فاتحة القول / العدد الثالث والسبعون رجب 1430ه
لا نجد اليوم وبعد مسيرة حافلة تمتد لستة أعوام وبمناسبة تحديث وتطوير مطبوعة الراصد من هذا العدد والشهر القادم بإذن سيتم تدشين الموقع بحلة جديدة، إلا أن نعيد نشر ما جاء في افتتاحية العدد الأول :
"أيها القارئ الكريم يسعدنا أن نضع بين يديك جهداً نراه ضرورياً في رصد حركة الفرق والطوائف المخالفة لمنهج أهل السنة والمسلمين, والداعي لهذا ما تشهده أوضاع المسلمين اليوم في كافة أرجاء الأرض من انبعاث لفكر هذه الطوائف أولاً، وتشكيل هذه الفرق والطوائف دولاً وقوى سياسية فاعلة, وأهم من هذا أنها بدأت بالتسرب إلى أهل السنة والمسلمين وافتراس الكثيرين من أبنائهم وقادتهم.
إن الصراع في عالمنا اليوم هو بين القوى المتدينة سواء قلنا بصراع الحضارات أم لم نقل فإن سيطرة القوى المتدينة ظاهر لكل مراقب, وتعمل هذه العقائد على فرض المواقف والسياسات على العديد من الدول والقوى بصرف النظر عن صحة وصواب هذه الأفكار.
وإن أعداءنا واليهود تحديداً منهم ومن القديم حاربونا من خلال إنشاء ورعاية وتوجيه الفرق الضالة والمبتدعة والتحالف معها، واليوم الساحة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لرعاية وإنشاء ودعم العديد من القوى البدعية والطائفية لتكون سلاحاُ بيد أعداء الإسلام لكن باسم الإسلام!
وإن نظرة على خارطة العالم الإسلامي مع وضع أسماء القوى الطائفية والفرقية المؤثرة فيها ليوضح بشكل لا نقاش فيه هذا الخطر الزاحف من داخلنا دون أن يعيره الكثير من المسلمين الانتباه الكافي.
ومن أجل هذا نبعت دورية الراصد التي تهدف إلى تبصير أهل الاسلام بخطر الفرق والطوائف على مستقبل الدعوة الاسلامية وبلادهم، وتوضح لهم حقيقة الأدوار التي يقومون بها مع التحذير من الخطط القادمة وكيفية العمل على مقاومتها.
إن الحديث عن الفرق والطوائف ليس فتحاً لجروح مندملة, بل حديث في قضية مهمة نعايشها وتكاد تكون محور استراتيجيات متعددة تجاه أمننا.
وهذا لا يعني أن جميع هذه الفرق والطوائف في مستوى واحد من العداء والمكر للأمة فضلاً عن أنها جميعها تريد ذلك. وأيضاً فإن كثيراً من أفراد هذه الفرق والطوائف هم من الغافلين عن حقيقة مذاهبهم وعقائدهم ولذلك لا نتهم كل من انتسب لهذه الفرق والطوائف بالعمالة والتآمر, بل قد كان لبعض هذه الفرق والطوائف وفئة من أبنائها مواقف تشكر لهم, لكن سبب ذلك بشكل أساسي كان ضعف تأثرهم في مراحل معينة بمذهبهم وفكرهم!
وتقريباً للصورة نقول: هناك العديد من المتصوفة مثلاً لا يعرف عن الصوفية سوى ذكر الله -ولو كان بصورة مبتدعة- وهو يظن أن هذا هو غاية التصوف ويكون له بلاء حسن في الدفاع عن الاسلام وقضاياه, فدفاعه وبلاؤه مع الاسلام ليس نابعاً من تصوفه بل هو نابع من جهله بالتصوف, فلو تعمق بالتصوف واعتقد عقائد الصوفية لتحالف مع أعداء الاسلام المتغلبين بحجة أن هذا قدر الله ولا بد من الأخذ به والحب له!!
ولذلك فإن الخطر والبلاء يأتي الاسلام دائماً حين يقوم بعض أصحاب المذاهب البدعية بالدعوة لها والعمل من أجلها فعندها تنزل بالمسلمين الكوارث, كما هو حادث في يومنا هذا" أ.هـ
ومنذ أن نشرنا هذا المقال في أول أعداد "الراصد" لا زالت الأحداث تؤكد صدق هذه الرؤية ودقتها، كما في العراق الجريح وما يشهده من جرائم ومذابح صفوية قامت بتنفيذها المليشيات الشيعية كجيش المهدى وقوات بدر من جهة، ومن جهة أخرى ما قام به تنظيم القاعدة – الذي يتقاطع ويتحالف مع إيران عملياً - من قتل أعمى طال من أهل السنة أكثر مما طال من الأمريكان فضلاً عن تصعيد الصراع الدموى مع الشيعة مما رسخ نفوذ إيران في العراق بحجة مساعدة العراقيين ومحاربة الإرهاب!!
كما أن ممارسات القوى السياسية الشيعية العراقية أكدت طائفيتها وانتهازيتها وعمالتها لإيران.
وجاءت تصرفات حزب الله في لبنان، ومؤخراً في مصر، لتكشف عن حقيقة المشروع الإيراني وأهدافه التوسعية وأطماعه بالهيمنة والإستيلاء.
أما تحركات شيعة الخليج فبينت عمق الترابط بين هذه التجمعات ونظام الولي الفقيه في إيران، و تمرد الحوثي فكان نموذجا عمليا أو "بروفة" لتصدير الثورة الخمينية لدول الجوار!!

لقد كان للراصد دور محوري على صعيد مشكلة الفرق والطوائف والنِّحَل يمكن إجماله في النقاط الآتية:
- التنبيه على خطورة الدور الذي تلعبه الفرق والطوائف والنِّحَل الضالة في منطقتنا.
- الكشف والتحذير من تحركات ومخططات وممارسات هذه الفرق المعاصرة.
- تأصيل منهجية التعامل مع هذه الفرق والطوائف والنِّحَل، وطرح الحلول لها.
- توسيع دائرة المهتمين والمتابعين لهذا الملف.
- تقديم رؤية بانورامية لواقع الفرق المعاصرة في كافة أرجاء العالم.
- بناء بنك معلومات متخصص في شؤون الفرق والنِّحَل المعاصرة.

ومما يجدر بنا التأكيد عليه هنا أن الراصد يرفض كافة المشاريع المعادية لأمتنا وهي عديدة جداً، أما تخصصه في شؤون الفرق والطوائف فيعود إلى أن هذه الجبهة جبهة مكشوفة تسببت لأمتنا بضرر كبير، وأصبح من المحتم على المسلمين سدها ومنع وصول الضرر إلى أمتنا منها.
ومن أكبر الأسباب التي تسبب لأمتنا الضرر من هذه الجبهة هو الرؤية السطحية لخطورة آثار البدع العقدية وخاصة إذا تجسدت على شكل دولة أو حركة وتنظيم، هذه الرؤية السطحية التي يحملها للأسف كثير من الساسة والإعلاميين والعلماء الشرعيين وقادة الحركات الإسلامية.
فبسبب هذه الرؤية السطحية تم تمرير كثير من مخططات إيران ونشر التشيع بين المسلمين، ولكن حين تكاثرت وتعاظمت هذه الخطوات انتبه لها كثير من الساسة والإعلاميين، في حين بقي كثير من قادة الحركات الإسلامية على رؤيته السطحية لهذا الخطر، بدعوى مكافحة المشروع الأمريكى والإسرائيلي.
ورغم نبل الغاية والهدف عند هؤلاء القادة الإسلاميين، إلا أن مسيرتهم السياسية المليئة بالفشل والجري وراء الأوهام وتضييع المكاسب، تجعلنا لا نستغرب مثل هذا الموقف منهم، فلأن العواطف والطيبة هي المحرك الرئيسي لهؤلاء خدعهم أهل المكر والحقد، ويكفي في التدليل على ذلك ما اقترحه د. محمد سعيد حوّى، كرؤية جديدة في العلاقة بين جماعة الإخوان السوريين، والموقف من النظام السورى والإيراني وحزب الله، حيث انقلب موقفه 180 درجة مؤخراً، بخلاف ما توصل له والده – رحمه الله - في ختام حياته، فجاءنا ولده د.محمد اليوم يقول: "لا يخفى عليكم أن السياسة كلها متغيرات ولا مواقف مسبقة في السياسة (إلا ما كانمرتبطاً بالعقائد والأصول وهي محدودة جداً)". وبنى على هذه المقدمة قوله: "أساس التصحيح ينطلق من مبدأ عدم الخلط بين الموقف السياسي والموقف الديني"، وللتدليل على ما ذهب إليه، يقول د.حوى: "أود أن أذكر بمواقف سياسية لبعض فصائل الحركة الإسلامية المعاصرة في مواقف شتى _ ومن غير أن أكون موافقاً على كل موقف، لأن السياسة ليس لها وجه واحد. فمنهذه المواقف بإيجاز :
1- قرار جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بحل نفسها عام 1958م رغبة في إنجاح الوحدة مع مصر.
2- استعداد إخوان مصر القتال تحت راية جمالعبد الناصر والجيش المصري وتجميد كل خلاف عندما حدث العدوان عام 1956 وعام 1967 برغم ما فعله عبد الناصر" .
وهذه الرؤية من الدكتور حوى ظلمات بعضها فوق بعض، فإذا كانت العلاقة مع النصيرية والشيعة الإثنى عشرية لا ترتبط بالعقائد والأصول فمتى سترتبط السياسة بالعقيدة، يا فضيلة الدكتور؟؟
وقبل الإحتجاج بمواقف سياسية لجماعة الإخوان أو غيرها يجب أن تحدد رؤيتك الشرعية لصوابها من عدمها، حتى يصح لك الإحتجاج بها، أما أن ترى خطأ موقف سياسي معين ثم تستشهد به على تأصيل سياسي شرعي جديد، فهذه والله مصيبة عظمى.
فهذا نموذج عملي لكيفية صنع الفتوى والقرار السياسي في الحركات الإسلامية إلا من رحم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر مجلة الراصد
http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=1370