" أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة "1
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: " أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة "1

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    201

    Exclamation " أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة "1

    بسم الله الرحمن الرحيم


    " أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة "1

    "عبد اللَّطيف بن محمَّد الحسن"

    يكفي دلالةً على القناعةِ بأهميةِ دراسةِ السِّيرة تلك الكتاباتُ المتكاثرة التي تُحاول الإفادةَ من السِّيرة بأكثر من صورةٍ. ولِمَا لمنهج الكاتبِ من تأثيرٍ في كتاباتِهِ؛ فإنَّ مِن المهمِّ السعيَ إلى تحديدِ أُطُرٍ منهجيةٍ ضابطةٍ للدِّراسةِ والكتابةِ. وهذه محاولةٌ لرسمِ بعضِ المعالمِ والضَّوابطِ أرجُو بها النَّفعَ، وأنْ تتبعَها دراساتٌ أكثرُ نُضجاً من ذَوي الاهتمامِ والاختصاصِ2 .


    أولاً: فهم حقيقة الإسلام ومنهجه المتكامل:

    يكتسب هذا القيد مكانته من جهة عجز مَن يفتقده عن قراءة أحداث السِّيرة قراءةً موضوعية تمكنه من سلامة فهم الأحداث، وتقصِّي أسبابها، ومعرفة دوافعها، وتفسيرها بما يتفق مع رُوح الإسلام.

    فمن المهم ( أن يُعنى بالجانب التشريعيِّ الذي يحتكم إليه المجتمعُ، وتُوضَّح الضوابطُ الخلقية والقانونية التي تحكم حركةَ الأفراد والمجتمعات، ولا يُمكن الفصلُ بين الجانبِ السياسيِّ والعسكريِّ، والجانب الخلقيِّ والتشريعيِّ، خاصة في القرونِ الأولى من تاريخ الإسلام ؛ حيث تتشابك العلاقاتُ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بالعقيدة تشابكاً وثيقاً بحيثُ يصعبُ فهم حركة التَّاريخ في تلك المرحلةِ دُونَ فهمِ رُوحِ الإسلامِ ومبادئِهِ ) 3 .


    إزاء هذا الضابط نرى أنفسنا أمام خطرين اثنين:

    أولهما: افتقاد بعض الباحثين والدارسين إلى المرجعية الشرعية.

    وثانيهما: قراءة السِّيرة بأنظمة معرفية أخرى: رأسمالية، واشتراكية، وعلمانية، وقومية من الخارج، ومحاولة تقطيعها والانتقاء من أحداثِها، وفصلها عن نسقها المعرفي وسياقها ومناسباته4.

    ونظير هذا: قراءة السِّيرة بخلفيةٍ بدعيةٍ صُوفيةٍ أو رافضيةٍ.. ونحوها؛ فالرَّافضةُ مثلاً: يُحللون أحداث السِّيرة تحليلاً يتسقُ مع انحرافاتِهم العَقَدية !



    ثانياً: ترك المنطقِ التَّسويغيِّ:

    ينبغي أن تنطلق دراسة السِّيرة من اليقين بعزة الإسلام وأحقيته في الحُكْمِ والسِّيادةِ، وأنَّ الله لا يقبلُ ديناً سواه، وأنه لا يُفهم إلا من خلال دراسة السِّيرة.

    ولذا وجب البُعدُ عن الرُّوحِ الانهزاميةِ في تحرير السِّيرة وتحليلها، وخاصة في الجهاد.

    ومن المواضيع التي ينهزم أمامها التسويغيون ولا يجدون لها مُسوِّغاً على حدِّ زعمهم مسألة قتل يهود بني قُريظة لمَّا قبلوا حُكْمَ سعد بن معاذ فيهم وكان حليفَهم في الجاهلية, فَحَكَمَ فيهم بحُكْمِ اللهِ: أنْ يُقتلَ رجالُهم، وتُسبى نساؤهم وذراريهم. هنا يصعب الموقفُ على مَن في قلبِهِ انهزاميةٌ، فيسعى للتشكيكِ في ثبوت القصة.

    وهي ثابتةٌ بلا شك5.


    ثالثاً: اعتبار القرآن الكريم مصدراً أولاً في تلقي السِّيرة وفهمها:

    لدراسة السِّيرة من خلال كتاب الله ميزاتٌ عدة، منها:

    - أنَّ مُدارسته عبادة عظيمة.

    - اشتمالُ القُرآنِ على إشاراتٍ تفصيليةٍ لا تُوجدُ في مصدرٍ آخر، كما في أحداث زواج زينب -رضي الله عنها-.

    - دِقَّةُ وصفِهِ للأحداثِ والشُّخوصِ، حتَّى يُصوِّر نبضات القلب، وتقاسيم الوجه، وخلجات الفؤاد، وهذه خصيصةٌ تنقلُ القارئَ إلى جَوِّ الحَدَثِ ليعيشَ فيه.

    - تركيزُهُ على خصائصِ سيرةِ النَّبيّ - صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- , مثل: كونِهِ بَشَرَاً،وأنَّ رسالته عامةٌ، وأنَّهُ خاتمُ النَّبيّين. ومنها: ربطه بين قصة الحدث وسيره وبين العقيدة والإيمان والقضاء والقدر.

    - بيانه حِكْمَةَ الحَدَثِ ونتائجَهُ وحِكْمَةَ اللهِ في تقديره، وهو الدَّرسُ التربويُّ المطلوب6.

    وبدراسة السِّيرة من القرآنِ يتحولُ الحَدَثُ من قصةٍ في زمانٍ ومكانٍ مُعينين إلى درسٍ كبيرٍ مُتكاملٍ يتعدَّى ظُروفهما.. يُتلى إلى قيامِ السَّاعةِ7.

    إنَّ مَن يعيشُ السِّيرة من خلال القُرآنِ وصحيحِ السُّنةِ لا تعود السِّيرة في حسِّه مجرد أحداث ووقائع، وإنما تصيرُ شيئاً تتنامى معه مشاعرُهُ الإيمانية تجاه الجماعةِ المؤمنةِ، ووعيه الإيماني بالسُّنن الرَّبانيةِ8. ومع أهميةِ هذا النَّوعِ مِن الدِّراسةِ فإنَّهُ لم يلقَ بعدُ اهتماماً يتناسبُ معه9.


    رابعاً: تمحيص الصَّحيحِ من الأخبار فيما يتعلَّقُ بالعقيدةِ والشَّريعةِ:

    النَّاسُ في اشتراطِ تمييز الصَّحيحِ من الضَّعيفِ في رُواياتِ السِّيرة على قولينِ مشهورينِ:

    الأول:
    مَنْ لم يشترط التمحيصَ وأجاز إيرادَ كلِّ مروياتِ السِّيرة، واحتجَّ بأنَّ كَتَبَة السِّيرة لم يعتمدوه ولم يحرصُوا عليه. واستدلُّوا بما اشتُهِر عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه قال: ( ثلاثةُ كتبٍ ليس لها أصولٌ: المغازي، والملاحم، والتفسير )10. ويمكن نقاش دليلهم

    واستدلالُهم من أوجهٍ11:

    أ- أنَّ ثبوتَ هذه المقولةِ عن الإمام أحمد موضعُ نظرٍ12 ، ومَن ذا الذي يقول: إنه لا يثبتُ شيءٌ في مغازي المسلمين ؟ فأينَ ما في الصِّحاحِ والسُّنن، وأينَ ما ذكره الإمامُ أحمدُ نفسُه في مسندِهِ ؟

    ب - وفي حالِ ثبوت الرِّواية فإنَّهُ لم يقلْ: لم يَصِحَّ فيها شيءٌ، ولكن قالَ: ليس لها أصولٌ. وقوله: ثلاثة كُتُبٍ يدل على أنَّ مرادَهُ: ( كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها؛ لسوء أحوال مُصنفيها، وعدم عدالةِ ناقليها، وزيادات القُصَّاص فيها)13.

    ج - أنه حتَّى لو نَفَى الصِّحَّة عنها فإنَّ نفيَها لا ينفي الحُسْن، ولا يستلزمُ الضَّعفَ أو الوضعَ.

    د - يحملُ قولُهُ على الحال الغالب ؛ فإنَّ هذه الفنونَ غالبُ رواياتِها ليس لها أسانيدُ متصلةٌ14.

    أما القول الثاني: فيُمثله د. أكرم العمري ؛ حيثُ يقولُ: ( المطلوبُ اعتمادُ الرِّواياتِ الصَّحيحةِ وتقديمها، ثم الحَسَنةُ، ثم ما يُعتضد من الضَّعيفِ لبناء الصُّورة التَّاريخيةِ لأحداث المجتمعِ الإسلاميِّ في عصرِ صدرِ الإسلامِ... وعند التعارضِ يُقدَّمُ الأقوى دائِماً.. أمَّا الرِّواياتُ الضَّعيفةُ التي لا تقوى أو تُعتضد فيُمكن الإفادةُ منها في إكمالِ الفراغ الذي لا تسدُّهُ الرِّواياتُ الصحيحةُ والحسنةُ على ألا تتعلق بجانبٍ عقديٍّ أو شرعيٍّ ؛ لأنَّ القاعدةَ: ( التشدد فيما يتعلَّقُ بالعقيدة أو الشريعة )15. ولا يخفى أنَّ عصرَ السِّيرة النَّبَويَّة والخلافة الراشدة مليءٌ بالسَّوابقِ الفقهية، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دفة الحياة وفق تعاليم الإسلام؛ فَهُمْ موضع اقتداءٍ ومُتابعةٍ فيما استنبطُوا من أحكامٍ ونُظُمٍ لأقضيةٍ استجدتْ بعد توسع الدولةِ الإسلاميةِ على إثر الفتوحِ.

    أما الرِّواياتُ التَّاريخيةُ المتعلقةُ بالعمران: كتخطيطِ المدن، وزيادة الأبنية، وشق الترع.. أو المتعلقة بوصف ميادين القتال وأخبار المجاهدين الدالة على شجاعتهم وتضحيتهم فلا بأسَ من التساهلِ فيها )16.

    وهذا هو المنهجُ المعتبرُ عند الأئمةِ المحققين، يشهد به صنيعُ الذَّهبيّ في (تاريخ الإسلام)، وابنِ سيدِ النَّاسِ في (عُيون الأثر)17، وابنِ حَجَرٍ في (الفتح)18، وكذلك ابن القيم وابن كثير.

    أمَّا ما يُؤخذ من الرِّواياتِ التَّاريخية فهو ما اتفقَ عليه الإخباريون 19.أمَّا اشتراطُ الصِّحَّة في كلِّ خبرٍ تاريخيٍّ والذي مشى عليه بعضُ المُؤلِّفين في السِّيرة فاختزلوا كثيراً من أحداثِها فإنَّ ذلك يترتبُ عليه تضييع ثروة علمية كبرى، وإهدار الاستفادة منها في مجالاتٍ تربويةٍ وإداريةٍ.. ونحوها ؛ حيث تضعفُ الثِّقةُ في كلِّ ما استُنبط منه20.

    يبقى: كيف تدوّن السِّيرة على ضوء المنهج السابق: هل تذكر كل الأحاديث بنصوصها أم يجمع بين الروايات في سياق واحد ؟ الظاهر: هو الطريق الثاني ؛ تحاشياً لتشوش القارئ، وتشتت ذهنه بانقطاع الأحداث، وتكرر بعضها، وعدم وضوح صورة متسلسلة متكاملة للسيرة، ثم إنه صنيع الزهري في روايته لحادثة الإفك التي رواها مسلم عنه 21.


    خامساً: معرفةُ حدودِ العقلِ في قبولِ النُّصوصِ وردها:

    يرى العديدُ من الدَّارسين وخاصة من المستشرقين أنَّ عُلماء المسلمين أهملوا نقدَ المتون، وأنَّ ذلك لغياب عقليتهم النقدية. وهذا مردود، وهذه بعض أمثلة لمحاكمات تاريخية مستندة إلى نقد المتن:

    1- رفض ابنُ حزم العددَ المذكور عن عدد جند المسلمين في أُحُدٍ ؛ بناءً على محاكمة المتن وفق أقيسةٍ عقليةٍ بحتةٍ.

    2- قدَّم مُوسى بن عُقبة غزوةَ بني المصطلق إلى السَّنةِ الرَّابعةِ خِلافاً للأكثرين الذين جعلُوها في السنة السادسة ؛ لاشتراك سعدِ بن مُعاذ فيها، وهو مُتوفَّى عقب بني قريظة وهي في السنة الرابعة. وتابعَهُ على تقديمِ تاريخِها ابنُ القيم والذَّهبيّ.

    3- أخَّر البُخاريّ غزوةَ ذات الرقاع إلى ما بعد خيبر ؛ نظراً لاشتراك أبي مُوسى الأشعري وأبي هُريرة فيها، وقد قَدِما بعد خيبر، وتابعه على تأخيرِها ابنُ القيم وابنُ كثير وابنُ حجرٍ، خِلافاً لرأي ابنِ إسحاق والواقديّ في تقديمِها.

    4- الخلافُ حولَ تشريعِ صلاةِ الخوفِ معظمه مبنيٌّ على محاكمةِ المتنِ. الأمثلة كثيرة ؛ ولكن من المهم أن يُقالَ: إنَّ حفظ الروايات قد استنفدَ طاقة الأوائل، وأتى بعدهم من لخَّص وذيَّل عليها وانتقى منها، وهذا عملٌ نقديٌّ. وفي مؤلَّفاتٍ مُتأخِّرةٍ تَبْرُزُ محاكماتٌ دقيقةٌ للمتون، كما في: البداية والنهاية، وفتح الباري، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية,

    قال ابنُ تيمية -رحمه الله-: ( الأحاديث التي ينقلها كثيرٌ من الجُهَّالِ لا ضابطَ لها، لكن منها ما يُعرف كذبُهُ بالعقل، ومنها ما يُعرف كذبُهُ بالعادةِ، ومنها ما يُعرف كذبُهُ بأنه خلافُ ما عُلِمَ بالنَّقلِ الصَّحيحِ، ومنها ما يُعرفُ كذبُهُ بطرقٍ أُخرى ) 22.

    كما يحسب في عداد تقويم العقلية النقدية لدى المسلمين خدمتهم لنصوص أحاديث الأحكام خدمة بالغة، وجهودهم في كتب أصول الفقه التي تُنبئ عن عقلية فذة. وإذا علمنا أنَّ للمُؤرِّخين القُدامى كتباً في فنون أخرى لم يجزْ لنا أنْ نتهمهم بإهمال المتون، كما يجبُ مُراعاةُ عنصر الزمن، فلا تقوَّم جهودُهم بمقاييس أنجزها التقدمُ العلميُّ اليوم ؛ لئلا يُغمطوا حقَّهم.

    على أنَّ علمَ مصطلح الحديث قد اشتملَ على مباحثَ تُشكِّلُ الجانبَ النَّظريَّ لنقد المتون، ولكن القصور حصلَ في تطبيق ذلك على الرِّواية التَّاريخيةِ، فلم تحظَ بما حَظِيتْ به الأحاديثُ النَّبَويَّة من العنايةِ 23.

    لقد انزلق المطالبون بنقد المتون؛ حيث أجروا أحكامَ العقل في المتون الثابتةِ، وجعلُوا ذلك أساساً للردِّ والقبولِ، وذلك أمرٌ تتفاوتُ فيه العقولُ، وإنما يجيءُ الإشكالُ من جهةِ قُصُورِ العقلِ عن إدراكِ الخطابِ للتوفيقِ بينه وبين النُّصوصِ الأُخرى.

    وربما يُثبت مَن لم يلتزمْ منهجَ المحدِّثين حديثاً واهياً لصحة معناه، وقد يردُّ رواية الشيخين لظنه تعارضها مع مبادئ الإسلام وقواعده، وهذا تحكيمٌ ضعيفٌ للعقل 24.

    ومما وقعوا فيه خلالَ دراسةِ السِّيرة نفيُ المعجزات الثابتة بالنَّقل الصحيح، وهو في حقيقتِهِ انصياعٌ للفكر الماديِّ والفلسفات الوضعيةِ، مع أنَّ المسلمَ لابُدَّ له من الاعتزازِ الذي يُحقق له الاستقلالَ التام في النَّظرِ والبحثِ العلميِّ 25.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المشاركات
    104

    افتراضي رد: " أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة "1

    جزاك الله خيرا اخي الكريم ونفع بك .. استفدت كثيرا .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    201

    افتراضي رد: " أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة "1

    بارك الله فيك ..

    ما أنا الا ناقلا"

    والسلام عليكم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •