بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين أما بعد :

في إطار توعية المسلمين و إعلامهم بأحكام دينهم أدرس معكم اليوم حكم ميتة أهل الكتاب و هي الحيوانات التي قتلت صعقا أو خنقا أو رميا بالرصاص كما يفعله الغرب اليوم.

قال تعالى : {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة:5]

و قال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَ ةُ وَالْمَوْقُوذَة ُ وَالْمُتَرَدِّي َةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ} [المائدة:3].

السؤال المطروح ما حكم ميتة أهل الكتاب ؟

ذهب جمهور العلماء إلى أن ذبائح أهل الكتاب حلال بشرط و هو أن تكون مذكاة وفق شروط الشريعة و لهذا اعتبروا أن ما يعتبره اهل الكتاب حلالا من الحيوانات المصعوقة أو المقتولة بغير الذبح ميتة لا تجوز أكلها.

و شذ
ابن العربي فأجاز اكل ميتة اهل الكتاب إن كانوا يعتقدونها حلالا.

و الأصل في هذا تعارض عمومين الاية الأولى هي اية تحريم الميتة و الاية الثانية هي اية اباحة طعام اهل الكتاب.

فالأولى خاصة في الميتة عامة في الديانة و الثانية خاصة في الديانة عامة في الميتة ، هذا النوع من العموم يسميه الأصوليون العموم الجزئي و عند التعارض لابد لأحد من العمومين ان يخصص الاخر.

فإما أن اية الميتة تخصص اية طعام اهل الكتاب فيباح طعام اهل الكتاب ان وافق شروط الشريعة أو أن اية اهل الكتاب تخصص اية الميتة فتباح ميتتهم.

عند وجود مثل هذا التعارض نلجأ لمرجح خارجي فالقاعدة تقول العموم الذي لم يدخله خصوص يقدم على العموم المخصوص و الملاحظ في طعام اهل الكتاب أن الامة اجمعت على تحريم خمرهم و لحم الخنزير و ان اعتقدوا بحليته.

فما دامت اية الميتة خصصت طعام اهل الكتاب بإستثناء الخمر و لحم الخنزير فهي تخصصها كذلك بإستثناء الميتة و المنخنقة لأن التحريم وارد في اية واحدة : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ.

فدل ذلك على تحريم ميتة اهل الكتاب و ان اعتقدوا اباحتها.

قال الإمام محمد بن جرير الطبري: أي ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، إذن فطعامهم المباح لنا هو ذبائحهم ومالم يرد في شرعنا تحريمه علينا. وأما ورد في شرعنا تحريمه علينا فهو حرام، ومن ذلك الميتة والخنزير والدم ومالم يذكر اسم الله عليه كما في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَ ةُ وَالْمَوْقُوذَة ُ وَالْمُتَرَدِّي َةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ {المائدة: 3}.

المذاهب الاربعة تحرم ميتة اهل الكتاب و خلاف بن العربي شاذ مشهور عند المالكية :

قال أبو الوليد الباجي في المنتقى ما نصه: (وإذا علمت أن النصراني ممن يستبيح الميتة، فلا تأكل من ذبيحته إلا ما شاهدت ذبحه، ووجه ذلك أنه إنما يستباح من ذبيحته ما وقع على وجه الصحة، والمسلم أصح ذبيحة منه، وهذا حكمه، فإذا علم أنه قتل الحيوان على الوجه الذي لا يبيح أكله وجب الامتناع من أكل ما مات على يده من الحيوان، إلا أن يعلم أن ذكاته وجدت منه على وجه الصحة لما يتوقع أن يكون حلول ذلك منه على وجه القتل المنافي للإباحة، قال مالك: وسواء كان ذمياً أو حربياً) اهـ منه بلفظه.

وكلام مالك في الموازية.

قال ابن عرفة ما نصه: (الشيخُ: روى محمَّد إن عُرف أكلُ الكتابي الميتةَ لم يؤكل ما غاب عليه، قلتُ: كذا نقلوه وقبوله، والأظهر عدم أكله قطعاً لاحتمال عدم نية الذكاة) اهـ .

و في التوضيح عند قول ابن الحاجب: (وأما من يستحل الميتة فإن غاب عليها لم تؤكل) اهـ، ما نصه: (كالفرنج، فإنهم يستحلونها، ويلحق بمن علم منه استحلال الميتة من شك فيه، قاله في الجواهر، ومفهوم قوله: (فإن غاب) أنه لو لم يغب عليها لا يبيح لنا الأكل، وبذلك صرح الباجي وصاحب الذخيرة، ابن راشد: والقياس أن لا تؤكل على ما قاله الباجي في تعليل ما حرم على أهل الكتاب من أن الذكاة لا بد فيها من النية، وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة، وإذا نواها فكيف يصدق) اهـ

قال ابن ناجي في شرح الرسالة : (واختلف المذهب إذا كان ممن يسل عنق الدجاجة، فالمشهور لا تؤكل، واختار ابن العربي أكلها، ولورأيناه؛ لأنه من طعامهم، قال ابن عبد السلام: وهو بعيد) اهـ

وقد بالغ البساطي في إنكار قول بن العربي فقال ما نصه: (ليت قوله هذا لم يخرج للوجود، ولا سطر في كتب الإسلام) اهـ

و كل ما سبق مبني على أن أهل الكتاب ممن هو متمسك بدينه و كما يعلم الجميع أن الكثير من ناس الغرب ملحد لا دين فله فمن كان كذلك فذبيحته حرام اجماعا و لا يمكن التفريق في اللحوم هل ذكاها نصراني أو يهودي او ملحد في هذا الزمان.

و الله أعلم