« مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية ) »
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 36

الموضوع: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية ) »

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية ) »

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    سلام عليكم ورحمة الله وبركــاته ،،، أسعد الله أوقاتكم بكل خير .


    « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه بن عبد الرّحمن السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - ) »


    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    أما بعد:
    فإن الله سبحانه وتعالى قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ، قال تعالى : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ [سورة المائدة الآية 3 ] ؛ ولذا كل ما نحتاج إليه في ديننا أو دنيانا فإن بيانه في كتاب ربنا أو سنة نبينا ، قال تعالى : ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾ .
    قال محمد بن أبي حاتم - وراق البخاري - : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : لا أعلم شيئا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة . فقلت له: يمكن معرفة ذلك كله ؟ قال : نعم (1) . ا.هـ .
    وقال الشاطبي في «الإعتصام» (1/64) : ( إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان ؛ لأن الله تعالى قال فيها : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ .
    وفي حديث العرباض بن سارية : وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب , فقلنا : يا رسول الله ! إن هذه موعظة مودِّع فما تعهد إلينا ؟
    قال : « تركتكم على البيضاء ؛ ليلها كنهارها , ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ,ومن يعش منكم ؛ فسيرى اختلافاً كثيراً , فعليكم ما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ... » الحديث .
    وثبت أن النبي لم يمت حتى أتي ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا , وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة .
    فإذا كان كذلك ؛ فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله : إن الشريعة لم تتم , وإنها بقي منها أشياء يجب أن يستحبُّ استدراكها (2) ؛ لأنه لو كان معتقداً لكمالها وتمامها من كل وجه ؛ لم يبتدع , ولا استدرك عليها , وقائل هذا ضالٌّ عن الصراط المستقيم ) ا.هـ .
    فعلى كل شخص إذا أراد معرفة مسألة أو قضية ما , الرجوع إلى الكتاب والسنة , ومن ذلك ما يتعلق بمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وما قيل فيه .
    وإن هذه المسألة مسألة عظيمة ودقيقة، وقد تكلم فيها أناس فجرهم ذلك إلى النصب, وتكلم آخرون فوقعوا في التشيع والرفض, والسلامة من هذا وذاك بالرجوع إلى السنة, ففيها البيان الشافي والأمر الكافي لمن أراد الحق والنجاة.
    ولو رجع المتكلم في هذه المسألة إلى ما أخرجه البخاري من حديث أبي موسى إسرائيل عن الحسن عن أبي بكرة أن رسول الله : « إن ابني هذا سيد, ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ».
    لكان كافيا، وسوف يأتي بيان وجه دلالة هذا الحديث على ذلك إن شاء الله تعالى.
    وأيضا فإن النبي قد بين حاله وهو شاب - وذلك بعد إسلامه بقليل- , ثم بعد أن أصحاب كهلا, ثم بعد أن صار شيخا إلى أن توفي، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
    وقد اطلعت على ما كتبه الابن الشيخ / سعد بن ضيدان السبيعي, فيما يتعلق بمعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - والدفاع عنه, فوجدته قد أجاد وأفاد فيما كتب, فقد ذكر الأدلة التي تدل على فضل معاوية - رضي الله عنه -, وذكر كلام أهل العلم في الدفاع عنه, فجزاه الله خيرا وبارك فيه.


    ـــــــــــ( الحواشي )ــــــــــ
    (1) من سير أعلام النبلاء ( 12/412 ) ، ومحمد بن أبي حاتم – وراق البخاري – له كتاب «شمائل البخاري» وصفه الذهبي في السير(12/412) بأنه جزء ضخم ، وقد ساق الحافظ ابن حجر إسناده لهذا الكتاب في «تغليق التعليق» (5/386).
    (2) كذا بالأصل.


    يتبع - إن شاء اللّه - ....

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي « فصل في فضائل ومناقب معاوية - رضي الله عنه - »

    « فصـل
    في فضائل ومناقب معاوية - رضي الله عنه - »


    وبيان ذلك في النقاط التالية :

    أولاً : إسلامه .

    لا خلاف بين أهل العلم في إسلام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما, وإنما اختلفوا في وقت إسلامه, فقيل: عام الحديبية، وقيل: في عام القضية، وقيل: كان ذلك في فتح مكة وهو شاب، كان عمره يناهز ثمانية عشر سنة، أو نحو ذلك (1) .
    قلت : والإسلام أساس الفضائل، والميزان الذي يوزن به الإنسان، كما لا يخفى, وقد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ﴾ [سورة آل عمران الآية 19 ] وقوله: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [سورة آل عمران الآية 85 ], وقال عز وجل: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾[سورة يونس الآية 58 ] .
    فإن قال قائل : إن هذا الإسلام غير صحيح، وإنه أسلم نفاقاً .

    فأقول : الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه :

    الأول: ما جاء من النصوص المرفوعة إلى الرسول والتي فيها النص إسلام معاوية رضي الله عنه, وهذه النصوص على قسمين :
    أ) نصوص خاصة . ب) ونصوص عامة.
    أ) فأما النصوص الخاصة :
    فقد أخرج مسلم ( 1480 ) من طريق مالك بن عبدالله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان , عن أبي سلمة بن عبد الرحمن , عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها ـ فذكر قصة - وفيها : قالت : فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني , فقال رسول الله : « أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه , وأما معاوية فصعلوك لا مال له ، انكحي أسامة بن زيد ».
    ففي هذا الحديث : بيان فضل معاوية رضي الله تعالى عنه , وردٌّ على من اتهمه رضي الله عنه بالنفاق ؛ حيث إن النبي إنما ذكر لفاطمة بنت قيس أنه لا مال له، ولو كان في دينه مغمز أو مطعن لذكره الرسول لفاطمة ولم يكتمها ذلك, وهذا فيه ثناء على معاوية في دينه رضي الله عنه، وكان ذلك في أول حياته وإسلامه .
    ثم بعد وفاة رسول الله خرج مجاهداً وغازياً إلى بلاد الشام , وكان ذلك في عهد أبي بكر رضي الله عنه , وقد ولاه أبو بكر على بعض المدد الذي أرسله إلى بلاد الشام.
    ثم ولاه عمر رضي الله تعالى عنه بعد وفاة أخيه يزيد- كما سوف يأتي - إن شاء الله تعالى - وبقي على ذلك حتى تولى عثمان رضي الله تعالى عنه فولّاه على الشام كلها , وبقي على ذلك حتى قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وهذا بيان لحاله في وقت شبابه .

    وأما في حال كهولته : فقد بينه رسول الله فيما أخرجه البخاري ( 2704 ) من حديث الحسن البصري قال : ولقد سمعت أبا بكرة يقول : رأيت رسول الله والحسن بن علي إلى جنبه ويقول : « إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » .
    وأخرجه أيضاً في مواضع أخرى ( 3629 ) و ( 3746 ) و ( 7109 ) .
    وهذا الحديث فيه منقبة كبيرة للحسن رضي الله عنه , وأنه سيد , ومن سيادته تنازله عن الخلافة .
    وفيه أيضاً وصف للطائفة التي مع الحسن ومع معاوية رضي الله عنهما بالإسلام ، وهذا الحديث يتضمن منقبة وثناء على معاوية رضي الله عنه ؛ وذلك أن الرسول مدح فعل الحسن رضي الله عنه وتنازله عن الملك لمعاوية، ولو لم يكن معاوية رضي الله عنه أهلاً للملك لما مدح الرسول هذا الصلح الذي فيه تنازل الحسن رضي الله عنه عن الملك له.
    قال سفيان بن عيينة : قوله: « فئتين من المسلمين » يعجبنا جداً (2) .
    قال أبو بكر البيهقي : وإنما أعجبهم لأن النبي سماهما جميعاً مسلمين.
    وهذا خبر (3) من رسول الله بما كان من الحسن بن علي بعد وفاة علي في تسليمه الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان .
    وقال الحسن (4) في خطبته : أيها الناس، إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية هو حق لامرئ كان أحق به مني، أو حق لي تركته لمعاوية إرادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (5) ا.هـ .

    وقال أبو سليمان الخطابي في كتابه «معالم السنن» (7/37) – تحت شرحه لهذا الحديث - : وقد خرج مصداق هذا القول فيه بما كان من إصلاحه بين أهل العراق وأهل الشام وتخليه عن الأمر, خوفا من الفتنة, وكراهية لإراقة الدم, ويسمى ذلك العام سنة الجماعة, وفي الخبر دليل على أن واحدا من الفريقين لم يخرج بما كان منه في تلك الفتنة من قول أو فعل عن ملة الإسلام, إذا قد جعلهم النبي مسلمين, وهكذا سبيل كل متأول فيما تعاطاه من رأي ومذهب دعا إليه, إذ كان قد تأوله بشبهة وإن كان مخطئا في ذلك, ومعلوم أن إحدى الفئتين كانت مصيبة والأخرى مخطئة ا.هـ (6) .
    وقال أبو العباس ابن تيمية في «الفتاوى» ( 35/70 ) : وأثنى النبي على الحسن بهذا الصلح الذي كان على يديه، وسماه سيداً بذلك ، لأجل أن ما فعله الحسن يحبه الله ورسوله ، ويرضاه الله ورسوله ، ولو كان الاقتتال الذي حصل بين المسلمين هو الذي أمر الله به ورسوله لم يكن الأمر كذلك، بل يكون الحسن قد ترك الواجب، أو الأحب إلى الله، وهذا النص الصحيح الصريح يبين أن ما فعله الحسن محمود، مرضي لله ورسوله ا.هـ .

    ومما يستفاد من الحديث أيضا ترك الكلام في هذه الفتنة وعدم الطعن في معاوية ومن كان معه؛ لأن الرسول أثنى على هذا الصلح ومدح الحسن رضي الله عنه الذي تم هذا الصلح على يده, فعندما يطعن بمعاوية ومن معه يكون هذا منافيا لهذا الصلح الذي أثنى عليه الرسول , ولكي يبقى هذا الصلح قائما مستمرا فلا بد من عدم إثارة الأسباب التي أدت إلى النزاع, ومن ذلك ترك الطعان في معاوية رضي الله عنه ومن معه, والاقتصار على ما جاءت به النصوص حسب حتى تتم المحافظة على هذا الصلح, وقد بوب أبو داود على هذا الحديث في سننه (5/211): ( باب ترك الكلام في الفتنة ) , وكأنه - والله أعلم – يشير إلى ما تقدم, ولا شك أن هذا من فقهه رحمه الله .

    وأما حاله في وقت شيخوخته : فقد بينه رسول الله أيضاً ، وذلك فيما رواه البخاري ( 7222ـ 7223 ) ومسلم ( 1821 ) من حديث عبدالملك بن عمير , عن جابر بن سمرة قال : سمعت النبي يقول : « لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً » ثم تكلم بكلمة خفيت علي ، فسألت أبي : ماذا قال رسول الله ؟ فقال : « كلهم من قريش » وهذا لفظ مسلم .
    وأخرجه أيضاً ( 821 ) من طريق حصين عن جابر ولفظه : « إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ».
    وفي لفظ عنده من طريق سماك عن جابر : « لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة » ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : « كلهم من قريش ».
    وفي لفظ عنده من طريق الشعبي عن جابر : « لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة » .
    وأخرج أيضاً ( 1822 ) من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : كتب إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع : أنه أخبرني بشيء سمعته من رسول الله فكتب إليّ : سمعت رسول الله يقول : « لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشرة خليفة كلهم من قريش » .

    فظاهر هذا الحديث يدخل فيه معاوية - رضي الله عنه - ، وذلك أنه قرشي وتولى الملك ، وكان الدين في زمنه عزيزاً منيعاً ، فهذا الحديث ينطبق عليه خاصة في رواية الشعبي وسماك عن جابر « لا يزال هذا الأمر ـ وفي رواية الإسلام ـ عزيزاً إلى اثني عشر خليفة » فظاهر هذه الرواية أن هذه العزة والمنعة من أول خليفة بعد رسول الله وهو أبو بكر رضي الله عنه إلى اثني عشر خليفة ، فيكون معاوية داخلاً فيهم ، وخاصة أنه بويع من جميع المسلمين ، وسمي هذا العام بعام الجماعة كما هو معلوم .
    فعلى هذا الحديث فمعاوية رضي الله عنه خليفة شرعي ، والدين في زمنه كان عزيزاً منيعاً ، وهذا لحكمه بالشرع وتطبيق السنة ، وإلا لما كان الدين عزيزاً منيعاً، والله أعلم .
    قال أبو زرعة : حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم نا الوليد عن الأوزاعي قال: أدركتْ خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله منهم : سعد وأسامة وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت ومسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك ، ورجال أكثر ممن سمينا بأضعاف مضاعفة ، كانوا مصابيح الهدى ، وأوعية العلم ، حضروا من الكتاب تنزيله ، وأخذوا عن رسول الله تأويله .
    ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم : المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وسعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعبد الله بن محيريز ، في أشباه لهم لم ينزعوا يداً عن مجامعة في أمة محمد )(7) .
    وقال الذهبي في «السير» (3/132) : ( حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم – وهو ثغر – فيضبطه ويقوم به أتم قيام, ويرضي الناس بسخائه وحلمه, وإن كان بعضهم تألم مرة منه, وكذلك فليكن الملك, وإن كان غيره من أصحاب رسول الله خيرا منه بكثير وأفضل وأصلح, فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه وله هنات وأمور والله الموعد , وكان محببا إلى رعيته, عمل نيابة الشام عشرين سنة, والخلافة عشرين سنة, ولم يهجه أحد في دولته, بل دانت له الأمم وحكم على العرب والعجم ، وكان ملكه على الحرمين ومصر والشام والعراق وخراسان وفارس والجزيرة واليمن والمغرب وغير ذلك ) ا.هـ .


    ـــــــــــ( الحواشي )ــــــــــ
    (1) ينظر ترجمة معاوية في تاريخ ابن عساكر فقد ذكر أقوال أهل العلم في ذلك .
    (2) أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه , وسعيد بن منصور كما قال ابن حجر في الفتح (13/66) .
    (3) أي حديث الحسن عن أبي بكرة السابق.
    (4) أي: الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
    (5) «الإعتقاد» للبيهقي (ص:533-535).
    (6) وقد ذكر البغوي في «شرح السنة» (14/136) قريبا من كلام الخطابي.
    (7) تاريخ أبي زرعة (ص: 42-43) .


    يتبع - إن شاء اللّه - .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي ب) وأما النصوصة العامة :

    ب) وأما النصوصة العامة :

    فمنها ما يلي :

    1_ أخرج البخاري في صحيحه ( 3608 ) : حدثنا الحكم بن نافع , حدثنا شعيب , عن الزهري , أخبرني أبو سلمه بن عبد الرحمن , أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : « لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان دعواهما واحدة ».

    2_ وأخرج مسلم ( 1065 ) من طريق القاسم بن الفضل الحداني , حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله : « تمرق ما رقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق » .
    ففي حديث أبي هريرة بيان ما حصل بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه، ولا شك أن علي أولى بالحق من غيره ، وعلي رضي الله عنه هو الذي قاتل الخوارج المارقة .
    وفي هذا الحديث صحة إسلام معاوية رضي الله عنه حيث قال رسول الله : « دعواهما واحدة » وقال : « أولى الطائفتين بالحق » .
    قال النووي رحمه الله في «شرحه على مسلم» ( 7/168 ) : (وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنون، لا يخرجون بالقتال عن الإيمان، ولا يفسقون، وهذا مذهبنا ) ا.هـ .

    وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في «البداية والنهاية» ( 10/513 ) : ( وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما تزعمه فرقة الرافضة أهل الجهل والجور من تكفيرهم أهل الشام ) . ا هـ .

    ثانياً : صحبته :

    أخرج البخاري في صحيحه ( 3746 ) قال : حدثنا الحسن بن بشر حدثنا المعافى ، عن عثمان بن الأسود ، عن ابن أبي مليكة قال : أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس ، فأتى ابن عباس، فقال : دعه فإنه قد صحب رسول الله .
    قلت : وصحبة معاوية رضي الله عنه لرسول الله معلومة كما دل عليها هذا الخبر وغيره ، وفضل الصحبة ومكانة الصحابة معلوم بالكتاب والسنة ومن الأدلة الواضحة على ذلك ما جاء في قوله تعالى : ﴿ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [سورة الحديد الآية 10 ] . وهذه الآية شاملة لكل الصحابة رضي الله عنهم لمن أنفق قبل فتح مكة وقاتل ، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل كلهم وعدهم الله بالحسنى وهي الجنة، كما بين هذا في موضعه ، وإسلام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كما تقدم إما قبل الفتح وإما بعده، فهو داخل تحت هذا النص .

    ثالثا : كتابته للنبي .

    أخرج الإمام أحمد في المسند ( 1/291 ) قال : حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة قال: أخبرنا أبو حمزة قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول: كنت غلاماً أسعى مع الصبيان قال : فالتفت فإذا نبي الله خلفي مقبلاً، فقلت : ما جاء نبي الله إلا إليَّ . قال : فسعيت حتى أختبئ وراء باب دار . قال : فلم أشعر حتى تناولني، قال : فأخذ بقفاي فحطأني حطأة . وقال : « اذهب فادع لي معاوية » وكان كاتبه، فسعيت، فقلت: أجب رسول الله فإنه على حاجة .

    ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (2746) من حديث هشام وأبي عوانة عن أبي حمزة القصاب عن ابن عباس بنحوه.
    وأصل هذا الحديث عند مسلم ( 2604 ) من طريق شعبة عن أبي حمزة به، وليس فيه: ( وكان كاتبه ) ولفظ مسلم أتم (1) .
    وأبو حمزة هو عمران القصاب، والراجح أنه لا بأس به, فقد قال عنه أحمد: صالح الحديث, ورواية شعبة عنه مما يقويه, وأيضا قال عنه سفيان الثوري: وكان صاحب ابن عباس. وهذا مما يدل على شهرة اتصاله بابن عباس, وقد صرح في هذا الحديث بسماعه منه.
    قلت: وكون معاوية رضي الله عنه كاتبا لرسول الله أمر مشهور عند أهل العلم, واتخاذ سيد الخلق له كاتبا لوحي الله عز وجل منقبة عظيمة لمعاوية رضي الله عنه.
    وقد كان يكتب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه أيضا, قال يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (3/373) : ثنا سليمان ثنا عمر بن علي بن مقدم عن هشام بن عروة عن أبيه قال: دخلت على معاوية فقال لي : ما فعل المسلول ؟ قال قلت : هو عندي. فقال :أنا والله خططته بيدي، أَقْطَعَ أبو بكر الزبير ررر أرضاً فكنت أكتبها، قال :فجاء عمر، فأخذ أبو بكر - يعني الكتاب - فأدخله في ثني الفراش، فدخل عمر ررر فقال : كأنكم على حاجة ؟ فقال أبو بكر ررر : نعم، فخرج فأخرج أبو بكر الكتاب فأتممته ا.هـ.

    رابعا : ثناء الصحابة والتابعين عليه .

    1ـ جاء في لفظ حديث ابن عباس السابق عند البخاري ( 3765 ) من طريق ابن أبي مليكه قيل لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة ؟ فقال رضي الله عنه : إنه فقيه .

    2ـ وأخرج الخلال في السنة ( 442 ـ 680 ) من طريق هشيم ،عن العوام بن حوشب ، عن جبلة بن سحيم قال : سمعت ابن عمر يقول : « ما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية فقيل : ولا أبوك ؟ فقال : أبي رحمه الله خير من معاوية، وكان معاوية أسود منه .
    3 ـ وروى معمر في جامعه (20985-المطبوع مع مصنف عبدالرزاق) عن همام بن منبه سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت رجلا كان أخلق للملك من معاوية, كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب, لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب.

    4- وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (2/544): بسر بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص: ما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب. يعني معاوية.

    5- وقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (1/572): أخبرني عبدالرحمن بن إبراهيم قال حدثنا كعب بن خديج أبو حارثة –قال أبو زرعة : وقد رأيت أبا حارثة وجالسته وكان شيخاً صالحاً – قال حدثنا عبدالله بن مصعب بن ثابت عن هشام بن عروة قال : سمعت عبدالله بن الزبير يقول : كان والله –يعني معاوية- كما قالت ابن رقيقة –يعني هذه :
    ألا أبكيه , ألا أبكيه ألا كلا الغنى فيه

    6ـ وأخرج الخلال أيضاً ( ص : 438 ) عن الأعمش ، عن مجاهد رحمه الله قال : لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي .

    7ـ وقال الإمام أحمد في مسنده (4/93): حدثنا وكيع حدثنا أبو المعتمر عن ابن سيرين عن معاوية قال: قال رسول الله : « لا تركبوا الخز ولا النمار ».
    قال ابن سيرين: وكان معاوية لا يتهم في الحديث عن النبي .

    8- وأخرج الآجري في الشريعة ( 5/2466 - رقم 1955) : أن رجلاً بمرو قال لابن المبارك : معاوية خير أو عمر بن عبد العزيز؟ قال : فقال ابن المبارك: تراب دخل أنف معاوية رضي الله عنه مع رسول الله خير - أو أفضل - من عمر بن عبد العزيز .

    9ـ وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( 1/209 ) من طريق : رباح بن الجراح الموصلي قال : سمعت رجلاً يسأل المعافى بن عمران فقال : يا أبا مسعود، أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان ؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً وقال : لا يقاس بأصحاب رسول الله أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله عز وجل . ا. هـ .
    قلت : وقد تقدم أن عمر رضي الله عنه قد ولاه على بعض أعمال الشام بعد وفاة أخيه يزيد ، ثم ولاه عثمان على الشام كلها ، وهذا دليل على فضله عندهما .
    ويدخل في ثناء الصحابة على معاوية رواية بعض الصحابة وبعض أئمة التابعين عنه كما سيأتي في الفقرة التالية.

    ذكر ثناء علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبعض كبار أصحابه :

    قال محمد بن نصر في كتابه «تعظيم قدر الصلاة» : وقد ولي علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتالَ أهل البغي ، وروى عن النبي فيهم ما روى ، وسماهم مؤمنين ، وحكم فيهم بأحكام المؤمنين ، وكذلك عمار بن ياسر .
    حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أنا يحيي بن آدم ، ثنا مفضل بن مهلهل ، عن الشيباني ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : كنت عند علي حين فرغ من قتال أهل النهروان ، فقيل له : أمشركون هم ؟! قال : مِنَ الشرك فَرُّوْا ، فقيل : منافقون ؟ قال : المنافقون لا يذكرون الله إلاّ قليلاً ، قيل : فما هم ؟ قال : قوم بغوا علينا ، فقاتلناهم .
    حدثنا إسحاق ، أنا وكيع ، عن مسعر ، عن عامر بن شقيق ، عن أبي وائل قال : قال رجل : من دعا إلى البغلة الشهباء يوم قتل المشركين ، فقال عليّ : من الشرك فروا ، [ قال : المنافقون ؟ ] (2) قال : إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلاً ، قال : فما هم ؟! قال : قوم بغوا علينا ، فقاتلناهم ، فنصرنا عليهم .
    وحدثنا وكيع ، ثنا ابن أبي خالد ، عن حكيم بن جابر ، قال : قالوا لعلي حين قتل أهل النهروان : أمشركون هم ؟! قال : من الشرك فروا ، قيل : فمنافقون ؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً ، قيل : فما هم ؟ قال : قوم حاربونا ، فحاربناهم ، وقاتلونا ، فقاتلناهم.
    حدثنا إسحاق ، أنا أبو نعيم ، ثنا سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : سمع عليّ [ يوم ] الجمل ، أو يوم صفين رجلاً يغلو في القول ، فقال : لا تقولوا ، إنما هم قوم زعموا أنا بغينا عليهم ، وزعمنا أنهم بغوا علينا ، فقاتلناهم ، فذكر لأبي جعفر أنه أخذ منهم السلاح ، فقال : ما كان أغناه عن ذلك (3) .
    حدثنا محمد بن يحيي ، ثنا أحمد بن خالد ، ثنا محمد بن راشد ، عن مكحول أن أصحاب علي سألوه عن من قتل من أصحاب معاوية ما هم ؟ قال : هم المؤمنون.
    حدثنا محمد بن يحيي ، ثنا أحمد بن خالد ، ثنا عبد العزيز بن [ عبد الله ] بن أبي سلمة ، عن عبد الواحد بن [ أبي ] عون قال : مرَّ عليٌّ وهو متكئ على الأشتر على قتلى صفين ، فإذا حابس اليماني مقتول ، فقال الأشتر : إنا لله وإنا إليه راجعون ، حابس اليماني معهم يا أمير المؤمنين ! عليه علامة معاوية ، أما والله لقد عهدته مؤمناً ، فقال عليّ : والآن هو مؤمن ، قال : وكان حابس رجلاً من أهل اليمن ، من أهل العبادة والاجتهاد (4) .

    حدثنا محمد بن يحيي ، ثنا محمد بن عبيد ، ثنا مختار بن نافع ، عن أبي مطر ، قال : قال عليّ : متى ينبعث أشقاها ؟ قيل : من أشقاها ؟ قال : الذي يقتلني ، فضربه ابن ملجم بالسيف ، فوقع برأس عليّ ، وهَمَّ المسلمون بقتله ، قال : لا تقتلوا الرجل ، فإن برئتُ فالجروح قصاص ، وإن متُّ فاقتلوه ، فقال : إنك ميِّت ، قال : وما يدريك ؟ قال : كان سيفي مسموماً .

    حدثنا محمد بن يحيي ، ثنا محمد بن عبيد ثنا الحسن ـ وهو ابن الحكم النخعي ـ عن رياح بن الحارث قال : إنا بوادي الظبي ، وإن ركبتي لتكاد تمس ركبة عمار بن ياسر ، فأتى رجل ، فقال : كفر ـ والله ـ أهل الشام ، فقال عمار : لا تقل ذلك ، قبلتنا واحدةٌ ، ونبيّنا واحد ، ولكنهم قوم مفتونون ، فحق علينا قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق.

    حدثنا محمد بن يحيي ، ثنا قبيصة ثنا سفيان ، عن الحسن بن الحكم ، عن رياح بن الحارث ، عن عمار بن ياسر قال : ديننا واحد ، وقبلتنا واحدة ، ودعوتنا واحدة ، ولكن قوم بغوا علينا ، فقاتلناهم.

    حدثنا محمد بن يحيي ، ثنا يعلى ، ثنا مسعر ، عن عبد الله بن رياح ، عن رياح بن الحارث ، قال : قال عمار بن ياسر : لا تقولوا كفر أهل الشام ، قولوا : فسقوا ، قولوا ظلموا.

    حدثنا هارون بن عبد الله ، ثنا محمد بن عبيد ، ثنا مسعر ، عن ثابت بن أبي الهذيل ، قال : سألت أبا جعفر عن أصحاب الجمل ؟ فقال : : مؤمنون ، أو قال : ليسوا كفاراً .
    حدثنا هارون ، ثنا يعلى ، ثنا مسعر ، عن ثابت بن أبي الهذيل ، عن أبي جعفر نحوه .
    حدثنا محمد بن يحيي ، ثنا يعلى ، ثنا مسعر ، عن ثابت بن أبي الهذيل قال : سألت أبا جعفر عن أصحاب الجمل ؟ فقال : مؤمنون ، وليسوا بكفار ا.هـ .


    ـــــــــــ( الحواشي )ــــــــــ
    (1) وجاء في حديث ابن عباس المشهور الذي خرجه مسلم ( 1501 ) ذكر اتخاذ النبي له كاتبا, والكلام في هذا الحديث مشهور.
    (2) هذه الزيادة زادها محقق الكتاب من «منهاج السنة» لابن تيمية (3/60).
    (3) قلت: قال علي رضي الله عنه هذا في الخوارج, فوصف أهل الشام بالإيمان ونفي النفاق عنهم من باب أولى, كما سيأتي تصريحه رضي الله عنه بذلك .
    (4) قال محقق الكتاب : وعبد العزيز هو ابن الماجشون ، والزيادة في اسمه من التهذيب ، والزيادة الأخرى في اسم شيخه من المنهاج والتهذيب ا.هـ .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي خامساً : فقهه وروايته للحديث .

    خامساً : فقهه وروايته للحديث .

    لقد كان معاوية رضي الله عنه من أهل العلم من الصحابة، فقد وصفه حبر الأمة وترجمان القرآن : عبد الله بن عباس ، بأنه فقيه كما سبق .
    وأخرج الخلال في السنة ( ص : 438) قال : أخبرنا محمد بن حطين قال : حدثنا محمد بن زنبور قال : قال الفضيل : أوثق عملي في نفسي حب أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح وحبي أصحاب محمد عليهم السلام جميعاً .
    وكان يترحم على معاوية، ويقول : كان من العلماء من أصحاب محمد عليه السلام .
    قلت : وفضيل هو ابن عياض ، وكان من أجلة الناس في زمانه ، كان مشهوراً بالزهد والعبادة وهو من طبقة أتباع التابعين .
    ومما يدل على علمه وفقهه ما روي عنه من مسائل وفتاوى مشهورة منثورة في كتب أهل العلم، وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله، وقد ذكره ابن حزم ضمن مرتبة المتوسطين في الفتيا من الصحابة رضي الله عنهم .
    وقد كان رضي الله عنه صاحب رواية فقد كان أصحاب رسول الله يحدثون عنه .
    فقد ذكر الحافظ أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله في كتابه «معرفة الصحابة» (5/2497) الصحابة والتابعين الذين روو عنه .
    فقال رحمه الله : ( حدث عنه من الصحابة : عبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو الدرداء وجرير والنعمان وعبد الله بن عمرو بن العاص ووائل بن حجر وعبد الله بن الزبير (1) .
    ومن التابعين : سعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعروة بن الزبير ومحمد بن الحنفية وعيسى بن طلحة وحميد بن عبد الرحمن وأبو سلمه بن عبدالرحمن وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد في آخرين ا. هـ .
    وذكر ابن حزم أن له مائة وثلاثة وستين حديثا عن النبي ، كما في رسالته «أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد» (277).
    وذكر ابن الوزير اليماني في «العواصم والقواصم» أحاديث معاوية وتوسع في الكلام عليها ، وذكر خلاصة ذلك في كتابه «الروض الباسم»، وسوف يأتي بمشيئة الله ذكر كلامه .

    ومن الأدلة التي تدل على علمه ما نقل عنه من فتاوى وقيامه بواجب الدعوة إلى الله تعالى وإنكار المنكر ، ومن ذلك :

    1- ما أخرجه البخاري ( 587 ) من طريق محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة عن أبي التياح قال سمعت حمران بن أبان يحدث عن معاوية رضي الله عنه قال : إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله فما رأيناه يصليها ، ولقد نهى عنها . يعني الركعتين بعد العصر .
    2- وقال البخاري ( 5932 ) حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عام حج وهو على المنبر وهو يقول وقد تناول قصة من شعر كانت بيد حرسي : « أين علماؤكم سمعت رسول الله ينهى عن مثل هذا ويقول : إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذا نساؤهم ».
    وأخرجه مسلم في صحيحه ( 2127 ) .
    3- وأخرج أحمد ( 4/96 ) من طريق ابن جريج قال : أخبرني عمرو بن عطاء بن أبي الخوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد ابن أخت .... يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة ؟ فقال : نعم صليت معه الجمعة في المقصورة ، فلما سلم قمت في مقامي وصليت . فلما دخل أرسل إلي ، فقال : لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج فإن نبي الله أمر بذلك . لا توصل بصلاة حتى تخرج أو تتكلم .
    وأخرج مسلم ( 883 ) من طريق ابن جريج قال : أخبرني عمرو بن عطاء به .
    4- وأخرج الإمام أحمد في المسند ( 4/100 ) قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري حدثنا حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز ، قال خرج معاوية فقاموا له فقال : سمعت رسول الله يقول : « من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار » .

    وأخرجه الترمذي ( 2755 ) من طريق قبيصة عن سفيان عن حبيب به . وقال : هذا حديث حسن .
    وقال الإمام أحمد في مسنده (4/93): حدثنا إسماعيل حدثنا حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز أن معاوية دخل بيتا فيه ابن عامر وابن الزبير, فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية: اجلس, فإني سمعت رسول الله يقول : « من سره أن يمثل له العباد قياما, فليتبوأ بيتا في النار».
    ورواه في موضع آخر (4/91) عن محمد بن جعفر عن شعبة عن حبيب بنحوه.
    5- وأخرج أبو داود في سننه ( 2074 ) قال : حدثنا محمد بن يحيي بن فارس ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي عن ابن إسحاق ، حدثني عبدالرحمن بن هرمز الأعرج أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته ، وكانا جعلا صداقا فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما وقال في كتابه : ( هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ) .
    وأخرجه أحمد في المسند ( 4/94 ) من طريق إبراهيم بن سعد به.
    6_ وقال الإمام أحمد في مسنده (4/93): حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا حريز عن عبدالرحمن بن أبي عوف الجرشي عن معاوية قال: رأيت رسول الله يمص لسانه – أو قال: شفته- يعني: الحسن بن علي صلوات الله عليه , وإنه لن يعذب لسان أو شفتان مصهما رسول الله .
    7_ وقال الإمام أحمد في مسنده (4/94): حدثنا علي بن بحر حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبدالله بن العلاء عن أبي الأزهر عن معاوية أنه ذكر لهم وضوء رسول الله وأنه مسح رأسه بغرفة من ماء حتى يقطر الماء من رأسه أو كاد يقطر, وإنه أراهم وضوء رسول الله , فلما بلغ مسح رأسه, وضع كفيه على مقدم رأسه, ثم مر بهما حتى بلغ القفا, ثم ردهما حتى بلغ المكان الذي بدأ منه.
    ذكر رواية بعض أهل البيت عن معاوية رضي الله عنه:
    وروايتهم عنه دالة على فضله وصدقهم عندهم, وقد سبق أن ابن عباس رضي الله عنهما ممن روى عنه رضي الله عنه, ومن الأحاديث التي رواها عنه:
    قال عبدالله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند (4/97): حدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن ابن عباس عن معاوية قال: قصرت عن رأس رسول الله عند المروة.
    وأصل هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه (1730) من حديث طاوس عن ابن عباس عن معاوية به.
    وأيضا ممن روى عنه محمد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفية), ومن الأحاديث التي رواها عنه:
    قال الإمام أحمد (4/97): حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا عبدالله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي ابن الحنفية عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله يقول : «العمرى جائزة لأهلها».
    سادساً : جهاده رضي الله عنه .
    لقد جاهد مع النبي وحضر معه بعض المشاهد .
    قال ابن سعد في الطبقات ( 7/406 ) : وشهد مع رسول الله حنيناً والطائف . ا. هـ .
    ومن أعماله الجهادية في فترة ولايته بالشام في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما، وبعد توليه الخلافة ما يلي :
    1ـ أنه طلب من عثمان رضي الله عنه أن يأذن له أن يغزو في البحر جهة قبرس، ففتح الله على يديه قبرس (2) .
    وهذه الغزوة هي التي قال النبي فيها: « أول جيش يغزو البحر قد أوجبوا » .
    أخرج البخاري في صحيحه ( 2924 ) قال : حدثني إسحاق بن يزيد الدمشقي , حدثنا يحيى بن حمزة , أن عمير بن الأسود حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت رضي الله عنه- وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناءٍ له ومعه أم حرام- . قال عمير : فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي يقول : « أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا » قالت أم حرام : قلت يا رسول الله أنا منهم ؟ قال:«أنت منهم» .
    وقد جاء في البخاري ( 2799ـ 2800) من طريق الليث قال : حدثنا يحيى ، عن محمد بن حيان ، عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها فذكره وفيه : « أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية » ا. هـ .
    قال الحافظ ابن حجر في الفتح ( 6/90 ) : ومعاوية أول من ركب البحر من الغزاة وذلك في خلافة عثمان ا. هـ .
    وقد كان معاوية هو أمير هذا الجيش (3) .
    2 ـ وقد كان في عهده أول حصار للقسطنطينية عام 49 هـ وكان في الجيش الذي أرسله معاوية: ابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري (4).
    3 ـ وفي عام 54هـ كان الحصار الثاني للقسطنطينية بقيادة عبد الله بن قيس الحارثي التجيبي وكان بمعونته فضالة بن عبيد وقد استمر حصار المسلمين لها مدة سبع أو ست سنوات (5).
    4 ـ وأما فتوحات شمال افريقيا ، ففي عام 41هـ أمر معاوية رضي الله عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه واليه على مصر بالغزو في شمال افريقية ومناهضة البيزنطيين هناك ، فجهز عمرو بن العاص رضي الله عنه عقبة بن نافع الفهري ، فتمكن من فتح الكثير من البلاد هناك مثل لوميه ومراقبه وزناته وغيرها .
    وفي عهده رضي الله عنه أسست مدينة القيروان قاعدة الفتح الإسلامي في شمال أفريقيا .
    5 ـ وفي عهده رضي الله عنه فتحت الكثير من بلاد خراسان وسجستان مثل بست وخشك وكابل وغيرها .
    وقد ابتدأ ذلك عام 42 ـ 43 هـ عندما عين عبد الله بن عامر بن كريز – وهو عامل معاوية رضي الله عنه - عين عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب على تلك النواحي والجهاد لها .
    وقد كانت مرو قاعدة الجهاد في تلك النواحي وكان عليها الحكم بن عمرو الغفاري رضي الله عنه .
    سابعاً : إنكاره للمنكر رضي الله عنه .
    لقد كان رضي الله عنه حريصاً على إتباع الكتاب والسنة منكراً لما يخالفهما ، ويبين ذلك ما روي عنه من مواقف تجلي هذا وتوضحه ، وقد تقدم بعض ما ورد عنه في ذلك عند الحديث عن فقهه وروايته .


    ـــــــــــ( الحواشي )ــــــــــ
    (1) رواية أبي سعيد الخدري وجرير كلتاهما عند مسلم, ورواية ابن عباس عنه في الصحيحين , وروى عنه أيضا من صغار الصحابة السائب بن يزيد, وروايته عنه عند مسلم.
    (2) وينطقها الناس الآن (قبرص) بالصاد .
    (3) انظر: تاريخ ابن جرير (2/601)، وتاريخ دمشق لابن عساكر ، والبداية والنهاية (10/228) .
    (4) انظر: تاريخ الأمم والملوك لابن جرير (3/206) .
    (5) انظر: تاريخ الأمم والملوك لابن جرير (3/221 ) .



    يتبع - إن شاء اللّه - .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    115

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    بارك الله فيك،

    سبق أن رأيتُ جزءاً في فضائل معاوية، رضي الله عنه، لأبي علي الأهوازي.

    وهناك جزء في مناقب يزيد !، لغلام ثعلب..فيما أظن، فهل من أحد عنده خبر عن هذا الجزء؟

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,534

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    وهناك كتاب اسكات الكلاب العاوية بفضائل خال المؤمنين معاوية
    لأبي معاذ محمود بن إمام بن منصور
    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,534

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد العباسي مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك،
    سبق أن رأيتُ جزءاً في فضائل معاوية، رضي الله عنه، لأبي علي الأهوازي.
    وهناك جزء في مناقب يزيد !، لغلام ثعلب..فيما أظن، فهل من أحد عنده خبر عن هذا الجزء؟
    عندي كتاب قيد الشريد من أخبار يزيد
    لشمس الدين بن طولون 880هـ
    تحقيق فاطمة مصطفى
    وقد دافع عن يزيد وذكر ماله من فضائل
    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  8. #8
    ابن رجب غير متواجد حالياً عامله الله بلطفه
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    2,107

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    شكرا لك ... بارك الله فيك ...

    قل للذي لايخلص لايُتعب نفسهُ


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    بارك الله فيكم .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي ثامناً : صدقه وتثبته.

    ثامناً : صدقه وتثبته.

    ومما عرف به معاوية رضي الله عنه صدقه وعدم اتهامه فيما يرويه ويخبر به ، وهذا أمر معروف عنه رضي الله عنه .
    وأخرج الخلال في السنة ( ص: 447 ) : أن الإمام أحمد سئل عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له: رافضي ؟ فقال رحمه الله : إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء . اهـ .

    وذكر الحافظ المزي في تهذيب الكمال ( 1/45 ) : أن الحاكم أبو عبد الله قد روى بإسناد عن أبي الحسن علي بن محمد القابسي : قال سمعت أبا علي الحسن بن هلال يقول : سئل أبو عبد الرحمن النسائي عن معاوية بن أبي سفيان صاحب رسول الله فقال : إنما الإسلام كدار لها باب ؛ فباب الإسلام الصحابة ، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام كمن نقر الباب إنما يريد دخول الدار . قال : فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة .
    وقال أبو العباس ابن تيمية – كما في الفتاوى المجوعة له - : وقد علم أن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهما كان بينهم من الفتن ما كان, ولم يتهمهم أحد من أوليائهم ولا محاربيهم بالكذب على النبي , بل جميع علماء الصحابة والتابعين بعدهم متفقين على أن هؤلاء صادقون على رسول الله , مأمونون عليه في الرواية عنه, والمنافق غير مأمون على النبي , بل هو كاذب عليه, مكذب له ا.هـ.

    وقد كان رضي الله عنه يتثبت في الرواية عن النبي , ومن الأمثلة على ذلك :

    1_ قال الإمام أحمد في مسنده (4/99): حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبدالله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية يحدث وهو يقول: إياكم وأحاديث رسول الله إلا حديثا كان على عهد عمر, وإن عمر رضي الله عنه كان أخاف الناس في الله عز وجل, سمعت رسول الله يقول: « من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ».
    وأخرجه مسلم في صحيحه (1037).
    2_ وقال البخاري في صحيحه ( فتح- 13/333 ) : وقال أبو اليمان : أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب ا.هـ .

    وقال عثمان بن سعيد الدارمي في «رده على المريسي» (364) : ( وادعى المعارض أيضا أنه سمع أبا الصلت يذكر أنه كان لمعاوية بن أبي سفيان بيت يسمى ببيت الحكمة , فمن وجد حديثا ألقاه فيه , ثم رويت بعد.
    فهذه الحكاية لم نعرفها ولم نجدها في الروايات , فلا ندري عمن رواها أبو الصلت , فإنه لا يأتي به عن ثقة , فقد كان معاوية معروفا بقلة الرواية عن رسول الله , ولو شاء لأكثر إلا أنه كان يتقي ذلك , ويتقدم إلى الناس ينهاهم عن الإكثار على رسول الله , حتى إنه كان ليقول : « اتقوا من الروايات عن رسول الله إلا ما كان يذكر منها في زمن عمر , فإن عمر كان يخوف الناس في الله تعالى » .
    حدثناه ابن صالح عن معاوية بن صالح وساقه بإسناده.
    وهذا طعن كثير من المعارض أنه كان يجمع أحاديث الناس عن غير ثبت , فيجعلها عن رسول الله , ولو استحل معاوية هذا المذهب لافتعلها من قبل نفسه ونحلها رسول الله , فكان يقبل منه لما أنه عرف بصحبة رسول الله , ولم يكن ينحله قول غيره من عوام الناس !
    ويدلك قلة رواية معاوية عن النبي - وكان كاتبه – على تكذيب ما رويتَ عن أبي الصلت, فإن كنت صادقا فاكشف عن إسناده, فإنك لا تسنده عن ثقة ) ا.هـ .
    وقد ذكر العلامة ابن الوزير أحاديث معاوية رضي الله عنه وبين أنه لم ينفرد بها فقال في «العواصم والقواصم» (3/163) : ( وبعد هذه القواعد أذكر لك ما يصدقها من بيان أحاديث معاوية رضي الله عنه في الكتب الستة لتعرف ثلاثة أشياء : عدم انفراده فيما روى ، وقلة ذلك ، وعدم نكارته .
    ثم ذكر أحاديث معاوية رضي الله عنه ، وبين من تابع معاوية من الصحابة على روايتها ، ثم قال (3/207 ) : ( فهذا جميع ما لمعاوية في الكتب الستة ومُسند أحمد حسب معرفتي وجملتها ستون حديثاً ما صح عنه وما لم يصح ، المتفق على صحته عنه أربعة ... ) إلى أن قال : ( وهو مُقلٌّ جدا بالنظر إلى طول مُدّته ، وكثرة مُخالطته ، وليس فيما يصحُّ عنه بوفاق شيء يوجب الريبة والتهمة ، ولا فيما رواه غيره من أصحابه فبان أن الأمر قريب ، من قبل حديثهم ، فلم يقبل منه حديثا منكراً ...) إلى آخر ما قال رحمه الله .
    وقال رحمه الله في «الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم (2/523 ـ 543) : « الطائفة الثالثة : معاوية والمغيرة وعمرو بن العاص ، ومن تقدم ذكره في الأوهام ، فإن كثيراً من الشيعة ذكروا أنها ظهرت على هؤلاء الثلاثة قرائن تدلّ على التأويل ، وقدحوا بتصحيح حديثهم في حديث الكتب الصّحاح كالبخاري ومسلم .
    وأما أهل الحديث فمذهبهم أنهم من أهل التأويل والاجتهاد والصدق ، لكونهم أظهروا التأويل فيما يحتمله ، وعلم البواطن محجوب عن الجميع ، وبين الفريقين في هذا ما لا يتسع له هذا « المختصر » ، والقصد : مجرد تصحيح الحديث الصحيح ، والذب عنه لا غيره فيما بين أهل المذهبين ، وقد اجتهدت في هذا الكتاب في نصرة الحديث الصحيح بالطرق التي يتفق الفريقان على صحتها أو يتفقون على قواعد تستلزم صحتها ، كما يعرف ذلك من تأمل هذا الكتاب كله ، وفي هذا الموضع لم أجد طريقاً قريبة مجمعاً عليها إلا طريقاً واحدة ، وهي : بيان صدق هؤلاء المذكورين في روايتهم بشهادة من لم تجرحه الشيعة من الصحابة لهم بصحة الرواية في كل حديث على التعيين ، خاصة في أحاديث الأحكام المعتمدة في معرفة الحلال والحرام .
    فأما أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص ونحوهم ممن لم يصح عنه حرب لعلي ـ رضي الله عنه ـ ولا سب ؛ فقد تقدم الجواب عما ذكر المعترض فيهم .
    وأما هؤلاء الثلاثة المذكورون فهم الذين أذكر هنا ما يدل على صحة حديثهم ، وأقتصر على ما يتعلق بالأحكام من ذلك اختصاراً ، وذلك يتم بذكر ما لهم من الأحاديث المتعلقة بالأحكام وما لأحاديثهم من الشواهد المروية عن النبي ، ونشير إلى ذلك على أقل ما يكون من الاختصار المفيد ـ إن شاء الله تعالى ـ فنقول :
    المروي في الكتب الستة من طريق معاوية في الأحكام ثلاثون حديثاً .
    الأول : حديث تحريم الوصل في شعور النساء ، رواه عنه البخاري ومسلم وغيرهما ، ويشهد لصحته رواية أسماء لذلك وعائشة وجابر .
    أما حديث أسماء فخرجه البخاري ومسلم والنسائي .
    وأما حديث عائشة فخرجه البخاري ومسلم والنسائي أيضاً .
    وأما حديث جابر فخرجه مسلم .
    الثاني : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق » أخرجه عنه البخاري ومسلم .
    وقد رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص .
    ورواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان .
    ورواه الترمذي عن معاوية بن قرة .
    ورواه أبو داود عن عمران بن حصين .
    الثالث : حديث النهي عن الركعتين بعد العصر ، رواه البخاري عنه .
    وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أم المؤمنين أم سلمه .
    وروى مسلم عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يضرب من يفعل ذلك ، ولم ينكر ذلك من فعله فجرى مجرى الإجماع ، وهو قول طوائف من أهل العلم .
    الرابع : حديث النهي عن الإلحاف في المسألة رواه عنه مسلم .
    ورواه البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمر .
    وأبو داود والترمذي والنسائي عن سمرة بن جندب .
    والنسائي عن عائد بن عمرو .
    والبخاري عن الزبير بن العوام .
    والبخاري ومسلم ومالك في « الموطأ » والترمذي والنسائي عن أبي هريرة .
    وأبو داود والنسائي عن ثوبان .
    ومالك « في الموطأ » عن عبد الله بن أبي بكر .
    والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن حكيم بن حزام .
    وأبو داود والنسائي عن ابن الفراسي عن أبيه .
    الخامس: « إن هذا الأمر لا يزال في قريش » رواه عنه البخاري .
    ورواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر .
    وروى مسلم نحوه عن جابر بن عبد الله .
    ورواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة .
    السادس: حديث جلد شارب الخمر وقتله في الرابعة ، رواه عنه أبو داود والترمذي .
    وأما جلده فمعلوم من الدين ضرورة ، والأحاديث فيه كثيرة مأثورة ، وأما قتله في الرابعة فرواه الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة .
    ورواه أبو داود عن قبيصة بن ذؤيب ، وعن نفر من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ .
    ورواه الإمام الهادي يحيي بن الحسين في « كتاب الأحكام » ولكن هذا الحكم منسوخ عند كثير من أهل العلم .
    السابع: حديث « النهي عن لباس الحرير والذهب ، وجلود السّباع » رواه عنه أبو داود والنسائي ، والترمذي بعضه بغير لفظه ، فأما شواهد تحريم لباس الحرير والذهب فأشهر من أن تذكر .
    وأما جلود السباع ؛ فله عليه شاهد عن أبي المليح خرجه الترمذي وأبو داود والنسائي .
    الثامن: حديث افتراق الأمة إلى نيّف وسبعين فرقة ، رواه عنه أبو داود .
    وروى الترمذي مثله عن ابن عمرو .
    وروى الترمذي وأبو داود مثله عن أبي هريرة .
    التاسع: النهي عن سبق الإمام بالركوع والسجود ، رواه عنه أبو داود وابن ماجه .
    وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ، ومالك في الموطأ عنه ـ أيضاً ـ .
    ومسلم والنسائي عن أنس .
    العاشر: النهي عن الشِّغار ، رواه عنه أبو داود .
    وقد رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ، وهو مشهور عن غير واحد من الصحابة ، ومجمع على القول بمقتضاه .
    الحادي عشر: أنه توضأ كوضوء رسول الله رواه أبو داود ، وليس فيه ما يحتاج إلى شاهد إلا زيادة صبّ الماء على الناصية والوجه .
    وقد رواه أبو داود عن علي ـ رضي الله عنه ـ .
    الثاني عشر: النهي عن النّوح ، رواه عن ابن ماجه ، وهو أشهر من أن يحتاج إلى ذكر شواهده .
    الثالث عشر: النهي عن الرّضا بالقيام ، رواه عنه الترمذي وأبو داود ، وله شواهد : في الترمذي عن أنس ، وفي سنن أبي داود عن أبي أمامة .
    وفي كتاب الترخيص في القيام للنووي عنهما ، وعن أبي بكرة ، وصحح حديث أنس .
    الرابع عشر: النهي عن التمادح ، رواه عنه ابن ماجه .
    وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي بكرة .
    والبخاري ومسلم عن أبي موسى .
    ومسلم والترمذي وأبو داود عن عبد الله بن سخبرة عن المقداد بن الأسود.
    والترمذي عن أبي هريرة .
    الخامس عشر: تحريم كل مسكر ، رواه عنه ابن ماجه ، ورواه الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عمر ، ومسلم والنسائي عن جابر وأبو داود عن ابن عباس ، والنسائي عنه أيضاً .
    السادس عشر: حكم من سها في الصلاة ، رواه عنه النسائي وله شاهد في سنن أبي داود عن ثوبان .
    السابع عشر: النهي عن القران بين الحج والعمرة ، رواه عنه أبو داود ، وله شاهد عن ابن عمر رواه مالك في الموطأ مرفوعاً ، وعن عمر وعثمان رواه مسلم موقوفاً عليهما .
    الثامن عشر: أنه قصر للنبي بمشقص بعد عمرته ، وبعد حجّه ، رواه عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ، وله شواهد عن علي خرجه مسلم ، وعن عثمان ـ رضي الله عنه ـ في مسلم أيضاً وعن سعد بن أبي وقاص رواه مالك في الموطأ والنسائي والترمذي وصححه ، رواه النسائي عن ابن عباس عن عمر ، والترمذي عن ابن عمر ، والبخاري ومسلم عن عمران بن الحصين .
    وروى الترمذي والنسائي : أن معاوية لما روى هذا الحديث ، قال ابن عباس : هذه على معاوية ؛ لأنه ينهى عن المتعة .
    التاسع عشر: ما روى عن أخته أم المؤمنين أم حبيبة ـ رضي الله عنه ـ « أن رسول الله كان يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه ، ما لم ير فيه أذى » رواه أبو داود والنسائي ، ويشهد لمعناه أحاديث كثيرة ، منها : أن رسول الله : « كان يصلي في نعليه ما لم ير بهما أذى » رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن يزيد ورواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري .
    ويشهد لذلك حديث : « فلا ينصرفنّ حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً » وهو متفق على صحته ، إلى أشباه لذلك كثيرة تدل على جواز الاحتجاج بالاستصحاب للحكم المتقدّم ، وعلى ذلك عمل العلماء في فطر يوم الشك من آخر شعبان ، وصوم يوم الشك من آخر رمضان .
    الموفي عشرين حديثاً: « نهى من أكل الثوم أو البصل عن دخول مسجد رسول الله » وهو من روايته عن أبيه ، وله شواهد كثيرة ، فرواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ عن جابر بن عبد الله ، والبخاري ومسلم عن أنس ، ومسلم ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ، وأبو داود عن حذيفة والمغيرة ، والبخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عمر ، والنسائي عن عمر ، ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد .
    وأما النهي عن هاتين الشجرتين مطلقاً من غير تقييده بدخول المسجد ، فرواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ، وأبو داود والترمذي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ .
    الحادي والعشرون: حديث : « هذا يوم عاشوراء لم يكتب عليكم » رواه عنه البخاري ومسلم ومالك والنسائي .
    وقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ما يشهد لصحة معناه ، وهو قوله في الحديث المشار إليه ، بعد سؤاله عن سبب صوم اليهود له : « فأنا أحق بموسى » وقوله : « فنحن نصومه تعظيماً له » .
    الثاني والعشرون: حديث : « لا تنقطع الهجرة » رواه عنه أبو داود ، ولم يصح عنه ، قال الخطابي : في إسناده مقال ، وله شاهد رواه النسائي عن عبد الله بن السّعدي .
    الثالث والعشرون: حديث النهي عن لباس الذهب إلا مقطعاً رواه عنه أبو داود ، وله شاهد عن جمع من أصحاب رسول الله رواه النسائي .
    الرابع والعشرون: النهي عن المغلوطات ، قال الخطّابي : الأغلوطات .
    ولم يصح عنه ، في إسناده مجهول ، مع أنّ أبا السّعادات ابن الأثير ، روى في جامع الأصول له شاهداً عن أبي هريرة ، وفي البخاري عن أنس : « نهينا عن التكلف » ، وهذا يشهد لمعناه .
    الخامس والعشرون: حديث الفصل بين الجمعة والنافلة بعدها بالكلام أو الخروج ، رواه عنه مسلم ، وله شاهد في البخاري ومسلم عن ابن عمر من فعل رسول الله ، وروى أبو داود عن أبي مسعود الزرقي نحو ذلك في حق الإمام .
    [السادس والعشرون ساقط من الأصل يراجع في الكتاب]
    السابع والعشرون: حديث : « كل ذنب عسى الله أن يغفره ، إلا الشرك بالله وقتل المؤمن » , رواه عنه النسائي ، وله شاهد عن أبي الدرداء رواه أبو داود ، وله شاهد في كتاب الله تعالى.
    الثامن والعشرون: رواه عنه أبو داود حديث : « اشفعوا تؤجروا » وهو حديث معروف ، رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى ، وفي القرآن ما يشهد لمعناه ، وهو مجمع على مقتضاه .
    التاسع والعشرون: كراهة تتبع عورات الناس ، رواه عنه أبو داود ، وله شواهد ، في الترمذي عن ابن عمر وحسنه ، وفي سنن أبي داود عن أبي برزة الأسلمي ، وعقبة بن عامر ، وزيد بن وهب ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة .
    الموفي ثلاثين حديثاً: حديث : « من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين » رواه عنه البخاري ، وله شاهدان عن ابن عباس وأبي هريرة ذكرهما الترمذي في الجامع وصحح حديث ابن عباس .
    فهذه عامة أحاديث معاوية التي هي صريحة في الأحكام أو يستنبط منها حكم ، وهي موافقة لمذهب الشيعة والفقهاء ، وليس فيها ما لم يذهب إليه جماهير العلماء ، إلا قتل شارب الخمر في الرابعة لأجل النسخ ، وقد رواه إمام الزيدية كما قدمنا ، وقد وافقه ثقات الصحابة فيما روى .
    فأعجب لمن يشنع على أهل الصحاح برواية هذه الأحاديث ، وإدخالها في الصحيح !!.
    وله غير هذه أحاديث يسيرة شهيرة تركنا إيرادها وإيراد شواهدها اختصاراً ، ونشير إليها إشارة لطيفة ليعرف ما هي ، وذلك حديثه في فضل المؤذنين ، وفضل إجابة المؤذن ، وفضل حلق الذكر ، وليلة القدر ليلة سبع وعشرين ، وفضل حب الأنصار وفضل طلحة ، وتاريخ وفاة رسول الله وهو ابن ثلاث وستين سنة .
    وحديث : « اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت » وقد رواه مسلم عن علي رضي الله تعالى عنه .
    وحديث : « الخير عادة والشر لجاجة » ، و « لم يبق في الدنيا إلا بلاء وفتنة » ، « إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه » .
    وفيمن نزل : ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِـزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ [سورة التوبة الآية 34 ] .
    وأثران موقوفان عليه ؛ في ذكر كعب الأحبار ، وفي تقبيل الأركان كلها .
    فهذا جملة ماله في جميع دواوين الإسلام الستة ، لا يشذ عني من ذلك شيء ، إلا ما لا يعصم عنه البشر من السهو ، وليس في حديثه ما ينكر قط ، على أن فيها ما لم يصح عنه أو ما في صحته عنه خلاف ، وجملة ما اتفق على صحته عنه منها كلها في الفضائل والأحكام : ثلاثة عشر حديثاً ؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة ، وهذا دليل صدق أهل ذلك العصر ، وعدم انحطاطهم إلى مرتبة الكذابين خذلهم الله تعالى ، ولو لم يدل على ذلك إلا أن معاوية لم يرو شيئاً قط في ذم علي ـ رضي الله عنه ـ ، ولا في استحلال حربه .
    ولا في فضائل عثمان ، ولا ذم القائمين عليه ، مع تصديق جنده له ، وحاجته إلى تنشيطهم بذلك فلم يكن منه في ذلك شيء على طول المدة ، لا في حياة علي ولا بعد وفاته ، ولا تفرد برواية ما يخالف الإسلام ويهدم القواعد ، ولهذا روى عن معاوية غير واحد من أعيان الصحابة والتابعين ؛ كعبد الله بن عباس ، وأبي سعيد الخدري ، وعبد الله بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وأبي صالح السمان ، وأبي إدريس الخولاني ، وأبي سلمه بن عبد الرحمن ، وعروة بن الزبير ، وسالم بن عبد الله ، ومحمد بن سيرين ، وخلق كثير .
    وروى عن هؤلاء عنه أمثالهم ، وإنما ذكرت هذا ليعرف أن المحدثين لم يختصوا برواية حديثه ، فإن من المعلوم أنهم لا يقبلون من الحديث إلا ما اتصل إسناده برواية الثقات ، فلولا رواية ثقات كل عصر لحديثه عن أمثالهم لم يصح للمحدثين أنه حديثه ، ولو لم يصح لهم أنه حديثه لم يرووه عنه في الكتب الصحيحة ، وإنما ذكرت هذا على سبيل الاستئناس ، والعمدة في الحجة ما قدمته ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
    وقد قبلت الشيعة المعتزلة ما هو أعظم من قبوله على أصولهم وهو مرسل الثقة ، فإنه مقبول عندهم على الإطلاق ، فقبلوا بذلك أحاديث معاوية وهم لا يشعرون ! بل فقبلوا موضوعات كثيرة رواها بعض ثقاتهم بسلامة صدر عن بعض من لم يعرف من المجاهيل ، أو طبقات المجروحين .
    ومن قبل مرسل الثقة على الإطلاق دخل ذلك عليه من حيث لا يدري، فإن من الثقات من يقبل المجاهيل ، وفيهم من يقبل كفار التأويل ، وفيهم من هو كافر تأويل عند جمهور المعتزلة والشيعة ، وفيهم من يقبل الفاسق المصرح إذا عرف بالصدق والأنفة من الكذب ، ولقد روي هذا عن الإمام الأعظم أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ كما قدمنا ذكر ذلك .
    وقبول المرسل على هذه الصفة ، أعظم مفسدة وأدخل في قبول الأكاذيب على رسول الله ، فينبغي للعاقل أن ينظر في عيب القريب وعيب الصديق ، كما ينظر في عيب الخصم والبعيد ، نسأل الله التوفيق لذلك آمين آمين » .


    يتبع - إن شاء اللّه - .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    131

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    بارك الله فيكم
    وهذه المقدمة طبعت مع مقدمة أخرى في كتاب مستقل للشيخ وفقه الله .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    69

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    يظهر أن الصواب في العنوان: "سل السنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان"، وجزاكم الله خيرا.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    126

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    نسأل الله أن ييسر إخراج مقدمات الشيخ المتناثرة في كتاب واحد كما وعدنا بذلك طلبته منذ أمد بعيد !

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محب سيبويه مشاهدة المشاركة
    يظهر أن الصواب في العنوان: "سل السنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان"، وجزاكم الله خيرا.
    نعم وقد كتبته هكذا :

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلمان أبو زيد مشاهدة المشاركة
    [CENTER]
    « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه بن عبد الرّحمن السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - ) »
    وجزاكم اللّه خيرًا .

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ممعن النظر مشاهدة المشاركة
    نسأل الله أن ييسر إخراج مقدمات الشيخ المتناثرة في كتاب واحد .
    آمين.

    حفظكم اللّه وبارك فيكم.

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عمر القصيمي مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيكم
    وهذه المقدمة طبعت مع مقدمة أخرى في كتاب مستقل للشيخ وفقه الله .
    متى ؟

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    131

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلمان أبو زيد مشاهدة المشاركة
    متى ؟
    بارك الله فيك أخي سلمان على جهودك القيمة في هذا الموقع ، وبالنسبة لإجابة استفسارك فقد طُبع هذه السنة صفر 1428هـ بعنوان ( فتح الواحد العلي في الدفاع عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ) دار المحدث ، والكتاب يقع في 190 صفحة ، وهو قسمان : القسم الأول فيه الكلام عن فضل الصحابة والرد على الشبهات وهو مقدمة الشيخ لكتاب الإبانة للحميدي ، والقسم الثاني في الدفاع عن معاوية ورد الشبهات التي أثيرت حوله ، وهو هذه المقدمة التي وضعتها وفقك الله .

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    ما شاء اللّه !

    جزاكم اللّهُ خيرًا ،وبارك فيكم أخانا الغالي أبا عُمر .

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    « فصل
    في ذكر بعض الحكايات والأخبار »



    هذه بعض الحكايات والأخبار المنتقاة جاءت عن معاوية رضي الله عنه, وقد ذكرتها لأنه في الغالب عندما يذكر معاوية يقتصر على ذكر ما حصل في زمنه من الفتن وتغفل الجوانب الأخرى في سيرته رضي الله عنه (1) .
    1_ قال أبو عيسى الترمذي في جامعه (2414) : حدثنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن عبد الوهاب بن الورد عن رجل من أهل المدينة قال: كتب معاوية إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن اكتبي إلي كتابا توصيني فيه، ولا تكثري علي. فكتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية: سلام عليك، أما بعد، فإني سمعت رسول الله يقول: « من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس »، والسلام علي .

    حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية ...فذكر الحديث بمعناه، ولم يرفعه ا.هـ .

    قلت : والراجح فيه الوقف.

    2_ وقال معمر في جامعه – المطبوع مع مصنف عبدالرزاق(20717) - : عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن قال: حدثني المسور بن مخرمة أنه وفد على معاوية، قال: فلما دخلت عليه - حسبت أنه قال: سلمت عليه - ثم قال: ما فعل طعنك على الأئمة يا مسور؟ قال: قلت: ارفضنا من هذا، أو أحسن فيما قدمنا له. قال: لتكلمن بذات نفسك. قال: فلم أدع شيئا أعيبه به إلا أخبرته به. قال: لا أبرأ من الذنوب، فهل لك ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟! قال: قلت: نعم. قال: فما يجعلك أحق بأن ترجو المغفرة مني؟! فوالله لما ألي من الإصلاح بين الناس, وإقامة الحدود, والجهاد في سبيل الله, والأمور العظام التي تحصيها, أكثر مما تلي، وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات، ويعفو فيه عن السيئات، والله مع ذلك ما كنت لأخير بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه. قال: ففكرت حين قال لي ما قال، فوجدته قد خصمني! فكان إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير

    3_ وروى ابن عساكر في تاريخه (62/384) من طريق أبي زرعة عن يحيى بن معين عن غندر عن شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه أن رسول الله أقطعه أرضا، قال: فأرسل معي معاوية، فقال: أعطها إياه. أو قال: اعلمها إياه . قال: فقال لي معاوية: أردفني خلفك. فقلت: لا تكون من أرداف الملوك. قال: فأعطني نعلك. قلت: انتعل ظل الناقة. قال: فلما استخلف معاوية أتيته، فأقعدني معه على السرير، وذكرني الحديث. قال سماك: قال: فوددت أني كنت حملته بين يدي.

    4_ وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (5/190) (2) : ( وقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله قال: { وآتيناه من كل شيء سببا }.
    وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب. يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير، وفساد عريض، وتأويل كعب قول الله : ﴿ وآتيناه من كل شيء سببا ﴾، واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السماوات، وقد قال الله في حق بلقيس : ﴿وأوتيت من كل شيء ﴾ أي: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب، - أي: الطرق والوسائل - إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي، وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببا، والله أعلم ) ا.هـ

    5_ وقال البخاري في الأدب المفرد (564) : حدثنا فروة بن أبى المغراء قال: حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كنت جالسا عند معاوية، فحدث نفسه ثم انتبه، فقال: لا حلم إلا بتجربة. يعيدها ثلاثا.
    وقد كان معاوية رضي الله عنه مضرب مثل في الحلم حتى أن ابن أبي دنيا ألف مصنفا في حلم معاوية، وكذا ابن أبي عاصم.
    6_ وقال أبو بكر الدينوري في كتاب «المجالسة وجواهر العلم» (2140) : حدثنا أحمد حدثنا محمد بن موسى حدثنا محمد بن الحارث عن المدائني قال: نظر معاوية إلى ابنه وهو يضرب غلاما له, فقال له: أتفسد أدبك بأدبه؟! فلم ير ضاربا غلاما له بعد ذلك.

    7_ وقال أبو بكر الدينوري في كتاب «المجالسة وجواهر العلم» (801) : حدثنا محمد بن موسى البصري حدثنا أبو زيد عن أبي سفيان بن العلاء أخي عمرو بن العلاء قال: قال معاوية: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أو وزن من حلمي .
    وأخرجه ابن أبي الدنيا في الحلم (32) وفي «الإشراف في منازل الأشراف» (337) عن عمر بن عبدالملك البصري قال: سمعت العلاء قال: قال معاوية: ما يسرني بذل الكرم حمر النعم .
    وأخرجه البلاذري في أنساب الأشراف (5/32) عن المدائني قال: قال معاوية ... وذكره .

    8_ وقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (1/231) : حدثني يحيى بن صالح قال حدثنا سعيد بن عبدالعزيز عن أبي يوسف الحاجب قال : قدم أبو موسى الأشعري , فنزل بعض الدور بدمشق فكان معاوية يخرج ليلاً يستمع قراءته .

    9_ وقال أبو زرعة أيضا في تايخه (1/223) : حدثنا أبو مسهر قال حدثنا سعيد : أن فضالة بن عبيد توفي في خلافة معاوية . قال : فحمل معاوية سريره , وقال لابنه عبدالله : أعقبني أي بني , فإنك لن تحمل بعده مثله .

    10 _ وقال أبو زرعة أيضا في تاريخ (1/593) : وحدثني أحمد بن شبويه قال حدثنا سليمان بن صالح قال حدثني عبدالله ابن المبارك عن جرير بن حازم عن عبدالملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال : قدمت على معاوية فرفعت إليه حوائجي فقضاها , قلت : لم تترك لي حاجة إلا قضيتها , إلا واحدة فأصْدِرها مصدرها . قال : وما هي ؟ قلت : من ترى لهذا الأمر بعدك ؟ قال : وفيم أنت من ذاك ؟ قلت : ولم يا أمير المؤمنين؟ والله إني لقريب القرابة , وادُّ الصدر عظيم الشرف قال: فوالي بين أربعة من بني عبد مناف ثم قال : أما كرمة قريش : فسعيد بن العاص , وأما فتاها ,حياءً وحلماً وسخاءً فابن عامر , وأما الحسن بن علي فسيد كريم وأما القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله الشديد في حدود الله مروان بن الحكم وأما عبدالله بن عمر فرجل نفسه , وأما الذي يرد ورود كذا , ويروغ رواغ الثعلب فعبدالله بن الزبير .

    11_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (1/303) : حدثني أبو يوسف حدثني عبيد اله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن عثمان عن إياس بن أبي رملة الشامي قال : سمعت معاوية سأل زيد بن أرقم : أشهدت مع رسول عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال : نعم .[قال ] : فكيف صنع ؟ قال : صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال : من شاء أن يصلي فليصل .

    12_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (1/338-339) : حدثنا أبو يوسف حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد حدثنا أبي حدثنا ابن جابر حدثني ربيعة بن يزيد قال : قدم أبو كبشة السلولي دمشق في ولاية عبدالملك فقال له عبدالله بن عامر : ما أقدمك ؟ لعلك قدمت تسأل أمير المؤمنين شيئاً ؟ قال: و أن أسأل أحداً شيئاً بعد الذي حدثني سهل بن الحنظلية . قال عبد الله بن عامر : وما الذي حدثك ؟ قال : سمعته يقول : قدم على رسول الله عيينة بن بدر والأقرع بن حابس فسألاه , فدعا معاوية فأمره بشيء لا أدري ما هو , فانطلق معاوية فجاء بصحيفتين ,فألقى إلى عيينة بن بدر أحدهما –وكان أحلم الرجلين – فربطها في يد عمامته وألقى الأخرى إلى الأقرع بن حابس فقال لمعاوية : ما فيها ؟ فقال : فيها الذي أمر به قال : بئس وافد قومي إن أنا أتبتهم بصحيفة أحملها لا أعلم ما فيها كصحيفة المتلمس , قال :ورسول الله مقبل على رجل يحدثه فما سمع مقالته أخذ الصحيفة فقضها فإذا فيها الذي أمر به فألقاها , ثم قام وتبعه حتى مر بباب المسجد فإذا بعير مناخ فقال : أين صاحب البعير ؟ فابتعني فلم يوجد فقال : اتقوا الله في هذه البهائم واركبوها صحاحاً وكلوها صحاحاً ثم تبعته حتى دخل منزله فقال كالمتسخط آنفاً : إنه من يسأل الناس عن ظهر الغنى فإنما يستكثر من جمر جهنم . فقلت : يا رسول الله وما ظهر الغنى ؟ قال : أن تعلم أن عند أهلك ما يغديهم أ, يعشيهم .قال : فأنا أسأل أحداً شيئاً بعد هذا ؟

    13_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (1/367-368) : حدثنا أبو اليمان أخبرني شعيب ، وحدثنا الحجاج أخبرني جدي عن المزهري عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان وهو بالمدينة يقول في خطبته : سمعت رسول الله يقول هذا اليوم : هذا اليوم عاشوراء ولم يكتب الله صيامه عليكم وأنا صائم , فمن أحب أن يصوم فليصم ومن أحب ا، يفطر فليفطر .

    14_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (1/413) : حدثني أبو سعيد عبدالرحمن وسليمان بن عبدالرحمن قالا : ثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبدالرحمن بن نمر عن المزهري أخبرني خالد بن عبدالله بن رباح السلمي أنه صلى مع معاوية يوم طعن بايلياء ركعة وطعن معاوية حين قضاها فمازاد أن يرفع رأسه من سجوده فقال معاوية للناس : أتموا صلاتكم .فقام كل امرئ فأتم صلاته , لم يقدم أحداً ولم يقدمه الناس .

    15_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (1/458) : حدثنا أبو بكر قال حدثنا سفيان قال حدثني طلحة بن يحيى قال حدثتني جدتي سُعدى بنت عوف المُرية قالت : دخلت على طلحة بن عبيد الله يوماً وهو حائر فقلت له : مالي أراك حائراً أرابك شيء من أهلك فنعتبك ؟ فقال : ما رابن يمنك ريب ولنعم حليلة المرء المسلم أنت , إلا أنه اجتمع في بيت المال مال كثير غمني .قالت : فقلت : وما يمنعك منه .أرسل إلى قومك واقسمه بينهم . قالت : فأرسل إلى قومه فقسمه بينهم . قال سعدى : فسألت الخازن : كم كان ؟ قال : أربع مائة ألف . ثم رجع إلى حديث «قبيصة بن جابر قال: وصحبت معاوية بن أبي سفيان فما رأيت رجلاً أنصع –أو قال : أبين – طرفا ًولا أحلم جليساً منه , وصحبت زياداً فما رأيت رجلاً أخصب رفيقاً ولا أكرم جليساً ولا أشبه سريرة بعلانية منه .وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلى بمكر لخرج من أبوابها كلها » .

    16_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (2/380-381) : حدثنا أبو اليمان قال حدثنا صفوان عن سليم بن عامر الخبائري : أن السماء قحطت فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون , فلما قعد معاوية على المنبر قال : أين يزيد بن الأسود الجرشي ؟ فناداه الناس ,فأقبل يتخطى الناس فأمر معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه , فقال معاوية : اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي . يايزيد ارفع يديك إلى الله , فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم , فما كان أو شك أن فارت سحابة في الغرب كأنها ترس وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس ألا يبلغوا منازلهم .

    17_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (2/410): وحدثنا سعيد بن أسد حدثنا خمرة عن علي بن أبي حملة قال : أصاب الناس قحط بدمشق وعلى الناس الضحاكين قيس الفهري فخرج بالناس يستسقي فقال : أين يزيد بن الأسود الجرشي ؟ فلم يجبه أحد ثم قال : أين يزيد بن الأسود الجرشي ؟فم يجبه أحد ثم قال : أين يزيد بن الأسود الجرشي ؟ عزمت عليه إن كان يسمع كلامي إلا قام . فقام عليه برنس واستقبل الناس بوجهه ورفع جانبي برنسه على عاتقيه , ثم رفع يديه ثم قال :أي رب إن عبادك قد تقربوا بي إليك فاسقهم . قال : فانصر الناس وهم يخوضون الماء .فقال : اللهم إنه قد شهرني فأرحني منه .قال : فما أتت عليه إلا جمعة حتى قتل الضحاك .
    وبه قال : حدثنا سعيد أن معاوية قضى عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار .

    18_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (2/479) : حدثني العباس قال أخبرني أبي قال : سمعت الأوزاعي قال : كان معاوية بن أبي سفيان أول ما اعتذر إلى الناس في الجلوس في الخطبة الأولى في الجمعة , ولم يضع ذلك إلا لكبر سنه وضعفه..

    19_ وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه (3/373) : أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أبنا عبدالله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا سليمان ثنا عمر بن علي بن مقدم عن هشام بن عروة عن أبيه قال: دخلت على معاوية فقال لي : ما فعل المسلول ؟ قال قلت : هو عندي فقال :أنا والله خططته بيدي أَقْطَعَ أبو بكر الزبير ـ رضي الله عنه ـ أرضاً فكنت أكتبها قال :فجاء عمر فأخذ أبو بكر يعني الكتاب فأدخله في ثني الفراش فدخل عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال : كأنكم على حاجة ؟ فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : نعم فخرج فأخرج أبو بكر الكتاب فأتممته .

    20 _ قال أبو داود في سننه (2753) : حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن أبي الفيض عن سليم بن عامر – رجل من حمير – قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد, وكان يسير نحو بلادهم, حتى إذا انقضى العهد غزاهم, فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر, الله أكبر, وفاء لا غدر, فنظروا فإذا عمرو بن عبسة, فأرسل إليه معاوية فسأله, فقال: سمعت رسول الله يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها, أو ينبذ إليهم على سواء». فرجع معاوية.
    ورواه أحمد (4/111) والترمذي (1580) وقال: حديث حسن صحيح ا.هـ.

    ولكن قال أبو حاتم – كما في «المراسيل» لابنه (310): سليم بن عامر لم يدرك عمرو بن عبسة .

    21_ وقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (1/199) : حدثني عبدالرحمن بن إبراهيم عن الوليد بن مسلم عن خالد بن يزيد عن أبيه : أن أبا الدرداء كان يلي القضا ء بدمشق , فلما حضرته الوفاة قال له معاوية : من ترى لهذا الأمر ؟ قال : فضالة بن عبيد , فما مات أرسل معاوية إلى فضالة فولاه القضاء فقال له : أما أني لم أحبك بها , ولكني أستترت بك من النار , فاستتر .


    ـــــــــــ( الحواشي )ــــــــــ
    (1) بعض هذه الأخبار لا تثبت من جهة الإسناد, ولكن من المعلوم أن مثل هذه الأخبار يتساهل فيها.
    (2) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (5/450) إلى تفسير ابن أبي حاتم.

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,788

    افتراضي رد: « مقدِّمة شيخنا المُحدِّث عبد اللّه السَّعد للكتاب ( سل السنان في الذب عن معاوية

    « فصل
    في ذكر الحديث الصحيح : « تقتل عمَّار الفئة الباغية »
    والجمع بينه وبين النصوص الأخرى »


    قال البخاري في صحيحه ( ج3/ص : 103 ) رقم ( 2657) : حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عبد الوهاب حدثنا خالد عن عكرمة أن ابن عباس قال له ولعلي بن عبد الله : ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه ، فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يستقيانه فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس ، فقال : كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة ، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين ، فمر به النبي ، ومسح عن رأسه الغبار ، وقال : «ويح عمار تقتله الفئة الباغية ! عمار يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النار !».

    وأخرجه مسلم (2915) من طريق أبي مسلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : أخبرني من هو خير مني أن رسول الله قال لعمَّار ، وجعل يمسح رأسه ويقول : « بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية » .

    وروى مسلم ( 2916 ) قال : حدثني محمد بن عمرو بن جبلة حدثنا محمد بن جعفر ( ح ) وحدثنا عقبة بن مكرم العمي وأبو بكر بن نافع قال عقبة : حدثنا ، وقال أبو بكر : أخبرنا غندر حدثنا شعبة قال : سمعت خالداً يحدِّث عن سعيد بن أبي الحسن عن أمِّه عن أمِّ سلمة أن رسول الله قال لعمار : « تقتلك الفئة الباغية » .

    قلت : هذا الحديث حديث صحيح , بل هو متواتر كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم (1) ، ومعنى هذا الخبر واضح لا يحتاج إلى شرح , وهو أن عليا رضي الله عنه هو الذي كان أقرب إلى الحق, وأن عمارا رضي الله عنه تقتله الفئة الباغية, كما هو نص الحديث, وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوته, وقد وقع هذا الأمر كما أخبر عنه كما هو معلوم, ولكن لا بد من ضم هذا النص إلى النصوص الأخرى في هذا الباب التي تبين صحة إسلام معاوية وصحبته وفضله رضي الله عنه ، وقد تقدم ذكر بعضها.
    وقد قال الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9] .
    وأخرج البخاري (2924) من طريق خالد بن معدان أن عمير بن الأسود حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت رضي الله عنه- وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناءٍ له ومعه أم حرام- . قال عمير : فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي يقول : « أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا » قالت أم حرام : قلت يا رسول الله، أنا منهم ؟ قال: «أنت منهم» .

    وقد جاء في البخاري ( 2799ـ 2800) من طريق الليث قال : حدثنا يحيى ، عن محمد بن حيان ، عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها فذكره وفيه : « أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية » ا. هـ .

    قال أبو الفضل ابن حجر في الفتح (6/18) : كان ذلك في ثمان وعشرين في خلافة عثمان ا.هـ .

    وقال أيضا ( 6/77 ) : وروى ابن وهب في «موطآته» عن ابن لهيعة عمن سمع قال : ومعاوية أول من ركب البحر للغزاة, وذلك في خلافة عثمان ا.هـ
    وقال عبدالرزاق في مصنفه (9629): عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن امرأة حذيفة قالت: نام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: تضحك مني يا رسول الله؟! قال: «لا، ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر مثلهم كمثل الملوك على الأسرة ». ثم نام، ثم استيقظ أيضا فضحك، فقلت: تضحك مني يا رسول الله؟! فقال: « لا، ولكن من قوم يخرجون من أمتي غزاة في البحر، فيرجعون قليلة غنائمهم، مغفورا لهم ». قالت: ادع الله لي أن يجعلني منهم. قال: فدعا لها.
    قال: فأخبرنا عطاء بن يسار قال: فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم وهي معنا، فماتت بأرض الروم .
    قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات, ولا شك أن الذي في الصحيح أصح وإن كان بمعناه, وقد صححه ابن حجر على شرط الصحيح، ولكنه فرق بين القصتين وأطال في ذلك ( ينظر: الفتح6283)، والأقرب أنهما قصة واحدة .
    قلت: وبضم النصوص بعضها إلى البعض الآخر اتضحت هذه المسألة, وقد تكلم بعض أهل العلم على هذه القضية وذكروا بعض ما تقدم (2) :

    1ـ قال يعقوب بن شيبة في مسنده في المكيين في مسند عمار بن ياسر لما ذكر أخبار عمار : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي في عمار : «تقتلك الفئة الباغية» فقال أحمد: قتلته الفئة الباغية كما قال النبي . وقال: في هذا غير حديث صحيح عن النبي , وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا ا.هـ من «منهاج السنة النبوية» (4/414).

    2ـ وقال أبو محمد ابن حزم في «الفصل» : (وأما أمر معاوية رضي الله عنه فبخلاف ذلك ولم يقاتله علي رضي الله عنه لامتناعه من بيعته؛ لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر وغيره، لكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام ، وهو الإمام الواجبة طاعته فعلي المصيب في هذا ، ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان رضي الله عنه على البيعة ، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان ، والكلام فيه من ولد عثمان ، وولد الحكم ابن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك ، كما أمر رسول الله عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت ، وهو أخو المقتول وقال له : كبر كبر ، وروي: الكبر الكبر ، فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابني مسعود ، وهما ابنا عم المقتول لأنهما كانا أسن من أخيه ، فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه ، وأضاف في ذلك الأثر الذي ذكرنا وإنما أخطأ في تقديم ذلك على البيعة فقط ، فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله أن لهم أجرا واحدا وللمصيب أجرين .
    ولا عجب أعجب ممن يجيز الاجتهاد في الدماء وفي الفروج ، والأبشار ، والأموال ، والشرائع التي يدان الله بها من تحريم وتحليل وإيجاب، ويَعْذِر المخطئين في ذلك، ويرى ذلك مباحا لليث، وأبي حنيفة ، والثوري ، ومالك والشافعي ، وأحمد، وداود، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم، كزفر، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والحسن بن زياد ، وابن القاسم، وأشهب ، وابن الماجشون ، والمزني، وغيرهم.
    فواحد من هؤلاء يبيح دم هذا الإنسان ، وآخر منهم يحرمه كمن حارب ولم يقتل ، أو عمل عمل قوم لوط، وغير هذا كثير .
    وواحد منهم يبيح هذا الفرج وآخر منهم يحرمه، كبكر أنكحها أبوها وهي بالغة عاقلة بغير إذنها ولا رضاها ، وغير هذا كثير .
    وكذلك في الشرائع والأموال والأبشار .
    وهكذا فعلت المعتزلة بشيوخهم كواصل وعمرو وسائر شيوخهم وفقهائهم ، وهكذا فعلت الخوارج بفقهائهم ومفتيهم.
    ثم يضيقون ذلك على من له الصحبة والفضل ، والعلم والتقدم والاجتهاد، كمعاوية وعمرو ومن معهما من الصحابة رضي الله عنهم ، وإنما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي اجتهد فيها المفتون ، وفي المفتين من يرى قتل الساحر وفيهم من لا يراه ، وفيهم من يرى قتل الحر بالعبد ، وفيهم من لا يراه، وفيهم من يرى قتل المؤمن بالكافر ، وفيهم من لا يراه .
    فأي فرقة بين هذه الاجتهادات واجتهاد معاوية وعمرو وغيرهما ، لولا الجهل والعمى والتخليط بغير علم ؟!
    وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على الإمام أن يقاتله وإن كان متأولاً ، وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله ، ولا بموجب له فسقا، بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير ، فبهذا قطعنا على صواب علي رضي الله عنه وصحة إمامته ، وأنه صاحب الحق، وأن له أجرين أجر الاجتهاد وأجر الإصابة ، وقطعنا أن معاوية رضي الله عنه ومن معه مخطئون مأجورون أجرا واحداً .
    وأيضا فالحديث الشريف الصحيح عن رسول الله أنه أخبر عن مارقة مترق بين طائفتين من أمته يقتلها أولى الطائفتين بالحق ، فمرقت تلك المارقة وهم الخوارج ، بين أصحاب علي وأصحاب معاوية فقتلهم علي وأصحابه فصح أنهم أولى الطائفتين بالحق ، وأيضا الخبر الصحيح عن رسول الله : « تقتل عمارا الفئة الباغية » .
    قال أبو محمد : المجتهد المخطئ إذا قاتل على ما يرى أنه الحق قاصداً إلى الله تعالى بنيته غير عالم بأنه مخطئ فهو فئة باغية ، وإن كان مأجوراً ولا حد عليه إذا ترك القتال ولا قود ، وأما إذا قاتل وهو يدري أنه مخطئ فهذا محارب تلزمه حدود المحاربة والقود ، وهذا يفسق ويخرج لا المجتهد المخطئ ، وبيان ذلك قول الله تعالى : ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ﴾ إلى قوله ﴿ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ﴾ .
    فهذا نص قولنا دون تكلف تأويل ولا زوال عن موجب ظاهر الآية ، وقد سماهم الله عز وجل مؤمنين باغين بعضهم إخوة بعض في حين تقاتلهم ، وأهل العدل المبغي عليهم والمأمورين بالإصلاح بينهم ، وبينهم ، ولم يصفهم الله عز وجل بفسق من أجل ذلك التقاتل ولا بنقص إيمان ، وإنما هم مخطئون فقط باغون ولا يريد واحد منهم قتل الآخر ، وعمار رضي الله عنه قتله أبو العادية يسار ابن سبع السلمي ، شهد بيعة الرضوان ، فهو من شهداء الله له بأنه علم ما في قلبه ، وأنزل السكينة عليه ورضي عنه ، فأبو العادية رضي الله عنه متأول مجتهد مخطئ فيه باغ عليه مأجور أجرا واحدا ، وليس هذا كقتلة عثمان رضي الله عنه؛ لأنهم لا مجال للاجتهاد في قتله؛ لأنه لم يقتل أحدا ، ولا حارب ، ولا قاتل ، ولا دافع ، ولا زنا بعد إحصان ، ولا ارتد ، فيسوغ لمحاربه تأويل ، بل هم فساق محاربون سافكون دما حراما عمدا بلا تأويل ، على سبيل الظلم والعدوان ، فهم فساق ملعونون .
    فإذا قد بطل هذا الأمر وصح أن عليا هو صاحب الحق ، فالأحاديث التي فيها التزام البيوت وترك القتال إنما هي بلا شك فيمن لم يلح له يقين الحق أين هو ؟ وهكذا نقول ، فإذا تبين الحق فقتال الفئة الباغية فرض بنص القرآن ، وكذلك إن كانتا معا باغيتين . فقتالهما واجب ؛ لأن كلام الله عز وجل لا يعارض كلام نبيه ؛ لأنه كله من عند الله عز وجل ، قال الله عز وجل : ﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﴾ ، وقال عز وجل : ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ ، فصح يقينا أن كل ما قاله رسول الله فهو وحي من عند الله عز وجل ، وإذ هو كذلك فليس شيء مما عند الله تعالى مختلفا ، والحمد لله رب العالمين .
    فلم يبق إلا الكلام على الوجوه التي اعترض بها من رأى قتال علي رضي الله عنه .
    فنقول وبالله تعالى التوفيق :
    أما قولهم إن أخذ القود واجب من قتلة عثمان رضي الله عنه والمحاربين لله تعالى ولرسوله الساعين في الأرض بالفساد ، والهاتكين حرمة الإسلام ، والحرم والإمامة والهجرة ، والخلافة والصحبة والسابقة فنعم .
    وما خالفهم قط علي في ذلك ولا في البراءة منهم ، ولكنهم كانوا عددا ضخما جماً لا طاقة له عليهم ، فقد سقط عن علي رضي الله عنه مالا يستطيع عليه ، كما سقط عنه وعن كل مسلم ما عجز عنه من قيام بالصلاة والصوم والحج ولا فرق ، قال الله تعالى : ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ ، وقال رسول الله : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » ، ولو أن معاوية بايع عليا لقوى به على أخذ الحق من قتلة عثمان ، فصح أن الاختلاف هو الذي أضعف يد علي عن إنفاذ الحق عليهم ، ولولا ذلك لأنفذ الحق عليهم كما أنفذوه على قتلة عبد الله بن خباب إذ قدر على مطالبة قتلته .
    وأما تأسي معاوية في امتناعه من بيعة علي بتأخر علي عن بيعة أبي بكر فليس في الخطأ أسوة ، وعلي قد استقال ورجع وبايع بعد يسير ، فلو فعل معاوية مثل ذلك لأصاب ، ولبايع حينئذ بلا شك كل من امتنع من الصحابة من البيعة من أجل الفرقة ، وأما تقارب ما بين علي وطلحة والزبير وسعد فنعم ، ولكن من سبقت بيعته وهو من أهل الاستحقاق للخلافة فهو الإمام الواجبة طاعته فيما أمر به من طاعة الله عز وجل ، سواء كان هنالك من هو مثله أو أفضل منه أو لم يكن ، كما سبقت بيعة عثمان قبله فوجبت طاعته وإمامته على علي وغيره .
    ولو بويع هنالك حينئذ وقت الشورى علي أو طلحة أو الزبير ، أو عبدالرحمن أو سعد لكان الإمام ، وولزمت عثمان طاعته ، وكذلك إذ قتل عثمان رضي الله عنه ، فلو بدر طلحة أو الزبير أو سعد أو ابن عمر فبويع لكان هو الإمام ولوجبت طاعته ولا فرق .
    ومعاوية مخطئ مأجور مجتهد ، وقد يخفى الصواب على الصاحب العالم فيما هو أبين وأوضح من هذا الأمر من أحكام الدين ، فربما رجع إذا استبان له ، وربما لم يستبين له حتى يموت عليه ، وما توفيقنا إلا بالله عز وجل ، وهو المسئول العصمة والهداية لا إله إلا هو .
    فطلب علي حقه فقاتل عليه ، وقد كان له تركه ليجمع كلمة المسلمين كما فعل الحسن ابنه رضي الله عنهما ، فكان له بذلك فضل عظيم قد تقدم به إنذار رسول الله إذ قال : « ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من أمتي » فغبطه رسول الله بذلك ، ومن ترك حقه رغبة في حقن دماء المسلمين فقد أتى من الفضل بما لا وراء بعده ومن قاتل عليه ولو أنه فلس فحقه طلب ، ولا لوم عليه ، بل هو مصيب في ذلك ، وبالله تعالى التوفيق ) ا.هـ .

    3ـ وقال ابن العربي في العواصم من القواصم ( ج1/ص: 171 ـ 174 ) : ( والذي تثلج به صدوركم أن النبي ذكر في الفتن وأشار وبين وأنذر الخوارج، وقال : « تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق » ، فبين أن كل طائفة منهما تتعلق بالحق ، ولكن طائفة علي أدنى إليه ، وقال تعالى : ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلا أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ﴾ [الحجرات : 10 ] ، فلم يخرجهم عن الإيمان بالبغي بالتأويل ، ولا سلبهم اسم الأخوة بقوله بعده : ﴿ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ﴾ [ الحجرات : 10 ] ، وقال في عمار : « تقتله الفئة الباغية » ، وقال في الحسن : « ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » ، فحسن له خلعه نفسه وإصلاحه ) ا.هـ .

    4ـ وقال أبو العباس ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (4/467ـ 468) : « مع أن الذي في الحديث أن عمارا تقتله الفئة الباغية قد تكون الفئة التي باشرت قتله هم البغاة؛ لكونهم قاتلوا لغير ذلك ، وقد تكون غير بغاة قبل القتال ....» .
    إلى أن قال ابن تيمية : « وكان علي ومعاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها، وكان في العسكرين مثل: الأشتر النخعي، وهاشم بن عتبة المرقال، وعبدالرحمن بن خالد بن الوليد، وأبي الأعور السلمي، ونحوهم من المحرضين على القتال، قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلي، وقوم ينفرون عنه .
    ثم قتال أصحاب معاوية معه لم يكن لخصوص معاوية بل كان لأسباب أخرى ، وقتال مثل قتال الجاهلية لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم ، كما قال الزهري : وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية ) ا.هـ .
    وقال في منهاج السنة النبوية أيضاً (4/ 498 ـ 499 ) : ( وأيضاً فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ﴾ ، فقد جعلهم مؤمنين إخوة مع الاقتتال والبغي ، وأيضاً فقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال : « تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق » ، وقال : « إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » ، وقال لعمار : « تقتلك الفئة الباغية » لم يقل الكافرة ، وهذه الأحاديث صحيحة عند أهل العلم بالحديث وهي مروية بأسانيد متنوعة لم يأخذ بعضهم عن بعض ، وهذا مما يوجب العلم بمضمونها ، وقد أخبر النبي أن الطائفتين المفترقتين مسلمتان ، ومدح من أصلح الله به بينهما ، وقد أخبر أنه تمرق مارقة وأنه تقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق ) ا.هـ .

    5ـ وقال أبو عبد الله الذهبي في «المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال» (3) (1/249ـ252): ( قال - أي المخالف -: وقاتل عليا وعلي عندهم رابع الخلفاء إمام حق وكل من قاتل إمام حق فهو باغ ظالم.
    قلنا : نعم، والباغي قد يكون متأولا معتقدا أنه على حق، وقد يكون بغيه مركبا من تأويل وشهرة وشبهة وهو الغالب.
    وعلى كل تقدير فهذا لا يرد، وإنا لا ننزه هذا الرجل ولا من هو أفضل منه عن الذنوب، والحكاية مشهورة عن المسور بن مخرمة أنه خلا بمعاوية فطلب منه معاوية أن يخبره بما ينقمه عليه، فذكر المسور أموراً ، فقال : يا مسور ، ألك سيئات؟ قال نعم ، قال: أترجو أن يغفرها الله؟ قال: نعم ، قال: فما جعلك أرجى لرحمة الله مني، وإني مع ذلك والله ما خيرت بين الله وبين سواه إلا اخترت الله على ما سواه ، ووالله لما أليه من الجهاد وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل من عملك، وأنا على دين يقبل الله من أهله الحسنات ، ويتجاوز لهم عن السيئات ....
    فإن قيل: هؤلاء بغاة لأن النبي قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية ».
    قلنا: الخبر صحيح، وقد تكلم فيه بعضهم، وبعضهم تأوله على أن الباغي الطالب، وهذا لا شيء.
    وأما السلف كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم فيقولون: لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية ، فإن الله يأمر بقتالها ابتداء ، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما ، ثم إن بغت إحداهما قوتلت .
    ولهذا كان هذا القتال عند أحمد ومالك: قتال فتنة .
    وأبو حنيفة يقول: لا يجوز قتال البغاة حتى يبدؤوا بقتال الإمام ، وهؤلاء لم يبدؤوه.
    ثم أهل السنة تقول : الإمام الحق ليس معصوما ، ولا يجب على الإنسان أن يقاتل معه كل من خرج عن طاعته ، ولا أن يطيعه الإنسان فيما يعلم أنه معصية وأن يتركه أولى.
    وعلى هذا ترك جماعة من الصحابة القتال مع علي لأهل الشام ، والذين قاتلوه لا يخلو إما أن يكونوا عصاة ، أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين .
    وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح في إيمانهم ولا يمنعهم الجنة بقوله تعالى ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلا أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ﴾ ﴿ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ﴾ فسماهم إخوة ) ا.هـ
    .
    6ـ وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» ( 3/218 ) : ( وهذا الحديث من دلائل النبوة ، حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية ، وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين ، وعمار مع علي وأهل العراق ... وقد كان علي أحق بالأمر من معاوية ، ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم ؛ لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال ، وليس كل مجتهد مصيباً ، بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر ، ومن زاد في هذا الحديث بعد : « تقتلك الفئة الباغية » : « لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة » فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله فإنه لم يقلها ، إذ لم تنقل من طريق تقبل ، والله أعلم .
    وأما قوله : « يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار » فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة ، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به ، وأن يكون الناس أوزاعاً على كل قطر إمام برأسه ، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة ، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم ، وإن كانوا لا يقصدونه ، والله أعلم) ا.هـ.
    وما أحسن ما قاله أبو عبدالله الذهبي في السير 3/128 : ( فنحمد الله على العافية ا لذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصرنا فعذرنا واستغفرنا وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة، أو بخطأ - إن شاء الله - مغفور , وقلنا كما علمنا الله : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر: 10] .
    وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق.
    وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليا وكفروا الفريقين , فالخوارج كلاب النار , قد مرقوا من الدين , ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار , كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان ) .



    ـــــــــــ( الحواشي )ــــــــــ
    (1) قال أبو عمر بن عبدالبر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (مع الإصابة 2/481): ( وتواترت الآثار عن النبي أنه قال: «تقتل عمار الفئة الباغية» وهو من أصح الأحاديث) ا.هـ , وقال ابن دحية في «أعلام النصر المبين في المفاضلة بين أهلي صفين» (82) – بعد أن ذكر هذا الحديث : (وقد تواتر الحديث) , وقال أبو عبدالله الذهبي في «السير» 1/421 – بعد أن ذكر طرق الحديث - : ( وفي الباب عن عدة من الصحابة فهو متواتر ) ا.هـ , وقال أبو الفضل ابن حجر في «الإصابة» 2/512: ( وتواترت الأحاديث ...)ا.هـ وقد ساق طرقه ابن عساكر في «تاريخه».
    (2) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (3/189) ط.دار المنهاج. [ يراجع ]
    (3) وهذا الكتاب اختصار لكتاب «منهاج السنة» لابن تيمية, ولكن الذهبي يختصر الكلام بلفظ منه, ويضيف إليه بعض الكلمات .


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •