونك عن قصائده ونصائحه في معاملة الزمان وأهله , أشياء كثيرة ستجدها في جعبة الرواة أو أوراق المؤلفين والأدباء , وقد جمع ولده محمد كثيراً من قصائد والده وطبعها في مجلد , وجمع كثيراً من قصائده الباحث علي السلوك الزهراني في كتابه الكبير ( الموروثات الشعبية) , وأختار كثيراً من مقطوعاته الجميلة اللواء علي الغامدي في ( ألحان من غامد وزهران )وسواهم كثير جداً .

    لن تجد بينها كلاماً ساقطاً أو فاحشاً , أو تملقاً مقيتاً , أو هجاء بدون فائدة دينية غالبة , لن تجد إلا حِكَماً تسيل كما يسيل الشهد المذاب , ومعاني تتدفق كما تتدفق عاطفة الأم الرحيمة .

    ( علي بن جَمَّاح ) فارس الكلمة وشاعر الملحمة ومبدع المنطقة , يعيش بين الناس بقلبه وعقله وجسمه , تراه في المجالس العامة المتواضعة يتحدث مع الكبير والصغير , ويراه الناس بين العلماء أو القضاة وله قدرٌ وهيبة فقد كان ذا عقل راجح وكان مشاركاً في العلوم حافظاً للقرآن , أو تراه في مجلس شيخ القبيلة في صدر المجلس يستشار في مسائل القبيلة ومشاكلها فليس من سوقة الناس وصغارهم , لطالما تترست به القبيلة وجعلته في مقدمة الوفود ليقول من حكمه أو قصائده , ولطالما أذعن الشعراء والقبائل لحكمته وبلاغته , وتراه بعد ذلك كله مع أبنائه وأسرته فتجده الأب الحاني الرقيق الذي سارت بقصائده الركبان في الرحمة والشفقة .

    تعقد المناطق الجبلية أسواقاً أسبوعية على مدار الأسبوع , تبتعد الأماكن ليتبادل الناس المصالح والتجارات , وتحمي كل قبيلة سوقها وترعى شؤونه , وهذه القبيلة التي ينتمي لها ابن جمّاح سوقها يوم السبت من كل أسبوع .

    في بعض المناسبات يراه الناس مقبلاً للسوق ضحى كما هو المعتاد وقد لبس عباءته وتقلد سيفه أو بندقيته وتحزم بخنجره , تتسابق الأنظار إليه , يلبس الناس مثل ذلك عادة , ولكنّ حركات بن جمّاح الشاعر غريبة اليوم , فلم يفعل ذلك إلا لأمر , يبدوا عليه الاهتمام والجدية اليوم , يتقدم بين أصناف البضائع المطروحة على الأرض و يسارع البعض بتقبيله أو لعناقه فهي فرصة عظيمة للقياه , يسلِّم على الناس الغرباء ويرحب بهم في السوق المحلي , ويصل أخيراً لمجلس شيوخ القبائل وعرفاء السوق , لهم مكان معتاد لمراقبة السوق والتجارة ويبادلهم التحيا فيعرفون خبره وشأنه , فهو لا يتحدث إلا عن الشأن العام , الموضوع الذي يسعى فيه يحتاج لعقل حكيم أو سيف جراح محارب .

    يقف على شرفة السوق بين الأمم والباعة والمشترين , فتتجه الأعناق إليه كما اتجهت العرب الأوائل في سوق عكاظ للنابغة والأعشى , أو سوق المربد بالبصرة لجرير والفرزدق, فيبين ابن جّماح للناس سبب صعوده للمنصة الرئيسية أو ( مشراف السوق ) كما يقال له بلهجة الناس , ويخبرهم بعد أن يهلل الله ويذكره مراراً ليجتمع الناس حوله , ثم يقول بضعة أبيات من الشعر الحكيم الذي يألفه الناس ويعرفونه , يشتمل شعره على نوعين من الأبيات فأحدهما يقال له بدع والآخر يقال له ردّ , هذه الأبيات إنما قيلت لحلّ مشكلة أو فض خصام , فيسير بها الناس أسبوعهم يتحدثون عنها وعن صدق الشاعر فيها , ثم تحملها صدورهم لتروي للأجيال القادمة هذه المشاهد والمواقف البطولية.


    هكذا عرفه الناس لا يصعد للأماكن الحساسة ليتزلف لمسئول , أو يمدح تاجراً لينال من ماله , أو يبارز الله بأخبار قصائده الخمريات ولياليه الماجنة .

    إنه رجل تفقده عند السيئة وتجده عند الحسنة, تفقده عند الكذب وتجده عند الصدق , ترى فيه بقايا العرب الذين مدحهم الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم وأثنى على أخلاقهم , وقال عنهم النبي الكريم , ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .


    عاش بن جمّاح الشاعر في قلوب الناس , ولازال يعيش بقوة في ثقافة البلد والمنطقة , فربما تحدث الناس بقصائده على بعد مئتي كيل من مولده وحياته , فترى أحياناً أبناء تهامة يرددون قصائده , ويتغنى أبناء البادية بمقطوعاته , ويتحدث العالم الوقور في درسه أو مجلس تذكيره بحكم ابن جمّاح الشاعر ومواقفه وقصائده الوعظية والزهدية .

    توفي بعد أن ترك مورثاً أدبياً , وبعد أن ترك أخلاقاً أصيلة عربية , وبعد أن حمده الناس وأثنوا عليه خيراً .


    في رمضان توفي الشاعر والحكيم الكبير وذلك في عام (1366) من الهجرة , ولكنه قبل أن يموت بسنين طوال ترك أبناءً يسيرون على خطاه ونهجه الفاضل الرائع , غرس فيهم قيم الإسلام الصافي , رباهم على الخير والفضيلة , غرس فيهم حب الناس واحترام عادات العرب , غرس فيهم حب الكرم والبذل والعطاء , غرس فيهم المروءة والنجدة والنخوة العربية , وضع فيهم لبنات الرجولة الحقة التي جاء بها الإسلام , وهي من أصول العرب التي تفاخر بها على الأمم .



    ************



    ولادة فارس وحياة قائد :



    في بداية ومطلع العقد الرابع من القرن الرابع عشر الهجري وتقريباً في عام (1336) ولد نجم ساطع , وأضاءت سماء أمة , وخرج طفل صغير سيكون له شأن مهم في تاريخ البلد بل المناطق المجاورة بل وحياة الناس .

    في قرية يقال لها ( الجلحية ) تقع شمال السوق الرئيسي لبلجرشي بمسافة تقارب نصف كيلوا متر تقريباً , في منزل متواضع مبني من الحجر , مسقوف بأعواد الشجر الصلبة , وقد غطيت الأعواد بالطين الناعم المتماسك , ويمسكها جذوع شجر كبيرة توضع في وسط البناء ليستند عليها السقف , وكل هذا بأسلوب هندسي جميل وتاريخي رائع .

    هنا في هذه البيئة والقرية الناعمة التي يلفها الضباب شتاء , وتسيل أرضها بمياة الأبار العذبة , وتنتشر الحقول الزراعية المتراصة ببهاء وجلال , في منزل أشهر شعراء المنطقة على الإطلاق , ولد المولود الجديد له , وعلى الفور دوّت صيحات المولود الذي يرى النور لأول مرة .

    البشائر تتوالى , النساء خرجن بفرحة غامرة يُعلنَّ الفرحة للأسرة بوصول المولود الجديد , لقد كان وسيماً في غاية الجمال صاحت النساء:
    ( ابشر يا علي ... جاء لك ولد ) ...
    ( الحمد لله على سلامة أهلك ) ...
    ( أبشرك كلهم بخير ) ...

    هذه الكلمات لم تكن لتصل لسمع علي بن جمّاح فقط , ولكنها وصلت لأسماع النساء والناس في القرية الزراعية التي كانت تتحين الخبر فعرفته في أقل من خمس دقائق .

    علامات البشر والرضى وشكر الله والهدايا والقبلات تنتشر بين الناس في البيت الحجري العتيق , انتشرت الزغاريد بقدوم هذا المولود الذي لم يكونوا يعلمون من شأن الغيب شيئاً , ولكن ستضيء له المنطقة , وسيكون تاريخاً لوحده تتوارثه الأجيال وتتحدث عن الأمم في الهمة والشجاعة والبطولة .

    مثل ندوة الماء الصافية على بقايا أوراق الشجر , ومثل فراشة رشيقة تتبع الرحيق والأزهار الجميلة , سينمو ويترعرع هذا الطفل في قريته بين أحضان وحنان والديه وقبيلته التي أحبها وتحبه .
    سُميَّ الغلام الصغير باسم ( محمد) .


    يتبع بإذن الله ......
    خضر بن صالح بن سند
    مدينة جدة
    منقول:
    http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/showthread.php?t=180684
    وآفة العقلِ الهوى ، فمن علا *** على هواه عقله ، فقد نجا

    ابن دريد

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    10,782

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الله وافي مشاهدة المشاركة
    في وداع الوالد محمد بن علي جماح رحمه الله تعالى
    شعر: عبد الله درويش الغامدي


    حتـّامَ تُمْسِكُ غادياتِ بكائِها == عينٌ تَضِنُّ عن الحبيب بمائها
    أو ما أتاها عن وفاة إمامها == ما حدثته الأرض من أنبائها
    مات ابن جماح فكلٌ واجمٌ == يا من يعزّي الناسَ في بلوائها
    يا دمعَ عينٍ لم يشاكلْ حرّه == إلا اتقادُ النار في أحشائها
    هي قدرة الرحمن جل جلاله == لا يستطيع الخلق ردّ قضائها
    يا شيخَ غامد يا مقدمَ أهلها == يا رأسَ حكمتها ورمزَ عطائها
    فقدتك بلجرشي وحُقَّ لمثلها == أن تفتديك بمالها ودمائها
    أمستْ كأنّ اليوم يومُ زوالها == وخرابِ عامرها وهدمِ بنائها
    أولم تكنْ تاجَ الفَخَارِ لرأسها == وزعيمَ نهضتها وبدرَ سمائها
    أولم تكنْ للخير قائدَ أهلها == وموجّهَ الأفذاذِ من أبنائها
    أو لم تُعلّمْ أهلها سننَ الهدى == والناسُ في غفلاتها وغباءها
    وشفيتَها بالعلم إذ لا عالم == يدري بأن الجهلَ مكمنُ دائها
    وافيتَ أرضاً أجدبتْ قيعانُها == فعملتَ في صمتٍ على إحيائها
    وأقمتَ فيها صرحَ دعوةِ أحمدٍ == إذ لم يكن إلا دعاةُ شقائها
    فتوالت الأنصار من جنباتها == ومهاجرون أتوك من أنحائها
    أحييت مجتمع المدينة بينهم == بوفائها وصفائها وإبائها
    آخيت بين غنيهم وفقيرهم == حاكيت طيبة في قديم إخائها
    تسعى لإصلاحٍ وتبني مسجداً == وتُغيثُ ملهوفاً وتُرشدُ تائها
    وتزور أصحابا وتُقْرِي زائراً == وتُجِلُّ قوماً أنت من آبائها
    وبنيتها علميةً دعويةً == سلفيةً بادرْتَ في إنشائها
    يكفيك فيها ما نشرْتَ من الهدى == يكفيك ما في الأرض من سفرائها
    جاهدت كي تبقى مناراً عالياً == وصبرتَ محتسباً على أعداءها
    عبر السنين ولم تخنْك عزيمةٌ == بالرغم من أكدارها وعنائها
    وبرغم قسوتها وطول طريقها == وخطى السنين تَئِنُّ من وعثائها
    لم يَثْنِ عزمَك ما لقيتَ لأجلها == لولا كَلالُ الجسمِ عن أعبائها
    تلك السنون مضتْ وخُلِّدَ ذكرُها == وختامُها مسكٌ برغم جفائها
    فختمت بالقرآن خيرَ مآثرٍ == جمعيةُ التحفيظِ من شهدائها
    وبثثْتَ من حلقاتها فكأنما == أعلنتَ بالقرآن في أرجائها
    في كل بيت حافظٌ أو طالبٌ == للعلمِ بين رجالها ونسائها
    ورأيتَ فيها عاجلَ البُشرى وقد == عَمَّ الجميعَ الخيرُ من جرّائها
    فُتِحتْ لكَ الدنيا فلم تأْبه لها == ونبذتها وسموت عن إغرائها
    الناس يقتتلون فوق حطامها == ويفاخرون بمَعْزها وبشائها
    فخطوتَ فوق حقيرها وجليلها == ووضعتَ رجلَك في ذرَى عليائها
    بل والختامُ المسكُ نطقُ شهادةٍ == أشبعتَ منها الروحَ قبل مَضائها
    هذي مفاخره فقل لعدوه == أرني مآثرك التي بإزائها
    تبكيه بلجرشي وتبكي غامدٌ == سلفيةٌ تبكي لفرط بلائها
    ومنابرٌ ومساجدٌ ومعاهدٌ == قد كان راعيها وأُسَّ بنائها
    لو خُلِّدتْ نفسٌ لخُلد مثلُه == لكنْ قضى خلاقها بفنائها
    يا رب فاكتب بذلَه واجعل له == في جنةِ الفردوسِ عيشَ رخائها
    واغفر لأمة أحمدٍ واكتب لها == في أهله وذويه حسنَ عزائها
    منقول:
    http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/showthread.php?t=180661
    وآفة العقلِ الهوى ، فمن علا *** على هواه عقله ، فقد نجا

    ابن دريد

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    10,782

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد بن عمر مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ما شأنشره هنا على حلقات - إن شاء الله - كان بداية شروعي في جمع ترجمة للشيخ محمد بن علي آل جمَّاح رحمه الله وتعالى قبل زيادة عن عام ونصف من وفاته رحمه الله ، والترجمة كما كتبتها في حينها ، وقد أهملت ذكر الزِّيادات التي قيدتها بعد هذا التَّاريخ ، وسأضيفه إلى التَّرجمة الكاملة إن شاء الله ، وقد حرصت على نشرها ، لأن الشَّيخ رحمه الله لم يكن مشهورا خارج المنطقة الجنوبيَّة كثيرا ، خاصَّة بعد ذهاب العلماء الذين كانوا يعرفونه كالشَّيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشَّيخ عبد العزيز بن باز والشَّيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ و الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ والشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ و الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ محمد حامد الفقي وغيرهم من أهل ذلك الوقت
    *-*-*-*-*-*



    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ


    الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد :
    فقد أحببت أن أكتب نبذة يسيرة عن شيخنا الشيخ الفاضل مُحَمَّد بن علي آل جمَّاح حفظه الله ، حيث إن الشَّيخ من الدُّعاة إلى الله تَعَالَى بالحكمة والموعظة الحسنة ، المجاهدين في سبيل الدَّعوة إليه سنين طويلة ، ومن الذين كان لهم الأثر الكبير في المنطقة وما جاورها ، من خلال المدرسة السَّلفيَّة في بلجرشي ، الَّتِيْ كان للشيخ وإخوانه شرف افتتاحها ، ونشر الدَّعوة والتَّصحيح من خلالها ، فكم من دعاة تخرَّجوا منها ، وكم من علماء وطلبة علم درسوا فيها ، والشيخ ليس مجهولا في المنطقة وما جاورها ، بل هو أشهر من نار على علم ، لكني رأيت أن أكتب في مقدمة هَذَا المجموع بعض سيرة الشيخ ، ولم أتوسَّع فيها كثيرا ، لأنَّ الشيخ كفانا مؤونة هَذَا الأمر ، من خلال كتابه الَّذِيْ سيخرج قريبا باسم " رحلتي مع الإيمان ، والمدرسة السلفية ، والدعوة والقرآن " .
    ويتركز عملي في هذه الترجمة على التعريف بالجانب العلمي في حياة الشيخ ، والتراث الَّذِيْ كتبه ، وبعض القصص الَّتِيْ وقعت له و لم يذكرها في كتابه السابق أو ذكرها مختصرة ، مع الاعتناء بإخراج الرسائل الَّتِيْ كتبها الشيخ ، سواء المطبوع منها أو الَّذِيْ لا زال مخطوطا ...
    وكثيرٌ من النَّاس لا يعلم عن مؤلَّفات الشيخ ، الَّتِيْ كتبها خلال سنين الدَّعوة ، وهذا مما زاد من حرصي على الاهتمام بهَذَا الجانب من حياته والكتابة عنه ، ولبعض الأسباب الَّتِيْ أوجزها فيما يلي :
    1- إبراز الجانب العلمي والدَّعوي في المنطقة ، حتى يكون من الدَّوافع القويَّة للأبناء ليقتدوا بمن سبقهم من العلماء والأدباء .
    2- المحافظة على المؤلَّفات الَّتِيْ كتبها أهل العلم في المنطقة ، لأن هَذَا يجعل طلاب العلم الذين يأتون من بعدهم ، يهتمون بكتب من سبقهم من أهل العلم ، سواء كان ذلك من خلال التَّدريس أو الشَّرح أو التحقيق أو غيره من الأمور المعلومة عند المعتنين بالعلم .
    3- البر بهؤلاء الأعلام الذين نشروا العلم والوعي في المنطقة ، وحفظ جهدهم الَّذِيْ كتبوه خلال حياتهم ، وهذا مجهود كبير يحتاج إلى تظافر الجهود ، على المستوى الفردي والجماعي .
    4- أن بعض مؤلفات الشيخ كانت مناهج تُدَرَّس للطُّلاب في المدرسة السَّلفية ببلجرشي ، وبعضها نصائح وتوجيهات كانت تقرأ وتوزَّع عليهم وعلى غيرهم ، ومن خلال نشرها وتعريف الناس بها ، يتضح للمطالع أن المنهج الَّذِيْ كانت عليه هذه المدرسة منهجا سلفيا صافيا .
    5- أني ألازم الشَّيخ وأقرأ عليه مؤلفاته ورسائله ، وأستفيد من علمه وسمته وهديه ، ومن حقِّه عليَّ أن أنشر علمه ، وأظهر للناس الخير الَّذِيْ عنده ، والعلم المكتوب أبقى وأنفع من العلم المسموع على المدى البعيد ، وفيه أجر عظيم لصاحبه بعد مماته ، فهو من العلم الَّذِيْ ينتفع به .

    وأسأل الله تَعَالَى أن يبارك في هذا الجهد الَّذي لا أريد منها إلا نيل الأجر من الله تَعَالَى ، والبر برجل من أهل العلم العاملين ، والمساهمة في حفظ تاريخ منطقتنا الحبيبة وتراثها العلمي الَّذِيْ تفرَّق كثير منه تَفَرُّقَ أَيْدِي سَبَأ ،، بسبب إهمال الأسر لإرث آبائهم ، والتقصير من بعض طلبة العلم في جمع تراث منطقتهم وإخراجه للنَّاس .

    أبو عبد الرحمن البركي
    خَالِدُ بْنُ عُمَرَ الفَقِيْهُ الغَامِدِيُّ
    محرَّم 1429 هـ
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد بن عمر مشاهدة المشاركة

    اسمه وولادته


    هو : مُحَمَّد بن علي جمَّاح بن مُحَمَّد آل حيا الغَامِدِيّ
    كان مولده في مدينة بلجُرشي في قرية الجلحيَّة عام 1336 هـ (1)
    وقد عاش في كنف والده الفقيه(2) الشَّاعر علي جمَّاح رحمه الله (3) ، الذي كان له شرف وسؤدد ، وكان صاحب رأي ومشورة ، وكان خطيبا بارعا طلق اللسان حاضر البديهة ، وشهرته في المنطقة كبيرة خاصة في قصائد الحكمة والوعظ والتحاور مع القبائل المجاورة ، فقد كان التصدُّر له ، لقوَّة علاقته بحكَّام بلجرشي حينها .
    وقد أخبر الشَّيخ عن نفسه أنه رعى الغنم لمدة تتراوح بين الخمس و السِّتِّ سنوات ، فلما أحسَّ والده بتعبه من رعيها ، تشارك بها مع رجل آخر يرعاها مع غنمه ، ليريح ابنه من هذه المهنة الشَّاقة لمن عرفها ومارسها .
    وبسبب الشُّحِّ والفاقة الَّتِيْ سادت في المنطقة فقد كان كثير منهم يهاجر إلى الحبشة لطلب المعيشة هناك ، وإرسال الأموال إلى الأهل في منطقتهم ، لتسدَّ فاقتهم ، وكان هَذَا حال كثير من أبناء المنطقة في ذلك الوقت ، وقد سافر الشيخ وأخوه عبد الله ، وبقي مدة عامين ثم رجع إلى بلجرشي وتزوَّج وبقي سنة ، ثم رجع إلى الحبشة مرة أخرى وبقي بها عددا من السنين ، وكان في مدينة ( أسمرة ) عاصمة أريتيريا .
    ثم عاد إلى بلجرشي بطلب من والده رَحِمَهُ اللهُ ، حيث إنَّه أرسل له بعض الأبيات الشعرية يستحثُّه فيها على إدراكه قبل موته ، قَالَ فيها :
    البَدع
    مُحَمَّد ان كان في رَاسَكْ تَرَى شِّيْمَهْ == فَعُدّ يَوْمَك وَلَيْلَكْ مِن لَيَالِيْنَا
    وِانْ كَانَ زَانَتْ لَكَ الايَّام شَيِّنْهَا == وَلا تُقُلْ أَيِّ شَهْراً مَاتْ فِيْه آبِي

    الرَّد
    مَا لِي بخطَّكْ وَلاَ نِبْغِي تَرَاشِيْمَهْ ====== يَا كَمْ نَلاَلِي وَلاَ سَرَّتْ لَيَالِيْنَا
    لِقِيْت شَيْ مَا الكُتُبْ يَامُر وَشَي يَنْهَى == نَهَيْتْ قَلْبِي يتُبْ مَالحُزْن مَا تَابِي



    أي إن كنت شهمًا ، وترى أن عندك شيمة ومروءة ومحبة لوالدك وبرّا به ، فتعال إليه في أقرب وقت وأسرعه ، ولا تتأخر عن الإجابة ، فلا تصل إلا بعد موته ، ثم تأتي وتسأل النَّاس ، متى كانت وفاة والدي في أي يوم وفي أي شهر .
    ويقول في الرد : ما نريد خطَّك في الرَّسائل ولا نريد زخرفته ، وكم ننشد الألحان للقصائد ولم ينفع عن نسيانك والشوق إليك ، وأنه يدافع قلبه في شِدَّة الحزن على فراق ولده ، فلم يَتُب من ذلك ، لشدَّة حبه له وتأثره بفراقه .

    وقد كانت له محبَّة خاصَّة عند والده رَحِمَهُ اللهُ منذ صغره ، وكان يبادل والده تلك المحبَّة ، فكان حريصا على مرافقته في زياراته ، للمشايخ وغيرهم ، وكان يقود الدَّابة الَّتِيْ يركبها والده رَحِمَهُ اللهُ .
    وقد بقي مع والده رَحِمَهُ اللهُ حتَّى توفِّي في رمضان عام 1366 هـ ، وقد حزن الشيخ على والده رَحِمَهُ اللهُ فراق حزنا شديدا .

    ـــــ
    (1) حسب الحفيظة ، ورأيت في ترجمته في موسوعة التعليم في منطقة الباحة أن مولده 1342 هـ ، والناس يؤرخون هذه السنين بما يسمى " هجة خالد " الَّتِيْ حصلت عام 1340 هـ ، فيقولون قبل الهجة وبعد الهجة ، وهي مجزرة ارتكبها خالد بن لؤي في أهالي بلجرشي ، بسبب وشاية بعض الخونة ، أن أهالي بلجرشي نقضوا البيعة ، ورجعوا لبيعة الشريف في مَكَّةَ ، وقد استباح على إثرها دماءهم وأموالهم ، وأحرق بيوتهم ، وشرَّدهم من المنطقة .
    (2) سألت الشيخ حفظه الله عن والده ، مَنِ المَشَايِخُ الذين درس الفقه على يديهم ؟
    فَقَالَ إنه لا يعرف أنَّ والده درس الفقه على شيخ
    أقول : هذا الوصف كان يطلق في المنطقة غالبا على الَّذِيْ يقرأ ويكتب لأهل القرية ، ويصلح بينهم ونحوها من الأمور .
    (3) له ترجمة قصيرة جدا في كتاب " غامد وزهران وانتشار الأزد في البلدان " لإبراهيم الحسيل الغَامِدِيّ ص 357 ، وهو من شعراء الحكمة والإصلاح في المنطقة ، وقصائده كثيرة جدا ، جمعها ابنه الشيخ مُحَمَّد حفظه الله قبل عام 1400 من الهجرة ، ثم فقدت كلَّها ، وأخبرني الشيخ أنه أعاد جمع بعضها وعنده منها الآن قرابة مائة صفحة مكتوبة ، سأقرؤها عليه إن شاء الله ، لنصححها ، ثم أطبعها وأعيدها للشيخ ليقرأها ويوافق عليها لتكون جاهزة للطباعة في أي وقت إن شاء الله .
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد بن عمر مشاهدة المشاركة
    تعلُّمه ومشايخه


    1- قَالَ الشيخ عن نفسه إنه قرأ القرآن على يدي والده رَحِمَهُ اللهُ عندما كان في الثَّامنة من عمره تقريبا خلال سنة وبضعة أشهر ، حيث إنه كان شغوفا بحب القرآن وتلاوته .
    2- ثم درس على يدي الشيخ الفقيه الزَّاهد علي بن إبراهيم المداني رَحِمَهُ اللهُ (4) ، دَرْساً في القرآن الكريم مع تفسير آيات الأحكام ، ودَرْساً في الفقه الشَّافعي _ متن أبي شجاع _ ، ودَرْساً في النَّحو الآجرومية مع شرح الكفراوي ، ودَرْساً في السيرة ، وقد لازم الشيخ سنتين بل ثلاثا ، وكان نَهِماً في القراءة ، يسأل الشيخ ويراجعه فيما يشكل عليه .
    وكانت بداية طلبه على يدي الشيخ المداني رَحِمَهُ اللهُ ، أن الشَّيخ محمدا حفظه الله كان يرافق والده دائما عند زيارات المشايخ ، وكان الشيخ المداني ممن يزورهم والده ، فقال لأبي الشيخ مُحَمَّد :
    هل تسمح أن يأتيني هَذَا الصبي لأعلمه بعض الأمور ؟
    فَقَالَ والد الشيخ : لا مانع ، لكن متى يكون ذلك ؟
    قَالَ الشيخ المداني رَحِمَهُ اللهُ : يكون ذلك يوم السبت ، تأتي به في الصباح قبل السوق ، وتأتي لأخذه بعد انتهاء السُّوق .
    فوافق والد الشيخ رَحِمَهُ اللهُ .
    وقد استمر الشيخ يدرس على شيخه علي بن إبراهيم رَحِمَهُ اللهُ ، فلما رأى فيه الشيخ النَّباهة وحبَّ العلم ، قَالَ لوالده إنه يريد أن يأتيه مُحَمَّد في يوم آخر مع يوم السَّبت ، فوافق والد الشيخ رَحِمَهُ اللهُ ، ثم بعدها بمدة زاد الشيخ المداني يوما ثالثا يأتيه الشيخ فيه ، ووافق والده رَحِمَهُ اللهُ على ذلك ، ولعل البعض لا يبالي بهذا الأمر ولا يدري عن التَّبعات الَّتِيْ سيتحملها والده جراء هذه الموافقة .
    إن هذه الموافقة تعني أنه هو الَّذِيْ سيأتي بابنه كل يوم من هذه الأيام ، من قريتهم " الجَلْحِيَّة " إلى السُّوق عند الشيخ المداني ، لكن والده رَحِمَهُ اللهُ استسهل الصَّعب ، لحرصه على ابنه ومعرفته بفضل العلم وأهله ، واستمر الشَّيخ عنده تلك المدَّة يطلب على يديه ، ويستفيد مما عنده .
    3- ودرس على يدي الشيخ علي بن جمعان أبو حشيش الغَامِدِيّ رَحِمَهُ اللهُ (5) ، متني الرَّحبية في الفرائض ، و الآجرُّوميَّة في النحو .
    4- ودرس على يد قاضي بلجرشي الشيخ مُحَمَّد بن صالح بن سليم (6) كتاب ( بلوغ المرام ) و ( متممة الآجرُّوميَّة ) و (كتاب التَّوحيد ) للشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهَّاب (7).
    5- وقد حضر دروس أحد مشايخ الجالية المصرية من جماعة أنصار السُّنَّة المحمَّديَّة في مدينة ( أسمرة ) ، وكان الدرس في صحيح البخاري رَحِمَهُ اللهُ كما أخبرني الشَّيخ
    6- قرأ على الشيخ عبد العزيز بن باز رَحِمَهُ اللهُ الكتاب الَّذِيْ ألَّفه هو لِيُدَرَّس لِطُلاَّب المدرسة السَّلفيَّة واسمه " الزَّهرة النَّقيَّة من التَّعاليم المحمَّديَّة " ، وقد قدَّم له الشَّيخ ابن باز رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ، ثم وضع عليه حاشية باسم " البراهين الشَّرعيَّة " وقدَّم له الشَّيخ أيضا ، وقدم له بعض رسائله الأخرى ، وقد جالس الشَّيخ رَحِمَهُ اللهُ مجالس كثيرة ، واستفاد منه رَحِمَهُ اللهُ .
    7- وقرأ على غيرهم ممن استفاد منهم أياما معدودات(8).

    ــــــ
    (4) الفقيه الفرضي الزَّاهد علي بن إبراهيم المداني رَحِمَهُ اللهُ ، من أعيان علماء بلجرشي الَّذِيْن لم يترجم لكثير منهم التَّرجمة اللائقة به ، وأنا أعزم إن شاء الله على تصنيف لطيف عن هذه المدينة ومن عاش فيها ممن له صلة بالعلم والتَّعليم ، ومن هاجر منهم لطلب العلم ، ومؤلفاتهم ، ونحوها من الأمور ، فأسأل الله التيسير .
    وقد كتب عنه تلميذه الشيخ الوالد مُحَمَّد بن سعد الفقيه البركي حفظه الله قرابة ثلاث صفحات لا تزال مخطوطة ، هَذَا مختصر مما فيها قَالَ :
    أخبرني الشَّيخ أنه بعد أن درس القرآن في بلجرشي ذهب إلى السُّودان لطلب الرِّزْق هناك ، ثم إلى الحبشة _ أقول أنا خالد : وهذا ديدن كثير من أهل منطقتنا قبل الحكم السعودي ، وقد سافر جدي أيضا وكثير من أبناء بلجرشي وغيرها لطلب الرزق هناك ، فسبحان مغير الأحوال ، وهذا مثال على عدم الاغترار بما في أيدينا ، فإن الدنيا لا تدوم على حال _ فلم يجد الشيخ المداني رَحِمَهُ اللهُ معيشة يرضاها في السودان أو الصومال ، ثم ذهب إلى اليمن ، وحين وصل إلى زبيد ، وجد بها العلماء والتعليم ، ووجد أن العلماء تصرف لهم رواتب من أوقاف مسجد بني رسول ، والطلاب تصرف لهم إعاشة من تلك الأوقاف ، فقرَّر أن يبقى هناك لطلب العلم ، فمكث سبع سنوات ، ثم اشتاق إلى بلدته بلجرشي ، فرجع إليها ، وبقي مدَّة يسيرة ، ثم رجع إلى اليمن ، وبقي سبع سنين أخرى يطلب العمل ثم عاد إلى بلجرشي ، وبقي بها مدَّة ، ثم ذهب إلى زهران وافتتح بها مدرسة ، وكان يصلي بهم ، ويدرسهم ، ولم يعد إلى بلجرشي إلا بعد أن أقام لهم من يقوم مقامه في التعليم والإمامة منهم ، فلما عاد إلى بلجرشي ، أقام في منطقة " زبيدة " وافتتح مدرسة للبنين _ أقول أنا خالد : وقد درس والدي حفظه الله عليه بعض القرآن الكريم _ وكان يصلي بالنَّاس في مسجد الغازي بزبيدة جميع الفروض ، عدا يومي الجمعة والسبت فقد كان يصليهما في المسجد الجامع في السوق _ أقول أنا خالد : سوق السبت الَّذِيْ كان من أكبر الأسواق في المنطقة الجنوبية كما في مذكرات الفقيه أحمد الزيداني رَحِمَهُ اللهُ من أهل القرن الحادي عشر _ يصلي بهم الجمعة ويعض النَّاس ويذكرهم يوم السبت ، وقد كان قريب الدَّمعة في خُطَبِه ، وعندما يقرأ القرآن ، وقد قرأ عليه الشيخ مُحَمَّد الفقيه حفظه الله بعد عام 1371 هـ كتاب شرح الشنشوري في الفرائض ، وكتاب إرشاد الفحول للشوكاني .
    وقد أصيب الشيخ رَحِمَهُ اللهُ بالفالج آخر عمره إلى أن توفي رَحِمَهُ اللهُ .
    وقال عنه الشيخ إبراهيم الحسيل في كتابه " غامد وزهران " ص 355 ( باختصار وتصرف ) :
    من أعيان فقهاء بلجرشي ، له فضل كبير في التعليم وتحفيظ القرآن في بلجرشي ، في الفترة الَّتِيْ أعقبت حكم الأشراف وبداية العهد السعودي قبل افتتاح المدارس ، وتخرَّج على يديه الكثير من حفظة القرآن ، وقد توفي رَحِمَهُ اللهُ بعد عمر طويل .
    وذكر الحسيل أن من أغرب ما حُكي من قصصه ، أنه بعد أن أتى من اليمن ، وبقي مدَّة في بلجرشي ، عُرضت عليه مسألة مواريث فيها مناسخات ، فأخطأ فيها ، ثم رجع من فوره إلى اليمن ، وبقي مثل المدَّة الَّتِيْ قضاها في الطَّلب الأول ، وهي عشر سنوات كما قَالَ الحسيل .
    وقال عنه الشيخ مُحَمَّد بن جمَّاح حفظه الله كما أخبرني :
    درست على الشيخ القرآن والنحو والفقه والسيرة ، وكان الشيخ يدرسنا القرآن ويشرح الأحكام من الآيات ، وكان سريع الدمعة ، زاهدا ، عابدا رَحِمَهُ اللهُ ، وقد بقيت أدرس على يديه قرابة ثلاث سنوات ، ختمت على يديه القرآن وغيره .
    (5) من أهالي قرية الجلحيَّة ببلجرشي ، وقد أخبرني الشيخ محمد بن جمَّاح أن الشيخ عبد الله بن سعدي العبدلي الغَامِدِيّ قد جالس الشيخ عدَّة مجالس قبل أن يدرسوا هم عليه ، ثم رجع إلى بلدته ولم يواصل الطلب عند الشيخ ، وقد أخبرني الشيخ مُحَمَّد بن جمَّاح حفظه الله أن الشيخ قد رحل إلى اليمن وطلب العلم في زبيد ، وحكى لي قصَّة غريبة حدثت للشيخ علي أبو حشيش مع أحد شيوخه ممن كان يرى جواز " الدَّعَّة = مثل الشيشة " تاب الشيخ بعدها من شُرب " الدَّعة " ، وقال شيخهم صاحب القصة إنه سيعلن ذلك على الملأ وسينشر حكمه بتحريمها بين النَّاس ، وسأفردها بالكتابة إن شاء الله في وقت آخر .
    (6) محمد بن صالح بن سليم من مدينة بريدة في منطقة القصيم ، أخذ العلم عن أعمامه عبد الله وعمر ، والشيخ محمد بن مقبل رحمه الله ، قاضي محكمة بلجرشي حينها وذلك من عام 1371 – 1373 هـ ، وقد انتقل بعدها للمدينة ، حتى أصبح رئيسا لهيئة التمييز بالمنطقة الغربية . انظر ترجمته في كتاب " غامد وزهران وانتشار الأزد في البلدان " لإبراهيم الحسيل .
    وقد حصلت بينه وبين الشيخ ومن معه من أهل الدعوة في بلجرشي مشكلة ، أتت لجنة للفصل فيها بينهم ، كانت بسبب وشاية سيئة من أحد المغرضين ضد الشيخ ومن معه عند القاضي ، ثم طلب الشيخ ومن معه أن يفتح لهم الشيخ السليم درسا ، فَفُتح هَذَا الدرس ، وسأطلب من الشيخ مزيدا من الإيضاح حول هذه القصة إن شاء الله ، فهذه قيدتها حتى لا أنساها .
    (7) انظر لقاء الشيخ حفظه الله مع مجلة " إشراقة الباحة " الَّتِيْ أصدرها مركز النشاط الصيفي بثانوية بني سالم عام 1418 هـ ص 65 ، وقد نسي الشيخ حفظه الله أن يذكره ضمن مشايخه الذين درس على يديهم ، في المختصر من كتاب " رحلتي مع الإيمان " ، وعندما سألته عن شيوخه قبل مدَّة لم يذكره ، ثم لمَّا وجدته وأخبرت الشيخ بذلك تذَكَّره ، وسرد عليَّ الكتب الَّتِيْ درسها عليه كما هنا ، فالحمد لله على توفيقه .
    (8) لم أسأل الشيخ عنهم إلى الآن ، ولعلي أدوِّن ذلك في وقت لاحق إن شاء الله
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد بن عمر مشاهدة المشاركة
    الاجتماع مع الإخوة لبدء الدَّعوة



    تأثر الشَّيح حفظه الله بما رأى من التَّنظيم في أريتيريا ، من جماعة أنصار السُّنَّة المحمَّديَّة ، وقد كان معه كتيِّبا أهداه له بعض أعضاء الجماعة في الحبشة ، فيه قواعد دعوة أنصار السُّنَّة المحمَّديَّة ، فاستفاد منه في معرفة طريقة تنظيم الدَّعوة في بلجرشي ، فقام هو وبعض إخوانه من الحريصين بالتشاور لبدء الدعوة بين أهالي المنطقة ، ثم نظَّموا أنفسهم ، وبدأت الدَّعوة
    وكانت تنظيمها كالتَّالي :
    اسم الجماعة : (( جماعة المؤمنين أنصار الله )) .
    هدفها : دعوة إخوانهم وعشيرتهم إلى توحيد الله تعالى وترك العادات المخالفة للشرع والمدنسة للعرض .
    أسلوب الدعوة : الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
    التطبيق العملي في كل ما ندعو إليه ، والتحلي بالصبر ، والتشاور فيما يلزم من الأمور .
    واستمروا فيها قرابة نصف عام ، ثم تعرضوا للمجابهة من قبل البعض ، فقرروا إيقاف الدعوة إلى حين ، وفتح مدرسة لتعليم الأبناء ، حتى يكون الغرس في الصغار القابلين للتعديل ، فالعيدان الصَّلبة لا يمكن تعديلها إلا بالكسر ، كما قيل :
    إنَّ الْغُصُونَ إذَا قَوَّمْتَهَا اعْتَدَلَتْ ===== وَلاَ يَلِينُ إذَا قَوَّمْتَهُ الْخَشَبُ
    قَدْ يَنْفَعُ الادَبُ الاحْدَاثَ فِي صِغَرٍ == وَلَيْسَ يَنْفَعُ عِنْدَ الشَّيْبَةِ الادَبُ

    افتتاح المدرسة السلفية


    ثم افتُتِحَت المدرسة السَّلفية عام 1370 هـ ، وخلال أشهر قليلة تم تدريب التلاميذ النجباء على الدعوة إلى الله والوعظ في الأسواق والجوامع وغيرها من المجامع ، وكان الوطء أخف على المعارضين ، وقد استمر التدريب للأبناء على الوعظ والدعوة في المنطقة وغيرها من المناطق القريبة من قرى غامد وزهران وبني عمر و خثعم وبالقرن وبن عمرو وبني شهر وعسير ، وأحد رفيدة و بيشة وضواحيها ، وكانوا يذهبون بالأبناء في جولات إلى جدة ومكة في موسم الحج ، والطائف في موسم الصيف ، وكان من ثمرات تلك الرحلات الدعوية ، توافد كثير من أبناء تلك المناطق للدراسة في هذه المدرسة السلفية المباركة ، وفي عام 1372 هـ تم إنشاء مبنى للمدرسة في بلجرشي بعد أن تبرع أحد المحسنين بموقع لها .

    سبب نجاح المدرسة وقبول الناس لدعوتها


    وكان السِّرُّ في نجاح هذه المدرسة ما قَالَ شيخنا مُحَمَّد بن جمَّاح حفظه الله في خاتمة كتابه ( الزَّهرة النَّقية ) :
    ... ولقد كان طالب هذه المدرسة يجمع بين التَّعَلُّم والدَّعوة إلى الله في آن واحد ، يقف أمام مجتمعه يُذكِّرهم بأحكام الدِّين الحنيف ، ويستشهد بآيات من القرآن الكريم ، وأحاديث من السُّنَّة المطهَّرة ، ليأنس النَّاس بصحَّة ما يسمعون منه.
    ولهذا فقد أثَّرت الدعوة في نفوس أهالي هذه البلاد ، وأحدثت تحوُّلا كبيرا إلى محبَّة الخير والصَّلاح والعمل بهما ، وصار للحق والمعروف مكانته اللائقة في قلوبهم ، وما هو إلا بفضل الله أوَّلا ، ثم بحركة هذه المدرسة وجهودها المتواضعة ، فحمدا لله الَّذِيْ بفضله وتوفيقه تتم الصَّالحات . اهـ

    ثناء الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله على المدرسة السَّلفِيَّة


    ومن العجيب أن الملك سعود بن عبد العزيز رَحِمَهُ اللهُ عندما زار المنطقة عام 1374 هـ ، ورأى هذه المدرسة وما تقوم به من دور ريادي في الدعوة والتوجيه وغيره ، أصدر أمرا بصرف ميزانية لها ، ثم قَالَ في الخطاب المنشور حينها :
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من سعود بن عبد العزيز الفيصل آل سعود إلى أبناء شعبه العزيز :
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
    إن المدرسة السَّلفيَّة التي أسست في بلجرشي من قبل ناصر بن مغرم ومحمد بن جمَّاح ، والتي مناهجها تعلم الدين الإسلامي والعقيدة السلفية ، وإفهام النَّاس الحق من الباطل ، واجتناب ما حرَّم الله وتحليل ما أحل الله .
    إن هذه المدرسة قد أسسها هؤلاء الرجال على حساب أنفسهم وعلى ما تبرع به أهل الخير ، وبعد زيارتنا لهذه المنطقة وتفقدنا لهذه المدرسة رأينا ما سرنا من أساتذتها وطلابها مِمَّا تحلَّو به من العقيدة الصالحة والدعوة إلى الله ، وإقبال النَّاس على هذه المبادئ الشريفة السليمة التي نرجو أن تزداد وتمتد إلى جميع أنحاء المملكة ، التي لا قوام لها ، ولا عزَّ لها ، إلا بهذه الدعوة ، والعقيدة الصالحة ، والعمل بكتاب الله وشريعة نبيه صلى الله عليه وسلَّم ، وتحليل ما أحل الله وتحريم ما حرَّم الله ، ولا يمكن حفظ كيانٍ ، أو دفعَ عدوٍّ ، إلا بالتَّمسك بدين الله ، وبأحكام كتابه ، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلَّم ... .
    منقول:
    http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/showthr...44#post1083944
    وآفة العقلِ الهوى ، فمن علا *** على هواه عقله ، فقد نجا

    ابن دريد

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    920

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    رحمه الله تعالى وغفر لي وله ولكل المسلمين .
    أسكنه الله تعالى فسيح جناته ، بدون حساب ولا عذاب .
    رحمه الله تعالى
    [ نرجو من كل مسلم ومسلمة دعاء الله عز وجل بشفاء أخي وشقيقـى من المرض الذي هو فيه ]

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    263

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    أحسن الله عزائكم ...
    نسأل الله أن يجيركم في مصيبتكم وأن يبدلكم خيراً منها ...

    ان القلب ليقطر دماً حين يسمع عن موت عالم ... فما أحسن أثر العالم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم, ولا حول ولا قوة الا بالله

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    10,782

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    وآفة العقلِ الهوى ، فمن علا *** على هواه عقله ، فقد نجا

    ابن دريد

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    861

    افتراضي رد: وفاة شيخي وشيخ أبي وجدي (الشيخ محمد بن علي بن جماح)

    رحمه الله رحمة واسعة .
    اللهم اغفر له وارحمه وجازه عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء ... آمين
    واجعَل لوجهكَ مُقلَتَينِ كِلاَهُما مِن خَشيةِ الرَّحمنِ بَاكِيَتَانِ
    لَو شَاءَ رَبُّكَ كُنتَ أيضاً مِثلَهُم فَالقَلبُ بَينَ أصابِعِ الرَّحمَنِ


  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    80

    افتراضي رد: وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى

    رحم الله الشيخ وغفر له وأسكنه فسيح جناته .

    التقيته رحمه الله قبل موته بنحو سنة، وقد آتاه الله قوة في الجسم ونشاطا وذاكرة قوية، فكان يحدثنا عن أحداث مضى على بعضها ما يربو على السبعين سنة، وكأنه يراها رأي العين. ومن يراه لا يظنه يجاوز الستين.

    اللهم ارحمه برحمتك الواسعة.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    158

    افتراضي رد: وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى

    مؤلفات الشيخ هنا


    http://www.ktibat.com/tag-authors-66.html

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    10,782

    افتراضي رد: وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الكتيبات الاسلامية مشاهدة المشاركة
    مؤلفات الشيخ هنا
    http://www.ktibat.com/tag-authors-66.html
    جزاكم الله خيرا، ورفع الله شأنكم.
    ورحم الله الشيخ ورفع درجاته


    المـــــــــــو تُ حَـــقٌّ لاَ مـــــحالةَ دُونَهُ ** ولِــكُـلّ مَـــوْتٍ عِــلّــــــةٌ لا تُـدْفَــعُ
    المَوْتُ داءٌ ليسَ يَدفَعُهُ الدَّوا ** ءُ إذَا أتى ولكلِّ جنبٍ مصْرَعُ

    ديوان أبي العتاهية
    وآفة العقلِ الهوى ، فمن علا *** على هواه عقله ، فقد نجا

    ابن دريد

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    29

    افتراضي رد: وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى

    رحمه الله رحمة واسعة ، وأسكنه فسيح جناته

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    162

    افتراضي رد: وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى

    رحمه الله رحمة واسعة

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    50

    افتراضي رد: وفاة شيخنا (الشيخ محمد بن علي بن جماح) رحمه الله تعالى

    رحمه الله

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •