أما الحافظ ابن رجب رحمه الله فأكتفي في بيان وكشف ما ألصقه به الأستاذ بجملة واحدة ، قال في "فضل علم السلف" (ص31):
"... فأما ما اتفق السلف على تركه؛ فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به".
وسيأتي عنه تقرير أن كل بدعة ضلالة وأن البدعة شرعا لا يوجد فيها مستحسن

وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فاحتجاج الأستاذ به على ما طرحه من مفاهيم باطلة وإلصاقها به فهو من أظهر ما قام به الأستاذ من مجانبة لأمانة العلم وخروج عن أدب الدعوة إلى الله ، يشهد بفحش صنيعه والله وبالله وتالله كل من له صلة ولو ضعيفة بالعلم ولو من طائفته التي ينصرها .
أنا لا أتكلم عن مجرد ذكره له في مسألة السبحة أو مسألة إهداء القرآن للميت ، فهو لم يقتصر على هذا وإنما أتكلم عن حرصه على إيهام السامع بأن شيخ الاسلام معه في تعريفه للبدعة عندما نقل تعريفا لابن تيمية وشرحه بما يوافق مذهبه ، وحرص على بيان أنه معه في مفهوم البدعة الذي قرره الأستاذ ، وأنه في مسألة السبحة وإهداء القرآن قد برهن على موافقته له في أصل الموضوع بناء على أنه نموذج لغيرها ، وكلامه واضح جدا .
ومن ذلك عندما كان يتكلم عن الموضوع ككل وعن المفهوم الذي طرحه ودافع عنه قال مخاطبا مخالفه :
( سيبك مني أنا ، رد على الشافعي رد على ابن تيمية ..)
ولم يكن يتكلم عن تطبيق معين أو مثال معين وإنما على مجموع ما طرحه
وأكده أيضا عندما قال في كلام عام عن الموضوع لا عن مسألة منه :
( أوعى أقول لك قال ابن تيمية أو الشافعي أو مالك بتقول أنا بس سمعت في الشريط الشيخ قال كده )
فالرجل ينادي بأن ما عرضه من معنى للبدعة موافق لابن تيمية
وحرص على أن يبين للمشاهد أن شيخ الإسلام ضد مخالفيه في هذا الباب
وهذا والله عمل منافي للأمانة ويعلمه الأستاذ يقينا لكنها سياسة أهل الباطل المنافية لتعاليم الإسلام ويظنونها شطارة وذكاء وكياسة
وفاتهم أن هذه هي الغفلة الحقيقية والله ، وصدق الصديق أبوبكر رضي الله عنه عندما قال :
" إن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور "
لكن ( من يهن الله فما له من مكرم ) ( ومن يضلل الله فماله من هاد )
( وما الله بغافل عما تعملون )
وإليك طرفا من كلام شيخ الإسلام الذي أغمض عنه الأستاذ عينيه
وسيأتي له مزيد أمثلة عند ذكر التطبيقات ، وأيضا سيأتي إبطال شيخ الإسلام لتقسيم البدعة إلى مستحسنة ومستقبحة بل وتشديده على من يقسمها .
وسأبدأ ببعض المسائل التي طرحها الأستاذ كأمثلة عنده لما ليس بدعة وسفه فيها الأستاذ من يقول بالبدعية

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - أَغْدَقَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ عَلَى رُوحِهِ الزَّكِيَّةِ - عَنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَمْ لَا ؟
أَجَابَ رَحمه الله بِقَوْلِهِ :
"أَمَّا الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ فَبِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ " انْتَهَى

وَسُئِلَ عَنْ الْمُصَافَحَةِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ : هَلْ هِيَ سُنَّةٌ أَمْ لَا ؟ .
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . الْمُصَافَحَةُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ مَسْنُونَةً بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " ا.هـ

وقال في الفتاوى عن الدعاء بعد كل صلاة :
" وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فهو بدعة لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه و سلم بل إنما كان دعاؤه في صلب الصلاة فإن المصلي يناجي ربه فإذا دعا حال مناجاته له كان مناسبا وأما الدعاء بعد انصرافه من مناجاته وخطابه فغير مناسب وإنما المسنون عقب الصلاة هو الذكر المأثور " ا.هـ

وقال عن المولد كما في الفتاوى :
" وهكذا القول فى ليلة المولد وغيرها والبدع المكروهة ما لم تكن مستحبة فى الشريعة وهى أن يشرع ما لم يأذن به الله فمن جعل شيئا دينا وقربة بلا شرع من الله فهو مبتدع ضال وهو الذى عناه النبى بقوله كل بدعة ضلالة فالبدعة ضد الشرعة والشرعة ما أمر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب "

وقال عن مسألة : فيمن يعمل كل سنة ختمة في ليلة مولد النبي صلى الله عليه و سلم هل ذلك مستحب أم لا ؟
الجواب : الحمد لله جمع الناس للطعام في العيدين وأيام التشريق سنة وهو من شعائر الإسلام التي سنها رسول الله صلى الله عليه و سلم للمسلمين وإعانة الفقراء بالإطعام في شهر رمضان هو من سنن الإسلام فقد قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ من فطر صائما فله مثل أجره وإعطاء فقراء القراء ما يستيعنون به على القرآن عمل صالح في كل وقت ومن أعانهم على ذلك كان شريكهم في الأجر ]
وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال أنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال ( عيد الأبرار ) فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها والله سبحانه وتعالى أعلم

وقال عن مسح الوجه
" وأما رفع النبي صلى الله عليه و سلم يديه في الدعاء : فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة والله أعلم "

وكل هذه الأمثلة السابقة تخص الأمثلة التي نقلها الأستاذ لكنه لم يلتفت إليها مجانبة للأمانة واستغفالا للمشاهدين هداه الله

وقال شيخ الإسلام عن دعاء الخطيب بعد صعوده المنبر على نحو مخصوص :
" وأما دعاء الإمام بعد صعوده ورفع المؤذنين أصواتهم بالصلاة فهذا لم يذكره العلماء وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعي
وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها فهذا مكروه باتفاق الأئمة "
وقال :
" الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة ليس من البدع الحسنة وهذا متفق عليه بين المسلمين لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب ولا هو بدعة حسنة فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول صلى الله عليه و سلم وإجماع الأئمة الأربعة وغيرهم وقائل هذا يستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه
وإنما تنازع الناس في نفس التلفظ بها سرا هل يستحب أم لا ؟ على قولين والصواب أنه لا يستحب التلفظ بها فإن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه لم يكونوا يتلفظون بها لا سرا ولا جهرا والعبادات التي شرعها النبي صلى الله عليه و سلم لأمته ليس لأحد تغييرها ولا إحداث بدعة فيها
وليس لأحد أن يقول : إن مثل هذا من البدع الحسنة مثل ما أحدث بعض الناس الأذان في العيدين والذي أحدثه مروان بن الحكم فأنكر الصحابة والتابعون لهم بإحسان ذلك هذا وإن كان الأذان ذكر الله لأنه ليس من السنة وكذلك لما أحدث الناس اجتماعا راتبا غير الشرعي : مثل الاجتماع على صلاة معينة أول رجب أو أول ليلة جمعة فيه وليلة النصف من شعبان فأنكر ذلك علماء المسلمين ا.هـ

وقال في مسألة : في رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع : إن الله وملائكته يصلون على النبي فقال رجل : هذا بدعة فما يجب عليه ؟
الجواب : جهر المؤذن بذلك كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب المنبر أو جهره بالدعاء للخطيب والإمام ونحو ذلك : لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وخلفائه الراشدين ولا استحبه أحد من الأئمة
وأشد من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة وكل ذلك بدعة والله أعلم

قال شيخ الإسلام
مسألة : فيما يصنعه أئمة هذا الزمان من قراءة سورة الأنعام في رمضان في ركعة واحدة ليلة الجمعة هل هي بدعة أم لا ؟
الجواب : نعم بدعة فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ولا غيرهم من الأئمة أنهم تحروا ذلك
وأيضا فلو كان الصحابة كلهم يقرأون الفاتحة خلفه إما في السكتة الأولى وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف ولم ينقل هذا أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية خلفه يقرأون الفاتحة مع أن ذلك لو كان مشروعا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله فعلم أنه بدعة ا.هـ

وغير هذه الأقوال كثير من كلام شيخ الاسلام سيأتي ذكر جملة منها في تعريف البدعة وعند بيان أن البدعة ليس فيها حسن وفي تقرير البدعة الإضافية بل كل ما ذكره الأستاذ قد تكلم شيخ الإسلام بضده بصورة يقطع معها الناظر بأن الأستاذ كان تائها تماما عن مذهب شيخ الإسلام وسواء ذلك عن قصد لتتويه الغير أم لا فالله حسيبه لكن الذي يمكننا القطع به أنه تائه

ومن تصرفات الأستاذ الغير اللائقة نقله قول ابن تيمية الذي قال فيه :
" وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين وما لم يعلم أنه خالفها فقد لا يسمى بدعة " ا.هـ
فعلق الأستاذ قائلا ها هو ابن تيمية قال لا يسمى بدعة ا.هـ
وهذا تصرف لا ينبغي فكل دارس ولو كان ضعيفا في العلم يعلم أن قوله " فقد لا يسمى بدعة " لا يساوي قوله "لا يسمى بدعة" وإنما معناه " وقد يسمى بدعة "
فلماذا فسرها الأستاذ بأنها لاتسمى بدعة مطلقا ؟!
هذا لا يليق بعلم الأستاذ ولا أمانته ، فمرادك الانتصار لمذهبك ينبغي ألا يؤثّر على ضوابط النقل والأمانة فيه

ولقد اعتمد الأستاذ على تلك الانتقائية المنافية للأمانة حتي في غير صلب الموضوع استكثارا للاستدلال بمن ليس بمعتبر
فقد احتج برجل وصفه بأنه ( أحد الصالحين ) وهو أبو الخطاب بن دحية من أوائل من ألّف في جواز المولد ومن أوائل من قال به
هذا الذي وصفه الأستاذ بالصلاح انظر ما حقيقة حاله

قال ابن كثير في البداية
" قال السبط: وقد كان [ يعني ابن دحية ] كابن عنين (كذا ) في ثلب المسلمين والوقيعة فيهم، ويتزيّد في كلامه فترك الناس الرواية عنه وكذبوه، وقد كان الكامل مقبلا عليه، فلما انكشف له حاله أخذ منه دار الحديث وأهانه، توفي في ربيع الاول بالقاهرة ودفن بقرافة مصر.
قال ابن كثير
قلت: وقد تكلم الناس فيه بأنواع من الكلام، ونسبه بعضهم إلى وضع حديث في قصر صلاة المغرب، وكنت أود أن أقف على إسناده لنعلم كيف رجاله، وقد أجمع العلماء كما ذكره ابن المنذر وغيره على أن المغرب لا يقصر، والله سبحانه وتعالى يتجاوز عنا وعنه بمنه وكرمه ا.هـ

وقال الزركلي في الأعلام
وكان كثير الوقيعة في العلماء والائمة فأعرض بعض معاصريه عن كلامه، وكذبوه في انتسابه إلى " دحية " وقالوا: إن دحية الكلبي لم يعقب ".
حتى أن له كتابا في أسماء الخمر كما ذكر الزركلي

وقال الإمام صلاح الدين الصفدي في كتابه الوافي وهو من أشهر كتب التواريخ :

" وكان [ يعني أبا الخطاب بن دحية ] يقول إنه حفظ صحيح مسلم. وكان ظاهريَّ المذهب، كثير الوقيعة في أئمَّة الجمهور وفي العلماء من السلف.
قال محبّ الدين بن النجَّار: وكان خبيث اللسان، أحمق، شديد الكِبَر، قليل النظر في الأمور الدينية، متهافتاً في دينه، وقال قبل ذلك: وذكر أنه سمع كتاب الصلة لتاريخ الأندلس من ابن بَشْكُوال، وأنه سمع من أهل الأندلس، غير أنِّي رأيت الناس مُجمعين على كذبه، وضعفه، وادّعائه لقاء من لم يلقه، وسماع ما لم يسمعه. وكانت أمارات ذلك لائحةً عليه، وكان القلبُ يأبى سماع كلامه، ويشهد ببطلان قوله. وكان يُحكى من أحواله، ويحرِّف في كلامه، وصادف قبولاً من السلطان الملك الكامل، وأقبل عليه إقبالاً عظيماً، وكان يُعظِّمه ويحترمه، ويعتقد فيه، ويتبرَّك به، وسمعتُ من يذكر أنه كان يُسَوِّي له المداس حين يقوم. وكان صديقنا إبراهيم السَّنْهوري المحدّث، صاحب الرحلة إلى البلاد، قد دخل إلى بلاد الأندلس، وذكر لعلمائها ومشايخها أن ابن دحية يدَّعي أنه قرأ على جماعة من شيوخ الأندلس القدماء، فأنكروا ذلك وأبطلوه، وقالوا: لم يلقَ هؤلاء ولا أدركهم، وإنَّما اشتغل بالطلب أخيراً، وليس نسبه بصحيح في ما يقوله، ودحية لم يُعْقِبْ. فكتب السَّنهوري مَحْضَراً، وأخذ خطوطهم فيه بذلك، وقدم به ديار مصر، فاشتكى إلى السلطان منه، فقال: هذا يأخذ من عرضي ويؤذيني؛ فأمر السلطان بالقبض عليه، وأُشهر على حمار، وأُخرج من ديار مصر، وأخذ ابن دحية المحضر وخرَّقهُ.
قال الشيخ شمس الدين: وبسببه بنى السلطان دار الحديث بالقاهرة، وجعله شيخها. وكان يُرمى بشيءٍ من المجازفة، وقيل عنه ذلك للكامل، فأمره بتعليق شيءٍ على الشهاب، فعلَّق كتاباً، تكلَّم فيه على الأحاديث والأسانيد، فلمَّا وقف عليه الكامل قال له بعد أيام: قد ضاع منِّي ذلك الكتاب، فعلِّق لي مثله؛ ففعل، فجاء في الثاني مناقضةُ الأول، فعلم الكامل صحَّة ما قيل عنه. ا.هـ

أهذا أحد الصالحين يا أستاذ ؟
وسواء قصر الأستاذ أو تعمد إخفاء حاله أيا كان فإنه يقدح في أمانته ، ومن يكون بهذه الدرجة من التقصير كيف يكون أمينا ؟
لو أنك أيها القارئ أودعت مالا ذا قيمة لدى رجل لا يكذب ولا يسرق ولا يُشك فيه من هذه الناحية ثم جاءك بعد فترة وقال لك ضاع مني المال ، وعندما سألتَه تبين أنه ترك المال في البيت ونسي أن يغلق الباب وذهب إلى نزهة لمدة أيام وفي طريقه إلى النزهة لحقه شك في إغلاق الباب لكنه لم يرجع كسلا
بماذا ستصفه ؟ أيكون مثله أمينا ؟
فكيف من يكون مهملا في العلم نحو هذا الاهمال ؟
ولماذا لا يهمل الأستاذ إلا عندما يكون الإهمال يخدم قوله ورأيه هل هذه مصادفة ؟
كمن يحفظ ماله ومال غيره كلما فُقد شيء من المال تبين أن المفقود هو مال الغير !!
فهل في ائتمان هذا النوع من خير ؟

والله لو فعل الأستاذ مثل هذه الانتهاكات في خصومة على أرض أو في حق قبيلة وأنسابها لنكل به لكن في العلم والدين إنما يجد من يصفق له ويمكّنه من العبث أمام الملايين

أما ذلك الوالي الذي استأنست به وأثنيت عليه وصورته في صورة القدوة باعتباره من أوائل من أحيا المولد فانظر إلى ما كان يعمله في المولد .
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان عن ذلك الملك أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وما كان يفعله في المولد النبوي :
فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة، وقعد في كل قبة جوق[ فرقة ] من الأغاني ، وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، ولم يتركوا طبقة من تلك الطبقات (طبقات القباب) حتى رتبوا فيها جوقاً.
وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم...
إلى أن قال : فإذا كان قبل يوم المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئاً كثيراً زائداً عن الوصف وزفها بجميع ما عنده من الطبول والأغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان...
إلى أن قال : فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة. ا. هـ.

قال الحافظ ابن كثير في البداية (2) في ترجمة أبي سعيد كوكبري : وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً... إلى أن قال : قال السبط : حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى... إلى أن قال : ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم ا. هـ.

بالله عليكم هل هذا دين النبي الكريم رقص وهيص ؟
هذه أول ثمار المولد وهو في مهده ، فرق موسيقية ورقص من هذا الملك الذي استأنس به الأستاذ واستكثر به ، وكل هذا أخفاه الأستاذ عن الناس مع رجوعه لابن خلكان ، وقد ذكر السيوطي رقص الملك في كتابه الذي قرأ منه الأستاذ واكتفى الأستاذ بمدح هذا الملك والثناء عليه ؟!
ولتعلم حجم ما وقع فيه الأستاذ انظر ما قاله العلامة ابن تيمية الذي أجلّه الأستاذ إجلالا عظيما قال رحمه الله :
( فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة ، فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها ، ولا يستحب ذلك إلا جاهل أو زنديق ) .
والأستاذ بكل جرأة يؤيد مذهبه بكليهما
بابن تيمية الذي يعد استحباب هذا جهلا أو زندقة
وبذلك الملك الذي يستحب هذا الفعل ويقارفه !!

خامسا : إنكار الأستاذ وجود أقوال يحتج بها مخالفه ونفيه لها مع أن منها ما هو مجمع عليه ومنها ما هو مشهور محتج به عند أكثر أهل العلم .



ـ فالأستاذ أكثر من الإنكار في حلقته لمقالة عبر عنها بقوله :
( النبي ما عملهاش ولو كان خيرا لسبقونا إليه )
كررها منكرا مرارا ومرارا بصورة ظاهرة بنفس هذا اللفظ وبقريب منه ، تارة يسوقها حاكيا لها عن مخالفه متهكما به مجهلا وتارة يصرح بأنه لم يقلها أحد من العلماء ، وأخرى راميا مخالفه بأنه اخترعها من عنده وغير هذا من صور النكير المصحوبة بالتنقص من مخالفه والتي شملت إنكار العبارة ذاتها وشملت إنكار استعمالها في مقام الحكم بالبدعة على الأعمال المحدثة .
ومن ذلك قوله : ( دي الوقت الشباب أصحابنا يقولك النبي ما عملهاش ! يا ترى النبي ما عملهاش ولو كان خيرا لسبقنا إليه ! ذا كلام العلماء ؟! ولا ذا كلام أصلا مش علمي )
وذكر من سماهم بالتبديعيين وعرفهم قائلا :
( اللي في وسطنا اللي كل شوية يقولك دي بدعة والسلف ما عملوهاش ولو كان خيرا لسبقك إليه النبي
سبب وجود هؤلاء هو قلة العلم عموما وقلة السعي لطلب العلم ) ا.هـ
وقال : ( ولا واحد من الأئمة قال : اللي النبي ما عملهاش ولم يكن عليها هدي السلف تكون بدعة )
وهذا من أعجب الأمور ، إذ العبارة عبارة أهل السنة قاطبة وهم عليها وبها وعنها يذودون كافة وهذه من الأستاذ والله كاشفة
إذ الجلي من الخلل يبين الخفي ، ومَنْ غيّر في حدود الأرض تزيُّدا وهي داخل التخطيط ولم يبال بالعلامات المنصوبة الثابتة فلا غرو أن يغير في الأرض الأخرى التي قد تخفى علاماتها ، ومن أنكر الحق المتفق عليه وليس معه فيه أحد فلن يألوا جهدا في إنكار الحق الذي وَجَد معه فيه معارضا والله الموعد وعند الله تجتمع الخصوم
وأقول له ـ هداه الله ـ :
قال الإمام العدل الثقة الحافظ ابن كثير في كتابه العظيم المشهور المتوفر الذي لا تخلو منه مكتبة ، قال رحمه الله :
" وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها " ا.هـ

يكاد يكون عين ما نفاه الأستاذ بحروفه ينسبه هنا الإمام العلم ابن كثير إلى أهل السنة كافة فتبصر يا طالب الحق .

ونقل الإمام الشاطبي في فتاويه عن الإمام مالك إمام دار الهجرة وقدوة الصادقين أهل السنة وأكثر من تكلم في باب البدعة من الأئمة
أنه قال عن مسألة الاجتماع لقراءة القرآن ( طبعا بصوت جماعي ) قال مالك رحمه الله :
" إنه شيء أُحدث ، وإن السلف كانوا أرغب للخير ، فلو كان خيراً لسبقونا إليه " ا.هـ

وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره أيضا
" ومن وهذه الآية الكريمة استنبط الشافعي، رحمه الله، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء " ا.هـ
نفس الإمام الذي احتج به الأستاذ ، يثبت نفس ما نفاه الأستاذ ، في نفس المثال والتطبيق الذي أنكره الأستاذ !!!
فإلى أين سيهرب الأستاذ ؟
وذلك في كتاب لايكاد يخلو منه بيت فضلا عن مكتبة طالب علم فماذا يريد بعد هذا ؟
هذا والله هو العبث بعينه .

وقال شيخ الإسلام في كتابه الاقتضاء :
" مع اختلاف الناس في مولده . فإن هذا لم يفعله السلف ، مع قيام المقتضي له ، وعدم المانع منه لو كان خيرًا .
ولو كان هذا خيرًا محضا ، أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا " ا.هـ

أيضا نفس الإمام الذي احتج به الأستاذ ، يثبت نفس ما نفاه الأستاذ ، في نفس المثال والتطبيق الذي أنكره الأستاذ !!!
عجب والله !!
وقال في شرح العمدة :
" وفي كل ذلك يُحرم هو والمسلمون من الميقات ولم يندب أحدا إلى الإحرام قبل ذلك ولا رغب فيه ولا فعله أحد على عهده فلو كان ذلك أفضل لكان أولى الخلق بالفضائل أفضل الخلائق وخير القرون ولو كان خير لسبقونا إليه وكانوا به أولى وبفضل لو كان فيه أحرى ولندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك كما ندب إلى جميع الفضائل "

قال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله وليس معاصرا كما في الدرر السنية :
" وأما البدعة المنهي عنها، فكل ما حدث بعد النبي وأصحابه، ولا دل عليه قول من النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعل ، وكذلك أصحابه ، الذين هم أحرص الأمة على فعل الخير، فكل ما حدث بعدهم في العبادات، وغيرها من أمور الدين، فهو بدعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في خطبته: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"
وبسط القول في هذا يستدعي كتابا ضخما، لكن في أصول الأدلة، ما يكفي المسافر إلى الله على صراطه المستقيم; وكل ما لم يفعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما حدث بعدهم، فالجواب أن يقال: لو كان خيرا لسبقونا إليه " ا.هـ
قاعدة عامة وثابتة يا أستاذ بنص كلام العلماء
فمن عدم توفيق الله للأستاذ وجود المقالة التي نفاها في عين المسائل التي طرحها كما سبق عن ابن كثير وابن تيمية والآن عن ابن إبراهيم فما أبعده عن التوفيق وهذا حال كل من يخالف السنة ، والبركة لاتنال دونها


ـ وقال الأستاذ مستنكرا على من يتقيدون بالسنة حتى فيما تركه صلى الله عليه وسلم الذين يعتقدون أن التعبد بأمرٍ ترَك النبي التعبد به يعتبر بدعة كتركه التلفظ بالنية مثلا ولم يمثل به الأستاذ لكنه تكلم عن هؤلاء الذين يقولون مثل هذا الكلام عن حد البدعة
فقال مستنكرا :
( في حياتي ما شفتش إمام قال : الترك يفيد النهي ) يريد النهي بالبدعية وصرح بأنه عنى هذا وأنه لا يوجد من يقول الترك يفيد البدعية عندما قال مستنكرا :
( يعني تعريف البدعة : ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم بس كذا ؟ ويسكت ويقول : بدعة ضلالة ، يجيبوا )
يعني يأتوا من يقول بهذا
حاضر يا أستاذ خذ الذين قالوا بذلك :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية الذي احتج به الإستاذ أيما احتجاج
" وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التي لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه و سلم فهي بدعة بل [ ما ] كان صلى الله عليه و سلم يداوم في العبادات على تركها ففعلها والمداومة عليها بدعة وضلالة " ا.هـ

وقال :
" المداومة على خلاف ما داوم عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم في العبادات فإن هذا بدعة باتفاق الأئمة وإن ظن الظان أن في زيادته خيرا " ا.هـ
فهذا نفس الإمام الذي احتج به يثبت نفس ما نفاه الأستاذ

وقال الحافظ ابن رجب في "فضل علم السلف" (ص31): "... فأما ما اتفق السلف على تركه ؛ فلا يجوز العمل به ؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به".
فنفس الإمام الذي احتج به يثبت نفس ما نفاه الأستاذ .

وقال أحمد بن علي بن منجور المالكي كما في شرح المنهج المنتخب :
" كل ما تركه النبي ص مع قيام المقتضي لفعله كان تركه سنة وفعله بدعة مذمومة " نقلا

وقال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين :
" ... والثاني : عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله .
فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدّث به في مَجْمع أبدا علم أنه لم يكن , وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة , وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائما بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات , وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية , وقوله : { اللهم اهدنا فيمن هديت } يجهر بها ويقول المأمومون كلهم " آمين ...
وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف , ومن ها هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة ; فإن تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة , فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله , ولا فرق . "
وقال الحافظ في فتح الباري:
" وَأَجَابَ الشَّافِعِيّ عَنْ قَوْل مَنْ قَالَ لَيْسَ شَيْء مِنْ الْبَيْت مَهْجُورًا : إأَنَّا لَمْ نَدَّعِ اِسْتِلَامهمَا هَجْرًا لِلْبَيْتِ ، وَكَيْفَ يَهْجُرهُ وَهُوَ يَطُوف بِهِ ، وَلَكِنَّا نَتَّبِع السُّنَّة فِعْلًا أَوْ تَرْكًا " ا.هـ
وفي الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي قال :
"وقول عمر رضي الله عنه في التراويح ( نعمت البدعة هي ) أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى {قل ما كنت بدعا من الرسل} وليست بدعة شرعا فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم ... ألا ترى الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان ... كرهوا استلام الركنين الشاميين والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة قياسا على الطواف وكذا ما تركه صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضى فيكون فيكون تركه سنة وفعله بدعة مذمومة " ا.هـ

وقال الشوكاني في نيل الأوطار عن حديث من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد :
" وَمِنْ مَوَاطِنِ الِاسْتِدْلَالِ لِهَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَك وَبَيْنَ خَصْمِك عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالَفَك فِي اقْتِضَائِهِ الْبُطْلَانَ أَوْ الْفَسَادَ "

قال الغماري ـ وهو على شرط الأستاذ ـ في حكم إرسال اليدين في الصلاة،:
"لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة؛ فهو بدعة لا شك".ا.هـ
فكل ما تركه النبي ص في عبادة من عباداته وثبت بالاستقراء أنه لم يفعله فيها مطلقا يكون فعله في تلك العبادة بدعة ولو كان هذا الفعل في الأصل هو عبادة أيضا
بل حتى بلغ الأمر بمالك في غسل اليدين قبل الأكل مع كونه مقبولا عقلا ونفسا وعرفا أنه يراه بدعة لترك النبي له
قال البيهقي في الشعب :
فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعت عبد الله بن موسى يقول : سمعت الفضل بن محمد يقول : سمعت ، أبا مصعب يقول : « دعا أمير من الأمراء مالكا إلى غدائه قال : فلما قربت الإبريق ، والطشت قال : لا أعود إلى غدائك ، قال : لم ؟ قال : لأن غسل اليدين بدعة عند الطعام »
وكان الشافعي يستحب لزوم ترك الغسل قبل الطعام
وهذا القول من مالك والشافعي قد نتوقف في قبوله حتى يتبين أن النبي كان يحافظ على ترك غسل اليدين قبل الأكل وهو مستبعد لا مجرد تركه مرة ، وهذا طبعا عند عدم وجود داعي خاص لغسلهما من اتساخ أو نحوه وإلا فالغسل عند ذلك هو الأوفق للسنة بلا خلاف وقد يجب
ولكن انظر إلى تشدد مالك في ذلك ، فهو تطبيق له دلالته الظاهرة لتعلم أين يراوح الأستاذ

وأما إثبات الأستاذ لما ينافي الواقع ولما هو غير منقول فقوله عن المولد النبوي والاحتفال به محتجا :
" وهذا قد تلقته الأمة بالقبول "
بصراحة أنا لا أدري ما الذي جرى للأستاذ ؟
ينفي ما هو ثابت لينصر مذهبه ، ويثبت ما هو منفي ليصل إلى نفس الغرض ؟
فأين الأمانة في النقل ؟!
أو أن الأستاذ يكتب في غير حالة وعي !
عندما يكون هناك قول مثبت ومشتهر ومستفيض ينفيه نفيا مطلقا ويصرف النظر عن التثبت في ذلك ، مع أن التريث في نفي ما يثبته الغير آكد من التريث في إثبات ما ينفيه الغير .
ولكن يبدو أن الأستاذ لايفرق ولذلك ترك التريث في الأمرين
وأقول للأستاذ مبينا له أن كلامه بتلقي الأمة للمولد قبولا لا يقوله من عنده واقعية ولا من يحتكم في تقريراته إلى الأمور الثابتة المستندة للأدلة وإنما يقول أمثاله من يلقي الكلام دون ميزان ومن يسترخص الدعاوى ولا يميز الرخيص من النفيس
ذكر السيوطي في الحاوي ناقلا عن :
" الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية أن عمل المولد بدعة مذمومة وألف في ذلك كتابا سماه المورد في الكلام على عمل المولد،
قال السيوطي :
وفيه : لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة و لا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين بل هو بدعة أحدثها البطالون ، وشهوة نفس اعتني بها الأكالون ...
وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت ...
وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة ...ا.هـ
وهذا كله كلام الإمام عمر بن علي اللخمي وكتاب السيوطي نقل عنه الأستاذ في حلقته
وجاء في فتاوى الأزهر
" ولانتشار البدع فى الموالد أنكرها العلماء ، حتى أنكروا أصل إقامة المولد ، ومنهم الفقيه المالكى تاج الدين عمر بن على اللخمى الإِسكندرى المعروف بالفاكهانى، المتوفى سنة 731 هـ ، فكتب فى ذلك رسالته " المورد فى الكلام على المولد" أوردها السيوطى بنصها فى كتابه " حسن المقصد" .
وقال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: " وقد أتى القرن التاسع والناس بين مجيز ومانع ...." ا.هـ
وسبق إنكار شيخ الإسلام ابن تيمية له والإمام الشاطبي والعلامة ابن الحاج أيضا والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه " صيانة الإنسان " والعلامة الحفار المالكي والعلامة القشيري وغيرهم
ولا زال أنصار شيخ الإسلام من بعده ينكرونه بما في ذلك مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتتابع على ذلك تلاميذ هذه المدرسة حتى وقت الشيخ محمد بن إبراهيم وإلى وقتنا هذا والتي مقرها أرض الوحي والحرمين وهي قلب بلاد الإسلام وهذا جزء مهم من الأمة
فهل يقال فيما كان هذا حاله أنه تلقته الأمة بالقبول ؟
لا أدري لماذا الأستاذ يستكثر من هذا الكلام الذي ليس له صلة بالواقع ؟

سادسا : أما ما اقترفه الأستاذ من أمور رئيسية حول أصل الموضوع فيتمثل في التالي :

ـ الخلط بين مفهوم البدعة اللغوية والبدعة الشرعية وعدم التمييز بينهما تجاهلا للفروق التي ذكرها من احتج بهم الأستاذ ونقل عنهم
ـ تقسيم البدعة الشرعية إلى بدعة محمودة وبدعة مذمومة
كثمرة لذلك الخلط .
ـ هجر الأستاذ للتعريف الصريح الخاص بالبدعة الشرعية وترك الإشارة إليه مطلقا هجرا كاملا بل وإيهامه بعدمه
ـ إنكار الأستاذ البدعة الإضافية والكلام سيأتي عليها مستوفى إذ هو
لب الموضوع .
ـ هجر أصل شرعي هام في الموضوع وهو قولهم : ( الأصل في العبادات المنع والتوقيف ) إضافة إلى إغفال شرطي قبول العبادة مع شديد صلة ذلك بالموضوع وهما الاخلاص والمتابعة
ـ هجر أهم مصادر كتبت في الموضوع ، ككتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح ، وكتاب الحوادث للطرطوشي ، والكتاب العجيب الذي هو زبدة مذهب السلف كتاب الاعتصام للإمام الجهبذ أبي إسحاق الشاطبي ، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام وكتاب الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي
ـ ترك أشهر وأهم ما ورد عن الصحابة من أمثلة لما حكموا عليه بالبدعة كأثر ابن مسعود مع المجتمعين للذكر في مسجد الكوفة ، وكأثر ابن عمر مع الذي عطس وقال السلام على النبي وكأثر ابن عمر مع من يبغي في أذانه ومراده تغنيا كما جاء في بعض الروايات وترك أثارا كثيرة ستأتي لا تقل أهمية على هذه وإنما ذكرت هذه لشهرتها ولعلم الأستاذ ومن أعد له بها لكنها قلة الأمانة
بل ترك الجواب على أشهر الأدلة في المسألة وهو حديث النبي مع أولئك الثلاثة نفر الذين عزم أحدهم على عدم الزواج والآخر على عدم الفطر والثالث على عدم النوم بالليل .
فلم يذكره الأستاذ مطلقا فيما يخص معنى البدعة ولا ذكر علاقته بالبدعة مطلقا وإنما ذكره بطريقة خاطفة مستدلا به على معنى آخر جانبي وهو أن النبي لا يسكت عند صدور خطإ من صحابي فإذا أخطأ الصحابي بين النبي خطأه
أما هذه الأفعال من أي ناحية أنكرها النبي فقد أعرض عنه الأستاذ مكتفيا بقوله هذا الفعل أصله غلط ثم لم يزد حرفا ، وأنى له وهو يعارض مذهبه كما سيأتي إيضاحه .
وإليك تفصيل ما سبق مما يحتاج إلى بسط

1ـ الخلط بين مفهوم البدعة اللغوية والبدعة الشرعية وعدم تمييز الأستاذ بينهما وتجاهله للفروق التي ذكرها من نقل عنهم واحتج بهم

فقد عرف الأستاذ البدعة لغة بأنها ما اخترع وليس له مثال سابق
ثم جاء يعرفها في الدين فقال :
" طيب في الدين يعني اصطلاحا في الدين ، المعنى الشرعي للبدعة ... "
فذكر مقدمة خفيفة ثم شرع فذكر تعريف الشافعي ضمن هذا ثم تعريفات أخرى لأبي شامة والعز بن عبد السلام وغيرهما
وتجتمع أغلب التعريفات التي ذكرها في اتفاقها على تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ، محمودة ومذمومة
واعتبار هذه التعريفات تعريفات للبدعة الشرعية فقط هو خلط واضح لا يختلف فيه اثنان من المتخصصين في العلم
إذ التعريفات هي تعريفات عامة شاملة للبدعة اللغوية فاللغوية هي التي قد تكون حسنة أما البدعة شرعا فليس فيها حسن بلا خلاف بين السلف
قال الإمام ابن رجب في جامع العلوم :
" وأما ما وقع في كلام السَّلف مِنِ استحسان بعض البدع ، فإنَّما ذلك في البدع اللُّغوية ، لا الشرعية ، فمِنْ ذلك قولُ عمر - رضي الله عنه - لمَّا جمعَ الناسَ في قيامِ رمضان على إمامٍ واحدٍ في المسجد ، وخرج ورآهم يصلُّون كذلك فقال : نعمت البدعةُ هذه وروي عنه أنَّه قال : إنْ كانت هذه بدعة ، فنعمت البدعة "
ثم قال :
" ومراد الشافعي - رحمه الله - ما ذكرناه مِنْ قبلُ : أنَّ البدعة المذمومة ما ليس لها أصل منَ الشريعة يُرجع إليه ، وهي البدعةُ في إطلاق الشرع ، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة ، يعني : ما كان لها أصلٌ مِنَ السنة يُرجع إليه ، وإنَّما هي بدعةٌ لغةً لا شرعاً ؛ لموافقتها السنة " ا.هـ كلام ابن رجب
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله :
" والبدعة على قسمين تارة تكون بدعة شرعية كقوله فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وتارة تكون بدعة لغوية كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن كم إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم نعمت البدعة . اهـ .
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله :
" فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا
ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام الناس في ليالي رمضان بدعة وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قول من قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه "

وقال الإمام أبو شامة :
" فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم وفعله ...
ثم نقول أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق " ا.هـ
وكان قال في مطلع كتابه :
" قلت وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ ومثله لفظ المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم وأما من حيث أصل الاشتقاق فإنه يقال ذلك في المدح والذم " ا.هـ
وهذا تفريق واضح بين البدعة لغة وشرعا .
قال الإمام الزركشي في كتابه المنثور في القواعد :
" الْبِدْعَةُ قَالَ ( ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ ) : هِيَ فِي اللُّغَةِ إحْدَاثُ سُنَّةٍ لَمْ تَكُنْ ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : فُلَانٌ بِدْعَةٌ ، إذَا كَانَ مُجَاوِزًا فِي حِذْقِهِ ، وَجَعَلَ مِنْهُ ( ابْنُ فَارِسٍ ) فِي ( الْمَقَايِيسِ ) قَوْله تَعَالَى { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ } أَيْ أَوَّلَ فَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْحَادِثِ الْمَذْمُومِ ، وَإِذَا أُرِيدَ الْمَمْدُوحُ قُيِّدَتْ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَجَازًا شَرْعِيًّا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً ، وَفِي الْحَدِيثِ { كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إجْمَاعًا ، فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ .
وَالثَّانِي : مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِيَامِ ( رَمَضَانَ ) : نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هِيَ يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى انْتَهَى .
وَانْظُرْ كَيْفَ تَحَرَّزَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كَلَامِهِ عَنْ لَفْظِ الْبِدْعَةِ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى لَفْظِ الْمُحْدَثَةِ ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ " ا.هـ

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح :
" وَأَمَّا " الْبِدَع " فَهُوَ جَمْع بِدْعَة وَهِيَ كُلّ شَيْء لَيْسَ لَهُ مِثَال تَقَدَّمَ فَيَشْمَل لُغَة مَا يُحْمَد وَيُذَمّ ، وَيَخْتَصّ فِي عُرْف أَهْل الشَّرْع بِمَا يُذَمّ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي الْمَحْمُود فَعَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَويِ " ا.هـ .

وقال السخاوي في فتح المغيث :
((هي ما أحدث على غير مثال متقدم فيشمل المحمود و المذموم، و لكنها خصت شرعا بالمذموم مما هو خلاف المعروف)) ا.هـ

وفي الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي
" وقول عمر رضي الله عنه في التراويح نعمت البدعة هي ، أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى {قل ما كنت بدعا من الرسل} وليست بدعة شرعا فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم . قال : ومن العلماء من قسمها إلى حسن وغير حسن فإنما قسم البدعة اللغوية ومن قال " كل بدعة ضلالة " فمعناه البدعة الشرعية " ا.هـ

وقال المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي شرح الترمذي :
" فقوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح نعمت البدعة . اهـ .

ماذا نسمي الإعراض عن كل هذا الكلام الذي يصيح بالحق صياحا ؟ وماذا نسمي هذا الصمم عن هذا الصوت المدوي بالحق ؟
إن العين التي لاتبصر والأذن التي لا تسمع ، على صاحبها أن يفتش في نفسه ويبحث عن أسباب ذلك فهذا حال من ليس على هدى
ولو نظر الأستاذ فقط في الأمثلة المصاحبة لتلك التعريفات التي نقلها لاتضحت له الصورة جلية وأن المستحسن من البدع هو من البدع اللغوية لا الشرعية حتى ولو لم يقف على كلام الأئمة ، لكن الأستاذ انتهج سياسة من لا يريد إلا ما يريد .
ومن هذه الناحية وهي ترك النظر في الأمثلة دخل على الأستاذ ما دخل من الخلل

2 ـ تقسيم البدعة الشرعية إلى بدعة محمودة وبدعة مذمومة كثمرة لذلك الخلط .

الأستاذ وفقه الله للهداية قسم البدعة الشرعية الوارد ذكرها في الشرع إلى بدعة مستحسنة وبدعة مستقبحة كما سبق تبعا لعدم تفريقه بين اللغوية والشرعية تفريقا حقيقيا ، وهذا هو الخطأ التوأم لخطئه السابق .
فسبحان الله لم يأت في نص من كتاب ولا سنة ولا أثر مدح لفظ البدعة ولا معناها ولا مدح نوع يندرج تحتها مع كثرة النصوص والآثار ووفرتها ، لا بإطلاق ولا تقييد .
بل العكس فقد جاءت النصوص والآثار تذم بإطلاق البدعة وما يتصل بها ذما كليا شاملا بعدة أساليب مما يقطع معها الجامع لها أن هذا الجذر ( ب . د . ع ) فيما يتعلق بالأفعال الدينية غير مبارك جملة وتفصيلا .
ولو لم يكن هكذا فماذا سيكون ؟ وهل الحق إلا نص وأثر ؟
وإليك جملة من هذه النصوص لا على سبيل الحصر

قال تعالى ذاما غلو أهل الكتاب :
( ورهبانية ابتدعوها )
وفي الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وهو في الصحيح قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ « صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ ». وَيَقُولُ « بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ ». وَيَقْرِنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ثُمَّ يَقُولُ « أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الأُمُورِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ».
هذا في جل خطبه صلى الله عليه وسلم وما أكثرها ، فهل يعقل بعد هذا أن تلغى الكلية ؟
وفي حديث العرباض أنه صلى الله عليه وسلم قال :
فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، فتمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ (4) ، وإياكم ومحدثات (5) الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة »
وهو صحيح غاية في الصحة وليس هذا محل بيانه
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "
وهو في الصحيح أيضا .
ولم يرد حديث يمدح البدعة قط مع أن ذمّ النبي السابق للبدعة بتلك الصيغة الشمولية كان يكرره في كل خطبة وهذا وحده كاف
والسلف أخذوا هذا الذي دلت عليه النصوص متفقة فكانوا يعتقدون أن كل بدعة في الدين ضلالة وليس فيها حسنة ولم يكن استخدامهم لهذا المعنى إلا ذما له وتحذيرا منه

عن عمر ، أنه كان يقول : « أصدق القيل قيل الله ، وأن أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن شر الأمور محدثاتها ، ألا وإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار

وعن ابن مسعود ، إنه كان يقول كل عشية خميس في درسه الأسبوعي : « إنما هو القول والعمل ، فأصدق القول قول الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وإن كل محدثة بدعة (4) ، وكل بدعة ضلالة »
وعن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : قال عبد الله بن مسعود :
« الاقتصاد في السنة ، خير من الاجتهاد في البدعة (1) ، وكل بدعة ضلالة »
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"اتَّبِعُو ا، وَلا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ، كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ".
عن الشعبي عن عمه قيس بن عبد (3) قال : اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة فما رأيته مصليا صلاة الضحى ، ولا صائما يوما من غير رمضان ، قال : فبينا نحن عنده ذات ليلة أتى ، فقيل له : هذا رسول الوليد ، فقال عبد الله : أطفئوا المصباح ، فدخل فقال له : إن الامير يقول لك أترك هؤلا الكلمات التي تقول ، قال : وما هن ؟ قال : هذه الكلمات ، قال : فلم يزل يرددهن ، قال قولك : كل محدثة بدعة ، قال : إني لن أتركهن ، قال : فإنه يقول لك : فاخرج ، قال : فإني خارج ، قال فخرج إلى المدينةا.هـ
فانظر إلى محاربة المفهوم الصحيح للبدعة منذ عهد الصحابة
وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "أيها الناس! إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة؛ فعليكم بالأمرِ الأول
عن يزيد بن عميرة ، عن معاذ بن جبل قال :
" إياكم وما ابتدع ؛ فإن كل ما ابتدع ضلالة »
عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : « كل بدعة ضلالة ، وإن رآها الناس حسنة »
عن عثمان بن حاضر الأزدي ، قال : سألت ابن عباس ، فقال : « عليك بالاستقامة ، واتباع الأثر ، وإياك والتبدع »
وعن ابن عباس ، قال : إن أبغض الأمور إلى الله البدع
وقال حذيفة رضي الله عنه : كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا بطريق من كان قبلكم
وعن معن قال : قال عبد الملك : « كل محدثة بدعة »

وقال ابن وضاح قال أشهب :
" وقد كان مالك يكره كل بدعة ، وإن كانت في خير " ا.هـ
وقال ابن الماجشون :
سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة، لأن اللّه يقول: {اليوم أكملتُ لكم دينكم} فما لم يكن يومئذٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً.
وقال الإمام أحمد بن حنبل :
" أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة "
وقال ابن وضاح
باب « كل محدثة بدعة »
ثم ساق جملة من الروايات السابقة
" وقد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي؛ إذا تكررت في مواضع كثيرة وأوقات متفرقة وأحوال مختلفة، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها العام المطلق.
وأحاديث ذم البدع والتحذير منها من هذا القبيل .
فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يردد من فوق المنبر على ملأ من المسلمين في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة أن (كل بدعةٍ ضلالة) ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية من العموم فيها [ بل جاء في التطبيق النبوي وما في حكمه تأكيد الكلية ]، فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.
وقد أجمع السلف الصالح على ذمها وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا استثناء، فهو - بحسب الاستقراء - إجماع ثابت يدل دلالة واضحة على أن البدع كلها سيئة ليس فيها شيء حسن " ا.هـ
عن كتاب اللمع في الرد على محسني البدع للسحيباني وفقه الله وما بين الأقواس فمن العبد الفقير
فلم ترد البدعة في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار الصحابة بمعناها الشرعي ( بعيدا عن المعنى اللغوي المجرد ) إلا مذمومة ، ولم تمدح بدعة شرعية قط .
ولأنه لا انفصامية بين النصوص وواقعها ، ولا بين الأدلة وأصحابها وأهلها من العلماء ، فلا يمكن البتة أن يكون في ذلك الجذر بركة و لا حُسن ولا مدح فيما يتعلق بالأفعال الدينية ، ولن تجد من يقول به من سلف الأمة والمبرزين من علمائها ، ومن ظن هذا فقد أبعد أيما بعد وجعل بينه وبين العلم في هذا الباب مفاوز .
وكل ما سبق في الفقرة السابقة من أقوال الأئمة إضافة لما أشرنا إليه من الأدلة يبين لك أن البدعة الشرعية لا تكون إلا مذمومة ولا تكون إلا ضلالة وليس فيها محمود
وإليك طرفا من أقوال العلماء الأخرى .
نقل غير واحد من أئمة المالكية أن متقدمي المالكية متفقون على أن البدع الشرعية كلها ليس فيها حسن أو محمود
وقال الحافظ ابن رجب :
" فقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( كلُّ بدعة ضلالة )) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيءٌ ، وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الدِّين ، وهو شبيهٌ بقوله : (( مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا ما لَيسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ )) ((2)) ، فكلُّ من أحدث شيئاً ، ونسبه إلى الدِّين ، ولم يكن له أصلٌ من الدِّين يرجع إليه ، فهو ضلالةٌ ، والدِّينُ بريءٌ منه ، وسواءٌ في ذلك مسائلُ الاعتقادات ، أو الأعمال ، أو الأقوال الظاهرة والباطنة...
وأما ما وقع في كلام السَّلف مِنِ استحسان بعض البدع ، فإنَّما ذلك في البدع اللُّغوية ، لا الشرعية " ا.هـ

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله :
" والجواب :
أن هذا التقسيم أمر مخترع ، لا يدل عليه دليل شرعي ، بل هو نفسه متدافع ، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده .
إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمورة بها أو المخير فيها ، فالجمع بين عد تلك الأشياء بدعا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين " ا.هـ

وقال الإمام الشاطبي :
" الباب الثالث :
في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ويدخل تحت هذه الترجمة جملة من شبه المبتدعة التي احتجوا بها
فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه :
أحدها : أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة ، ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدى ، ولا جاء فيها : ( كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ) ولا شيء من هذه المعاني فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات لذكر ذلك في آية أو حديث ، لكنه لا يوجد فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد
والثاني : أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضيع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكررها وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم ، كقوله تعالى : ( ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) وما أشبه ذلك .
وبسط الاستدلال على ذلك هناك فيما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة :
أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة ، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها
والثالث : إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية فهو ـ بحسب الاستقراء ـ إجماع ثابت فدل على أن كل بدعة ليست بحق بل هي من الباطل"


وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء :
" واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عامة عظيمة وتمامها بالجواب عما يعارضها "
إلى أن قال :
" وهؤلاء المعارضون يقولون ليست كل بدعة ضلالة
والجواب :
أما أن القول أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار والتحذير من الأمور المحدثات فهذا نص رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم "
إلى أن قال :
" وأيضا لا يجوز حمل قوله صلى الله عليه و سلم كل بدعة ضلالة على البدعة التي نهى عنها بخصوصها !
لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث ، فإن ما نُهي عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي قد علم بذلك النهي أنه قد حُرّم سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة !
فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه !
سواء كان مفعولا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لم يكن !
وما نهى عنه فهو منكر سواء كان بدعة أو لم يكن !
صار وصف البدعة عديم التأثير لا يدل وجوده على القبح ولا عدمه على الحسن !
بل يكون قوله كل بدعة ضلالة بمنزلة قوله كل عادة ضلالة !
أو كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة !
ويراد بذلك أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة
وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد ليس من نوع التأويل السائغ وفيه من المفاسد أشياء :
أحدها : سقوط الاعتماد على هذا الحديث !
فإن ما علم أنه منهي عنه بخصوصه فقد علم حكمه بذلك النهي ، وما لم يعلم فلا يندرج في هذا الحديث !
فلا يبقى في هذا الحديث فائدة مع كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب به في الجمع ويعده من جوامع الكلم
الثاني : أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى تعليق له بما لا تأثير له كسائر الصفات العديمة التأثير
الثالث : أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر وهو كونه منهيا عنه [ فهو ] كتمان لما يجب بيانه وبيان لما لم يقصد ظاهره فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص ، إذ ليس كل بدعة جاء عنها نهي خاص وليس كل ما جاء فيه نهي خاص بدعة
فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض لا يسوغ للمتكلم إلا أن يكون مدلسا كما لو قال الأسود وعنى به الفرس أو الفرس وعنى به الأسود
الرابع : أن قوله كل بدعة ضلالة وإياكم ومحدثات الأمور إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على مالا يكاد يحيط به أحد ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة ومثل هذا لا يجوز بحال
الخامس : أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع فإنك لو تأملت البدع التي نهى عنها بأعيانها وما لم ينه عنها بأعيانها وجدت هذا الضرب هو الأكثر واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة
فهذه الوجوه وغيرها توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد لا يجوز حمل الحديث عليه سواء أراد المتأول أن يعضد التأويل بدليل صارف أو لم يعضده فإن على المتأول بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه من ذلك الحديث ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك
وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث " ا.هـ
وقال :
" ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه و سلم الكلية وهي قوله كل بدعة ضلالة بسلب عمومها وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل ...
فإنَّ قَصْد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي صلى الله عليه و سلم " ا.هـ
وقال الحافظ في الفتح :
" فَالْبِدْعَة فِي عُرْف الشَّرْع مَذْمُومَة "
و قال الحافظ ابن حجر :
" تطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة "
وقال كما سبق :
" وَأَمَّا " الْبِدَع " فَهُوَ جَمْع بِدْعَة وَهِيَ كُلّ شَيْء لَيْسَ لَهُ مِثَال تَقَدَّمَ فَيَشْمَل لُغَة مَا يُحْمَد وَيُذَمّ ، وَيَخْتَصّ فِي عُرْف أَهْل الشَّرْع بِمَا يُذَمّ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي الْمَحْمُود فَعَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَويِ " ا.هـ
وممن تعقب تقسيم العز بن عبد السلام للبدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة العلامة زروق في " شرح رسالة القيرواني " ، قال بعد ذكر هذا التقسيم متعقبا :
( قال المحققون : إنما تدور ـ أي البدعة ـ بين محرم ومكروه ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : " كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة " ا.هـ

وأنبه إلى أن الانكار على تقسيم العز إنما هو باعتبار ما يجره من إيهام بأن التقسيم يخص البدعة الشرعية وإنكاره بهذا المعنى حق لا غبار عليه أما بالنظر إلى أنه تقسيم عام شامل للبدعية اللغوية ونظن أنه مراد العز فهذا لا إشكال فيه في ذاته ولكن ننفر عنه لما يحدثه من إيهام اختصاصه بالبدعة الشرعية .

وقال العلامة أبو الطيب آبادي في عون المعبود شرح سنن أبي داود :
" وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام أَنَّ الْبِدَع عَلَى خَمْسَة أَقْسَام : وَاجِبَة وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ وَمُبَاحَةٌ ، قَالَ وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْح وَالْعَصْر اِنْتَهَى .
وَرَدَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْح الْمِشْكَاةِ فَقَالَ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَلَام الْإِمَام نَوْعُ تَنَاقُضٍ ...
فَإِنَّ مَحَلّ الْمُصَافَحَة الْمَشْرُوعَة أَوَّل الْمُلَاقَاة وَقَدْ يَكُون جَمَاعَة يَتَلَاقَوْنَ مِنْ غَيْر مُصَافَحَة وَيَتَصَاحَبُون َ بِالْكَلَامِ وَمُذَاكَرَةِ ُثمَّ إِذَا صَلَّوْا يَتَصَافَحُونَ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ السُّنَّة الْمَشْرُوعَةِ ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بَعْض عُلَمَائِنَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ مِنْ الْبِدَع الْمَذْمُومَة اِنْتَهَى كَلَامه .
قُلْت : وَاَلَّذِي قَالَهُ عَلِيٌّ الْقَارِي هُوَ الْحَقّ وَالصَّوَاب ، وَقَوْل النَّوَوِيّ خَطَأ . وَتَقْسِيم الْبِدَع إِلَى خَمْسَة أَقْسَام كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَام اِبْن عَبْد السَّلَام وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْإِمَام النَّوَوِيّ أَنْكَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقِينَ وَمِنْ آخِرِهِمْ شَيْخُنَا الْقَاضِي الْعَلَّامَة بَشِير الدِّين الْقِنَّوْجِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا بَالِغًا .
قُلْت : وَكَذَا الْمُصَافَحَة وَالْمُعَانَقَة بَعْد صَلَاة الْعِيدَيْنِ مِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار
" وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَصْرُ .
وَمَا أَصْرَحَهُ وَأَدَلَّهُ عَلَى إبْطَالِ مَا فَعَلَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ تَقْسِيمِ الْبِدَعِ إلَى أَقْسَامٍ وَتَخْصِيصِ الرَّدِّ بِبَعْضِهَا بِلَا مُخَصِّصٍ مِنْ عَقْلٍ وَلَا نَقْلٍ فَعَلَيْك إذَا سَمِعْت مَنْ يَقُولُ هَذِهِ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ بِالْقِيَامِ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ مُسْنِدًا لَهُ بِهَذِهِ الْكُلِّيَّةِ وَمَا يُشَابِهُهَا مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } طَالِبًا لِدَلِيلِ تَخْصِيصِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ الَّتِي وَقَعَ النِّزَاعُ فِي شَأْنِهَا بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ ، فَإِنْ جَاءَك بِهِ قَبِلْته ، وَإِنْ كَاعَ كُنْت قَدْ أَلْقَمْته حَجَرًا وَاسْتَرَحْت مِنْ الْمُجَادَلَةِ .
وَمِنْ مَوَاطِنِ الِاسْتِدْلَالِ لِهَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَك وَبَيْنَ خَصْمِك عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالَفَك فِي اقْتِضَائِهِ الْبُطْلَانَ أَوْ الْفَسَادَ ا.هـ

وقال الإمام الصنعاني رحمه الله : ليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة . اهـ .
كما في كتاب سبل السلام له

وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ عن التقسيم :
" هذا التقسيم في غاية المناقضة لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة " ، وفي رواية النسائي : " وكل ضلالة في النار " وروى أصحاب السنن عن العرباض بن سارية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عَضُّو عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة " .

وكلام العلماء في رد هذا التقسيم كثير حتى قال الغماري وهو على شرط الأستاذ :
"زلةٌ قبيحةٌ، حيث جعلوا البدعة مندوبة ..."


فالاستاذ مع تجاهله لكل هذه اللآلئ والدرر من معين الوحي الصافي ومن واحة السلف الصالح الزاهية ومن ينابيع أهل العلم المحققين العذبة ومع مخالفته لهذا الهدي الرباني تجاهلا ومخالفة ، مع كل هذا نجده يحرص على تصوير مخالفه بالتفرد في رد التقسيم الذي حكاه عن العز ومن معه ؟
فقد تكلم الأستاذ عن العز مثنيا عليه وعلى تقسيمه للبدعة ثم قال :
( اللي بعدوا [ بعد العز ] قبلوا التقسيم ، وأنت ترد )
فانظر إلى إصراره على رمي مخالفه بالتفرد والشذوذ ظلما وعدوانا وجحدا ومكرا وكيدا وحقدا !!
فأسأل الله العلي العظيم أن يقتص لنا من هذا الظلم
بل ودعواه أن من بعد العز قبلوه هو من التزوير الذي جعله الأستاذ مهمة لا تغيب .
وهؤلاء كل من ذكرنا من العلماء ينكرونه حتى قال العلامة أبو الطيب آبادي شارح أبي داود :
" وَتَقْسِيم الْبِدَع إِلَى خَمْسَة أَقْسَام كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَام اِبْن عَبْد السَّلَام وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْإِمَام النَّوَوِيّ أَنْكَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقِينَ وَمِنْ آخِرِهِمْ شَيْخُنَا الْقَاضِي الْعَلَّامَة بَشِير الدِّين الْقِنَّوْجِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا بَالِغًا "
فإلى الله المشتكى من هذا الظلم المركب .
فأين تلك الأقوال المتتابعة على إنكار كلام العز لا نقلها الأستاذ أمانة للعلم ولا سكت عنها بل تجرأ على نفيها وزعم أن من بعده قبلوا التقسيم وعاب مخالفه ظلما