لماذا نخاف من الله؟


جلس يتحدث إلىَّ و يشكو أنه عندما يستمع إلى موعظة من المواعظ أو يقرأ فى كتب الرقائق أو يتذكر موت صديق .... أو يسير فى جنازة .... أو يرى حادثاً أليما أمامه يصاب بخوف عارض ... يُرسل الدموع ويهز المشاعر ثم يمضى إلى حال سبيله فيعود إلى ما كان عليه من نوم وغفلة .

قلت له ... إن هذه الشكوى عامة عند كثير من الناس ... وإن الخوف القادر على أن يصبح دافعاً للعمل لابد له من مستوى ودرجة يصل إليها وإلا يصبح التاثر به وقتيا ويزول أثره بعد فراق سببه.

فقال صديقى : وكيف نجعل الخوف دافعا للعمل ؟ ... كيف نصل به للمستوى الذى يثمر التقوى والمراقبة فى كل الأقوال والأفعال ؟
قلت له بعد لحظات من التفكير : لابد أن نسأل أنفسنا أولاً لماذا نخاف من الله ؟ أوبمعنى آخر ما هى الأسباب و المجالات التى ينبغى أن نتفكر فيها بصورة مستمرة ليزداد خوفنا من الله عز وجل ؟

تركت صديقى ... و ذهبت أبحث عن أسباب الخوف من الله ... فكانت هذه الرسالة.
بداية... أقول أن الخوف من الله هوالوسيلة الفعالة لتنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين فهو بلا شك الدواء الناجح لمن أسر الهوى قلبه وأصبحت الدنيا أكبر همه ومنتهى آماله و طموحاته ....فالخوف هوالبداية الحقيقية لسير القلب إلى الله ... يقول النبى عليه الصلاة و السلام : ( من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ) (الإدلاج : التشمير والاجتهاد فى الطاعة)

فالخوف من الله هو اللجام الذى يمنع النفس من الوقوع فى المعصية وحتى إذا أقدم الإنسان عليها بحكم ضعفه البشرى قاده ذلك الخوف إلى الندم والاستغفار والتوبة فيظل فى دائرة الطاعة .
والخوف هو الذى يدفع العباد إلى إخلاص العمل لله فلا يبتغون به جزاء دنيويا ولا شكر من الناس (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً ) (الإنسان 9 )( لماذا ؟) ( إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) ( الإنسان 10 )
إذن مما سبق يتضح لنا أن الخوف من الله هو أصل كل خير وهومستهدف الطاعات و لكن كى يستقر هذا الخوف فى القلب ليحقق الثمار المرجوة منه لابد من معرفة أسباب و مجالات الخوف من الله ...

(1) الخوف مهابة وتعظيما لله عزوجل :
كلما ازدادت معرفة الواحد منا لله عز وجل و كلما اقترب العبد من مولاه وتعرف على أسمائة وصفاته ودلائل قدرته ازدادت مشاعر الهيبة والاجلال له سبحانه فعلى قدر المعرفة تكون المعاملة .

· فهو سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماوات ولا فى أعماق البحار ولا تحت الجبال (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) ( الأنعام 59 )

· وهو الذى لا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته بل هو فى قبضته أينما كان (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) ( فاطر 44 )
· وهو الذى لو يؤاخذ الناس بظلمهم ما ترك على ظهر الأرض أحدا (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً) ( فاطر 45 )
· وهو الذي لا يستطيع أحد أن يفر من قضائه وقدره (قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً)(الأحزا ب17)

· وهو الحى الدائم الباقى الذى لا يموت وكل ما سواه زائل
( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن 26 - 27 )
· (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام 18 )
· وهوالذى يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور) (غافر 19 )
أخى الحبيب ... هل بعد ذلك كله لا تخشى الله عزو جل ... لا تراقبه فى جميع أقوالك وأفعالك ... تتجرأ على معصيته ... تغفل عنه وتنساه ... تنشغل عنه بهذه الدنيا الزائلة الحقيرة (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )(الزمر 67 )

(2) الخوف من عاقبة الذنوب :

· هل فكرت يوما فى إحصاء ذنوبك ؟ هل تتذكر ما ارتكبته من المعاصى والسيئات والغفلات ؟
· هل تذكر النظرة الحرام ... الكذب ... الغيبة ... النميمة ... الرياء ... السخرية والاستهزاء ... بذاءة اللسان ... الحسد والحقد ؟
· هل تذكر تقصيرك فى حق والديك ؟ قطعك لأرحامك ؟ إيذاءك لجيرانك ؟
· هل سألت نفسك كم صلاة فجر نمت عنها ؟ كم صلاة أخرتها عن وقتها ؟ كم مرة هجرت القرآن ؟
· هل تذكر اليوم الذى وعدت فيه ربك بالإقلاع عن المعاصى والعودة إليه بالتوبة والاستغفار ثم رجعت تبارزه بالمعاصي المرة تلو الأخرى ؟
ألم تعلم أنك سُتسأل عن كل صغيرة وكبيرة (وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ( الكهف 49)
بل ستحاسب على مثقال الذرة (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة 7 -8 )
كيف لا تخاف من ذنوبك والله عز وجل يقول (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( النور 63 )
ألا تعلم أن كلمة واحدة تقولها قد تهوي بك فى النار سبعين خريفا (عاما)
لقول النبي عليه الصلاة والسلام ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالا يهوي بها فى النار سبعين خريفا)
أخى الحبيب ... إذا كنت قد نسيت ذنوبك السابقة ... فإن الله لم ينس(أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) ( المجادلة 6 )
وإذا كنت تستصغر ذنوبك وتظن أنها بسيطة فاعلم أن تصغير الذنب تصغيرلأمر الرب ... فلا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظم من عصيت.... وتذكر قول النبى عليه الصلاة السلام : ( إياكم ومحقرات الذنب فإنهن يجتمعن على المرء حتى يهلكنه )
وتذكر حسرة أهل المعاصي يوم القيامة عندما ينادي مناد (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) ( الجاثية 21 )
إخوانى فى الله ... سارعوا إلى التوبة ... إلى المغفرة ... إلى الرجوع إلى الله هلموا نرفع أيدينا وتلهج ألسنتنا بالدعاء (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ( الأعراف 23 )

(3) الخوف من التقصير فى حق العبودية :

لقد خلقنا الله عز و جل من أجل غاية واضحة ومحددة وهى عبادته (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات 56 )
والعبادة الحقيقية هى الاستسلام والخضوع والانقياد التام لله عز وجل بمعنى أن يكون الله عزوجل هو غايتك ومطلبك فى كل أقوالك وأفعالك ... حركاتك و سكناتك وأن يكون العمل على إرضائه هو شغلك الشاغل وليس كما يعتقد الكثير من الناس أن العبادة هى الصلاة والصوم والزكاة والحج و لذكر فقط .
إذن بدون تحقيق هذه الغاية تصبح حياتك عبثاً لا قيمة لها ... إذا ما تأكدنا من أهمية ذلك أدركنا مدى تقصيرنا فى حق الله تعالى ... مدى انشغالنا بشهوات الدنيا وحظوظها الفانية عن الغاية المطلوبة منا ... مدى تقصيرنا فى شكر نعمه ... وبالتالى نشعر بالحزن والحسرة على ضياع عمرنا فى اللهو واللعب والغفلة وجمع المال والتصارع والتشاحن و ...
فإذا علمنا أننا سنحاسب على كل صغيرة وكبيرة وأن كل دقيقة تضيع من حياتك دون مراقبة الله فيها محسوبة عليك وأن كل لحظة فى حياتك سوف يكون عليها سؤال ... بل أسئلة يوم القيامة ... بالتأكيد سيزداد خوفنا من الله وسيستمر هذا الخوف كلما تذكرنا مدى تقصيرنا فى عبادته سبحانه و تعالى .

(4) الخوف من الاستدراج :

إذا وجدت أن الله عز وجل قد أسبغ عليك نعمه وأنعم عليك بالمال ... الجاه ... البنين ... العافية ...مع ارتكابك المعاصى ( صغيرها وكبيرها ) وإصرارك عليها كنت فى عداد المستدرجين بنعم الله عليهم وهم لا يشعرون .
انظر ماذا حدث للقوم عندما أعرضوا عن ذكر الله وأصروا على المعاصى والضلال ... فتح الله لهم من النعم والخيرات استدراجاً لهم (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) ( الأنعام 44 )
لذا يقول النبى عليه الصلاة و السلام : ( إذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج )

(5) الخوف من محبطات الأعمال :
·الرياء: المرائى هو الذى يسارع فى الأعمال الصالحة طلبا للمنزلة عند الناس و طمعاً فى متاع الدنيا وحظوظها الزائلة لذلك أخبرنا النبى عليه الصلاة و السلام ( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغى به وجهه)
بل وحذرنا النبى من الرياء فأخبرنا أن أول ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة رجل قاتل واستشهد ليقال عنه شجاع ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ليقال عنه عالم وثالث أعطاه الله من أصناف المال كله فأنفق كيف يشاء ليقال عنه جواد كريم .

· الإعجاب بالعمل : المعجب هو الذى يستعظم أعماله وطاعاته ويمن بها على الله و يعتقد أن ما أعطاه الله من إمكانيات هى ملك ذاتى له يمكنه استخدامها و الاعتماد عليها وقتما يشاء .
انظر ماذا حل بقارون عندما اغتر بكنوزه وأمواله وسلطانه وقال (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) (القصص 78) .... فماذا كانت النتيجة ؟ (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ) (القصص 81 )

· الشرك بالله : وصور الشرك كثيرة منها :
v شرك القصد والتوجه : أن يقصد الإنسان من أفعاله رضا الله من ناحية ورضا الناس وحبهم له وعلو منزلته عندهم من ناحية أخرى .
v شرك الاستعانة : أن يستعين المرء بغير ربه ويظن أنه يصل لهدفه بدونه سبحانه وتعالى .

(6) الخوف من الموت وسكراته والقبر وظلمته :
إن التذكر الدائم للموت وسكراته والقبر ووحشته له أثر كبير فى إصلاح النفوس وتهذيبها ..... فإذا علمت أن الموت قادم لا مفر(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )(الجمعة 8 )
وإذا تخيلت لحظة الاحتضار وخروج الروح كغصن كثير الشوك أدخل فى فمك وأخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى ... وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول : (اللهم هون على سكرات الموت )
وأن بعد الموت قبر مظلم موحش ضيق ينادى عليك ويقول أنا بيت الوحشة ... أنا بيت الغربة ... أنا بيت الدود... هذا ما أعددته لك فماذا أعددت أنت لى ؟
وأن للقبر ضمة لن ينجو منها أحد... وأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( القبر إما روضة من رياض الجنة أوحفرة من حفر النار )
إذا تأملت ما سبق كله ... ألا يستمر خوفك من الله ؟ ألا يدوم حزنك على ما قدمت ؟

(7) الخوف من أهوال القيامة :
تخيل نفسك يوم القيامة والهول شديد والأمر عصيب والخلائق حفاة عراة بلا طعام ولا شراب ولا ظل خمسين ألف سنة ... والعرق شديد ... والشمس تدنو من الرءوس ... والأنفاس متقطعة والقلوب ترتفع إلى الحناجر من الفزع والرعب والأبصار شاخصة(َ( يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) ( الحج1 ,2 )
وبينما تنتظر الحكم الإلهى إذا بك ترى الصحف تتطاير(وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) (التكوير 10) لا تدرى أتأخذها بيمينك أم بشمالك ... وبينما أنت كذلك غارق فى اضطرابك وفزعك يقال لك : (اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)( الإسراء 14 )
بل كيف سيكون حالك إذا رأيت جهنم وهى قادمة من بعيد وأنت تسمع صوت لهيبها وغليانها (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً)(الفر قان 12)ثم تخيل نفسك الآن وقد بدأ الحساب وقيل لك فلان ابن فلان هلم للعرض على الجبار
أخى الحبيب ... إذا تذكرت ما سيحدث يوم القيامة وما فيه من أهوال وشدائد وعلمت أن الطفل الوليد الذى لم يفعل سيئة واحدة فإنه يشيب رأسه من هول ذلك اليوم (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً) ( المزمل 17)
وأنه فى ذلك اليوم (يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) ( عبس 33 – 37 )
وفى ذلك اليوم( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ..)( المعارج 11- 15)
وأنه ستشهد عليك جوارحك بما اقترفته من المعاصى والذنوب (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ( النور 24 )
وعندها لا تنفع التوبة أوالاعتذار(َذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) ( المرسلات 35 , 36 )....هذا( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) ( الشعراء 88 , 89 )

(8) الخوف من النار :
إذا تخيلت حال العصاة والمجرمين والأغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون وبالنواصى والأقدام يؤخذون وبالحميم فى النار يسجرون ويصب فوق رءوسهم الحميم يصهر ما فى بطونهم والجلود ولهم فيها مقامع من حديد تكوى بها أجسادهم وطعامهم فيها الزقوم والضريع وشرابهم الغساق والحميم وهم فيها يصطرخون َبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) ( فاطر 37) وهم فى العذاب خالدون و(كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ ) ( النساء 56 )
حتى تصبح أكثر أمانيهم الموت والهلاك (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ
فلا يجيبهم إلا بعد ألف سنة (قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) ( الزخرف 77-78 )
فيا لها من حسرة وندامة .
أخى الحبيب ... إذا فكرت دائماً فى وصف هذه النار وعلمت(إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) (المرسلات 32 ) ... و أنها (لَظَى نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى) (المعارج 15 -16 )
وأن غمسة واحدة فيها تنسى كل نعيم وسعادة فى الدنيا وأن أهون أهل النار عذاباً من يكون تحت قدميه جمرتان يغلى بهما دماغه ... فما بالك بأشدهم عذاباً؟

إخوانى فى الله ... كانت هذه بعض الأسباب التى تجعلنا فى خوف دائم من الله عز وجل ... خوفا يجعلنا نتوجه إليه بقلوبنا ... بأرواحنا ... بجوارحنا... خوفا يجعل أفراحنا وأحزاننا ... اهتماماتنا وتصوراتنا متعلقة بالله عز وجل
خوفا يدفعنا إلى مراقبته سبحانه وتعالى فى كل أقوالنا وأفعالنا
خوفا يجعلنا نحرص على القيام بكل ما يرضيه ... والابتعاد عن كل ما يغضبه... خوفا يدفعنا إلى الجنة وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات 41 )

أسأل الله عز و جل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه وأن يمنحنا وإياكم حسن الخاتمة وأن يجمعنا فى جنته مع حبيبنا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .... إنه ولى ذلك والقادر عليه