البَلِيَّة بِمَا أُحْدِثَ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ بِدُونِ عِلْمٍ وَلا رَوِيَّة
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: البَلِيَّة بِمَا أُحْدِثَ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ بِدُونِ عِلْمٍ وَلا رَوِيَّة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    40

    Exclamation البَلِيَّة بِمَا أُحْدِثَ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ بِدُونِ عِلْمٍ وَلا رَوِيَّة

    البَــلِـيَّـة
    بِمَا أُحْدِثَ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ
    بِدُونِ عِلْمٍ وَلا رَوِيَّة





    بقلم: أبي عُبَيدِالله اليُوسُفِي –كان الله له-




    للتحميل بصيغة بي دي أف: http://www.4shared.com/file/11538416..._________.html

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوهوكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهمينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين[1]، وبعد:

    فالموَّفق من وفقه الله للزوم طريق الحق الوسط،فترك الغلو والوقوع في الجهالة والشطط، وكان في جميع أحواله متبعا للحق بالأدلة الواضحة والبراهين الساطعة، فيدُور مع الحقِّ حيثُما دار،ويجعل الدليلَ هو الفيصل والقرار، ولا يدعُ للهَوى أن يدْخُل بينَه وبين قَبول الحق، فالحق يُقبل أينما وُجِد، ويُطلبُ إذا فُقِد، وطَالِبه ينبغي أن يكون عَادِلا فِي نَفْسِه مُنصِفاً لغيره، مُتكلِّماً فيما يحسنه ساكتاً عما يجهله، تاركاً لما قد يسوءه، مبتعداً عما يضره، والضرر كل الضرر في نهك أعراض رجال صدقوا مع ربهم واقتدوا بآثار نبيهم، فكانوا لنهج الكتاب والسنة داعين وعن طرق الغي والضلالة محذرين. ومن وقع في أعراض أهل العلم وحملته، فاعلم أنه لا يكون إلا أحد رجلين:

    إِمَّا رجلٌ يجهلُ ما لأهلِ العِلمِ والدَّعوةِ مِن قَدْرٍ وَفَضْلٍ في شَرِيعَةِ رَبِّنَا.
    أو رجل مُقَلِّدٌ في جَرْحٍ وتَعْدِيلٍ بلا دَلِيلٍ ولا بُرْهَان إِلا قَالَ زَيدٌ أو قَالَ عَمْرو.

    أما الأول فيُنَبه إلى أن الجناية على العلماء خرقٌ في الدين، (وأنَّ أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل.)[2] و(كفى المرء شرًّا أن لا يكون صالحا، ويقع في الصالحين)[3]، وليَعْلم أن (من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله تعالى بموت القلب)[4]، فالحذر كل الحذر من الوقيعة في أهل الأثر، فالطاعن في العلماء لا يضرن إلا نفسه، ولا يستجلب بصنيعه الشنيع هذا - إلا أقبح الأوصاف وأرذل المراتب عند الله ثم عند الناس، فالقدح بالحامل ما يُفضي إلا إلى القدح فيما يحمله من الشرع والدين، شَعُر الجاني بذلك أم لم يشعر (!)، قال الإمام أحمد بن الأذرعي - رحمه الله -: ( الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب)[5]، وما ذلك إلا لأنهم ورثة الأنبياء الحاملين لِعِلمهم المبلغين لشريعة ربهم. ولهذا أطبق العلماء على أن من أعظم أسباب الفرقة والإختلاف ( الوقيعة في أهل العلم وحملته )، فالله سبحانه وتعالى رفع الذين آمنوا على من سواهم، ثم رفع أهل العلم على سائر الناس فقال: ) يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ( وقال جل وعلا: )قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ( ومن ثبت بقول الله فضله وتعظيمه، فتفضيله وتعظيمه شعيرة وحُرمة، قال تعالى:)ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ۗ( وقال: )ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ( فَحُرمة العلماء مُضاعفة وحقُوقُهم عَدِيدة، فَلَهُم كل مَاثَبَتَ من حُقُوقِ المُسلمِ عَلَى أَخِيه المسلم، وَلهم حُقُوق الشُّيوخ ذوي الشَّيْبِة المُسِنِّينَ، ولهم حقوق حملة القرآن الكريم، ولهم حقوق العلماء العاملين والأولياء الصالحين.
    فمن أساءَ إليهِم وَطَعَنَ فِيهِم بَغياً وعُدواناً وَلَو مُتأولا - بما زُيِّن لِبعض النَّاسِ سُوءُ عَمَلِهم فرأوه حسناً - فقد رَكِبَ مَتنَ الشَّطَط ووََقعَ في أَقبَحِ الحيفِ والغلط، ورحم الله من عرف قدر نفسه.



    ما الفضل إلا لأهل العلمإنهمُ :: على الهدى لمن استهدىأدلاء



    وقدر كلامرئ ما كان يحسنه :: والجاهلون لأهل العلمأعداء





    وأما الثاني فيُبيَّن له أن التَّنطع بتقليد كلام عالم في قرينه أو معاصره لا يحل - ناهيك أن يُنَصِّب المقلدُ نفسه مجتهداً فيما قلَّد فيه غيره -، فالعلماء بشر كالبشر قد يصيبون ويعتريهم العور، ولا عصمة لإمام سوى للأنبياء وسيد البشر، وما أنا في هذا إلا ناقل لما قرَّره الجهابذةُ الأوَّلون وسلفنا الصالحون، أنه ما من أحد إلا راد ومردود عليه إلا النبي المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه، فكلٌ قوله محتمل للخطأ والصواب، وهذا لا يغض من أقدارهم ولا يحط من منازلهم، بل هم في ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر )[6] والعالم المشتغل لابد له أن يُخطئ ولو في صغيرة.
    وقد صدق من قال قديماً:


    من ذا الذي ما ساء قط :: ومن له الحسنى فقط



    ولكن الواجب على علماء الأمة أن يُبينوا هذا الزلل، حفظاً للأمة منه[7]، إذ يُتابعه على ذلك نفر من الخلق تعصباً له وتقليداً، ومن أبلغ ما قيل في هذا ما صححه جهبذ السنة الإمام الألباني في تذييله على مشكاة المصابيح: ( عن زياد بن حدير الأسدي رضي الله عنه أنه قال: قال لي عمر رضي الله عنه -: هل تعرف ما يهدم الإسلام ؟!قال: قلت: لا ! قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين ) [8]


    قال الإمام ابن القيم رحمه الله - في إعلام الموقعين: ( من المعلوم أن الـمُخوِّف في زلة العالم تقليده فيها؛ إذ لولا التقليد لم يُخف من زلة العالم على غيره ...)


    فَإِن تَبيَّنت هذه الزَّلةُ وعُرفِ أنه قد أخطأ سواءاً كان راداً أو مردوداً عليه -، فلا يحِلُّ أن يُتَعَصَّبَ له فيما أخطأ فيه - وإن وافق ما نهواه -، فَلِكُلِّ جَوادٍ كبوة بل كبوات ولكل عالم هفوة بل هفوات، والمعصُوم من عصمه الله من التَّعصب والتقليد الأعمى، وقال كذلك رحمه الله -:
    ( ... فإذا عُرف أنها زلة لم يَجُز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين، فإنه اتباع للخطأ على عمد، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه ، وكلاهما مفرط فيما أُمِر به. )
    فإن الخطأ لا يُقبل أبداً - مهما عَلَت منزِلةُ قائله وعَظُمَ قدرُه، والرد يكون عليه فيما أخطأ فيه بأدب جم وعدل واعتدال لا بحط القدر والظلم والإنفعال، ولا يسوغ البتة - أن نترك ما عنده من الحق لمجرد أنه أخطأ.
    وصدق القائل:


    أتطلب صاحباً لا عيب فيه :: وأي الناس ليس له عيوب



    وأبلغ من هذا قول القائل:


    فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً :: فأفعاله اللائي سررن ألوفُ[9]



    وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: ( وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَئُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْت. وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَلَا نَتَّبِعَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وَأَمَرَنَا أَنْ لَا نُطِيعَ مَخْلُوقًا فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَنَسْتَغْفِرَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ. فَنَقُولَ: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } الْآيَةَ. وَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ . وَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ فَقَدْ عَدَلَ عَنْ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا: فَهُوَ مِنْ الظَّالِمِينَ. وَمَنْ عَظَّمَ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَأَحْسَنَ إلَى عِبَادِ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ ) [10]
    ومن القول الماتع الذي نُقل عن اللكنوي رحمه الله - في شرحه لكلام الأئمة المتقدمين، قوله: ( ... لا يقبل جرح المعاصر على المعاصر أي: اذا كان بلا حجة لأن المعاصرة تفضي غالبا الى المنافرة ) [11]


    وفي ضوء هذا يَظهَر لنا أن كلامَ الفردِ من أهلِ العلم في قَرِينِه أو مُعَاصِره من أهل السنة الذي بَانَت واتضَحت سَلامةُ سَبِيلهِ لا يُقبل إلا بالبيِّنةِ الجليَّةِ الواضحةِ التي لم يُداخِلها احتمالُ الإنتصارِ للنَّفس وحُظوظها، وأكثر ما يكون من كلام بعضهم في بعض يخرج مخرج الغيرة والحسد، وهذا قد يُعلَم بالقرائن.
    وعند ثُبوتِ عَدالةِ المُتكلَّم فيه، لا يُقبل جرحُه، وقَبيل ذلك ما يقوله أهل الإصطلاح أن من ثبتت عدالته لم يُقبل فيه جرح.

    قال الإمام أبو عبدالله محمد بن نصر المروزي رحمه الله - وهي كلمة دقيقة هامة: ( كل رجل ثبتت عدالته لم يُقبل فيه تجريح أحد حتى يتبين عليه بأمر لا يحتمل غيرُ جرحه )[12]

    عكسَ المنتَهجِ مِن كَثيرٍ مِن ذَوِي الوَجَاهةِ في عَصرِنا هذا، حملُ كلِّ قَولٍ على أَسوَءِ المحامِل وإن كَانَ بَعِيداً ومُتكلَّفاً. وفي ذلك أَعْجَبَني قَولٌ للشَّيخِ عبدالمحسن العبَّاد البدر البدر حقًّا حفظه الله - لما سُئِل عن مسألة مشابهة لهذا فقال: ( هذا يدلُّ على أن في النفوسِ شيئا.) (!)

    وقال الحافظُ الذهبي - رحمه الله - : ( كلامُ الأقرانِ بعضهم في بعض لا يُعبأ به، لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمتُ أنَّ عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس،اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم.) (!!)[13]

    وكثيراً ما كان يقول المُحدِّثُ الإمام ناصر الدين الألباني - رحمه الله -: "داء العلماء الحسد" وهذا يصُبُّ في دلو ما رواه سعيد بن المسيّب - رحمه الله - عن ابن عباس رضي الله عنهما - قال: « استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايرا من التيوس في زُرُبها (!) » وهذا حَاصِل ومُشاهَد، فقد تصدر منهم كلمات شديدة في حق بعضهم البعض، بل وحصل ذلك بين بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ومن ذلك ما نُسب إلى أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (وما عِلْمُ أبي سعيد وأنس بأحاديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانا غُلامين صغيرين )[14] وقد أفرد بخاري المغرب وحافظها الإمام أبو عمر ابن عبدالبر - رحمه الله - لهذا باباً خاصًّا في كتابه الماتع "جامع بيان العلم وفضله" أسماه: "باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض" فروى فيها روايات عن بعض التابعين والعلماء مِن بَعدِهم وكلام بعضِهم في بعض، وبيَّن أن هذا كله يُترك ولا يُلتفت إليه، وأنه لا يجوز الحكمُ على مُعَين بغير حجة ولا برهان، ولعله يَحسن استعراض بعض ما أورده - رحمه الله - في هذا الباب، وذلك للتمثيل بما نقله ليتضح مغزاه:

    روى الإمام ابن عبدالبر بسنده عن مغيرة قال: قدم علينا حماد بن أبي سليمان من مكة فأتيناه لنسلم عليه فقال لنا « احمدوا الله يا أهل الكوفة فإني لقيت عطاء وطاووسا ومجاهدا فلصبيانكم وصبيان صبيانكم أعلم منهم !! » قال مغيرة: هذا بغي منه.

    فقال الإمام أبو عمر ابن عبدالبر مُعلِّقاً: ( فهذا حماد بن أبي سليمان وهو فقيه الكوفة بعد النخعي القائم بفتواها، وهو معلم أبي حنيفة وهو الذي قال فيه إبراهيم النخعي حين قيل له: من يُسأل بعدك ؟ قال: حماد، وقعد مقعده بعده يقول في عطاء وطاوس ومجاهد وهم عند الجميع أرضى منه وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله وأرضى منه حالا عند الناس وفوقه في كل حال؛ إلى آخر كلامه.)

    فهذا حمّاد التابعي ! قد زكاه أئمة الإسلام وقتها، وكان خليفةَ إبراهيم النخعي في الفَتوَى، أَفيقالُ استناداً على هذا أن كلامَه في عَطاء وطاوس ومجاهد مقبول لمجرد كونه ذلكم العالم المجاهد، ولمجرد أن علماء ذلك العصر قد زكوه !! هذا مخالف للأصول ولا يقول به عاقل فضلاً أن يقول به عالم! وهذا لا يختلف فيه سَلَفِيَّان مقالاً وإن وُجد في بعضهم ذلك حالاً.

    وقال-رحمه الله-[15]: وهذا ابن شهاب (هو الزهري) قد أطلق على أهل مكة في زمانه أنهم ينقضون عرى الإسلام ما استثنى منهم أحدا، وفيهم من جلة العلماء من لا خفاء لجلالته في الدين، فعن ابن شهاب قال: « ما رأيت قوما أنقض لعرى الإسلام من أهل مكة.»

    وكما لم يَقبَل العلماءُ كلام الزهريّ - رحمه الله - في أهل مكة جملة وتفصيلاً، رُدَّ كلام شانئيه في عدالته بنسبته إلى بني أمية في عصره حتى قِيل أنَّك إذا رأيته حسبته جندٌ من جُندِ بني أمية.

    وفيه: عن الأعمش قال: « ذُكر إبراهيم النخعي عند الشعبي فقال: ذاك الأعور الذي يستفتي بالليل، ويجلس يُفتي الناس بالنهار !! قال : فذكرت ذلك لإبراهيم فقال:ذلك الكذاب لم يسمع من مسروق شيئاً!! »

    فكيف لو كان بعض أهل زماننا هدانا الله وإياهم - في عصرهم رحمهم الله ؟ هل كان لِينشُر قولَ إبراهيم في الشعبي أو العكس ويقول: قد تكلم فلان في فلان، وبما أنه قد تكلم فيه شيخنا الهُمام فهو منحرف ساقط، ومن أعرض عن الكلام فيه فهو مثله أو قارب !!

    وتأمل رعاكَ الله - فيما علَّق به الإمام ابن عبدالبر ومافيه من العدل والإنصاف إذ يقول: « معاذ الله أن يكون الشعبي كذابا بل هو إمام جليل، والنخعي مثله جلالة وعلما ودينا »

    وقال أيضاً - رحمه الله -: ( سمعت الفضل بن موسى يقول: دخلت مع أبي حنيفة على الأعمش نعوده فقال له أبو حنيفة: يا أبا محمد ، لولا التثقيل عليك لترددت في عيادتك أو قال: لعدتك أكثر مما أعودك، فقال له الأعمش:والله إنك لثقيل وأنت في بيتك فكيف إذا دخلت علي ؟ قال الفضل: فلما خرجنا من عنده قال أبو حنيفة: إن الأعمش لم يصم رمضان قط ولم يغتسل من جنابة، فقلت للفضل: ما يعني بذلك ؟ قال كان الأعمش يرى الماء من الماء ويتسحر على حديث حذيفة »

    وروى أبو سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي قال: سمعت جبير بن دينار قال: سمعت يحيى بن أبي كثير قال: « لا يزال أهل البصرة بِشَر ما أبقى الله فيهم قتادة!!!» قال : وسمعت قتادة يقول : « متى كان العلم في السماكين ؟ » يُعرِّض بيحيى بن أبي كثير وكان أهل بيته سماكين !! )

    يا فرحة المترصدين ويا سرور المتربصين ويا بهجة المتصيِّدين، لو وَجَدُوا مِثل هذا الكلام في وقتنا قد قِيلَ في عَالم أو داعية ذي بصيرة، لأسرعوا به فأشاعوه، ونشروه في كل موطن وأذاعوه، وإن قيل لهم ما هذا الصنيع وما هذا الفعل الشنيع ؟ لأجابوا: لا لوم علينا ! فإنََّا نحذر ممن حذر منه أهل العلم !! ونسوا أو تناسوا والله المستعان - أن هذا النوع من الجرح جُعلت له قواعد لإقامة المصلحة لا لهدمها، وذلك باعتبار عواقبها ومآلاتها.

    وروى ابن عبدالبر عن سلمة بن سليمان بسنده قال: قلت لابن المبارك: وَضَعْتَ من رأي أبي حنيفة ولَم تَضع من رأي مالك قال : « لم أره عِلماً ! »

    وذكر محمد بن الحسين الموصلي الحافظ أنه مما نقم على ابن معين وعُيب به قوله في الشافعي : « إنه ليس بثقة »وقيل لأحمد بن حنبل : إن يحيى بن معين يتكلم في الشافعي فقال أحمد: « ومن أين يعرف يحيى الشافعي هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي ؟ أو نحو هذا ومن جَهل شيئا عاداه »

    قال الإمام الحافظ أبو عمر: وكذلك كان كلام مالك في محمد بن إسحاق لشيء بلغه عنه تكلم به في نَسَبه وعلمه، والكلام ما رويناه من وجوه، عن عبد الله بن إدريس أنه قال: قدم علينا محمد بن إسحاق فذكرنا له شيئا عن مالك، فقال : هاتوا علم مالك فأنا بيطاره !! قال ابن إدريس: فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك لمالك فقال: ذاك دجَّال من الدَّجَاجِلة !! نحن أخرجناه من المدينة، قال ابن إدريس : وما كنت سمعت بجمع دجال قبلها يعني على ذلك الجمع"

    والحافظ ابن عبدالبر من عِلمِه وَإنصافه، أنه قبل عرضه لهذه الروايات قرر كلاماً حُقَّ له أن يُسَطَّر بماء الذهب، فقال:« قد غلط فيه كثير من الناس وضلت فيه نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم إمامته وبانت ثقته وبالعلم عنايته لم يُلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلةيصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة وسلامته من ذلك كله، فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبُت إمامته ولا عرفت عدالته ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه، والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماما في الدين قول أحد من الطاعنين، أن السلف رضي الله عنهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير، منه في حال الغضب ومنه ما حمل عليه الحسد، كما قال ابن عباس، ومالك بن دينار، وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم المقول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان وحجة توجبه (!)، ونحن نورد في هذا الباب من قول الأئمة الجلة الثقات السادة، بعضهم في بعض مما لا يجب أن يُلتفت فيهم إليه ولا يعرج عليه».

    ويا ليت نابتتنا مثل نابتة عصر الإمام ابن عبدالبر لكان الخطب أهون وأيسر، فهي أسوء قطعاً لا محالة، يحكم بذلك عليهم سوء صنيعهم ونتيجة فِعالهم المشاهدة عيانا من التطاول على أهل العلم وحملته بلمزهم وقدحهم والتنفير عنهم، وما حجتهم في ذاك إلا قال زيد وعمرو، ويكتفون بقوله ولا يتعدوه ! والواجب هو الإستفصال والإستفسار والتأكد والتثبت، يقول الحسن البصري - رحمه الله -: "المؤمن وقاف حتى يتبين" فيُنظر هل في الجرح بيّنة واضحة يصح الجرح بها ! وهل وقع هذا الجرح من باب إلزام القائل بمذهب أم بما يعتقده ويصرح به ويقرره (!).

    ونقل الحافظ ابن حجر العسقلانيعن الإمام الطبري - رحمهما الله -: ( لو كان كل من ادُعِيَ عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك: للزم ترك محدثيّ الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يُرْغَبُ به عنه. ) (!!) [16]

    والمصيبة تعظم – والله المستعان - إن عُقد الولاء والبراء على هذا بإلزام الناس بِتِلكُمُ الأقوال، وجعل الهجر والوصل مَرهُوناً بالتزامه، ويا ليتهم عَلِموا أنَّه لا يَحلُّ لِعالِم أن يحمِلَ غَيرَه على اجتِهَاده كَما قَالَ إِمامُ السُنَّةِ أحمد بن حنبل - رحمه الله -: (لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ويشتد عليهم. )[17] ومَا أَمتع ما كان يقوله العلامة الألباني - رحمه الله -: ( كَلامنا مُعلِم غير مُلزِم. )
    هذا قالوه في العالم المجتهد فما بالك بمن دونهم !


    والأنسَبُ مَعَ هَؤُلاءِ المتعَصِّبة للرِّجَال – أَعَاذَنا الله وَإِياكُم مِن ذَاك - أنهم يُنصحون ويُعلَّمون ويُبيَّنُ ويُدعى لهم، فإن استمرُّوا وأصرُّوا على الخطأِ تقليداً لِعالِم مَهما كَان عِلمُه وفَضلُه في اجتهاده مع ظهور الأدلة وجلائها وقيام الحجة واتضاحها، فقد تعصبوا ومالوا وبغوا وجاروا، ولا نملك حينئذ إلا أن نقول: "إخواننا بغوا علينا" وإلى الله المشتكى وإليه المآل.
    والمتأمل في كلام الإمام ابن عبدالبر - رحمه الله - - الأخير - ملياً، يجد أن الإمام - رحمه الله - قد أرشدنا إلى كيفية التعامل مع هذه الأقوال والأحوال، فوضَّح قائلاً: ( والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم إمامته وبانت ثقته وبالعلم عنايته[18]لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببيّنة عادلة (!) يَصِحُّ بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة )
    وقال: ( فمن أراد أن يَقبَل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات بعضهم في بعض فليقبل قول من ذكرنا قوله من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا، وكذلك إن قبل في سعيد بن المسيب قول عكرمة، وفي الشعبي وأهل الحجاز وأهل مكة وأهل الكوفة وأهل الشام على الجملة وفي مالك والشافعي وسائر من ذكرناه في هذا الباب ما ذكرنا عن بعضهم في بعض فإن لم يفعل ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده فليقف عند ما شرطنا في أن لا يقبل فيمن صحت عدالته وعلمت بالعلم عنايته، وسلم من الكبائر ولزم المروءة والتصاون وكان خيره غالبا وشره أقل عمله فهذا لا يقبل فيه قول قائل لا برهان له به، وهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله. )

    وقريب منه قول التاج السبكي - رحمه الله -:(الصواب عندنا: أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه، من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا فلو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه؛ لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون ...)[19]
    إلى آخر ما قال ومن أراد الإستزادة فعليه الرجوع إلى الأصل.

    وبهذا يُعرف أنه لا يكاد يَسْلمُ أحد من كلام الآخَرين، حتى يُدَّعى على المرء ما ليس فيه، ويُتّهم بما هو منه براء، وهذا حاصل ومشاهَد، فعلى المرء التَّريث والتَّثبت من حقيقة الجرح وظروفه وملابساته، فهذا واجب لازم لا مناص منه -لمن أراد أن يسلم من المظالم يوم القيامة-، وانعدامه مظنة للظلم وتحققه ونشر للكذب وتسلطه.
    قال تعالى: )وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ([20]
    وقال عليه الصلاة والسلام: ( من قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال، حتى يخرج مما قال )[21]
    وقد قيل قديماً:


    فلست بناجٍ من مقالةِ طاعن :: ولو كنتَ في غارٍ على جبلٍ وعرِ




    ومن ذا الذي ينجو من الناسِ سالماً :: ولو غاب عنهم بين خافتي نسر



    وقال العلامة عبدالرحمن السعدي - رحمه الله -: ( من الغَلَطِ الفَاحِش الخطير: قبول قَولِ النَّاس بعضهم ببعض, ثُم يبني عليه السَّامِعُ حُبًّا وبُغضاً وَ مَدحاً وذمًّا فَكَم حَصَلَ بهذا الغلط من أمور صار عاقبتها النّدامة وكم أشاعَ النّاس عن الناس اموراَ لاحقيقة لها بالكلية فالواجب على العَاقِل: التثبت والتحرز وعدم التسرع وبهذا يُعرف دين العبد وَرَزانته وَعَقلَه ) [22]

    ولكن الذي بتنا نراه في أيامنا، الخدَّاعات هاته؛ فَشْو القلم - كما نبأ به صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم -[23] من هنا وهناك بدون أدنى تثبت وتبيّن، حتى يُتَّهم الدعاة والمصلحون الذين تشَهِد لهم كتاباتهم ودعوتهم وثمرة أعمالهم والناس أجمعين بسَلامة الطَّوِيَّة وحُسن الأقوالِ والفِعال والهويَّة، فيتمسكون بمتشابه كلامهم ومُجمله، دون الرُّجوع إلى مُفصَّلِه – كما هو صنيع أهل الأهواء - الذي يُقررونه ويتبنوه، وقد يكون كلامهم مُحتَمِلاً لوجوه، فلا ينبغي بله لا يحل أن يُحمل على أسوئها مع إهمال حُسن الظن الذي يقتضيه ما عرفناه وعرفوه عنهم –والله حسيبهم- من دعوة على منهج أهل الأثر.
    وقد قال عمر بن الخطاب - رضيالله عنه -: ( لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنتتجد لها في الخير محملاً. )[24]
    أهْلُ السُنَّـةِ إذا قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عقائدهم

    وَأَهْلُ البِدْعَـةِ إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    40

    افتراضي رد: البَـلِـيَّـة بِمَا أُحْدِثَ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ بِدُونِ عِلْمٍ وَلا رَوِ

    وبتلكم الطريقة الرديئة الوخيمة والحجج الواهية اللئيمة يتعلقون، وبها دعاة السنة يُسَقَّطُون، وإلى تبديعهم وهجرهم الناس يَدْعُون، وليس في جُعَبِ هؤلاء في الأغلب اللهم إلا بعض العمومات والإطلاقات التي قد تقع في كلام أؤلئك أو مما قد يَسبق به اللِّسان أو يزلُّ به القلم والبَنان مما لا تَتبُتُ به حجة عند الكريم الرحمن يوم تُعرَضُ في الأعمال وما يُخفيه الجنان، ولو أنهم – هدانا الله وإياهم- تمهلوا ثم تثبتوا وتحلوا بالأناة، بعدما سألوا ومن قبلُ الله راقبوا، لعلِموا أن أؤلئك على خلاف ما قد ظنوا أو إستساغوا فهمه، ولكن العصبية العمياء ومماشاة الدهماء أعمت أصحابها عن إدراك الحقائق واستبصار المقاصد العظيمة لهذا الدين الحنيف.

    وقد قيل:


    وعين الرضا عن كل عيب كليلة :: كما أن عين السخط تبُدي المساويا


    وقيل أيضاً:


    نظروا بعين عداوة لو أنها :: عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا



    وأما الفاجعة الأخرى - كأن الأولى لم تكفي - حمل هذا الصنيع بعضَ الدعاة الأخيار إلى الإنزواء والإبتعاد عن ساحة التدريس والتربية والدعوة، صيانة لأعراضهم من الإفتراءات وخوفاً على حياة قلوبهم من الصراعات، وفي مثل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: ( إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ. )[25]


    وما أمتع ما قاله الشيخ بكر أبو زيد - رحمة الله عليه -:( ومِن طرائقِِهم: ترتيبُ سوء الظنِّ،وحملُ التصرُّفاتِ -قولاً، وفِعلاً - على محامِلِ السُّوء والشُّكُوك. ومِنه: التناوُش مِن مكانٍ بعيدٍ؛ لحَمْلِ الكلامِ على مَحامِل السُّوء- َبعْدَ بذْل الهَمِّ القاطِع للترصُّد، والتربُّص-والفرح العظيم بأنَّهُ وَجَدَعلى فُلان كذا ! وعلى فلان كذا !!
    ومتى صارمِن دِين الله: فرُح المسلم بُمقاَرفةِ أخيه المسلم للآثام ؟!
    ألا إنَّ هذا التَّصَُّيدَ داءٌ خبيثٌ؛ مَتَى ماتمكَّن مِن نفس أطفأ ما فيها مِن نور الإيمان، وصَيَّرَ القلبَ خراباً يباباً، يستقبلُ الأهواءَ والشهواتِ، ويُفرِزُها- نعوذُ بالله مِن الخذلان.)[26]


    ولنعتبر بما قاله الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:(فإنني في بعض الأحيانقد يبدر مني أثناءحديثي عبارات في أشخاص أو كلمات في أعيانأو هيئات، ماقلتهاإلاغيرة على الدين واهتماماً بأحكامه، لاتحريضاً على أحد ولاإثارةلأحقاد وليس هذا غريباً من أمثالنا نحن الخلف والمحاطين بظلمات من الفتن، فقد صدر نحوها أو مثلها -أو هو أقسى منها- من الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعضالصحابة، مثل قول أحدهم للرسول صلى الله عليه وسلم: ماشاء الله وشئت يارسول الله، فقال: ( أجعلتني لله ندا ؟ )، وقوله صلى الله عليه وسلم لذلك الخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد،ومن يعصيهما فقد غوى. فقال عليه الصلاة والسلام ( بئس خطيب القوم أنت ) فمثل هذه الكلمات لايجوز أن يبنى عليها اتهام لقائليها، ولكن ابتلينا في العصر الحاضر بأناس يتتبعون العثرات والمتشابهات ويعرضون عن المحكمات الواضحات المؤكدات لما قلنا ، بقصد إيقاع الفتنة بين الإخوة المؤمنين، أو بينهم وبين بعض أولياء الأمور ، ولذلك رأيناأننعدل بعض الكلمات التي تبين لنا بعد دراسة محتويات كثير من الأشرطة المنسوخة أنها من ذاك القبيل، وأنالأولى عدم النطق بها، ثم ليمت المفسدون في الأرض غيظاً،أولئك الذين قال الله في حق أمثالهم { وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} وقال نبينا صلى الله عليهوسلم: (يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لاتغتابوا المسلمين، ولاتتبعواعوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع اللع عورته فضحهولو في جوف بيته)[27]

    وهذا الإمام ابن القيم - رحمه الله - يعقد في كتابه إعلام الموقعين فصلا أسماه: [ لا بد من اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ ] وقال: ( وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ ، وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدا لها مريدا لموجباتها ، كما أنه لا بد أن يكون قاصدا للتكلم باللفظ مريدا له ، فلا بد من إرادتين : إرادة التكلم باللفظ اختيارا ، وإرادة موجبه ومقتضاه ، بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ )[28]
    وقال أيضاً -رحمه الله-: ( وسأله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط ، فقال : إن لي بمكة مالا ، وإن لي بها أهلا ، وإني أريد أن آتيهم ، فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا ؟ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء. ذكره أحمد .
    وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائله معناه إما لعدم قصده له ، أو لعدم علمه به ، أو أنه أراد به غير معناه ؛ لم يلزمه ما لم يرده بكلامه ، وهذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله)[29]

    وقال: ( وأما سبق اللسان بما لم يرده المتكلم فهو دائر بين الخطأ في اللفظ والخطأ في القصد ؛ فهو أولى أن لا يؤاخذ به من لغو اليمين ، وقد نص الأئمة على مسائل من ذلك)[30]


    أما تقليد الرجال ولو كانوا علماء فضلاء فقد نهى الله سبحانه وتعالى عنه في مُحكم تنزيله فقال جل وعلا: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)[31]

    وقد نهى الصحابة رضي الله عنهم والأئمة من بعدهم عن تقليدهم، فهذا الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول: ( ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمنوإن كفرَ كفر، فإنه لا أسوة في الشر )

    وما ذاك إلا لأن المقلد لا يُبصِر إلا ظاهر الأمور التي يراها، ومجرد إبصاره لهذا الشيء لا تعني فقهه وإدراكه لها، فحصولهما يستلزمان وجود العلم الكافي والنظر والتبيّن عنده. وهذا ما يتعارض مع التقليد الذي يعمل على تعطيل العقل والتفكير وتجاهل الحجة والدليل الذي يؤدي بصاحبه للإعراض عن الحق والهدى والوقوع في الباطل والردى، و من أجل ذلك عابه ربنا جل وعلا في كتابه فقال: )وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا (

    فلذاك لم نجد أحداً من الأئمة المتبوعينَ يُسيغُ لأتباعه تقليده من غير حجة ولا دليل، بل نهوا عنه وزجروا، وللدليل والبرهان بواضح الحجة وسَاطِع البيان أوصوا ذويهم وتلامذتهم ومحبيهم وأمروا، وعلى رأسهم أصحابُ المذاهب الأربعة المشهورين – رحم الله الجميع -:

    قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس – رحمه الله - يقول: ( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ماوافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.)

    وقال: ( ليس أحدبعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم.)


    وقال الإمام أبوحنيفة النعمان بن ثابت - رحمه الله -: ( لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه.) وقال: ( حرامعلى من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، فإننا بشر نقول القول اليوم ، ونرجع عنه غدا. )

    وقال: ( إذا قلت قولا يخالف كتاب الله، وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركواقولي. )



    وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي – رحمه الله -: ( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة من سنن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وتغيب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل فيه عند الرسولصلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوقولي. )

    وقال: ( إذا صح الحديث فهو مذهبي. )

    وقال: ( انظروا في قولي، فإذا رأيتموه يوافقحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا به، وإذا رأيتموه يخالفه فاضربوا به عرضالحائط. )


    وقال إمام السنة أحمد بن حنبل – رحمه الله -: ( كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلىالله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت ، فأنا راجع عنه في حياتي وبعد موت. )
    وقال: ( لا تقلدني، ولا تقلد مالكا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري،وخذ من حيث أخذوا.)[32]


    ولقد نظم بعض أهل العلم هذه الأقوال فجمعها واختصرها قائلاً:



    وقول أعلام الهدى لا يعمل :: بقولنا بدون نص يفهم
    فيه دليلالأخذ بالحديث :: وذاك في القديم والحديث
    قال أبو حنيفةالإمام :: لا ينبغي لمن له إسلام
    أخذاً بأقوالي حتى تعرض :: على الحديث والكتاب المرتضى
    ومالك إمام دار الهجرة :: قال وقد أشار نحو الحجرة
    كل كلام منه ذو قبول :: ومنه مردود سوى الرسول
    والشافعي قال إنرأيتم :: قولي مُخالفاً لما رويتم
    من الحديث فاضربوا الجدار :: بقولي المخالفالأخبار
    وأحمد قال لا تكتبوا :: ما قلته بل أصل ذاك فاطلبا
    فانظرمقالات الهداة الأربعة :: واعمل بها فان فيها منفعة
    بقمعها لكل ذي تعصب :: والمنصفون يكتفون بالنبي




    فإن كان تقليد الأئمة من السلف - الذين زكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - خلاف الدليل مذموماً، فكيف بتقليد المتأخرين الذين جائوا بعدهم بأمد طويل ؟ ومن عاب تقليد الأولين فيما قد يكون خيراً، فمِن باب أولى إلزام نفسَه بِعدَم تقليدِ المتأخرين فيما هو قطعاً شرًّا !!

    فتنبه – رحمنا الله وإياك - واعلم أنه لا يجوز أبداً في أي حال من الأحوال تنصيب أحد من الناس وإلزام العِباد باتباعه دون برهان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: ( من نصَّب إماماً فأوجب طاعته مطلقاً اعتقاداً أو حالاً فقد ضل في ذلك كأئمة الضلال الرافضة الإمامية حيث جعلوا في كل وقت إماما معصوما تجب طاعته فإنه لا معصوم بعد الرسول ولا تجب طاعة أحد بعده في كل شيء والذين عيّنوهم من أهل البيت منهم من كان خليفة راشداً تجب طاعته كطاعة الخلفاء قبله وهو علي، ومنهم أئمة في العلم والدين يجب لهم ما يجب لنظرائهم من أئمة العلم والدين كعلي بن الحسين، وأبي جعفر الباقر، وجعفر ابن محمد الصادق. ومنهم دون ذلك. وكذلك من دعا لاتباع شيخ من مشايخ الدين في كل طريق من غير تخصيص ولا استثناءوأفرده عن نظرائه كالشيخ عدي؛ والشيخ أحمد؛ والشيخ عبد القادر؛ والشيخ حيوة؛ ونحوهم. وكذلك من دعا إلى اتباع إمام من أئمة العلم في كل ما قاله وأمر به ونهى عنه مطلقاكالأئمة الأربعة ) [33]

    وقال الإمام الشاطبي - رحمه الله -: ( تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعيالمطلوب شرعاً ضــلال) [34]

    فالإستدلال والإحتجاج، يكون بالنصوص لا بالشخوص، يقول ابن الجوزي - رحمه الله -: (واسمع مني بلا محاباة: لا تحتجن علي بأسماء الرجال ، فتقول: قال بشر، و قال إبراهيم بن أدهم ) [35]
    وهذه والله لمن أعظمالمننالتي من الله بها علينا – معشر المسلمين - أن جعل ديننا دين علم ودليل وتأصيل وتقعيد، لا دين آراء وتزيين وكثرة في القيل والمقيل.

    ومَثَلُ هذا التقليد قد يؤدي بصاحبه حتماً الوقوع فيما وقع فيه أهل البدع والأهواء من قَبلُ، قال الإمام أبو الحسن الأشعري – رحمه الله - في الإبانة: ( أما بعد فإن كثيراً من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضي من أسلافهم فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل الله به سلطاناً ولا أوضح به برهاناً ولا نقلوه عن رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف المتقدمين. )

    وما ذاك إلا من باب حُسن الظن برؤسائهم وبمن سبقهم من كبرائهم، قال الإمام ابن القيم –رحمه الله- في اجتماع الجيوش: ( ثم يعزم له التقليد وحسن الظن برؤسائه وسادته على اتباع ما قالوه دونها، ويقول مسكين الحال: هم أخبر بها مني وأعرف. )

    قال الله جلَّ في علاه وتعالى في عالي سماه : )أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)[36](
    قال الإمام الطبري في تفسيرها: ( وفي هذا دليل على إبطال التقليد )

    وقال الإمام الشوكاني في تفسير هذه الآية المتقدمة: ( وهذا من أعظم الأدلة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنمايعملون بقول أسلافهم ويتبعون آثارهم ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أنيخرجهم منالضلالة أو يدفعهم عن بدعةقد تمسكوا بها وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نيِّر ولا حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل: لشبهة داحضة وحجة زائفة ومقالة باطلة.) [37]


    وقال الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه الله-:( ويقال لمن قال بالتقليد: ما الفرق بينك وبين من قلد غير الذي قلدت أنت، بل كفّر من قلدته أنت أو جهّله.
    فإن أخذ يستدل في فضل من قلده كان قد ترك التقليد، وسلك في طريق الاستدلال من غير التقليد، وقد أفردنا في إبطال التقليد باباً ضخماً قرب آخر كتابنا هذا استوعبنا فيه إبطاله وبالله التوفيق.)[38]



    وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر –رحمه الله- في كتابه الجامع، ( باب فساد التقليد ونفيه ):
    ( قال لمن حكم بالتقليد : هل لك من حجة فيما حكمت به ؟ فإن قال : نعم، أبطل التقليد ؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد (!))
    و قال:
    ( يُقال لمن قال بالتقليد : لم قلت به ؟ وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟
    فإن قال : قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم أحصها .والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني .
    قيل له : أما العلماء ، إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه . ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض . فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض. وكلهم عالم ، والعالم الذي رغبت عن قوله ، أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه .
    فإن قال : قلدته لأني أعلم أنه صواب .
    قيل له : علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟
    فإن قال نعم . أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل .
    وإن قال : قلدته لأنه أعلم مني .
    قيل له : فقلد كل من هو أعلم منك .
    فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه انه أعلم منك .
    فإن قال : قلدته لأنه اعلم الناس .
    قيل له : فإنه إذا أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا .
    فإن قال : قلدته لأنه أعلم الناس .
    قيل له : فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم ، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟
    على أن القول لا يصح لفضل قائله ، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.(!) )


    ولو كان هذا المقلد يكتفي بإلزام نفسه لهان الخطب وسهُل، ولكن الداهية الدهماء والنازلة الصماء من هذه التَّبعية العمياء هي وصول الأمر إلى إِلزَامِ الناس ما لا يَلْزَمُهُم، وتقعيد قواعدَ أساسها تقديس آراء المشايخ وإيصالها إلى حد العصمة وإن كان ذلك حالاً لا مقالاً في الأغلب، وجعل الحق محصوراً في أعيان الناس وآحادهم وتتبع زلات مخالفيهم -فيما قد يسوغ فيه الخلاف وتتسع له الصدور-، هذا والله مخالف لأصول أهل السنة المحكمة المتينة، وقواعدهم المتقنة الدقيقة، ومقاصدهم النبيلة، وهذا الصنيع-وللأسف- من أعظم الأسباب التي حُجِب بها كثير من الناس عن العلم وأهلهوسبيله وضربه، فأبعدوهم عن الطريق السنية وألزموهم طريق التقليد الردية، ولله المشتكى من عظم البلية.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: ( ولا يجوز لأحد أن يُرجح قولا على قول بغير دليل، ولا يتعصب لقول على قول، ولا قائل بغير حجة. بل من كان مقلدا لزم حُكم التقليد، فلم يُرجِّح ولم يزيف ولم يُصوِّب ولم يُخطئ
    )[39]


    وقال الشيخ أحمد بن حسن المعلم - حفظه الله – متمثلاً لمثل هذا:



    ونحارب التقليد طول زماننا :: مع حبنا للعالم المتجرد
    وكذا الأئمة حبهم متمكن :: من نفس يا برية فاشهدي
    وترق أنفسنا لرؤية من غدا :: في ريقة التقليدشبه مقيد
    إنا نرى التقليد دائا قاتلا :: حجب العقول عن الطريق الأرشد


    جعلالطريق على المقلد حالكا ::فترى المقلد تائها لا يهتدي


    فلذا أبتدئنا باجتثاث جذوره ::من كل قلب خائف متردد

    ولسوف ندمل دائه و جراحه :: بمراهم الوحيالشريف المرشد










    وحسبك في هذا كلِّه ما قاله الإمام ابن عبدالبر – رحمه الله - بعد إيراده لتلك المقالاتالتي سبق ذِكرُها، خاتماً لكلامه بقوله: « وهذا مما ذكرنا مما لا يُسمع من قولهم ولا يُلتَفَتُ إليه ولا يُعرج عليه !!»

    فالذي يجب حُسنُ معرفته هو أن علم الجرح والتعديل -الذي حفظ الله به السنةَ- ليس بنشر القال والقيل، وحب تتبع العورات وتقصد افتراء الأباطيل، واتهام الأفاضل بغير حجة ولا دليل، وإسقاطِ نُظَّار أهل السنة تِباعاً من غير برهان قاطع ولا تفصيل، فهذا – ومثله - كله لا يصدر إلا من صغار أحداث مجاهيل، مفتقرين للتقعيد والتأصيل، ولم يُجعل هذا العلم لمثل هذه الأصناف، من المتعالمين الأنصاف، البعيدين عن العدل والإنصاف، وإنما المعنيون به هم أصحابه وأهله الراسخون العارفون به، من العلماء الكبار[40] الذي حري بهؤلاء الصغار أن يرجعوا إليهم في تلك الأمور العظام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( البركة في أكابركم )[41] فلا يجوز لهؤلاء ولا ينبغي لأمثالهم أن يتكلموا في المشكلات الشائكات التي تضّل عندها الأفهام وتزّل فيها الأقدام ولا ينفع فيها النِّدام، ومِثل هذا لا يصلح له إلا من كان ذو علم وفِهام للأدلة والأحكام، قادراً على الإستنباط وتقدير المصالح من المفاسد مع تطبيقها بِحكمة ونصح وإرشاد والله الموفق لما فيه الصلاح والرشاد.
    قال فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -: ( لا ينبغي للطلبة المبتدئين وغيرهم من العامة أن يشتغلوا بالتبديع والتفسيق، لأن ذلك أمر خطير، وهم ليس عندهم علم ودراية في هذا الموضوع، وأيضا هذا يُحْدِثُ العداوةَ والبغضاءَ بينهم. فالواجبُ عليهم الإشتغالُ بطلب العلم، وكف ألسنتهم عما لا فائدة فيه، بل فيه مضرة عليهم وعلى غيرهم )[42]

    فالمقصود أن المسائل المعضلات المشكلات التي لا يُدرك فيها الباطل من الحق كل أحد لا يجوز أن يدخل فيها أي أحد، أما المسائل الواضحات والمنكرات الظاهرات والبدع المعلومات فلابد من كل أحد أن يُبلِّغ حسب ما عَلِمَ وقَدِر !

    وإن كانت أغلب هذه النقولات عن العلماء ليست أدلة في حد ذاتها، ومنهج السلف الصالح يأبى أن تكون كذلك، كون أن الدليل عندهم قال الله قال رسوله قال الصحابة، ولكنْ نستأنس بأقوالهم ونستنير - كما قالوا قديماً: أقوال العلماء معتَبرة - لاسيما إن تظافرت بنفس القوة في المسألة الواحدة، فكأنها تنهل - بل تنهل قطعاً - مِن مَنبع واحد وتَصُبُّ في مجرى واحد، فبذلك يمكن أن نستخلص أن لأهل العلم منهج يجب أن يُتَّبع في مثل هذه المسائل، ورحم الله امرءاً عرفها فلزمها.

    وما أحسن قول الإمام الصنعاني - رحمه الله - إذ يقول:

    على ما جعلتم أيها الناس ديننا :: لأربعة لا شك فيفضلهم عندي
    هم علماء الأرض شَرقا ومَغْرِبا :: ولكن تقليدهم فيغد لا يجدي
    ولا زعموا حاشاهموا أن قولهم :: دليل فيستهديبه كل من يهدي
    بل صرّحوا أنّا نقابل قولهم :: إذا خالفالمنصوص بالقدح والرد





    ولعله يَحسُن فِي خِتَام هذه السطور المتواضعة أن أنقل كلاماً جامعاً للحافظ ابن عساكر الدمشقي- رحمه الله - إذ يقول: ( واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة،وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هممنه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والإفتراء مرتع وخيم، والإختلاق على منإختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم، والإقتداء بما مدح الله به قول المتبعين منالإستغفار لمن سبقهم وصف كريم، إذ قال مُثنيا عليهم في كتابه وهو بمكارم الأخلاقوصدها عليم، )وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( والإرتكاب لنهيالنبي صلى الله عليه وسلم عن الإغتياب وسب الأموات جسيم،)فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ() [27][43]

    وكلمة جامعة أخرى للإمام ابنُ القَيِّم - رحمه الله - إذ يقول في الوابل الصيب: ( وَاعلَم أنَّ الحسرَةَ كُلَّ الحسرَةَ الإشتِغَالُ بمن لا يَجُرُّ عليكَ الإشتغالُ به إلا فَوتُ نَصِيبِكَ وحَظِّكَ منَ اللَِّه عزَّ وجَلَّ، وانقِطَاعكَ عنهُ، وضَياعُ وقتكَ عليكَ، و شَتاتُ قلبِكَ وضعف عزيمتكَ، وتَفرُّقُ هَمِّكَ. فإذَا بُليتَ بهَذا - ولابدَّ لك منهُ- فعَامِل اللهََ تعالى فيهِ، واحتسب عليه ما أمكَنكَ، وتقرَّب إلى اللهِ تعالىبمرضاتِه فيه، واجعَل اجتمَاعكَ به متجراً لك، لا تجعَلهُ خسارةً، وكن معهُ كرجُلٍ سائِرٍ في طَريقِه عرضَ لهُ رجُلٌ أَوْقَفَهُ عن سَيرهِ، فَاجتهِدْ أنْ تَأخُذَهُ معَكَ وتسيرَ به، فتحمِله ولا يَحملُك، فإنْ أبَى ولم يَكُنْ في سيرهِ مَطْمَعٌ، فَلا تَقفْ مَعهُ بلْ اركَب الدَربَ وَدَعهُ ولاتَلتَفِتْ إلَيهِ، فإنَّهُ قَاطِعُ الطَّريق ولَو كَانَ منْ كان، فَانْجُ بقَلْبِكَ وضن بِيَوْمِكَ ولَيْلَتكَ، لا تَغرُب عَلَيكَ الشَمسُ قبْلَ وُصُولِ المنزلة، فَتُؤخَذ أَوْ يَطلع عَليكَ الفَجرُ وَ أَنْتَ في المنزلَة فَيسِيرُ الرِّفاقُ تَصبِح وحدَكَ وأنَّى لَكَ اللَّحاقُ بهِم.)

    هذا ما يسر الله كتابته على عُجالة، وأسأل الله أن أكون قد وفيتُ حقه وإن كانت المسألة تستدعي أكثر من هذا وأطول، لكنه لضيق الوقت وخشية السأم فضلت الإختصار على التطويل والله الموفق لما فيه الخير الجميل، وللكلام بقية بإذن الله العزيز الحليم، وصلى الله على نبيّنا الصادق الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمدلله رب العالمين.



    الأربعاء 8 رجب 1430هـ


    الموافق: 1/7/2009م
    أهْلُ السُنَّـةِ إذا قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عقائدهم

    وَأَهْلُ البِدْعَـةِ إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    40

    افتراضي رد: البَـلِـيَّـة بِمَا أُحْدِثَ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ بِدُونِ عِلْمٍ وَلا رَوِ

    [1] خطبة الإمام أحمد بن حنبل لكتابه الرد على الجهمية والزنادقة.
    [2] قول الإمام الطحاوي في عقيدته.
    [3] من كلام مالك بن دينار، صفة الصفوة، للإمام ابن الجوزي (3 / 286)، وشعب الإيمان للإمام البيهقي رقم (6780).
    [4]قول الحافظ ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص 28)
    [5]الرد الوافر، للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ص197)
    [6] صححه العلامة الألباني رحمه الله - في إرواء الغليل (2598)
    [7]يُبيَّن بالدليل والحق المنيع، ونقده ونقضه يكون بأدب العلماء الرفيع وتعبيرهم البديع، من دون تمييع ولا تشنيع، بله التقريع والإسقاط والتبديع، كما هو دأب أولي سوء الصنيع أعاذنا الله وإياكم من سيء الأخلاق والعمل الشنيع !!!

    [8] رواه الدارمي وصححه الألباني في مشكاة المصابيح.
    [9]هذا لمن عُرفت سلامة أصوله كما هو معلوم، ولكني رأيت التنبيه عليه احتياطاً !!
    [10]مجموع الفتاوى ( ج32 ص 239 )

    11(الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) (ص409)، بتحقيق عبد الفتاح أبي غدة رحمه الله وغفر له.
    [12] تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر ( ج7 ص 273 )
    [13] ميزان الإعتدال، للإمام الذهبي ( ج1 ص 111 )
    [14]المعجم الكبير، للإمام الطبراني( ج1 ص 249 )
    [15] لازال القول للحافظ ابن عبد البر رحمه الله -.
    16 هدي الساري مقدمة فتح الباري، للحافظ ابن حجر (ص 428)

    [17] الآداب الشرعية، لابن مفلح، )ج1 ص166(
    [18] ويلحق بهم من كان على دربهم وسار على نهجهم في اتباع السنة وتقفيها والدعوة إليها وتحريها.
    [19] قاعدة في الجرح و التعديل، للتاج السبكي (ص3)
    [20] سورة النساء: الآية 112
    [21] إرواء الغليل: (2318)
    [22] الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة فى العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة،للعلامة عبدالرحمن السعدي(ص209)

    [23]قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تُعِينَ المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق ) رواه أحمد (1/407)، وقال أحمد شاكر إسناده صحيح.
    [24]ذكره ابن كثير في تفسير سورة الحجرات.
    [25] صحيح مسلم (4693)
    [26] تصنيف الناس بين الظن واليقين (ص32)، للعلامة بكر أبو زيد – رحمه الله-.
    [27] مقدمة مجموع فتاويه (1/5) بإملائه -.
    [28] إعلام الموقعين، للإمام ابن القيم رحمه الله - (3/53).
    [29] (4/322).
    [30] (3/107).
    [31] سورة الأعراف: الآية 3
    [32]منقولة من كتاب صفة صلاة النبي، للعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني ص(25 و26 و27 و28)

    [33] مجموع الفتاوى (ج19 ص69)
    [34] الاعتصام (ج2 ص 355)
    [35] صيد الخاطر (ص 32)
    [36] سورة الزخرف: الآية 21 و 22 و 23

    [37] فتح القدير، تفسير سورة الزخرف
    [38]الإحكام في أصول الأحكام، للإمام أبي محمد ابن حزم، الباب الثالث من الجزء الأول.
    (233/35) مجموع الفتاوى[39]
    [40] هم أكثر من أن يُقيدوا بعدد ويحصروا بأعيان.
    [41]السلسلة الصحية (1778).
    [42] المنتقى من فتاويه (ج2 رقم 181)
    [43]تبيين كذب المفتري، للحافظ ابن عساكر (ص 29)
    أهْلُ السُنَّـةِ إذا قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عقائدهم

    وَأَهْلُ البِدْعَـةِ إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •