لا يقتل المسلم بالكافر
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: لا يقتل المسلم بالكافر

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    1,388

    افتراضي لا يقتل المسلم بالكافر

    إتفق جمهور علماء الأمة على أن المسلم لا يقتل بكافر قصاصا و وذهب أبو حنيفة، والنخعي، والشعبي إلى أن المسلم يقتل بالذمي إلا أن الحديث ينقض قولهم :

    بوب البخاري في صحيحه :

    باب لا يقتل المسلم بالكافر

    حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا مطرف أن عامرا حدثهم عن أبي جحيفة قال قلت لعلي ح حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا ابن عيينة حدثنا مطرف سمعت الشعبي يحدث قال سمعت أبا جحيفة قال سألت عليا رضي الله عنه هل عندكم شيء مما ليس في القرآن وقال ابن عيينة مرة ما ليس عند الناس فقال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة قلت وما في الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر

    قال الحافظ في الفتح :

    قوله : ( باب لا يقتل المسلم بالكافر ) عقب هذه الترجمة بالتي قبلها للإشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد الشديد على قتل الذمي أن يقتص من المسلم إذا قتله عمدا ، وللإشارة إلى أن المسلم إذا كان لا يقتل بالكافر فليس له قتل كل كافر ، بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق .

    قوله : ( حدثنا صدقة بن الفضل ) ثبت في بعض النسخ هنا " حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا مطرف أن عامرا حدثهم عن أبي جحيفة ح وحدثنا صدقة بن الفضل إلخ " والصواب ما عند الأكثر ، وطريق أحمد بن يونس تقدمت في الجزية .

    قوله : ( مطرف ) بمهملة وتشديد الراء هو ابن طريف بوزن عظيم كوفي مشهور .

    قوله : ( سألت عليا ) تقدم في كتاب العلم بيان سبب هذا السؤال ، وهذا السياق أخصر من سياقه في كتاب العلم من وجه آخر عن مطرف ، قال أحمد عن سفيان بن عيينة بهذا السند " هل عندكم شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن؟ ولم يتردد فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهم يؤتيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة " فذكره ، وقد تقدم من وجه آخر عن مطرف في العلم وغيره مع شرح الحديث وبيان اختلاف ألفاظ نقلته عن علي وبيان المراد بالعقل وفكاك الأسير .

    وأما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور ، إلا أنه يلزم من قول مالك في قاطع الطريق ومن في معناه إذا قتل غيلة أن يقتل ولو كان المقتول ذميا استثناء هذه الصورة من منع قتل المسلم بالكافر ، وهي لا تستثنى في الحقيقة لأن فيه معنى آخر وهو الفساد في الأرض ، وخالف الحنفية فقالوا : يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن ، وعن الشعبي والنخعي يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي ، واحتجوا بما وقع عند أبي داود من طريق الحسن عن قيس بن عباد عن علي بلفظ : لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده .

    وأخرجه أيضا من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس والبيهقي عن عائشة ومعقل بن يسار ، وطرقه كلها ضعيفة إلا الطريق الأولى والثانية فإن سند كل منهما حسن ، وعلى تقدير قبوله فقالوا : وجه الاستدلال منه أن تقديره : ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر ، قالوا : وهو من عطف الخاص على [ ص: 273 ] العام فيقتضي تخصيصه ، لأن الكافر الذي يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى ، فلا يبقى من يقتل بالمعاهد إلا الحربي فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه ، قال الطحاوي : ولو كانت فيه دلالة على نفي قتل المسلم بالذمي لكان وجه الكلام أن يقول : ولا ذي عهد في عهده وإلا لكان لحنا ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يلحن ، فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعني بالقصاص فصار التقدير لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر .

    قال : ومثله في القرآن واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن فإن التقدير : واللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن ، وتعقب بأن الأصل عدم التقدير ، والكلام مستقيم بغيره إذا جعلنا الجملة مستأنفة ، ويؤيده اقتصار الحديث الصحيح على الجملة الأولى . ولو سلم أنها للعطف فالمشاركة في أصل النفي لا من كل وجه ، وهو كقول القائل مررت بزيد منطلقا وعمرو فإنه لا يوجب أن يكون مر بعمرو منطلقا أيضا بل المشاركة في أصل المرور .

    وقال الطحاوي أيضا : لا يصح حمله على الجملة المستأنفة لأن سياق الحديث فيما يتعلق بالدماء التي يسقط بعضها ببعض ، لأن في بعض طرقه المسلمون تتكافأ دماؤهم وتعقب بأن هذا الحصر مردود ، فإن في الحديث أحكاما كثيرة غير هذه ، وقد أبدى الشافعي له مناسبة فقال : يشبه أن يكون لما أعلمهم أن لا قود بينهم وبين الكفار أعلمهم أن دماء أهل الذمة والعهد محرمة عليهم بغير حق فقال لا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده .

    ومعنى الحديث لا يقتل مسلم بكافر قصاصا ولا يقتل من له عهد ما دام عهده باقيا ، وقال ابن السمعاني : وأما حملهم الحديث على المستأمن فلا يصح لأن العبرة بعموم اللفظ حتى يقوم دليل على التخصيص ، ومن حيث المعنى أن الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر إنما هو لشرف الإسلام أو لنقص الكفر أو لهما جميعا فإن الإسلام ينبوع الكرامة والكفر ينبوع الهوان ، وأيضا إباحة دم الذمي شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم والذمة إنما هي عهد عارض منع القتل مع بقاء العلة فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلم ذميا فإن اتفق القتل لم يتجه القول بالقود لأن الشبهة المبيحة لقتله موجودة ومع قيام الشبهة لا يتجه القود .

    قلت : وذكر أبو عبيد بسند صحيح عن زفر أنه رجع عن قول أصحابه فأسند عن عبد الواحد بن زياد قال : قلت لزفر إنكم تقولون تدرأ الحدود بالشبهات فجئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها المسلم يقتل بالكافر ، قال : فاشهد على أني رجعت عن هذا ، وذكر ابن العربي أن بعض الحنفية سأل الشاشي عن دليل ترك قتل المسلم بالكافر قال وأراد أن يستدل بالعموم فيقول أخصه بالحربي ، فعدل الشاشي عن ذلك فقال : وجه دليلي السنة والتعليل ؛ لأن ذكر الصفة في الحكم يقتضي التعليل فمعنى لا يقتل المسلم بالكافر تفضيل المسلم بالإسلام . فأسكته .

    ومما احتج به الحنفية ما أخرجه الدارقطني من طريق عمار بن مطر عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ربيعة عن ابن البيلماني عن ابن عمر قال : " قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلما بكافر وقال : أنا أولى من وفى بذمته " ، قال الدارقطني : إبراهيم ضعيف ولم يروه موصولا غيره ، والمشهور عن ابن البيلماني مرسلا ، وقال البيهقي : أخطأ راويه عمار بن مطر على إبراهيم في سنده ، وإنما يرويه إبراهيم عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن البيلماني ، هذا هو الأصل في هذا الباب ، وهو منقطع وراويه غير ثقة ، كذلك أخرجه الشافعي وأبو عبيد جميعا عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى .

    قلت : لم ينفرد به إبراهيم كما يوهمه كلامه ، فقد أخرجه أبو داود في المراسيل والطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن ابن البيلماني ، وابن البيلماني ضعفه جماعة ووثق فلا يحتج بما ينفرد به إذا وصل ، فكيف إذا أرسل ، فكيف إذا خالف؟ قاله الدارقطني .

    وقد ذكر أبو عبيد بعد أن حدث به عن إبراهيم ، بلغني أن إبراهيم قال : [ ص: 274 ] أنا حدثت به ربيعة عن ابن المنكدر عن ابن البيلماني ، فرجع الحديث على هذا إلى إبراهيم ، وإبراهيم ضعيف أيضا ، قال أبو عبيدة : وبمثل هذا السند لا تسفك دماء المسلمين .

    قلت : وتبين أن عمار بن مطر خبط في سنده ، وذكر الشافعي في " الأم " كلاما حاصله أن في حديث ابن البيلماني أن ذلك كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية ، قال فعلى هذا لو ثبت لكان منسوخا لأن حديث " لا يقتل مسلم بكافر " خطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب ، وقصة عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان .

    قلت : ومن هنا يتجه صحة التأويل الذي تقدم عن الشافعي ، فإن خطبة يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلت خزاعة وكان له عهد ، فخطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " لو قتلت مؤمنا بكافر لقتلته به " ، وقال : " لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهد " فأشار بحكم الأول إلى ترك اقتصاصه من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله ، وبالحكم الثاني إلى النهي عن الإقدام على ما فعله القاتل المذكور ، والله أعلم .

    ومن حججهم قطع المسلم بسرقة مال الذمي ، قالوا والنفس أعظم حرمة ، وأجاب ابن بطال بأنه قياس حسن لولا النص ، وأجاب غيره بأن القطع حق لله ، ومن ثم لو أعيدت السرقة بعينها لم يسقط الحد ولو عفا ، والقتل بخلاف ذلك . وأيضا القصاص يشعر بالمساواة ولا مساواة للكافر والمسلم ، والقطع لا تشترط فيه المساواة . اهــ


    وقال الشنقيطي في أضواء البيان :

    وأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على منعه، منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية رضي الله عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، وعكرمة، والحسن، والزهري، وابن شبرمة، والثوري والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني وغيره، ورواه البيهقي عن عمر، وعلي، وعثمان وغيرهم‏.‏
    وذهب أبو حنيفة، والنخعي، والشعبي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا بعموم النفس بالنفس في الآية والحديث المتقدمين، وبالحديث الذي رواه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر ‏"‏أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلمًا بمعاهد‏"‏، وهو مرسل من رواية ضعيف، فابن البيلماني لا يحتج به لو وصل، فكيف وقد أرسل، وترجم البيهقي في ‏(‏السنن الكبرى‏)‏ لهذا الحديث بقوله باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر، وما جاء عن الصحابة في ذلك، وذكر طرقه، وبين ضعفها كلها‏.‏ ومن جملة ما قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال‏:‏ قال أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ ابن البيلماني‏:‏ ضعيف لا تقوم به حجَّة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله، والله أعلم‏.‏
    وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ‏}‏ ما نصه، ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة ‏"‏أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر‏"‏ لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني، وهو ضعيف عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا، قال الدارقطني‏:‏ لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث‏.‏ والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وابن البيلماني ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله‏"‏ فإذا عرفت ضعف الاستدلال على قتل المسلم بالكافر، فاعلم أن كونه لا يقتل به ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبوتًا لا مطعن فيه مبينًا بطلان تلك الأدلة التي لا يعول عليها‏.‏
    فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب ‏"‏كتابة العلم‏"‏، وفي باب ‏"‏لا يقتل المسلم بالكافر‏"‏ أن أبا جحيفة سأل عليًا رضي الله عنه‏:‏ هل عندكم شيء مما ليس في القرآن‏؟‏ فقال‏:‏ لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتابه، وما في هذه الصَّحيفة قلت‏:‏ وما في الصحيفة‏؟‏ قال‏:‏ العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر‏.‏
    فهذا نص صحيح قاطع للنزاع مخصص لعموم النفس بالنفس، مبين عدم صحة الأخبار المروية بخلافه، ولم يصح في الباب شيء يخالفه، قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساق حديث علي هذا‏:‏ ولا يصح حديث، ولا تأويل يخالف هذا، وقال القرطبي في تفسيره‏:‏ قلت‏:‏ فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى‏}‏‏.‏ وعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن النفس بالنفس‏}‏ فهذا الذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق المقام في حكم القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، والمسلمين والكفار‏.‏
    وأما حكم القصاص بينهم في الأطراف، فجمهور العلماء على أنه تابع للقصاص في الأنفس، فكل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس، فإنه يجري بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم‏.‏
    ومشهور مذهب مالك أن الناقص لا يقتص منه للكامل في الجراح، فلا يقتص من عبد جرح حرًا، ولا من كافر جرح مسلمًا، وهو مراد خليل بن إسحاق المالكي بقوله في مختصره‏:‏ والجرح كالنفس في الفعل، والفاعل والمفعول، إلا ناقصًا جرح كاملًا، يعني فلا يقتص منه له، ورواية ابن القصار عن مالك وجوب القصاص وفاقًا للأكثر، ومن لا يقتل بقتله، لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد، وممن قال بهذا مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب المغني، وغيره‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ لا قصاص في الأطراف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر‏.‏
    ويقطع المسلم بالكافر، والكافر بالمسلم‏.‏ لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذلك لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة، ولا يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى‏.‏
    وأُجيب من قبل الجمهور، بأن من يجري بينهما القصاص في النفس، يجرى في الطرف بينهما، كالحرَّين، وما ذكره المخالف يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ فيه معتبر بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة، لأن المماثلة قد وجدت، ومعها زيادة، فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع‏.‏
    وأما اليسار واليمين، فيجريان مجرى النفس لاختلاف محليهما، ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعًا، وأن العلة فيهما ليست، كما ذكر المخالف، قاله ابن قدامة في المغني‏.‏
    ومن الدليل على جريان القصاص في الأطراف، بين من جرى بينهم في الأنفس، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏ ‏.‏
    وما روي عن الإمام أحمد من أنه لا قصاص بين العبيد، فيما دون النفس، وهو قول الشعبي، والثوري، والنخعي، وفاقًا لأبي حنيفة، معللين بأن أطراف العبيد مال كالبهائم يرد عليه بدليل الجمهور الذي ذكرنا آنفًا، وبأن أنفس العبيد مال أيضًا كالبهائم، مع تصريح الله تعالى بالقصاص فيها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والعبد بالعبد‏}‏ ‏.‏
    واعلم أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس ثلاثة شروط‏:‏
    الأول‏:‏ كونه عمدًا، وهذا يشترط في قتل النفس بالنفس أيضًا‏.‏
    الثاني‏:‏ كونهما يجري بينهما القصاص في النفس‏.‏
    الثالث‏:‏ إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة، لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ‏}‏ ، ويقول‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ‏}‏ ، فإن لم يمكن استيفاؤه من غير زيادة سقط القصاص، ووجبت الدية، ولأجل هذا أجمع العلماء على أن ما يمكن استيفاؤه من غير حيف، ولا زيادة، فيه القصاص المذكور في الآية، في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ‏}‏ ، وكالجراح التي تكون في مفصل، كقطع اليد، والرجل من مفصليهما‏.‏
    واختلفوا في قطع العضو من غير مفصل، بل من نفس العظم، فمنهم من أوجب فيه القصاص نظرًا إلى أنه يمكن من غير زيادة، وممَّن قال بهذا مالك، فأوجب القصاص في قطع العظم من غير المفصل، إلا فيما يخشى منه الموت، كقطع الفخذ، ونحوها‏.‏
    وقال الشافعي‏:‏ لا يجب القصاص في شَيء من العظام مطلقًا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري، والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره‏.‏
    وقال أبو حنيفة وصاحباه‏:‏ لا يجب القصاص في شيء من العظام، إلا في السِّن‏.‏
    واستدل من قال بأنه لا قصاص في قطع العظم من غير المفصل، بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي، أن رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسَّيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله أريد القصاص، فقال‏:‏ ‏"‏خذ الدية بارك الله لك فيها‏"‏ ولم يقض له بالقصاص‏.‏
    قال ابن عبد البر‏:‏ ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قران العكلي ضعيف أعرابي ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضًا، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة، اهـ‏.‏ من ابن كثير‏.‏
    وقال ابن حجر في ‏(‏التقريب‏)‏ في دهثم المذكور‏:‏ متروك، وفي نمران المذكور‏:‏ مجهول، واختلاف العلماء في ذلك، إنما هو من اختلافهم في تحقيق مناط المسألة، فالذين يقولون بالقصاص‏:‏ يقولون‏:‏ إنه يمكن من غير حيف، والذين يقولون‏:‏ بعدمه، يقولون‏:‏ لا يمكن إلا بزيادة، أو نقص، وهم الأكثر‏.‏
    ومن هنا منع العلماء القصاص، فيما يظن به الموت، كما بعد الموضحة من منقلة أطارت بعض عظام الرأس، أو مأمومة وصلت إلى أم الدماغ، أو دامغة خرقت خريطته، كالجائفة، وهي التي نفذت إلى الجوف، ونحو ذلك للخوف من الهلاك‏.‏
    وأنكر الناس على ابن الزبير القصاص في المأمومة‏.‏ وقالوا‏:‏ ما سمعنا بأحد قاله قبله، واعلم أن العين الصحيحة لا تؤخذ بالعوراء، واليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ونحو ذلك، كما هو ظاهر‏.‏
    تنبيه
    إذا اقتص المجني عليه من الجاني، فيما دون النفس، فمات من القصاص، فلا شيء على الذي اقتص منه، عند مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، وغيرهم‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ تجب الدية في مال المقتص، وقال الشعبي، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والزهري، والثوري، تجب الدية على عاقلة المقتص له‏.‏
    وقال ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي، يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله، قاله ابن كثير‏.‏
    والحقّ أن سراية القود غير مضمونة، لأن من قتله القود، قتله الحق، كما روي عن أبي بكر، وعمر، وغيرها، بخلاف سراية الجناية، فهي مضمونة، والفرق بينهما ظاهر جدًا‏.‏
    واعلم أنه لا تؤخذ عين، ولا أذن، ولا يد يسرى بيمنى، ولا عكس ذلك، لوجوب اتحاد المحل في القصاص، وحكي عن ابن سيرين، وشريك أنهما قالا بأن إحداهما تؤخذ بالأخرى، والأول قول أكثر أهل العلم‏.‏
    واعلم أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه، فلا شيء له‏.‏
    والدليل على ذلك، ما رواه الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فجاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏"‏أقدني، فقال‏:‏ ‏"‏حتى تبرأ‏"‏، ثم جاء إليه، فقال‏:‏ أقدني، فأقاده، فقال‏:‏ يا رسول الله عرجت، فقال‏:‏ ‏"‏قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك‏"‏، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح قبل أن يبرأ صاحبه، تفرَّد به أحمد، قاله ابن كثير‏.‏
    وقال بعض العلماء بجواز تعجيل القصاص قبل البرء، وقد عرفت من حديث عمرو بن شعيب المذكور آنفًا، أن سراية الجناية بعد القصاص هدر، وقال أبو حنيفة، والشافعي‏:‏ ليست هدرًا، بل هي مضمونة، والحديث حجة عليهما، رحمهما الله تعالى، ووجهه ظاهر، لأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله، فأبطل الشارع حقه‏.‏
    وإذا عرفت مما ذكرنا تفصيل مفهوم‏.‏
    قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ‏}‏ ‏.‏
    فاعلم أن مفهوم قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ‏}‏، هو المذكور في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏‏.‏
    قال ابن كثير في تفسيره‏:‏ المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع من الشر، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ‏}‏ ‏.‏ فإذا علمت ذلك، فاعلم أن المحارب الذي يقطع الطريق، ويخيف السبيل، ذكر الله أن جزاءه واحدة من أربع خلالٍ هي‏:‏ أن يقتلوا، أو يصلَّبوا، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، وظاهر هذه الآية الكريمة‏:‏ أن الإمام مخير فيها، يفعل ما شاء منها بالمحارب، كما هو مدلول، أو لأنها تدل على التخيير‏.‏
    ونظيره في القرآن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكَفَّارَتُه ُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا‏}‏‏.‏
    وكون الإمام مخيرًا بينهما مطلقًا من غير تفصيل، هو مذهب مالك، وبه قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، كما نقله عنهم ابن جرير، وغيره، وهو رواية ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، ونقله القرطبي، عن أبي ثور، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، ومالك، وقال‏:‏ وهو مروي عن ابن عباس‏.‏
    ورجّح المالكية هذا القول بأن اللَّفظ فيه مستقل غير محتاج إلى تقدير محذوف، لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال، والافتقار إلى تقدير محذوف، فالاستقلال مقدم، لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذوف، وإلى هذا أشار في ‏(‏مراقي السعود‏)‏ بقوله‏:‏ كذاك ما قابل ذا اعتلال من التأصل والاستقلال

    إلى قوله‏:‏ كذاك ترتيب لإيجاب العمل بما لهُ الرجحان مما يحتمل

    والرواية المشهورة عن ابن عباس، أن هذه الآية منزلة على أحوال، وفيها قيود مقدرة، وإيضاحه‏:‏ أن المعنى أن يقتلوا إذا قتلوا، ولم يأخذوا المال، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا أحدًا، أو ينفوا من الأرض، إذا أخافوا السبيل، ولم يقتلوا أحدًا، ولم يأخذوا مالًا، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وأبو مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخرساني، وغير واحد من السلف والأئمة‏.‏
    قاله ابن كثير، ونقله القرطبي، وابن جرير، عن ابن عباس، وأبي مجلز، وعطاء الخراساني، وغيرهم‏.‏
    ونقل القرطبي، عن أبي حنيفة، إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل، فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه، ولا يخفى أن الظاهر المتبادر من الآية، هو القول الأول‏.‏ لأن الزيادة على ظاهر القرآن بقيود تحتاج إلى نص من كتاب، أو سنة، وتفسير الصحابي لهذا بذلك، ليس له حكم الرفع، لإمكان أن يكون عن اجتهاد منه، ولا نعلم أحدًا روى في تفسير هذه الآية بالقيود المذكورة، خبرًا مرفوعًا، إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره عن أنس، حدثنا علي بن سهل قال‏:‏ حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب‏:‏ أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين إلى أن قال‏.‏ قال أنس‏:‏ ‏"‏فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال‏:‏ من سرق، وأخاف السبيل، فاقطع يده بِسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل، واستحل الفرج الحرام، فاصلبه‏"‏،وهذا الحديث لو كان ثابتًا لكان قاطعًا للنزاع، ولكن فيه ابن لهيعة، ومعلوم أنه خلط بعد احتراق كتبه، ولا يحتج به، وهذا الحديث ليس راويه عنه ابن المبارك، ولا ابن وهب‏.‏ لأن روايتهما عنه أعدل من رواية غيرهما، وابن جرير نفسه يرى عدم صحة هذا الحديث الذي ساقه، لأنه قال في سوقه للحديث المذكور‏:‏ وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا به علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، إلى آخر الإسناد الذي قدمنا آنفًا، وذكرنا معه محل الغرض من المتن، ولكن هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا، فإنه يقوي هذا القول الذي عليه أكثر أهل العلم، ونسبه ابن كثير للجمهور‏.‏
    واعلم أن الصَّلب المذكور في قوله ‏{‏أو يصلبوا‏}‏، اختلف فيه العلماء‏.‏ فقيل‏:‏ يصلب حيًا، ويمنع من الشراب، والطعام، حتى يموت، وقيل‏:‏ يصلب حيًا، ثم يقتل برمح، ونحوه، مصلوبًا، وقيل‏:‏ يقتل أولًا، ثم يصلب بعد القتل، وقيل‏:‏ ينزل بعد ثلاثة أيام، وقيل‏:‏ يترك حتى يسيل صديده، والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمنًا يحصل فيه اشتهار ذلك‏.‏ لأن صلبه ردع لغيره‏.‏
    وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏أو ينفوا من الأرض‏}‏، اختلف العلماء في المراد بالنفي فيه أيضًا، فقال بعضهم‏:‏ معناه أن يطلبوا حتى يقدر عليهم، فيقام عليهم الحد، أو يهربوا من دار الإسلام، وهذا القول رواه ابن جرير، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس‏.‏
    وقال آخرون‏:‏ هو أن ينفوا من بلدهم إلى بلد آخر، أو يخرجهم السلطان، أو نائبه، من عمالته بالكلية، وقال عطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزُّهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان، إنهم ينفون، ولا يخرجون من أرض الإسلام‏.‏
    وذهب جماعة إلى أن المراد بالنفي في الآية السجن، لأنه نفي من سعة الدنيا إلى ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض، إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك‏:‏ خرجنا من الدُّنيا ونحن من أهْلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
    إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدُّنيا

    وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ولا يخفى عدم ظهوره‏.‏
    واختار ابن جرير، أن المراد بالنفي في هذه الآية، أن يخرج من بلده إلى بلد آخر، فيسجن فيه، وروي نحوه عن مالك أيضًا، وله اتجاه‏.‏ لأن التغريب عن الأوطان نوع من العقوبة، كما يفعل بالزاني البكر، وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية‏.‏ لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء، فعلم أن المراد بالأرضِ أوطانهم التي تشقّ عليهم مفارقتها، والله تعالى أعلم‏.‏
    مسائل من أحكام المحاربين
    المسألة الأولى‏:‏ اعلم أن جمهور العلماء يثبتون حكم المحاربة في الأمصار والطرق على السواء، لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويسعون في الأرض فسادًا‏}‏، وممن قال بهذا الأوزاعي، والليث بن سعد، وهو مذهب الشافعي، ومالك، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه، حتى يدخله بيتًا، فيقتله ويأخذ ما معه، إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل‏.‏
    وقال القاضي ابن العربي المالكي‏:‏ كنت أيام حكمي بين الناس، إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، وتوقف الإمام أحمد في ذلك، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلا في الطرق، فلا يكون محاربًا في المصر‏.‏ لأنه يلحقه الغوث‏.‏
    وذهب كثير من الحنابلة إلى أنه يكون محاربًا في المصر أيضًا، لعموم الدَّليل‏.‏
    وقال أبو حنيفة‏:‏ وأصحابه‏:‏ لا تكون المحاربة إلا في الطرق، وأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه، ويعينه، قاله ابن كثير ولا يثبت لهم حكم المحاربة، إلا إذا كان عندهم سلاح‏.‏ ومن جملة السلاح‏:‏ العصي، والحجارة عند الأكثر‏.‏ لأنها تتلف بها الأنفس والأطراف كالسلاح، خلافًا لأبي حنيفة‏.‏ * * *
    المسألة الثانية‏:‏ إذا كان المال الذي أتلفه المحارب، أقل من نصاب السرقة الذي يجب فيه القطع، أو كانت النفس التي قتلها غير مكافئة له، كأن يقْتل عبدًا، أو كافرًا، وهو حر مسلم، فهل يقطع في أقل من النِّصاب‏؟‏ ويقتل بغير الكفؤ أو لا‏؟‏
    اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم‏:‏ لا يقطع إلا إذا أخذ ربع دينار، وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك‏:‏ يقطع ولو لم يأخذ نصابًا‏:‏ لأنه يحكم عليه بحكم المحارب‏.‏
    قال ابن العربي‏:‏ وهو الصحيح‏.‏ لأن الله تعالى، حدد على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ربع دينار سث ‏(‏لوجوب القطع في السرقة، ولم يحدد في قطع الحرابة شيئًا، ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية جزائهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال‏؟‏ فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صِيح عليه حارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحاربين، اهـ كلام ابن العربي‏.‏ اهــ




    و الله أعلم
    طالب الحق يكفيه دليل وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل
    الجاهل يتعلم وصاحب الهوى ليس لنا عليه سبيل

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,060

    افتراضي

    ما يلزم المسلم إذا قتل كافرا غير حربي بغير حق

    السؤال:
    أعيد طرح سؤالي وأرجو الجواب... شاب مسلم من بلد عربي ذهب إلى بلد أوروبي وكان يعمل مع رجل غير مسلم من بلد أوروبي، الشاب المسلم طلب المال من الكافر فرفض الكافر فتشاجر معه المسلم ليجبره أن يريه مكان المال فرفض الكافر فقتل المسلم الكافر وشوهه، السؤال ما حكم هذا المسلم الذي قتل الكافر هل هو آثم وماذا يتوجب عليه في الحالتين: إذا كان المال من حقه- إذا لم يكن المال من حقه؟ جزاكم الله خيراً.
    الإجابــة:
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
    فإن ما فعل هذا الشاب يعتبر كبيرة من أكبر الكبائر وجريمة من أعظم الجرائم، فقد عظم الإسلام قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، فقال تعالى: ... مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.. {المائدة:32}، وقال صلى الله عليه وسلم: من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً. رواه البخاري وغيره.
    ونصوص الوحي من القرآن والسنة في هذا المعنى كثيرة، فما كان يجوز لهذا الشاب قتل الرجل المذكور لمجرد أنه أخفى عنه مالاً سواء كان المال ملكاً له أو لغيره، وكون القتيل غير مسلم لا يرفع عنه هذا الوعيد الشديد والإثم العظيم، لأن الكافر غير الحربي -المسالم والمعاهد والذمي- محترم الدم والعرض والمال فلا يجوز الاعتداء عليه بغير حق شرعي، وسبق بيان ذلك في الفتوى رقم: 67113.
    ولا شك أن إثمه يكون أعظم وجريمته أكبر إذا كان المال للمقتول، وقد اختلف أهل العلم هل يقتل به قصاصاً أم لا، فذهب أكثرهم إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر - المعاهد الذمي..- وذهب بعضهم إلى أنه يقتل به... وعلى القول أنه لا يقتل به فعليه التعزير -جلد مائة سوط وسجن سنة-، وهذا إذا كان القتل وقع عن مشاجرة وعداوة... أما إذا كان وقع غيلة غدراً لأجل المال.. فإنه يقتل به قولاً واحداً عند المالكية ومن وافقهم ولا عفو فيه لأولياء الدم ولا للسلطان بل ولا للمقتول نفسه.
    قال ابن أبي زيد المالكي في الرسالة مع شرحه: وقتل الغيلة لا عفو فيه لا للأولياء ولا للسلطان ولا للمقتول أيضاً ولو بعد إنفاذ مقاتله، ولو كان المقتول كافراً والقاتل حراً مسلماً، لأن قتله على هذا الوجه في معنى الحرابة، والمحارب بالقتل يجب قتله ولو بعبد وكافر، فالقتل دفع الفساد في الأرض وهو حق لله لا للآدمي، وعلى هذا فيقتل حداً.
    وقد استدل المالكية لمذهبهم هذا بآثار كثيرة منها ما رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض قبول عذر الحارث بن سويد الذي قتل المجذر بن زياد غيلة..
    وعلى كل حال فما كان يجوز لهذا الشاب الإقدام على قتل الرجل المذكور ولو كان المال من حقه وأحرى أن يكون من حق القتيل لأن إخفاء المال أو منع العامل من حقه ليس مما يبيح القدوم على قتل النفس التي حرم الله بغير حق، والحاصل أن على هذا الشاب دية المقتول، وإذا كان المال الذي أخفاه القتيل ملكاً له فللورثة الحق في المطالبة به، كما أن عليه أن يبادر بالتوبة النصوح إلى الله تعالى ويكثر من أعمال الخير والنوافل لعل الله تعالى يتجاوز عنه.
    والله أعلم.
    http://fatwa.islamweb.net/fatwa/inde...waId&Id=117917
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    4,248

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •