التيسير في الاختيارات الفقهية و ضوابطه
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: التيسير في الاختيارات الفقهية و ضوابطه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    1,388

    افتراضي التيسير في الاختيارات الفقهية و ضوابطه

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    افتح هذا الموضوع راجيا من الاخوة الكرام افادة الجميع بما تعلموه في ميدان منهج التيسير في الفتوى.

    يلاحظ اليوم صدور الكثير من الفتاوي المعارضة لصريح الدليل بدعوى منهج اليسير و كما هو معلوم أن منهج التيسير لا يعني تبني كل الرخص و شواذ فتاوي العلماء.

    من هذا المنطلق لابد من ضوابط لهذا المنهج و ربما أضع بعض الضوابط :

    1- أن منهج التيسير إنما هو منهج ترجيح لا تطويح فلا نطيح بالدليل الخاص القطعي الدلالة و نأخد بالدليل العام الظني الدلالة بحجة التيسير إنما التيسير ترجيح الأيسر في حالة تساوي قوة الأدلة.

    2- الضابط الثاني أن التسيير يكون في المشقة فإن انعدمت المشقة و تعارض الحظر و الاباحة فتقديم الحظر أولى


    ارجو من الاخوة الكرام اثراء الموضوع و بارك الله فيكم
    طالب الحق يكفيه دليل وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل
    الجاهل يتعلم وصاحب الهوى ليس لنا عليه سبيل

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    148

    افتراضي رد: التيسير في الاختيارات الفقهية و ضوابطه


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    1,388

    افتراضي رد: التيسير في الاختيارات الفقهية و ضوابطه

    بارك الله فيك و سأنقل الملخص هنا للفائدة :

    الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعن ، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :

    فهذا تلخيص لرسالة جامعية مطبوعة في كتاب بعنوان ( منهج التيسير المعاصر ، دراسة تحليلية ) لـ ( عبد الله بن إبراهيم الطويل ) ، وقد دفعنا إلى تلخيص بعض الكتاب طلبُ شيخنا الفاضل: فضيلة الشيخ الدكتور/ خالد بن علي المشيقح ، حفظه الله ؛ حيث انه أراد بتلخيصه نفع طلاب العلم به ، وذلك لأهمية الموضوع وشدة الحاجة إليه ، فاستعنّا بالله وبدأنا بالتلخيص ، فلا يستغنى فيه عن الأصل , ونسأل الله عز وجل أن يجعل من ورائه النفع والفائدة .

    1. محمد بن عبد الله الشنو
    2. أحمد بن صلاح يونس


    أصول اليسر في الإسلام



    أولاً/ أصول اليسر في القرآن الكريم :
    1- قال تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [1] .
    تبين هذه الآية أن الله تعالى أراد بتشريعه الأحكام : اليسر والتخفيف والرحمة ونفي الحرج ، ونحو ذلك ، والآية وإن كانت واردة في شأن الرخص في الصيام إلا أن المراد منها العموم كما صرح بذلك غير واحد من المفسرين.
    2- قال تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا[2].
    هذا تذكير بأن الله يوالي رفقه بهذه الأمة ، وإرادته بها اليسر دون العسر. والضعف المشار إليه هو ضعف الإنسان أمام الشهوة الجنسية ؛ لأن الآية تتحدث عن ترخيص الله تعالى بنكاح الإماء المؤمنات لمن عجز عن زواج الحرائر.
    3- قال تعالى : ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[3].
    بيان أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف النفس إلا في حدود قدرتها الميسرة دون بلوغ غاية الطاقة .


    ثانياً/ أصول اليسر في السنة النبوية :
    لقد وصف الله عز وجل رسولهص بقوله : ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[4] ، ولقد كان الوحي وهو ينزل يأخذ النبيصوالمؤمنين معه بمنهج اليسر، ويقوّم معوجّ المسلمين في هذا الجانب ، ويسددهم حين يكون الانحراف. وسلك الرسولص هذا المنهج الذي أراده الله لهذه الأمة ؛ فقام على تحقيقه في نفسه وفي الآخرين ، فكانت السنة النبوية حافلة بمواضع عديدة تدل على اليسر ، وهي على ثلاثة أنواع :
    1- أحاديث يستفاد منها سماحة هذا الدين ويسره:
    أ) عن أبي هريرة رعن النبيص قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" [5].
    ب) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول اللهصقالت : ما خيّر رسول اللهصبين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما [6].
    ج) عن جابررأن رسول اللهصقال : " إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا " [7].
    2- أحاديث تفيد في جملتها خشية النبيصأن يكون قد شق على أمته :
    أ) جاء عنهص أنه قال : " إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه " [8].
    ب) عن عائشة رضي الله عنها أن النبيصخرج من عندها وهو قرير العين طيب النفس ، ثم رجع إليها وهو حزين ، فقال: " إني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت ؛ إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي " [9].
    3- أحاديث يأمر أصحابه فيها بالتخفيف ، وينكر عليهم فيها التشديد والغلو :
    أ) قولهص : " يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا " [10].
    ب) عن ابن مسعودرقال : قال رسول اللهص: " هلك المتنطعون " ثلاثاً . [11].

    ثالثا / منهج الصحابة ومن بعدهم في الأخذ بالتيسير :
    1- خرج عمررفي ركب فيهم عمرو بن العاص ، حتى وردوا حوضا ، فقال عمرو : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ ، فقال عمر : لا تخبرنا فإنا نرد السباع وترد علينا .
    2- مر عمر ر مع صاحب له ، فسقط عليه شيء من ميزاب ، فقال صاحبه : يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أم نجس؟ ، فقال عمر: يا صاحب الميزاب لا تخبرنا . ومضى .
    3- يقول عمير بن إسحاق : لما أدركت من أصحاب رسول اللهصأكثر ممن سبقني منهم فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشدداً منهم .

    ضوابط اليسر في الإسلام


    إذا تقرر ما مضى من بناء الشريعة في أصولها وأهدافها على اليسر ، فإن هذا اليسر له ضوابط تنظمه وتضبطه ، ولعل هذه الضوابط تتلخص في العناصر التالية :

    1- أن يكون التيسير ثابتاً بالكتاب أو السنة:
    فالتيسير لا بد أن يكون ثابتا بأحد الوحيين ، حتى يتسنى للمسلمين العمل به واعتماده ، لا أن يكون التيسير بحسب الهوى والتشهّي واستحسان العباد واستقباحهم . فكل تيسير لا يستند إلى الكتاب أو السنة فهو تيسير ملغى مطّرح ؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الاستحسان العقلي دون التقيد بأي دليل. كما ينبغي أن لا يكون التيسير ناتجا عن ضغط الواقع القائم في مجتمعاتنا المعاصرة ، وهو واقع لم يصنعه الإسلام بعقيدته وشريعته وأخلاقه ، ولم يصنعه المسلمون بإرادتهم وعقولهم وأيديهم ، إنما هو واقع صُنع لهم وفُرض عليهم في زمن غفلة وضعف وتفكك منهم . فليس معنى التيسير أن نحاول تسويغ هذا الواقع على ما فيه ، وجرّ النصوص من تلابيبها لتأييده .

    2- عدم مجاوزة النص في الأخذ بالتيسير :
    فلا يجوز الاستزادة في التخفيف والتيسير كمّاً أو كيفاً على ما ورد به النص ، فلا يصح مثلاً أن يُقال أن مشقة الحرب بالنسبة للجنود تقتضي وضع الصلاة عنهم أو تأخيرها إلى القضاء فيما بعد. وإنه كلما كان التمسك بالنص الشرعي والتزام الحكم المستفاد منه ، كان ما يفيده من التيسير ورفع الحرج أبلغ.

    3- أن لا يعارض التيسير نصّاً من الكتاب أو السنّة :
    فلا اجتهاد مع النص ، فالكتاب والسنة هما المصدر الأساس لهذا الدين، وبقية الأدلة والأصول الشرعية تبع لهما ، فمتى حصل تعارض بينهما وجب المصير إلى الأخذ بالنص .

    4- أن يكون التيسير مقيّداً بمقاصد الشريعة :
    فالشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح الخلق ، واليسر يجب أن ينطلق من الشرع ويتقيد بقيوده ، فلا التفات إلى تيسير يحكم به العقل وحده ، بل لابد أن يكون راجعاً إلى حفظ مقصود من مقاصد الشرع ، فإن ناقضه فليس بتيسير .

    مفهوم التيسير المعاصر



    أولاً / مفهوم منهج التيسير المعاصر عند العلماء المعاصرين :
    العلماء في الإسلام لهم منزلة ليست لغيرهم ؛ فقد جعل لهم الشارع مقاماً رفيعاً ، وجعلهم أدلّاء للناس على أحكام الله عز وجل ، فهم الذين يقومون بدور الطلائع الذين يكتشفون الخطر قبل وقوعه ، وينبهون الأمة على المزالق قبل التورط فيها .
    والعلماء المعاصرون تأسّوا بسلفهم من السابقين ، فحذروا من الغلوّ في الدين والتشدد فيه ، وحذّروا كذلك من التساهل والتفريط ، وتتركز جهودهم في مجابهة التيسير غير المنضبط في التأصيل الشرعي لموضوع اليسر ورفع الحرج ، وكذلك في الرد على أصحاب هذا المنهج ومناصحتهم . ومن الكتب التي ألّفها علماء الإسلام في هذا المجال :
    1- ( رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ضوابطه وتطبيقاته ) للدكتور صالح بن حميد .
    2- ( رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ) لمنّاع القطّان .
    3- ( يسر الإسلام وأصول التشريع العام ) لمحمد رشيد رضا .

    ثانياً / مفهوم منهج التيسير المعاصر عند العلمانيين :
    لقد اتخذ دعاة العلمانية والعصرنة من التيسير باباً يتسللون منه لينالوا من الشريعة ، بل ويعطّلوا كثيراً من النصوص القطعيّة الثابتة، فهم يرون أن من التيسير أن يكون التشريع من حق العلمانية ، وليس من حق الإسلام أن يحكم المجتمع ويشرّع له ويُحلّل ويُحرّم ، ويرون أن التيسير يقتضي أن لا تبقى المفاهيم والمعتقدات والقيم على حالها ، بل لابد من مواكبة العصر. ويمثّلون لهذا بأمثلة كثيرة كالربا ، والفوائد البنكية ، وكون ميراث المرأة نصف ميراث الرجل ، وحجاب المرأة ، وقطع يد السارق ، ونحو ذلك .
    ولعل الفساد الذي لحق بعقول هؤلاء هو أنهم لم يفرّقوا بين اليسر واللذة والشهوة ؛ لأن المنافع ليست هي ما يوافق الأغراض والشهوات دائما ، ولم يفرقوا بين اليسر الموهوم واليسر الحقيقي .

    أصول منهج التيسير المعاصر



    أولاً/ النظر إلى المقاصد دون النصوص :
    لخّص الإمام الشاطبي – رحمه الله – شروط المجتهد في الاتصاف بوصفين :
    1- فهم مقاصد الشريعة على كمالها .
    2- التمكن من الاستنباط بناء على فهمه منها .

    وتكلم عن علاقة مقاصد الشارع بنصوصه ، حيث أشار إلى وجود ثلاثة اتجاهات في ذلك :
    1- الاتجاه الظاهري : وهو الذي يقتصر على ما صرحت به ظواهر النصوص دون أن يُعطي كبير اهتمام لعلل الأحكام .
    2- الاتجاه الباطني : وهو الذي يسعى إلى التخلص من ظواهر النصوص بحجة أنها ليست مقصودة لذاتها ، ويعتمد في اكتشاف مقاصد الشارع وتقدير المصالح على تقديره هو .
    3- الاتجاه المتوسط : وهو اعتبار ظواهر النصوص ومعانيها في مسلك توافقي لا يسمح بإهدار أحد الجانبين على حساب الآخر ولا بطغيان أحدهما على الآخر .
    وحديثنا سيكون عن الاتجاه الثاني ، وهم المبالغين في إطراء المصلحة وتقديمها على النص ، وهذا ما لا يُسلّم لأصحاب هذا الاتجاه ، وذلك أن الشارع الحكيم جاء بمصالح العباد ، وجعل النصوص محققة للمصالح ابتداء ؛ لأنها رحمة للعالمين ، ولو لم تكن نصوص الوحيين الشريفين محققة للمصالح والحكمة فكيف تكون رحمة وهدى للعالمين ؟
    ومعلوم ما قرره الفقهاء قديماً وحديثاً من أن الحكم يدور مع علته لا مع حكمته ، وذلك لظهور العلّة في الوقت الذي قد لا تتضح فيه الحكمة ظاهراً ، فالعلة وصف منضبط ، في حين أن الحكمة أمر راجع إلى تقدير الناس ، والناس يختلفون في تقدير المصالح .
    واستدل العديد من دعاة التيسير على منهجهم هذا ، بأمور منها:
    1- اجتهاد عمر بن الخطاب ر في عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة ، فقد نظر إلى المقصد من الحد ولم يطبّق النص القرآني عملا بتغيّر الظروف التي أحاطت بالسرقة . وللرد على هذا القول نقول أنه من الواضح أن عمر ر إنما درأ الحد بالشبهة ، وانتفاء الشبهة من شروط قطع يد السارق ، وأخذ السارق ما يحتاج إليه لسد رمقه من أعظم الشُبه وأقواها .
    2- أن الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان وأنه لا يمكن تطبيق الشريعة على المستجدات والظروف والأحوال المختلفة المتباينة إلا بتأسيس معقولية الأحكام الشرعية حتى تصبح الشريعة مسايرة للتطور وقابلة للتطبيق في كل زمان ومكان ، واحتجوا بما ثبت من تغير فقه الشافعي رحمه الله القديم حين كان بالعراق إلى فقهه الجديد حين انتقل إلى مصر . وللرد على هذا نقول أن تعليل تغير فقه الشافعي بتغير الظروف فيه نظر ، فالسبب لم يكن لتغير ظروف مصر عن ظروف العراق ، ولكن لأن الشافعي رحمه الله اكتشف أخطاء في اجتهاده القديم ، وإعادته النظر في آرائه القديمة وتغيّر اجتهاده فيها أمر عادي بسبب زيادة علمه لا بسبب تغير الظروف ، يقول الإمام أحمد عن ذلك : ( عليك بالكتب التي وضعها بمصر ، فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها ثم رجع إلى فصر فأحكم تلك ).

    وخلاصة القول أن قاعدة تغير الفتاوى تختلف عن مصطلح تغير الأحكام ، فإن الأحكام الأساسية والقواعد الكلية هي أحكام وقواعد خالدة وثابتة ، و تغيرها نسخ ، والنسخ قد انقطع بانقطاع الوحي ، أما الفتاوى وتغيرها فهو انتقال المجتهد من حكم إلى حكم آخر لتغيّر صورة المسألة ، فهو تبدل يستند إلى تبدل العوائد والأعراف ، وليس نسخاً للحكم أو اختلافاً في أصل الخطاب .

    ثانياً / التوسّع في فهم خاصية اليسر في الإسلام :
    إن شريعة الإسلام بُنيت على اليسر ورفع الحرج ، فلا يكلّف الله نفساً إلا وسعها ، إلا أن هذا اليسر هو يسر في حدود وضوابط ، والقاعدة الأصولية المعروفة ( المشقة تجلب التيسير ) إنما هي في حدود ما جاءت به الشريعة الإسلامية ، فليس لمشقة مخالفة الهوى مكان في يسر الإسلام ، لذا فالشارع لا يقابل تلك المشقة باليسر والتسامح ، بل يعد اتباع الهوى خطأً في السلوك وضلالاً عن سبيل الله ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[12] .
    وقد عمد أصحاب هذا المنهج في تفعيل هذا الأصل إلى أمور ، منها :
    1- تغليب روح التيسير ، وإهمال جانب الترهيب والعزائم الثابتة في الشريعة . وهذا خطأ ؛ لأن الشريعة الإسلامية وسط في كل أمورها ، فلا يجوز بحال الغلو والإفراط أو التوسع والتفريط في جانب على حساب آخر ، فكما أن الإسلام دين يسر وسماحة وترغيب ، فهو كذلك دين عزيمة وقوة وترهيب .
    2- الدعوة إلى التدرج في تطبيق أحكام الإسلام وشريعته في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ، ودعاة المرحلية والتدرج كثيرون ، ومنهم فهمي هويدي الذي يقول : ( ولست أدعو إلى أن نختار بين أن نأخذ الإسلام كله أو نتركه كله . فقط أنبّه إلى أن سعينا لا بد أن يتدرج ، مبتدئا بالأهم فالمهم حتى يبلغ الغاية بثقة واطمئنان ) . وهذه شبهة باطلة أثيرت للحيلولة دون تطبيق الشريعة تطبيقاً كاملاً في المجتمع الإسلامي المعاصر ، وإلا فإن عهد التدرج في أخذ المسلمين بأحكام التشريع قد انتهى بتكامل الإسلام وبنزول قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[13].


    ثالثاً/ تتبع الرخص :
    شرع الله تعالى من الأحكام الأصلية والرخص ما يتناسب مع أحوال المكلفين ، والمشقة التي تستوجب الرخص ليست هي المشقة المعتادة المألوفة ، وإنما هي المشقة غير المعتادة التي تشوش على النفوس في تصرفها . واليسر في الإسلام ليس غاية في ذاته ، وإنما هو وسيلة واقعة في طريق الامتثال لأوامر الله ، تعين على تحقيق الغاية . أما الذي يتلمس التخفيفات ويتتبع الرخص ويبحث عن مواطنها بعيدا عن الغاية الحقيقية من تمام العبودية وخالص الخضوع والطاعة لله وحده ، ويتهاون بمسائل الحلال والحرام في المطاعم والمشارب والمعاملات ، مدعيا أنه لا حرج في الدين ، فقد أخطأ وضلّ السبيل .
    والمقصود بتتبع الرخص هنا : تتبع رخص المذاهب الفقهية ، وذلك بأن يتتبع المقلد لمذهب ما ما يكون أيسر له وأخف عليه في في مذهب إمام آخر غير إمامه فيقلّده ، ولا يكون مدار اختياره قوة الدلائل أو النوع أو الاحتياط ، بل يكون مدار اختياره التخفيف واليسر والسهولة .
    وللعلماء في مسألة تتبع الرخص آراء ثلاثة ، فمنهم المتشدد المانع ، ومنهم المخفّف المجيز ، ومنهم المتوسط القائل بالتفصيل ، ولكنهم جميعا مجمعون على المنع إذا كان الدافع هوى النفس أو الهروب من أداء الواجب أو التلاعب بالأحكام والتحايل عليها .
    وأصحاب منهج التيسير المعاصر يرون أن من أصولهم للأخذ بالتيسير : تتبع الرخص ، يقول أحدهم : ( ما العيب في أن يأخذ الناس بالأيسر في كل مذهب فقهي ؟! ) . وهذا أصل خطير ومنهج خاطئ لقضية التيسير ، وقد اعترض بعض مناصري منهج التيسير المعاصر على منع تتبع الرخص بأنه لم يأت في الكتاب أو السنة أو في عمل المسلمين دليل يفيد المنع ، وهذا الاعتراض فيه نظر ؛ لأن العمل بسد الذرائع واقع ، واتباع التشهّي وهوى النفس من المحظورات التي قام عليها أكثر من دليل .

    رابعاً / ترك المحكم واتباع المتشابه :
    فالمتشابه الواقع في النصوص على ضربين : أولهما : حقيقي ، وهو الذي ليس للناس سبيل إلى فهم معناه حتى أهل العلم ، ككيفيات صفات الله عز وجل ، وثانيهما : إضافي ، وهو ما صار متشابها بالنسبة إلى الناظر في النص ، وإلا فالنص نفسه غير متشابه في حقيقة الأمر ، وهذا هو المقصود هنا .
    ومردّ التشابه هذا إما أن يكون إلى تقصير الناظر في الاجتهاد والنظر إلى النصوص ، وإما أن يكون إلى زيغان الناظر باتباعه الهوى . والواجب نحو هذا النوع أن يرد إلى عالمه ، والعالم عليه أن يرد المتشابه إلى المحكم. ولخطورة اتباع المتشابه كان السلف رحمهم الله يردعون متبعه ويؤدبونه تأديبا بالغاً ؛ لكون هذا يؤدي إلى الانحراف عن الحق . ولقد سلك بعض دعاة فقه التيسير هذا المسلك فأخذوا به في مجالات متعددة ، نكتفي هنا بذكر مثال واحد عليها :
    سفر المرأة بغير محرم : فد وردت أدلة واضحة صريحة تدل على تحريم سفر المرأة بغير محرم ، من ذلك حديث ابن عباس ر قال : قال رسول الله ص : " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " [14] ، وهناك أدلة أخرى قائمة على ذلك ، ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله بعد أن ساق هذه الأدلة ، يقول : ( وهو إجماع في غير الحج والعمرة والخروج من دار الشرك ) . ومع هذا نجد أن بعضهم أجاز سفر المرأة بغير محرم مستدلين بقوله ص : " يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تقدم البيت لا زوج معها " [15] ، وهذا الحديث إنما سيق فيه ما سيق مدحاً لظهور الإسلام وانتشار الأمان في الأرض ، ولم يسق لموضوع السفر ونحوه ، وهو حكاية للواقع الذي يجري ولا يلزم إقرار النبي ص له أو محبته ورضاه به ، مثل ما أخبر به من أحاديث الفتن والهرج والقتل ونحو ذلك.

    خامساً / تعميم قاعدة عموم البلوى في التخفيف :
    وعموم البلوى هو شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص منه والابتعاد عنه ، إلا أنه ليس كل ما عمت به البلوى يجلب التيسير والتخفيف ، فهناك شروط وضوابط لاعتبار عموم البلوى سبباً للتيسير وهي :
    1- أن يكون عموم البلوى متحققا لا متوهما ، بحيث يعسر الاحتراز منه ويكون وقوعه عاما لجميع المكلفين وشاملا لهم .
    2- أن يكون عموم البلوى من طبيعة الشيء وحاله ، لا أن يكون ناشئاً من تساهل المكلف في التلبس يذلك الشيء .
    3- أن لا يدخل المكلف في الحادثة التي تعمّ بها البلوى بقصد حصول الرخصة .
    4- أن يكون الترخص في حال عموم البلوى مقيدا بتلك الحال ، ويزول بزوالها .

    سادساً / جعل الخلاف دليلاً :
    فقد اتخذ كثير من دعاة منهج التيسير المعاصر من الخلاف توسعة على الناس ، بمعنى أنه يسع كل واحد أن يأخذ بما شاء من الأقوال ، وأصبحنا نسمع ونقرأ بكثرة : ( المسألة فيها خلاف فلا حرج عليك ) . وهذا غير صحيح فالخلاف يعد توسعة في مجال الاجتهاد ووجوده يدل على أن الأمر معروض للنقاش والترجيح لا على أن الناس لهم أن يأخذوا بقول أي واحد منهم وإن لم يكن الحق عنده .
    والمتخيّر بين الأقوال المختلفة بمجرد موافقة الغرض الذي في نفسه لا يخلو من ثلاث حالات :
    1- إما أن يكون حاكماً بهذا القول ، فلا يصح اختياره على الإطلاق ؛ لأنه إن كان متخيرا بلا دليل فلا حق لأحد الخصمين على التالي ، لأن هذا لن يخلو من الحيف على الطرف الثاني .
    2- وإما أن يكون مفتيا به ، فهذا قد أفتى في النازلة بالإباحة وإطلاق العنان ، وهو قول ثالث خارج عن القولين ، وهذا لا يجوز له إن لم يبلغ درجة الاجتهاد باتفاق .
    3- وإما أن يكون عاميا ، فهو قد استند إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع .

    أسباب ظهور منهج التيسير المعاصر



    والأسباب الداعية لظهور هذا المنهج كثير متعددة ، نكتفي هنا بذكر بعض منها :

    أولاً / الجهل بأحكام الشريعة ومقاصدها :
    وهذا السبب يدور حول ثلاث محاور :
    1- الجهل بالنصوص الشرعية : فتجد البعض يفتي – تيسيراً للناس – بما يناقض أحاديث الصحيحين أو أحدهما مناقضة صريحة ، ومن ذلك قول الشيخ الغزالي رحمه الله : ( وأوصي الدعاة الذين يذهبون إلى كوريا ألا يفتوا بتحريم لحم الكلاب ، فالقوم يأكلونها ، وليس عندنا دليل يفيد الحرمة ) ، وقد ثبت عن النبي ص أنه قال : " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام " [16]، قال العلماء : ( يدخل في هذا الأسد والنمر والفهد والذئب والكلب ) .
    2- سوء فهم النصوص الشرعية : وهذه آفة قديمة اُبتليت بها النصوص الشرعية ، ومنها تخصيص ما هو عام أو تقييد ما هو مطلق دون مخصص ولا مقيّد ، أو أن ينظر إلى النصوص معزولة عما قبلها وما بعدها ، أو معزولة عما ورد في موضوعها من نصوص أخرى تحدد مدلولها ، أو معزولة عما يؤيدها من إجماع يقيني لم يخرقه أحد على مر العصور ، بل قد لا يقف الأمر عند حد سوء الفهم ، بل يصل إلى حد التحريف الجائر لكلام الله تعالى وكلم رسوله ص وإخراجه عن المراد به تماماً . فمن ذلك مثلا ما ادعاه بعضهم من أن تفسير قوله تعالى : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [17] أي من الوقار ، وليس من القرار! ، وفي هذا مخالفة لجمهور العلماء الذين قالوا بأن ( قرن ) من القرار .
    3- الجهل بمقاصد الشريعة : فمتى جهل المفتي بمقاصد الشريعة كان ذلك مجالاً واسعاً لتنزيل النصوص على وقائع مغايرة لمراد النص ، فيظن في حكمٍ ما تيسيراً وما هو كذلك ، جهلاً منه بالمقصد .
    4- الجهل بما تؤول إليه الأحكام: إن العلم بما تؤول إليه الأحكام ، وفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد ؛ فقه عزيز لا يناله من العلماء إلا من وُفّق . يقول ابن القيم رحمه الله : ( فإذا حرّم الرب تعالى شيئاً ، وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرّمها ويمنع منها ، تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له ، منعاً أن يقرب حِماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم ) ، ثم ذكر رحمه الله جملة من الأمثلة ، منها :
    أ*) أن الله تعالى أمر بغض البصر ، وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة والتفكر في صنع الله ؛ سداً لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور .
    ب*) أن النبي ص كان يكفّ عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة ؛ لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه .
    ثم قال ابن القيم بعد أن ذكر الأمثلة : ( وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف ؛ فإنه أمر ونهي ، والأمر نوعان : احدهما مقصود لنفسه ، والثاني وسيلة إلى المقصود ، والنهي نوعان : أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه ، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة ).
    ومن الأمثلة على الجهل بما تؤول إليه الأحكام : ما أفتى به أحدهم من تحريم شرب القهوة ، وعلل ذلك بأنها مفترة بل ومسكرة – كما يقول – ومضرة للبدن ، وأنها لم تكن في الصدر الأول . وأفتى آخر بحل وجواز شرب ماء ( الماحيا ) المسكرة الذي يصنعه اليهود شراباً لهم ، وزعم أنها لا تسكر. والفتويان خطأ ؛ وذلك بسبب عدم معرفة العالم لواقع ما أفتى به .

    ثانياً / ردة فعل لظاهرة الغلو :
    فمن أهم أسباب التيسير غير المنضبط أنه انعكاس لما حصل من غلوّ وتشدد عند البعض ، كانت نتيجته ردة فعل قوية في الاتجاه المعاكس . والمتأمّل في أطروحات دعاة التيسير – لاسيما في علاجهم للغلو – ليجد أنهم قد وقعوا في خطأ مقابل نتيجة لفقدان التوازن في معالجة هذا الخطأ – أعني الغلو - ، فتجد منهم مثلاً من ينظر إلى الشاب المعفي لحيته المقصر لجلبابه على أنه غال في الدين ، ويشنّع عليه.

    ثالثاً / ترغيب الناس في الدين :
    من الواجب على أهل الإسلام أن يُحسنوا عرض هذا الدين للناس ، ويحببونه إليهم ، وذلك بطَرْق الوسائل والأساليب الدعوية التي من شأنها ترغيب الناس في الدين ، فلا ينتهجون من أساليب الدعوة ما يُعطي صورة سيئة عن الدين ؛ إلا أن البعض ظنّ أن من مقتضى التيسير موافقة رغبة الناس ، رغبة في تقريبهم من التمسّك بالشرع الشريف . ولكن الواقع أثبت أن هؤلاء لا يدخلون إلى الدين من باب إلا ويخرجون من باب آخر.

    رابعاً / اتباع الهوى :
    والمقصود بالهوى : كل ما خالف الهدي الشرعي من الكتاب والسنة ،ومن ذلك اتباع أهواء العامة والجري وراء إرضائهم بالتساهل ، ويدخل فيه كذلك حب الظهور والشهرة بين الناس ، وتوهم المفتي أن التيسير للناس براعة والتشديد عجز ، ويدخل فيه أيضاً أن يكون العالم قد تورّط ببعض ما يُسأل عنه في حياته الشخصية فيحمله ذلك على البحث عن مخرج هنا أو هناك لما يعيشه من تلك القضايا حتى لا يُتّهم بالخروج عن النصوص الشرعية.

    خامساً / مسايرة الواقع ( ضغط الواقع ) :
    قلنا سابقاً أن هذا الواقع لم يصنعه المسلمون بإرادتهم ولم ينعه الإسلام بعقيدته وشريعته ،وإنما هو واقع فرض على المسلمين .
    ولمسايرة هذا الواقع تجد من المعاصرين من يركب الصعب والذلول لتطويع النصوص للواقع ، على حين يجب أن يُطوّع الواقع للنصوص ، لأن النصوص هي الميزان المعصوم الذي يحتكم إليه ويعوّل عليه ، والواقع يتغير فلا ثبات له ولا عصمة ، ولهذا يجب ربد المتغير إلى الثابت ، وغير المعصوم إلى المعصوم.
    فتجد ضغط الواقع قد أثّر - مع الأسف – على آراء بعض المعاصرين من العلماء ، منهم الذين لا يزال الدين أعزّ عليهم من كل شيء ، ولكن الواقع يضغط عليهم بقوة ، وهذا ما جعل كثيراً من أهل العلم يقرّون أشياء كانوا يُنكرونها منذ سنوات غير بعيدة .

    سادساً / المؤثرات البيئية :
    إن الإنسان لا يستطيع أن ينفك عن محيطه الذي نشأ فيه أو ينسلخ عن المؤثرات في تكوينه بشكل نهائي وإن حاول ذلك ، لابد أن ترتسم فيه بصمات بيئته ووسطه الذي يعيش فيه ، والإنسان ابن بيئته. والمؤثرات البيئية تندرج تحت قسمين أساسيين :

    الأول : الأسباب الداخلية :-
    1- المؤثرات المكانية :
    وقد ذكر ابن خلدون رحمه الله فصلاً في مقدمته جمع فيه جملة من المؤثرات في تكوين الإنسان بصفة عامة، ثم ذكر أن العوامل المكانية له أثر في أمزجة الناس وأخلاقهم وطباعهم ، فنشأة العام أو الفقيه بين بداة تجعل حركته الفقهية أقل تطورا ممن ينشأ في الحضر والمدن التي تزدحم فيها الأقضية الجديدة.
    ولعل من أبرز الأمثلة هنا هما الإمامان الجليلان : ابو حنيفة ومالك رحمهما الله ، أما أبو حنيفة فقد نشأ في بلاد العراق وهي بلد كثر عمرانها فكثر فيها المال وتنامت تجارتها ، واشتدت دولتها، فكان أبو حنيفة متكلماً في معاملات الناس كلام الخبير، بل أصبح فقيه العراق الأول ، فقد فقه الحياة فامتد بصره الثاقب ليشمل المستقبل وما ينطوي عليه من أحداث واحتمالات ، فأصّل لفقهه وعلمه واحترز للبلاء قبل وقوعه ، قم إن بيئته التي نشأ فيها كانت بيئة متأثرة بالحضارة الفارسية التي تجمعت بها طوائف من العرب الفاتحين وأخرى من سكان البلاد الأصليين ، واختلط فيها ما روي من صحيح الحديث بالمكذوب الموضوع ، فاحتاط لنفسه في الأخذ بالأثر ، واتسعت دائرة القول بالرأي في المسائل الفقهية . وأما الإمام مالك فقد نشأ في المدينة المنورة حيث ينتشر حفّاظ الحديث ورواته ، مما أغنى ثروة الإمام مالك الفقهية المستندة في الغالب إلى الآثار وأقوال الصحابة والتابعين ، ولذلك ألّف كتابه الشهير ( الموطّأ ).
    2- المؤثرات الزمانية :
    راعت الشريعة الإسلامية هذه المؤثرات في بناء الأحكام الشرعية وسايرت فترات الإنسان بما يضمن لها البقاء ،ويحقق للإنسان مصلحته العاجلة والآجلة. وقد وردت بعض الأحكام في السنة النبوية بنيت على رعاية أحوال الناس وأخلاقهم في زمن النبوة ، ثم تبدلت أحوال الناس بعدهم ، فتغيرت الفتاوى ، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : ( لو أدرك النبي ص ما أحدث النساء لمنعهن كما مُنعت نساء بني إسرائيل ) [18] .
    قال القسطلاني رحمه الله : ( واستحباب خروجهن مطلقاً إنما كان في ذلك الزمن حيث كان الأمن من فسادهن .
    3- المؤثرات العرفية :
    والعرف كما يقول ابن تيمية : ( هو ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه ) . يقول ابن القيم رحمه الله تعالى : ( ومن أفتى الناس بمجرد المنقول على اختلاف عرفهم وعوائدهم ، وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم : فقد ضل وأضل ، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم ، بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم ، بل هذا الطبيب الجاهل ، وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان ) . هذا بالنسبة للعرف المعتبر الصحيح ، أما العرف الفاسد : وهو ما يخالف أحكام الشريعة وقواعدها الثابتة ، مثل : تعارف الناس على كثير من المنكرات، كالتعامل بالربا ، وشرب الخمر ، وحلق اللحى ، ونحوها ، فهذا عرف غير معتبر ، إلا أن بعض دعاة منهج التيسير المعاصر عدّ هذا العرف سبباً للتيسير .
    4- المؤثرات العلمية :
    إن تأثر العالم والمفكر بمشربه العلمي ووسطه المعرفي الذي استقى منه علومه ومعارفه أمر لا يختلف فيه اثنان ، فالعالم يتأثر بشيخه ، وهذا مُلاحظ معلوم ؛ فالشيخ لا بد أن يترك أثراً على تلميذه ، إما في منهجه في التأليف أو طريقته في الاستنباط أو بتبني بعض آرائه ، أو في كل ما سبق وربما أكثر . ومن أبرز الأمثلة المشهورة عند أهل العلم الأثر الواضح الذي تركه شيخ الإسلام ابن تيمية على تلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى ، فقد كان التلميذ كأنه جزء قُدَّ من شيخه . ومما نراه الآن التأثر الواضح الذي يُلحظ في منهج الدكتور القرضاوي تأثراّ بشيخه محمد الغزالي رحمه الله وبشيخه مصطفى الزرقا رحمه الله ، ومن قرأ طرقهم في الاستنباط وعرض القضايا في كثير من المسائل يظن أنها لكاتب واحد ، ومن هذه المسائل : سفر المرأة بلا محرم ، عمل المرأة ، رجم الزاني ، إضافة إلى تهوينهم من فروع المسائل ، ونحو ذلك .

    الثاني : الأسباب الخارجية :-
    1- الترغيب في الدخول في الإسلام :
    إن دعوة غير المسلمين إلى الإسلام وترغيبهم في الدخول فيه من أوجب الواجبات على أهل الإسلام ، لا سيما الدعاة والعلماء منهم ، وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة تُرَغّب في ذلك وتدعو إليه ، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [19]. وقال ص لعلي بن أبي طالب ر : " فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدا خير لك من حُمر النعم " [20] .قال ابن القيم رحمه الله تعليقا على هذا الحديث : ( إذا اهتدى رجل واحد بالعالِم كان ذلك خيراً له من حُمر النعم ، وهي خيارها وأشرفها عند أهلها ، فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس ). ولم ينتشر هذا الدين إلا بسبب عوامل عديدة من أبرزها يسر الإسلام .
    ومن تتبع أحوال بعض دعاة فقه التيسير المعاصر يرى أن هذا السبب قد طغى على كتاباتهم ، وأن الترغيب في الدخول إلى الإسلام يمثل الهمّ الأكبر لبعضهم – فجزاهم الله خيراً - ، لكن هذا الهم – على جلالته – مَثَّل مزلقاً أُهدرت فيه كثير من قواعدنا العلمية وقضايانا الفقهية ومسائلنا الدينية . لقد أصبح واضحاً على دعاة هذا المنهج أن الرغبة في نشر الإسلام بدا غاية تذلل أمامها كل العقبات، ويسلك لأجلها جميع القنوات حتى ولو كان بعضها محرّما ، فهاهو الغزالي ينصح ويوجه دعاة الأمة بقوله : ( وأوصي الدعاة الذين يذهبون إلى كوريا ألا يفتوا بتحريم لحم الكلاب ، فالقوم يأكلونها ، وليس لدينا نص يفيد الحرمة ، ولا نريد أن نضع عوائق أمام كلمة التوحيد وأصول الإسلام ) . ويا سبحان الله ! هل يمكن أن يصدق أحد أن المانع لهؤلاء القوم من الإسلام هي هذه الأمور ، بل إن من يفعل ذلك سيخسر الاثنين ، فلا القوم أسلموا حين أُذن لهم بأكل لحوم الكلاب ، ولا هذا حفظ كرامة النصوص من التغيير والتبديل .
    2- كثرة الهجرة والابتعاث إلى بلاد الغرب :
    ومع أن الابتعاث كان ولا يزال رافداً من أهم روافد الاتصال الحضاري بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ، وقد أفرزته المعطيات الحضارية وفروقها بين الحضارتين ؛ إلا أن الكثير ممن هناك تسيطر على عقليته مظاهر الانبهار والتأثر سلباً بفكر المجتمع الغربي وسلوكه ، وعند الرجوع إلى أرض الوطن يكون سفيراً لتوجهات فكرية وسلوكية تنتمي إلى حضارة أجنبية ، والتاريخ شاهد على ذلك ، فقد عاد كثير من المبتعثين المسلمين إلى بلادهم وهم يحملون أفكار الغربيين لا علومهم وتقدمهم ، فكانوا نواة لحركة تغريبية – كما سبق – في العالم الإسلامي .
    3- الانبهار بالحضارة الغربية :
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( فالانتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا جائز ، كما يجوز السُّكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم .... وأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه ، بل هذا أحسن ، لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة )
    ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : ( والتقسيم الصحيح يحصر أوصاف المحل الذي هو الموقف من الحضارة الغربية في أربعة أقسام لا خامس لها ، حضرا عقليا لا شك فيه : الأول : ترك الحضارة نافعها وضارها ، الثاني : أخذها كلها ضارها ونافعا ، الثالث: أخذ ضارها وترك نافعها ، الرابع : أخذ نافعها وترك ضارها . فنرجع بالسبر الصحيح إلى هذه الأقسام الأربعة ، فنجد ثلاثةً منها باطلةً لا شك ، وواحداً صحيحاً بلا شك )

    آثار ظهور منهج التيسير المعاصر


    أولاً / الآثار التشريعية :
    1- التفلّت من بعض الأحكام الشرعية :
    فمن باب ما يسمى بـ ( فقه الأولويات ) ظهرت اختلالات كثير في مراتب الأعمال والأحكام الشرعية – لأجل الأخذ بالتيسير – في كثير من كتابات أصحاب هذا الاتجاه ، ومن أبرز ما نتج عن ذلك أمران :
    الأول : التهوين بالمسائل الفرعية : ولقد ضُيّع كثير من السنن ، بل الواجبات ، بحجة الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى وتفعيل فقه الأولويات ، وإنك لترى وتسمع من إذا أنكرت عليه تقصيرا في ترك سنة أو واجب أو ارتكاب لمحظور شارع بإجابتك بأن الأمة يحيط بها أعداؤها من كل مكان ويكيدون لها وأنت تنكر عليّ هذه المسألة ؟! وهكذا في سلسلة لا تنتهي من التفلتات من فرائض الشريعة وسننها بحجة التيسير على الأمة في ترتيب اهتماماتها ، وهذا المنهج الذي اختطه دعاة التيسير انتهى ببعضهم إلى أبعاد خطيرة ، فقد خرج من يوبخ طلبة العلم الذي يبحثون حتى الآن في مسألة : هل الربا وفوائد البنوك حلال أم حرام ؟ بينما الأمريكان يتابعون رحلات الفضاء الهائلة التي تجاوزت كوكب نيوتن .
    الثاني: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : فأصحاب هذا المنهج يدعون إلى ترك الإنكار في أي مسألة خلافية ، وقد سُئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : هل يُنكر على المرأة التي تكشف الوجه أم أن المسألة خلافية ، والمسائل الخلافية لا إنكار فيها ؟ ، فأجاب رحمه الله : ( لو أننا قلنا المسائل الخلافية لا ينكر فيها على الإطلاق ، ذهب الدين كله حين تتبع الرخص ، لأنك لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف بين الناس ).
    2- الإخلال بمقاصد الشريعة :
    ويتمثل هذا في عدة أمور ، منها :
    أ) التوسع في تحديد مقاصد الشريعة : بعدم الاقتصار على ما ذكره فقهاء الأمة واتفقوا عليه فيما يدخل ضمن الضروريات والحاجيات والتحسينات ، ومنها ما يقوله الدكتور الجابري من أن مصالح العباد اليوم لم تعد مقصورة على حفظ الضروريات الخمس ( الدين والنفس والعقل والنسل والمال ) بل إنها تشمل كذلك : الحق في حرية التعبير ، وحرية الانتماء السياسي والحق في انتخاب الحاكمين ، والحق في التعليم والعلاج ... إلى غير ذلك من الحقوق الأساسية للمواطن في المجتمع المعاصر.
    ب) حصر مقاصد الشريعة على فهم معين : فمثلا تحريم الربا ، يرى الجابري أنه إنما حرم لأن فيه استغلال ، فإذا لم يوجد فهو مباح ، يقول : ( ومعلوم أن منع الاستغلال هو الحكمة من تحريم الربا ).

    ثانياً / الآثار السلوكية :
    1- التفرّق :
    وقد أنتج منهج التيسير المعاصر التفرّق من وجهين :
    الأول : أن التساهل والتفريط والتيسير غير المنضبط هو في حد ذاته مفارقة لجماعةالمسلمين .
    الثاني : أن في البحث عن الرخص وتتبعها والتنقل من عالم لآخر بحثا عن الأسهل ، وما يكون من جراء ذلك من نقل كلامهم إما للعامة أو بعضهم لبعض ، في ذلك كله من التفرق والتنافر ما لا يخفى .
    2- الوقوع في المحظورات :
    ولعل من أبرز المحظورات التي تجرأ عليها بعض المسلمين نتيجة للتيسير غير المنضبط :
    أ) التعامل بالربا : فمع أن الربا من المعاملات المحرمة شرعا ، التي لا تقبل جدالاً أو نقاشاً ، إلا أن بعض المسلمين تجرؤوا على الوقوع فيه شيئا فشيئا . فأصبحنا نرى المصارف الربوية المدعمة بالفتاوى من أصحاب منهج التيسير ، تراها تدعو بطريقة يظنها الجاهل إسلامية شرعية ، وذلك بإضافة بعض العبارات ذات الصبغة الإسلامية مثل ( وفق الضوابط الشرعية ) أو ( الفوائد الإسلامية ) ونحو ذلك من العبارات التي ظاهرها فيه الجواز وباطنها فيه التحريم .
    ب) تحرير المرأة : لقد مر تحرير المرأة في العالم الإسلامي بمراحل تدريجية ، وتدريجيا في ظل الحرية المزعومة سقط الكثير من محصّنات المرأة المسلمة ، وأولها الحجاب ، ثم غدا الاختلاط باسم التيسير على المرأة وتطورها ورقيها أمرا مألوفا ، بل ادعى بعضهم أن الاختلاط بات ضرورة عصرية ، وآخر زعم بأن المطالبة بعزل الطالبات عن الطلاب مخالفة للشريعة .
    3- النيل من شعائر الإسلام وعلمائه :
    نتج عن منهج التيسير لمعاصر الكثير من الآفات تجاه شعائر الإسلام الظاهرة ، من ذلك النيل من المتمسكين ببعض الشعائر الإسلامية كتوفير اللحية مثلا ، فنجد أن ذلك أصبح مجالاً رحبا – مع الأسف – للنيل من صاحبها ووصفه بما لا يليق . يقول محمد الغزالي الغزالي رحمه الله : ( وهناك من حلق رأسه وشواربه بالموسى ، وأطلق شعر لحيته على نحو يشعرك بأن كل شعرة أعلنت حربا على جارتها ، فهناك امتداد وتنافر يثيران الدهشة ، قلت في نفسي : لم يبق إلا أن يحلق حاجبيه بالموسى هي الأخرى لتكتمل الدمامة في وجهه ، ولم أر مساءلته لمَ فعل ذلك ؟ لأني أعلم إجابته ، سيقول : هذه هي السنة ) .
    فانظر إلى هذه الجرأة على متبعي السنة والتجاوز البيّن للمنهج الرشيد في الحوار والردود ، والاستهانة والنيل من شعائر الإسلام ، وإذا كان هؤلاء لهم الجرأة في نقد الحق ، فيجب أن نكون أكثر جرأة في نقد الباطل .
    4 – التقليد والتبعية للغرب :
    معلوم أن الشارع الحكيم كثيرا ما ينهى عن التقليد الأعمى ، وبخاصة تقليد الكفار ، ولعل من أخطر الآثار السلوكية لمنهج التيسير المعاصر التي تأثرت بها معظم المجتمعات الإسلامية : التقليد للغرب والتبعية لهم ومجاملتهم ، وهو نتاج لأمور عديدة كالتغريب والانبهار الشديد من التقدم المادي المذهل عند الغرب ، فبرزت مقولة ابن خلدون الشهيرة : ( المغلوب مولع بتقليد الغالب ) .
    لقد زعم بعض المسلمين أننا في حاجة إلى التقليد والتبعية للغرب في كل شيء ، نعتاد عاداتهم ونلبس لباسهم ونأكل طعامهم ، ومن ذلك ما كتبه مدير مجلة الأزهر يقول : ( إن الأمم الإسلامية لفي حاجة إلى تقليد الغربيين في كل شيء حتى ملاهيهم ومراقصهم وإلحادهم إن أرادت أن تبلغ شأوهم في حلبة الحياة ).
    _____________
    [1]
    سورة البقرة ، آية 185
    [2]
    سورة النساء ، آية 28
    [3]
    سورة البقرة ، آية 286
    [4]
    سورة التوبة ، آية 128
    [5]
    رواه البخاري
    [6]
    رواه البخاري ومسلم
    [7]
    رواه مسلم
    [8]
    رواه البخاري ومسلم
    [9]
    رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح
    [10]
    رواه البخاري
    [11]
    رواه مسلم
    [12]
    سورة ص ، آية 26
    [13]
    سورة المائدة ، آية 3
    [14]
    رواه مسلم .
    [15]
    رواه البخاري .
    [16]
    رواه مسلم .
    [17]
    سورة الأحزاب ، آية 33
    [18]
    رواه البخاري .
    [19]
    سورة فصلت ، الآية 33
    [20]
    رواه البخاري ، ومسلم.
    طالب الحق يكفيه دليل وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل
    الجاهل يتعلم وصاحب الهوى ليس لنا عليه سبيل

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    السعودية KSA
    المشاركات
    555

    افتراضي رد: التيسير في الاختيارات الفقهية و ضوابطه

    سؤال لم أجد له جوابا مقنعاً ، مع أني طالعت كتاب الدكتور الطويل جزاه الله خيرا

    وهو أنه إذا تكافأت الأدلة في إباحة شيء أو تحريمه [طبعاً ليس من العبادات]، فهل نجنح للإباحة أم التحريم؟

    أو نحتاط لأنفسنا فنحرمه في خاصتنا ونيسره للناس؟
    خصوصاً وأن الأصل في العادات الإباحة؟

    أكرر مرة أخرى، أن الأدلة ليس فيها ما يرجح أحد الرأيين؟

    مع أنني سمعت بعض علماء التيسير يقولون: "يسروا ولا تعسروا" قاعدة شرعية أصيلة؟

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •