تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء ) - الصفحة 2
صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 89

الموضوع: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    ففهَّمْناها سليمان...


    (... تابع)



    (5)
    مسائل في الضَّرْح والطَّرحِ..
    وشيءٍ مِن الضَّرَع!


    هذا، وقد يتساءل الأخ أبو قصي قائلاً: "ولكن أين هو الردّ على كلامي، كما رددتُ أنا على السيِّد"؟
    وأجيبه: لا تجعل للعجلة علينا سبيلا، فقد أمهلناك أمدًا طويلا. وجوهر الرد إنما كان في سالف الكلام. أمَّا نقد التعقيبين، فهو فاكهة الكلام، وهي كفاكهة الطعام، لا تقدَّم إلا في الختام...
    هذه أوَّلَتُها.. (و"أَوَّلَتُها" هذه ترويها الأعراب عندنا، ووجدتها في مخطوطتين؛ لذا أثبِتُها كما وجدتُها)
    ثانيَتُها (انظُرْ: أوَّلَتُها): أطلقتَ العنان لقلمك مسوِّدًا تُهَمَا وأحكامًا جائرة منافية للنقد المنصِف، فأطلقتُ العنان أيضا لقلمي في الرد عليك؛ لكنني توخَّيت الإنصاف... وكنتَ -بما سمّيتَه نقدًا- تعلَّقتَ بوطرٍ لا سبيل لك إلى قضائه، فجئتُ لأريحَك الإراحة الباتَّة من التعلُّق بذلك الوطر...
    ولعلَّ لما تجرَّأت عليه عذرًا خفي عنِّي و"ظهر لك".. لكنّني لا أفهمه، كما لم يفهم السيِّد، والجوهري، وابن منظور... فالفهم لك وحدك...
    ولَرُبَّما جاء الفتى بِدَنِيَّةٍ --- ووراءَها عُذْرٌ له لمْ يُفْهَمِ
    والآن لننتقلْ إلى التعقيبين، وأبدأ بالتعقيب رقم (6).

    (يتبع...)

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (... تابع)


    قال السيد صقر (مقدمات "الشعر والشعراء"، ص27):
    "4_ الفقرة (1080) "ودكين هو القائل:
    إذا المرءُ لم يدْنسْ من اللؤم عرضُه --- فكل رداء يرتديه جميلُ
    وإن هو لم يَضْرَعْ اللُّؤمِ نفسَه --- فليس إلى حسن الثناء سبيل"
    قال الشيخ في شرحه : "أصل الضرع _ بفتح الراء _ الذل والتخشع ، يقال : ضرع له وإليه : استكان وخشعَ ، فالمراد هنا : إن لم يمنعنفسه عن اللؤم ، ويغلبها ". قلتُ : والصواب : "إن هو لم يضرح عن اللؤم نفسه" ، جاء في اللسان 3/357 "الضرح : التنحية . وقد ضرحَه : أي نحَّاه ،ودفعَه " (انتهى)
    وهنا أشير إلى تدليس خفيٍّ مكشوف مشين لجأ إليه أبو قصي:
    في الأصل (ص27): "لم يَضْرَعْ". لكن في متن الكتاب (ص 612): "لم يُضْرِعْ". وهذا يعني أن الشيخ أحمد شاكر صوَّب ضبطه للكلمة في الطبعة الثانية.
    ثم يأتي أبو قصي، ذاك الذي يرفض إضافة حرف واحد في التحقيق، فيُثبِت تصويب الشيخ في كلام السيِّد! وما فعل ذلك إلا ليستقيم له توهيم السيِّد "كُلَّ الاستقامة"!
    وبعد ذلك يردّ على السيّد في هذه المسألة. وهذا ملخَّص ردِّه:
    _ الضَّرْح: لا يعني التنحية.
    _ التنحية هي: إبعاد الأشياء الكبيرة الجِرم برِفق.
    _ الضَّرْح هو: إبعاد الأشياء الصغيرة الجِرم بعنف.
    _ المشترك بين الضَّرح والتنحية هو: الإبعاد.
    _ الضرح: الرمي.
    _ الضرح: الطرح.
    _ الضرح لا يعني: الدَّفع.
    بعد هذه المقدّمات السبع، تأتي نتيجة أبي قصي:
    (لا يقال "ضرَح الإنسان عن نفسه اللُّؤم"، كما لا يقال "رمى الإنسان نفسَه عن اللؤم")
    وهذه الطريقة في الاستدلال هي عين طريقة السفسطائيين: الفأر له أذنان، والفأر على الحائط، إذن= للحائط أذنان!!
    بل السفسطائيون أفضل، لأنهم ينطلقون من مقدمات سليمة؛ أمّا أبو قصي، فمقدِّماته ذاتها خاطئة!!
    ولن نسأل أبا قصي: مِن أين له أنّ التنحية هي "إبعاد الأشياء الكبيرة الجِرم برِفق."؟ ومِن أين له أنَّ "الضَّرْح لا يعني الدفع"؟
    بل نكتفي بهذا النقل عن "الميداني"، حيث يقول بعد إيراده لقول العرب: "ضرحَ الشَّموس ناجزًا بناجز":
    "الضَّرحُ: الدَّفْعُ بالرِّجْل. وأصله: التنحية. يُضرَب لمن يُكابِد مثلَه في الشَّراسة."
    فأين الرِّفق؟
    وفي "الكتاب": "وأمَّا طردته، فنحَّيته. (...) وطردت الكلابُ الصيدَ، أي: جعلت تنحِّيه".
    فأين الرِّفق؟
    ورِفْقًا بعمرو... لن أذهب بعيدا... في "الشعر والشعراء" (ص 224) قول الأفْوَه الأودي:
    "والخيرُ لا يأتي ابتغاءً به --- والشرُّ لا يُفْنيه ضَرْح الشَّموس"
    قال الشيخ أحمد شاكر: "والضرح: التنحيةُ والدَّفع".
    فهل أخطأ الشيخ شاكر في "فهم استعمالات العرب"؟
    يا شييييييخ!
    ولو لم يكن في كلام العرب كلِّه إلا هذا البيت، لكفى به حُجَّةً قويَّة لما ذهب إليه السيِّد صقر. لماذا؟ لأنّ فيه ثبوت استعمال الضرح بدلالته المجازية المعنوية، وضرح الشرِّ قريب من ضرح اللُّؤم.
    ولا يداني البيت المذكور قوَّةً إلا بيت قول رؤبة:
    باعَدَ عنك العَيْبَ والتدنِيسَا --- ضَرْحَ الشِّمَاسِ الخُلُقَ الضَّبِيسَا"
    بل قول رؤبة أقوى دلالةً...
    وفي "المعاني" لابن قتيبة: "والضَّرُوحُ: النَّفُوحُ برِجْلَيه. يقال: اضْرحْ عنك هذا الأمْرَ، أي: نَحِّه عنك."
    فهل سيزعم أبو قصي أنّ ابن قتيبة "لا يفهم استعمالات العرب"؟ أو أنَّ شرحه "ليس مستقيمًا كُلَّ الاستقامة"؟!

    (يتبع...)

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (... تابع)


    وفي "أدب الكاتب": " والضَّرْحُ: الرَّمْحُ. ضَرَحَ أي رَمَحَ؛ لأنه إذا ضرح باعدَكَ."

    ومن شعر أبي تمام:
    ضَرَحَ القَذَى عَنْها وشَذَّبَ سَيْفُهُ --- عنْ عِيصِها الْخُرَّابَ والْخُبَّاثَا
    قال التبريزي (اللي ما هوّاش لص كبير!) في شرح الديوان: "يقال: ضَرَحَ القذى، إذا أزالَه ودَفَعَه".

    وجاء في "نهاية الأرب"، في أسماء القوس (العذراء!): "ضَرُوح: وهي الشديدة الحَفْزِ والدَّفع للسَّهم. طروح: البعيدة المرمى." ثم قال: "طَروح مثل ضَروح".
    وسُمِّي الضُّراح ضراحًا، لأنَّه ضَرحَ عن الأرض إلى السماء، كما قال الزمخشري. ويقال "نيَّة ضَرَحٌ أو طَرَحٌ، أي: بعيدة.
    وتقول العرب: "بيني وبينهم ضَرْحٌ، أي: تباعُدٌ. و"انضرَحَ ما بين القوم"، أي: تباعَدَ
    وبالمختصر المفيد: الضَّرْح يراد به: مطلَق التنحية والإبعاد والمباعَدة والتباعُد والإزالة والدَّفع، سواء تعلَّق ذلك بكبير الجرم أو صغيره، بالعاقل أو بغير العاقل، وبالحسِّيِّ أو المعنويِّ مِن المبعَدَات، حقيقةً أو مجازًا.
    هذا الضرح، وانتهينا منه.. أضْرَحَنا الله عن "وجع الدِّماغ"...
    الآن، ننتقل إلى توجيه معنى البيت، إذا أثبتنا "لمْ يُضْرِعْ":

    (يتبع...)

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (...تابع)

    الآن، ننتقل إلى توجيه معنى البيت، إذا أثبتنا "لمْ يُضْرِعْ":
    وقد شرحه الشيخ أحمد شاكر بمعنى: الذل والتخشُّع، ثم قال: "فالمراد هنا: إن لم يمنع نفسه عن اللؤم ويغلبها". وفي هذا الشرح شيء من "الطفرة" و"الكسب الخفِي"! هكذا يبدو... لكن مراد الشيخ واضح، وهو: أنَّ المرء إذا لم يُخْضِعْ نفسَه لتبتعد عن اللؤم، فلن يجد إلى حسن الثناء سبيلا. ولو أسعفته كلمة "أخضعَ" مرادفًا لأضْرَعَ، لاتَّضح المقصود.
    ويؤيِّد كلام الشيخ ما في "النهاية" لابن الأثير. قال: "وفي حديث سلمان رضي الله عنه: "قد ضَرِع به"، أي: غَلَبَه." وهو شاهد قوي...
    كلام الشيخ إذن من حيث معناه ومقصده: واضح كلّ الوضوح لمن تأمَّله؛ لا كما زعم الأخ أبو قصي، واصفا إياه بأنَّه "ليس مستقيمًا كلَّ الاستقامة"! هدانا الله إلى صراطه المستقيم...
    وبعد هذه اللّكمة الخفيَّة الموجَّهة إلى عقل الشيخ، يأتي التخبيط والتخليط من أبي قصي، فيقول:
    "والصَّواب: (إن لم يُذِّلَّ نفسَه عن اللؤم) أي: (مباعِدًا لها عن اللؤم) كما تقدَّم."!
    يا سلام! ما هذا العربي الفصيح!
    اسمع جيِّدًا: "أذلَلْتُ نفسي عن اللُّؤم". ثم سافِرْ عبْرَ الزَّمن، واسأل كلَّ الأعراب منذ أن وُجِد الأعراب.. اسألهم عن هذا الكلام: هل هو عربي؟ أم تركماني؟
    كلامٌ كهذا لا يقوله إلاَّ مَن أزْمَنَتْه ضَعْفَةُ المتأدِّبة، ممّن "يستنحون" كثيرًا، و"يستلْغون" فوق ذلك!
    وفي لسان أخينا أبي قصي وحده يتعدَّى الفعل "أذَلَّ" بـ "عن". ولسنا ندري.. فهو "يعرف في النحو"، والسيد صقر "لا يفهم ما يريده النحاة"!!
    وطاف الأخ أبو قصي مشارق الأرض ومغاربها تهرُّبًا من الضَّرح، ثم عاد ليقول إنَّ أضْرَعَ معناها: أذّلَّ، وأذَلَّ تعني: باعَدَ. يعني: فرَّ من الضرْح ليقع في فيه!
    دعك من هذا...
    وما ذكره الشيخ أحمد شاكر شرحًا لرواية "لم يُضْرِع عن اللؤم نفسه"، لا يصح إلا إذا ثبت في كلام العرب استعمال: "أضْرَع عن" بمعنى: "مَنَع عن" أو "غَلَب". ولعلَّ هذا هو الذي دفع بالسيِّد إلى اختيار "يُضْرِح" بدلاً عنها. فاللغة واستعمال العرب يؤيِّدان كلام السيِّد. أمّا كلام الشيخ، فيحتاج إلى شاهد يدعمه، غير الذي ذكرتُه مِن قبْلُ...
    وقرأت في "النهاية في غريب الحديث": "المضارَحة: وهي المقابلة والمضارَعة". لكنّني وجدت الزمخشريّ يقول: "المقابلة والمعارَضة". وكلام ابن الأثير أوردَه شرحًا لكلمة "الضُّراح"، فلعلَّ المضارعة هنا تعني المضاهاة بين البيت المعمور والكعبة، أي أنَّ الضُّراح يقابل الكعبة ويُشبِهها مِن هذا الوجه.

    * قبل أنْ نَنْضَرح:
    والمعنى: السيِّد صقر تكلَّ بعلم، وله من لغة العرب ما يؤيِّد كلامه بقوّة. والشيخ أحمد شاكر تكلَّم بعلم أيضًا، وحجَّته المخطوطات، وكذلك بصيص مِن لغة العرب...
    يعني: اثنان جالسان على قمَّة الهمالايا، يتحاوران بلغة الإشارة عن مسائل ما وراء التحقيق.. وثالث "رابض" في السفح، يشغِّب عليهما ويهوِّش، مع أنّه لم يفهم كلامهما، بل لم يسمعه!!
    ولكن، هل سمعاه؟!
    وفوق كلّ ذي عِلمٍ عليم...

    (يتبع...)
    بعد ساعة أو ساعتين، بإذن الله تعالى...

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    * تنبيه:

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الواحدي مشاهدة المشاركة

    (... تابع)
    ... ومن المحتمل أن يكون أبو قصي تلقف هذا الكلامَ مِن بعض عابري السبيل.. لكن، لنتأمّلْه على أنّه من نتائج تعقيباته النقدية...



    صدَق الحدس!
    أسعفني الآن أحد الإخوة الأفاضل بنص كلام التبريزي في "شرح المعلَّقات العشر"، وهو في الصفحة 27 من نشرة فخر الدين قباوة (دار الفكر 1997). وهو مطابق لِما ذكره ناصر الدين الأسد في كتابه. لكن المدهش أنَّ مضمون الانتقاد الذي وجَّهه أبو قصي إلى عبد السلام هارون ليس إلاّ ما ذكره "قباوة"... أقول المضمون، لا الألفاظ!
    وتأمَّل كلام "قباوة"، ثم قارنْه بكلام الأخ أبي قصي:
    "وقد تصرَّف الناشرُ في عبارة الأصمعي، خلافًا لما في النسختين اللتين اعتمدهما. أمّا النحّاس، فقد علَّق على البيت الثالث بقوله: والصحيح أنه منحول. ثم قدَّم للبيت الرابع بقوله: "قال الأصمعي: الأعراب تروي فيها". (الصفحة 25، الهامش رقم 5)
    فالمحقّق أشار إلى ما هو موجود في شرح الأنباري وإلى شرح النحَّاس، ولم يحرِّر المسألة. وهي مسألة تحتاج إلى مزيد نظر وتمحيص...
    أمَّا قوله: "وقد تصرف الناشر في عبارة الأصمعي، خلاقًا لما في النسختين اللتين اعتمدهما." فهو نقلٌ أمينٌ لما هو موجود في نشرة عبد السلام هارون؛ لم يُتبِعه بحكم أو اعتراض، لم يقل: "أفسد المعنى" أو "قلبَه"...

    وللحديث بقية

    (يتبع...)


  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    ففهَّمْناها سليمان...


    (... تابع)




    (6)
    "ما" الزائدة..
    مزايدات للتنقُّص...



    "لم يفهم السيد صقر معنى الزيادة عند النحاة"!!

    هذه الجملة هي القطرة التي أفاضت الإناء، واستدعت العتب، وأثارت فيَّ شيئا من الغضب؛ وهو من جنس غضب الأخ على أخيه، ينتهي عادةً بعناق...
    كلّ الأحكام التي بعثرها أبو قصي يمينًا وشمالاً في حق أفذاذ اللغة والتحقيق يمكن أن تجد لها وجهًا يخفِّف مِن حدّتها، إلاَّ هذ الحكم.. فهو كالحنظل.. وقد أهدانا إياه أبو فيصل مجَّانًا، لأنه أخذه مجّانًا..
    وهذه الجملة هي مِن جنس "الذي حارت البريّةُ فيه"، حيَّرتْني كما حيَّرتْ أبا العلاء؛ لكن على عكس ما قال في عجُز بيته الشهير...
    وكلَّما دخلتُ "النت"، ضحكتُ.. وتذكَّرتُ قولَ شيخ المعرَّة:
    رُبَّ قبْرٍ قد صار قبرًا مرارًا --- ضاحكٍ مِن تَزاحُمِ الأضدادِ!
    وهذه قصة أخرى...
    ولكي نسبر أغوار حكم أخينا أبي قصي على السيّد، لنسافرْ –بشيءٍ من "الطَّيِّ"- إلى هضبة "التبت"، ولْنجلس جِلسةَ المتأمِّلين، ولْنَغُص في أعماق تلك الجملة الموجعة... ولْنتساءلْ:
    أين درس السيّد صقر؟ في الكتَّاب، لكنه لم يتمم دراسته، لأنّ "سيدنا الشيخ" طرده وقال له: "رُح يا بني، إنت ما بتفهمش"؟
    هل درس في "السربون"؟ أو "الجامعة الأمريكية"؟
    هذا سؤال...
    السؤال الثاني: ما هو اختصاص السيِّد صقر؟ بائع في "سوق الخضار" يستقبل "اللجاجات"؟ أم تراه كان سمكريًّا.. وفي أحد الأيام حدث انسداد في مجرى من مجاري المياه في مطبخ أحمد شاكر، فاستدعاه؛ لأنه اختبره واتيقَّن أنّه "يلجّ" في تسريح الأنابيب. وبينما كان السيّد مقبلاً على عمله، احتاج إلى الورق. فالتفت، فرأى كتابًا على طاولة المطبخ، فتناولَه، ثم ألْقى عليه نظرة.. ومن سوء حظ أبي الأشبال أنّ تلك النظرة وقعت على الصفحة رقم 530 والهامش الأوَّل منها.. وبعد أن تدبَّره هرع إلى الشيخ، وقال له كذا وكذا..
    وحتَّى لا نطيل التأمُّل، لنختصر المسافة ولْنقل: إنَّ كلاما كذاك الكلام، لا يقوله إلا مَن جهل أو تجاهل مقام "السيِّد"، وسيرته، وإنجازاته، وشهادة كبار العلماء له...
    ولْنفرض أنه نسي كلَّ دروسه الأزهرية، ومئات الكتب التي قرأها قراءة تحصيل وتدبّر.. لنفترض هذا وغيره من المستحيلات... أليس هو مَن حقَّق "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة؟ وفي "التأويل" باب طويل عريض، عنوانه: "باب تكرار الكلام والزيادة فيه"، يتجاوز العشرين صفحة (من الصفحة 243 إلى الصفحة 254)، وفيه فصل مفرَدٌ للحروف الزائدة (ص243-254). أيُعقَل أنَّ السيِّد حقَّق هذا الباب كلَّه، مع أنَّه "لم يكن يفهم معنى الزِّيادة عند النُّحاة"؟
    ممكن... لكن!
    افتح يا بُنَي الصفحة 250 من "المشكل"، واقرأ ماذا يقول ابن قتيبة؟
    يقول:
    "و"على" قد تُزاد. قال حُمَيد بن ثَوْر:
    أبى الله إلاَّ أنَّ سَرْحةَ مالكٍ --- على كُلِّ أفْنانِ العِضَاهِ تَرُوقُ"
    طيّب! اقرأ الآن الهامش رقم 6 من الصفحة نفسها. ماذا يقول ذلك الرجل الذي "لم يفهم معنى الزيادة عند النحاة"؟
    يقول:
    "وإنَّما جعل "على" في هذا البيت زائدة، لأنَّ راق يروق لا يحتاج في تعدِّيه إلى حرف جر، إنما يقال: راقني الشيء يروقني. فالمعنى: يروق كلَّ أفنان".
    طيِّب! لكن يحتمَل أنّ السيّد فهم "معنى الزيادة عند النحاة" في كلِّ الكتب التي قرأها، وكلِّ الكتب التي حقَّقها؛ لكنَّه أمام هيبة أبي الأشبال، نسي كلَّ ذلك، فـ"لم يفهم"!
    ممكن...
    لِنرْجع الآن إلى كلام "السيِّد" في نقده للشعر والشعراء. ماذ يقول؟ يقول (ص 23):
    "وإذا كانت "ما" زائدة كما قال الأستاذ فلماذا ضبط الشَّكل بِضَمِّ اللام والصواب "كما شكل" بكسر اللام."
    وهنا جملة من التنبيهات يقتضيها المقام:
    _ أوَّلا: ما نقلناه من كلام السيِّد قاله عرَضًا، ولم يُفرِد له فضلاً من مقاله. فهو لا يتجاوز سطرًا ونصف، ضمن فصلٍ يتجاوز الأسطُر العشر. فالتشبُّث به، وتكبيرُ بالمجهر حيفٌ مِن هذا الوجه.
    _ ثانيًا: الكلام جاء ضمن مقالٍ، ومن خصائص المقال الإيجاز. ولو كان ضمن كتاب، لذكر الأسباب التي دعته إلى استدراكه، ولعلَّل ووجَّه كلامه.
    _ ثالثًا: إذا طالعت كتابًا ما، لا سيّما ما ألّفه القدامى، وقرأت فيه: "وما هنا زائدة". ماذا تفهم؟
    وهذا يعيدنا إلى كلام الشيخ أحمد شاكر وماذا قال. وهو في الهامش رقم 1 من الصفحة رقم 530.
    وكلامه جاء في تعليقه على قصيدةٍ لهشام أخي ذي الرّمَّة، قال عنها ابن قتيبة: "ولم أذكر هذا الشعر لأنه عندي مختار، ولكن ذكرتُه لأنّي لم أسمع لهشام بشعرٍ غيرِه." فعلّق الشيخ شاكر: "وليته لم يفعل!" وكأنّه يتنفس الصعداء بعد طول جهد...
    فالقصيدة مدلهمَّة الألفاظ والمعاني.. ومن لطيف المناسبات: أنّ ابن قتيبة أعقبها بهذا البيت لذي الرّمّة:
    إذا انجابت الظَّلْماءُ أضْحَتْ رؤوسُها --- عليهنَّ من جَهْد الكَرَى وهْي ظُلَّعُ!!
    ثم روى أنَّ ابن أبي فروة قال لذي الرّمّة: "ما علمتُ أحدًا من الناس أَظْلَعَ الرؤوسَ غيرَك. قال (ذو الرّمّة): أَجَلْ."
    سبحان الله!
    القصيدة إذن ممّا "يُظلِع الرؤوس"...
    وفي ضبط الشيخ أحمد شاكر، رحمه الله، لهذه القصيدة وتعليقه عليها أربعة مواضع أُخَر، غير التي ذكر السيِّد، تقتضي التعقيب والاستدراك. لكنّني لن أذكرها، اتِّقاءَ أن يقرأها بعضُهم، فيبني عليها موضوعًا يُنشَر في منتدى من المنتديات، ثم يصيح فوق السطوح: "لقد اكتشفت لأحمد شاكر أربعة أخطاء في تحقيقه للشعر والشعراء! وشاكر من كبار المحقِّقين، لكنَّه "لم يفهم معاني ألفاظ الشعراء".. وأنا اكتشفتُ له أربعة أخطاء "مصادفةً"، "غير مستقصٍ ولا مستوعب"! إذن أنا كبير مثله، بل خيرٌ منه!" ثم يأتي آخر، ويصعد إلى السطح ويُناصره.. ثم يأتي ثالث ورابع.. ثم يؤسِّسون جمعية، ويسومُّنها: "نادي الأخطاء الأربعة".. ثم... يخرُّ السقف، ويهوي الجميع!
    أين كنّا؟ آه! نعم...
    إذن، ماذا كتب الشيخ أحمد شاكر في هامش الصفحة 530 من "الشعر والشعراء"؟
    ولكن، قبْلَ ذلك، ماذا قال أخونا أبو قصي في ردّه على كلام السيِّد؟

    (يتبع...)

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (...تابع)

    إذن: ماذا قال أخونا أبو قصي في ردّه على كلام السيِّد؟
    بعد أنْ نقل كلام السيِّد، وسطَر تلك الجملة التي ما كان ينبغي أن تُسطَر، سرد علينا درسًا كلامًا هو من النحو المدرسي، لا الدرس النحوي. وذكر لنا أنواع "ما" الزائدة، ومتى تكون كافّة، ومتى تكون غير كافّة.. كفانا الله الهمَّ والغمّ...
    وهو في ذلك لم "يَسْتَنْحِ" ولم "يَسْتَلْغِ"، بل نحا نحوًا حسَنَا. فجاء كلامه حسنًا، وجدّ حسن!
    وهذا الكلام هو حدود العلم.. ولكن أين الفهم؟ الفهم وراء تلك الحدود... وأوّل مراحله: فهم كلام العلماء على وجهه، لا على أذنك أو عينك.
    إذا أطلق أحدهم الكلام وقال "و"ما" هنا زائدة". ما الذي نفهمه: "ما" الكافّة؟ أو غير الكافّة؟
    وإذا أراد "ما" الكافَّة، هل يقول: "و"ما" هنا زائدة كافة"؟ أم: "و"ما" هنا كافّة"؟ أم يكتفي بقوله: "و"ما" هنا زائدة"؟
    وإذا قال القدامى في كتبهم: "و"ما" هنا زائدة"؟ هل يريدون الكافّة؟ أو غير الكافَّة؟
    لن أطيل الحديث... ومن أراد أن يتبيَّن المسألة، فما عليه إلا الرجوع إلى كتب التفسير، وما ذكروه في قوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ" (آل عمران:159)، وكذا قوله: "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ" (النساء:155)
    لن أطيل... وسأكتفي بنقل واحد، أراه يختصر علينا طريق البحث والفهم:
    يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ":
    ""ما" صِلة. أي: فبرحمةٍ، كقوله: "عَمَّا قَلِيلٍ"، "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ"، "جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ"...
    وليست بزائدةٍ على الإطلاق، وإنَّما أطْلَق عليها سيبويه معنى الزِّيادة مِنْ حيث زال عملُها."
    تأمَّلْ ما تحته سطرٌ، تُدرك المراد..
    فالقدامى من مفسِّرين ولغويّين ونحاة، بل وكذلك عدد من المتأخِّرين، إذا قالوا –مثلاً- "ما زائدة" دون تقييد أو تخصيص، فإنَّ مرادَهم "ما" غير الكافَّة، لا الكافَّة. وبعض المفسِّرين يستنكف عن وصفها بالزائدة، ويسمِّيها صلة. وكذلك يسمِّيها ابن قتيبة في مصنَّفاته..
    بل حتى في المعاجم التي تفضَّل الأخ أبو قصي بنقل ما وجده فيها، تجد أصحابها إذا اكتفوا بوصف حرف بأنه زائد، أرادوا أنّه غير كافٍّ، أي لا يمنع الذي قبله من العمل. وبالنسبة لـ "ما"، تجدهم في غير الباب الذي فصَّلوا فيه الكلام حول اقترانها بغيرها من الحروف، اكتفوا بقولهم "ما كافّة"، ولم يقولوا "ما زائدة" أو "ما زائدة كافة".
    ومَن أدام النظر في اللسان، أدرَك ذلك. أمَّا مَن سبَق لسانُه نظرَه، فذلك شأنُه...
    هذه واحدة...
    المسألة الثانية: هل استخدم أحمد شاكر في تحقيقاته أو كتبه عبارته تلك ("ما" زائدة)، وهو يقصد حصرًا ما الزائدة الكافّة عن العمل؟ المسألة تحتاج إلى تتبُّع، ووقت.. لكن ظنِّي أنَّ السيّد صقر آخَذه مِن هذا الباب...
    وإذا رجعنا إلى تحقيق تفسير الطبري، واستصحبنا –افتراضًا- أنّه لم يكن له فيه من عمل سوى المراجعة والتخريج، نجد مواضع عدَّة، ذكَر فيها المحقِّقان حروفا وُصِفَت بالزيادة، بمعنى أنّها ملغاة لا عمل لها، لا بمعنى كونها كافّة. والمقام يضيق عن ذكر الأمثلة... وهذا ممّا يقَوِّي الظن الذي ذكرتُه في السبب الذي دعا السيِّد إلى الاستدراك على أبي الأشبال...
    هذه الثانية...

    (يتبع...)

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (...تابع)


    _ المسألة الثالثة:
    إذا رجعنا إلى كتب بعض القدامى، نجدهم يستعملون "ما" الزائدة في مقابل "ما" الكافة. أي: إذا كانت "ما" زائدة غيرَ كافَّة، قالوا: "و"ما" هنا زائدة"، وإذا كانت كافَّة، قالوا: "و"ما" هنا كافَّة". وهذا تجده كثيرًا في "الخزانة"، وتجده أيضًا في "شرح الرَّضِيّ". وفي "رسالة الغفران" فقرة تُظْهِره بجلاء لذي عينين (ابتسامة).
    وسأكتفي بهذا النقل عن "الخزانة" (الشاهد 799) لتوضيح المسألة:
    "رُبَّمَا ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ --- بَين بُصْرَى وطَعْنَةٍ نَجْلاءِ
    على أنَّ "ما" المتَّصلة بـ "رُبَّ" فيه زائدةٌ، لا كافَّة. ولذا عملتْ "ربَّ" الجرّ في "ضربةٍ".
    ثم أضاف: "ومِن العجائب قول العيني: كلمةُ "رُبَّ" دخلتْ عليها "ما" الكافَّة، ولكن ما كفَّتها عن العمل هاهنا، ولهذا جرّت "ضربة". (انتهى)
    وهذه الإضافة أوْرَدتُها، لنلْحظ الفرق بيننا وبين "علماء زمان".. ولو قرأ أحدنا كلامَ العيني، لشنَّع عليه أبشع تشنيع، ولاتَّهَمَه بأنه "لم يفهَم معنى الزيادة عند النحاة"!!
    هذه المسائل ذكرتُها، لأنَّها متعلِّقة بالفهم.
    * والمعنى: تناول الشيخ أحمد شاكر بالشرح قول أخي ذي الرمّة:
    واسْتَنَّ فَوق الحَذارَى القُلْقُلانُ كَما --- شَكْلُ الشُّنُوفِ يُحاكَى بالهَيَانِيم
    فقال (ص 530، هامش1): "((كما شكل)) ما زائدة، أراد: كشكلِ الشُّنُوف"
    وضبط الشكل بالضَّم..
    وكان الأوْلى، حسب السيِّد، أن يقول: "ما كافَّة"؛ لأنَّك إذا قلتَ: "ما زائدة" دون تقييد، فإنَّه يراد بها "ما" غير الكافة، فيكون الكسر من حق اللام، لا الضم. وفي أحسن تقدير، يظل المعنى مبهمًا...
    هذه هي الحكاية وما فيها...
    فلا أبو الأشبال أخطأ خطأ بيِّنًا في كلامه، ولا السيِّد كان مسيئًا (للفهم أو للتصرُّف) في استدراكه! الأوَّل يفترض في القارئ مزيد نباهة ليعلم أنّ مرادَه "ما" الكافّة، والثاني يفترض في المحقِّق مزيد تحوُّط في العبارة انسجامًا مع الاستعمال الدارج!
    ويا دار ما دخلك شر...
    * يعني: الشيخ كتب ما كتب وفي باله أنّ الذي يقرأ من الأفذاذ، والسيد أومأ إلى الشيخ بأنَّه خالَف في هذه المسألة منهجَ الأفذاذ. وكلاهُما من الأفذاذ... فما شأننا نحن؟
    وكأنَّني أتخيَّل حوارًا طويلا بين أبي الأشبال والسيد حول تحقيق "الشعر والشعراء".. وأثناء الحديث، وبينما كان السيّد يدني من فيه كأس الشاي ليرتشفه، قال لأبي الأشبال: "بالمناسبة، ما قصة "ما" الزائدة هذه التي ذكرتَها في الهامش، مع أنَّك رفعت قوله "شكل" في المتن؟ ألمْ يكن الأوْلى أن توضح، أو تقول: "ما" كافة؟" فأجاب الشيخ: "هذه تركتُها لفهمك!" فقال السيِّد: "زادنا الله فهْمًا، ونفعنا بك!"
    ثم ارتشف السيِّد رشفتَه المعلَّقة، فقال له الشيخ مداعبًا: "سكَّر زيادة؟" فأجابه السيّد: "لا، اجعلها كافّة أحلى".
    فابتسما..ثم مضى كلٌّ منهما إلى عمله...
    وكان عملهم: التحقيق؛ لا اللّهاث وراء المحقِّقين الأفذاذ، والتعسُّف في تخطئتهم، ثم نشر ذلك كلِّه فوق السطوح... كالذي ينشر ثيابه، كاشفًا عورته!


    (يتبع...)

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    ففهَّمْناها سليمان...


    (... تابع)





    (7)
    قَبْلَ العَشِيّ...



    شُهورٌ يَنْقَضِينَ وما شَعَرْنَا --- بأَنْصافٍ لَهُنَّ ولا سِرَارِ

    فأَمَّا لَيْلُهُنَّ فَخَيْرُ لَيْلٍ --- وأَقْصَرُ ما يَكُونُ مِن النَّهارِ


    وبعد، أخي أبا قُصَي...
    الآن وقد خفّ العتاب، يمكنني التحاور معك بضمير الخطاب...
    لقد قضيت في محاورتك وقتًا "كعصر العامريّة"، سقْيًا له من وقت.. فجزاك الله خيرًا.
    أحببتُ فيك الشاعر.. وأحببتُ فيك الأديب.. لكن، أغضبني منك الناقد! لا كلُّ الناقد، بل شيءٌ منه..
    فالنقد من أمارات الفهم، والفهم هِبَةٌ من الله؛ لن يبارك لنا فيها إلا إذا أحسنّا استعمالها. ومن تمامه: أن نتفهَّم كلام أهل الفهم...
    والنقد: حُكْم. والحاكم مسؤول عن حكمه. قال الحسن البصري، رحمه الله في قوله تعالى: "فَفَهَّمْنَاهَ سُلَيْمَانَ": "لولا هذه الآية، لرأيت الحكَّام هلكوا. ولكن أثنى على هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده". قم إذن، وقبِّلْ جبينَ الحسَن، فقد أسعدك بتأويل من التنزيل!
    والنقد رديف التمحيص. والتمحيص قرين التريُّث وتقليب النظر. وقديمًا كان لفظ "المحقِّق" إذا أُطلِق إنَّما يراد به الناقد لأقوال الناس وآرائهم. ولتمحيص أقوال الناس، لا يكفي أن نتثبَّت في صحَّة نسبتها إليهم، بل لا بد من تعليلها والبحث عن الباعث عليها. وأفضل النقّاد هو من يسوق الاعتذار عن مقالات العلماء. أمَّا إدانتهم بما قالوا، فكلُّ الناس تُحسِنه...
    والناقد الحق هو: مَن راعى مقام المتكلِّم وهو يمحِّص كلامه؛ لا تعصُّبًا له أو عليه، بل استصحابًا لحاله...
    ولولا ذلك "الشيء" الذي أشرتُ إليه، لما كان الذي كان.. ولكان نقدك كالنقد: قد يُقْبَل، وقد يُرَدّ عليه. والناقد في الحالتين مشكور مأجور... فهو إذا أخطأ: أكَّد صحَّة كلام مَن انتقده بعد التمحيص. وإذا أصاب: نبَّه أهل العلم إلى الخطأ فاجتنبوه...
    ونحن في عصرٌ، ميزته ومَزيّته الكبرى: التواصُل. وقد منّ الله عليننا بنعمة المنتديات الطاهرة النافعة، مثل منتدانا هذا... وهي نعمة لمن أحسن الاستفادة منها، ونِقمة على مَن أساء...
    منذ أكثر من أسبوعين، سجّلت أختٌ لنا في مجلسنا هذا استشكالا لكلمة وردت في "المعيار المعرب"، فاجتهد جميع الإخوة في إعطاء توجيه لتلك الكلمة.. اجتهدنا جميعا.. وقاربنا.. لكنّنا لم نُصب الجواب.. ثم جاء أخ، ولعلَّه لم يكن من أعضاء المنتدى قبل ورود تلك "النازلة"، فجاءنا بالجواب المُقنِع!
    ولن أبالغ إذا قلت لك إنّ فرحتي بقراءة كلامه، لربّما فاقت فرحته هو بالتوصُّل إلى الجواب، بل وفرحة الأخت التي أرّقها ذلك الإشكال...
    وهكذا الأمر أخي الكريم... هيِّن ليِّن، ميسورٌ لمن يسَّره الله عليه...
    لو أفدتنا بتعقيباتك على كلام السيد صقر، رحمه الله، وكانت خالية من الأحكام، لشاركنا جميعا في إثراء الموضوع بنِيَّة المستفيد والمفيد معًا، ولربحنا جميعًا وما أهدرنا وقتنا في توضيح الواضحات...
    والواضحات هنا واضحة.. وهي لا تحتاج إلى مزيد إيضاح...
    كان الله في عوننا جميعًا، وغفر لنا، وستر علينا!
    وقد حرصتُ، أخي أبا قصي، ألا يندَّ قلمي بجارح الكلام لشخصك، واتخذتُ هذا السَّمت نهجا لعباراتي منذ أوَّل مشاركة لي في هذا الموضوع؛ اللّهم إلا ما كان من باب المشاكلة لقاموسك في الحديث عن بعض العلماء...
    فإذا وجدتَ كلمةً شعرتَ أنها تستهدف شخصك لا كلامك، فأرجو أن تعذرني. وكن على يقين أنّني لم أقصد ذلك ولا جال في خاطري...
    والآن أستأذنك في الانصراف، فقد تعبت...
    تعبت، وأريد العودة إلى أحبابي...
    أحبابي أولئك... إنهم هناك... لكن مقامهم في القلب لا يريم... وكلَّما ضاقت بي الدنيا وكلح وجهها، هرعتُ إليهم، مستأنسًا بحديثهم، مقتبسًا من أنوارهم، مستروحًا مجالسهم...
    أولئك أحبابي... أشتاق إليهم، فتمنعني الهيبة من لقائهم... وألقاهم، فيُعجِلني فيض أنوارهم عن إطالة الجلوس بين أيديهم...
    أولئك أحبابي... واحات تُظلّني والعمر صحراء قاحلة... نجومٌ تهديني والدنيا ليل حالك...
    أوائك أحبابي... مِن عذْب حياضهم تضلّعت.. ومِن رحيق رياضهم نهلت.. فما استحليْتَه من كلامي، فهو من ورود تلك الرياض.. وما استعذبته مِن معانيَّ، فهو من معين تلك الحياض...
    أولئك أحبابي... الرافعي، والشاكريّان، والسيِّد، والطناحي، ومن كان من طرازهم...
    أترقَّب مرورهم على الطريق.. وعندما يقتربون، أتودَّد إليهم بما جنيت من ثمرات الأفكار.. فلا يلتفِتون إليَّ أحيانًا، وأعتذر لهم وعنهم... ويأذون لي أحيانًا في مرافقتهم، فأرى الدنيا على حقيقتها: لا تساوي جناح بعوضة...
    أستأذنك أخي أبا قصي، ولعلني لن ألقاك بعد حديثنا هذا...

    تَمتَّعْ مِن شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ --- فَمَا بَعْدَ العَشِيَّة مِنْ عَرَارِ

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    تصويب

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الواحدي مشاهدة المشاركة
    ويأذون لي أحيانًا في مرافقتهم


    ويأذنون لي أحيانًا بمرافقتهم.

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    تنبيه إلى تصحيف وسقط في موضعين (ابتسامة)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الواحدي مشاهدة المشاركة

    _ أوَّلا: ما نقلناه من كلام السيِّد قاله عرَضًا، ولم يُفرِد له فضلاً من مقاله. فهو لا يتجاوز سطرًا ونصف*، ضمن فصلٍ يتجاوز الأسطُر العشر. فالتشبُّث به، وتكبيرُ* بالمجهر حيفٌ مِن هذا الوجه.
    والصواب:
    أوَّلا: ما نقلناه من كلام السيِّد قاله عرَضًا، ولم يُفرِد له فصلاً من مقاله. فهو لا يتجاوز سطرًا ونصفالسطر، ضمن فصلٍ يتجاوز الأسطُر العشر. فالتشبُّث به، وتكبيرُه بالمجهر حيفٌ مِن هذا الوجه.

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    33

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    تمهيدٌ


    لولا أن يغترَّ بهذا الكلام بعضُ من ليس في غريزتِه القدرةُ على النظر ، والممايزة ، والتمحيص ، لكان الوجهَ أن نُمسكَ عن الردِّ عليه ، لما انغمسَ فيه من التخليطِ المستبينِ ، والتعالمِ المكشوفِ ، والعبثِ الظاهرِ الذي إن يكن ساءَ أحدًا ، فإنما ساءَ السيِّد صقرًا في قبرِه ، وكأني أراه يجأرُ إلى الله تعالَى أن يرفعَ عنه هذا البلاء الماحق الذي نزلَ به من بعضِ مَن أرادَ أن يحسِن إليه ؛ فلم يزِد على أن أساءَ إليه أبلغَ الإساءةِ . وكأنِّي به يقولُ : قد كان ما كان منِّي عن اجتهادٍ ، ولم أطَّلِع على ما يبيِّن خطأه . ولو كنتُ اطلعتُ على ذلكَ ، لرجعتُ إلى الحقِّ ؛ فما بالُ أقوامٍ يصرّون على قولي بعدَ أن قُدِّمَت إليهم الأدلَّةُ ، والبيِّناتُ ؟ ثم يتمثَّل بقول عديِّ بن الرِّقاع العامليِّ :
    أضَلالُ ليلٍ ساقطٍ أكنافُه *** في الناسِ أعذرُ ، أم ضلالُ نهارِ ؟
    أفرأوني ادَّعيتُ لنفسي العصمة من الخطأ ، والبراءةَ من السهوِ؟
    أم هم أعلمُ مني بنفسي حينَ قلتُ :
    ( وإني على نهجي الذي انتهجتُ منذ أول كتابٍ نشرتُ ، أدعو النُقَّادَ إلى إظهاري على أوهامي فيها ، وتبيين ما دقَّ عن فهمي من معانيها ، أو ندَّ عن نظري من مبانيها ،وفاءً بحقِّ العلم عليهم ، وأداءً لحقّ النصيحة فيه ) .


    فرحمةُ الله عليك يا سيِّدُ !
    أيَّةً سلكتَ !
    ولله أنتَ من عالمٍ !
    تعرفُ الحقَّ ، ولا تنكِرُه *** إن عرفانَ الفتى الحقَّ كرَمْ
    وجزاكَ الله على ذلك خيرًا .
    ولا يزالُ أهلُ العلمِ يعرِفُ بعضُهم قدرَ بعضٍ ؛ وإنما يفسِدُ بينَهم الدُّخلاءُ !


    - والحديث آتٍ إن شاء الله ...

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    هل تراجَع الأخ أبو قصي عن موقفه؟
    وموقفه الذي ساءنا ليس النقد، بل التطاوُل على العلماء بنعوت لا يقبلها لا العلم ولا الخلُق.
    لا أظنّ ذلك...
    بل إنّ فراستي تخبرني أنه سيتمادى...
    فها هو ذا يطلع علينا بنغمة قديمة جديدة، وهي: "إنَّما أساء إليك الذين أحبُّوك!"
    أمَّا الذين شتموك، واتَّهموك في فهمك، فأولئك هم الذين يحبُّونك حقًّا، ويحبُّون العلم؛ لأنَّهم "مِن أهل العلم"، لا من "الدخلاء"!
    ثم فُتِحَت له نافذة على الغيب، فرأى السيّد "يجأر إلى الله تعالى أن يرفع عنه هذا البلاء الماحق"! وما مصدر هذا البلاء؟ إنه "مِن بعض مَن أراد أن يُحسِن إليه، فلم يزد على أنْ أساء"!
    الله أكبر!
    هكذا تنقلب الموازين في أفهام من ينافحون عن "الفهم"، ويندِّدون بمن "يقلب المعاني" و"يفسدها" و"لا يفهم استعمالات العرب".
    لسنا هنا في مورد الحب أوالكره، يا أخي.. الأمر يتعلَّق بالإنصاف. والإنصاف، قبل أن يكون خلقًا محمودًا، هو من صفات العقلاء. والحكم على كلام الناس، إذا شابه الحيف والتحامل، فَقَدَ قيمته، ولو "زعم" "مُدَّعيه" أنَّه صواب.. فماذا لو كان أصحاب ذلك الكلام أناسًا لا كالناس!
    والسيِّد قال:
    "أدعو النُقَّادَ إلى إظهاري على أوهامي فيها"
    ولم يقل: أدعو كلَّ مَن هَبَّ ودبَّ إلى إظهار "ما ظهر له" من أوهامٍ لي، وإظهاري عليها، ثم اتهامي بـ "نفي الروايات الصحيحة" وأنَّني "لم أفهم معنى الزيادة عند النحاة"!
    هل كلامي بيِّن؟ أم أخاطبه بالتركماني؟
    فإنْ لمْ يَفهَم العربيُّ يومًا --- فَحَدِّثْه إذًا بالتُّرْكُمانِي !!

    وفي هذا المقام، أذكِّر القارئ الكريم المنصِفَ بهذا الكلام النفيس للجاحظ، فإنَّه نبوءة منه لما سيقع وظهرت "تمهيداته". يقول:
    "ومِن أبْلَغِ الطَّعن على ما تريد: أنْ تطعن، ثم تستغفرالله. ثم تتمهَّل فترةً، ثم تعود لطعنٍ هوأعظم وأطمُّ من الأوَّل؛ ليوثق بك فيه، ويقال: إنّ هذا لوكان عن حسدٍ، مارجع عن الطعن الأول."!!
    أبْدل "الحسد" بـ"الإجحاف"، يتّضح المعنى...

    وفي فهم العقلاء كفاية..."كافّة"، لا "زائدة"...
    والله ولِيُّ التوفيق.

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    ** تنبيه:
    الإخوة الذين يستخدمون "جوجل كروم"، سيجدون المشاركات من 21 إلى 24 معروضة بشكل رديء لا يطاق، بسبب تغيير الحرف حجمًا ولونًا... وهذا التغيير لم يتسبّب فيه الأستاذ عبد السلام هارون (ابتسامة)، بل هو من تحريفات اللغة الرقمية.
    ولإراحة أعينهم، ما عليهم إلا أن يفتحوا صفحة المجلس بواسطة "أنترنت إكسبلورر".
    والله ولِيُّ التوفيق.

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    33

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    إنَّ خيرَ البرقِ ما الغيثُ معَهْ




    ما مثَلي ومثلُ الأخ الواحديِّ إلا كرجلين خرجا يصطادان ؛ حتى إذا توسَّطا عُرضَ السريِّ ، كمَنا فيه يلتمسان صيدًا يصيبانِ منه غِرَّةً . فبينا هما كذلك ، أعرَضَ لهما عانةٌ من حُمُر الوحشِ ، فقبضَ أحدُهما على معجِسِ قوسِه ، وأرسلَ سهمَه :
    فخرَّت نحوصٌ ذاتُ جحشٍ سمينةٌ *** قد اكتنزت لحمًا ، وقد طُّبِّقت شحما
    فلكزَه صاحبُه ، وقال له : لم تصنع شيئًا لا أبا لك ! فقال : وكيفَ إذن ؟ فانتزعَ القوس من يدِه ، وقال : انظر ، وسترَى .
    ولبِثَ مكانَه يتطلَّعُ ، ويتحسَّسُ ، ويترقَّبُ ؛ فما هي إلا هنيهةٌ حتى مرَّت بجانبِه بقرةٌ كأحسنِ ما أنت راءٍ من البقرِ ، واقتربت منه وهي غافلةٌ عن مكانِه منها ، حتى أمكنته ، ولم يبقَ بينه وبينَها إلا مِقدار ذراع ؛ فلو مدَّ يدَه لعلِقَت برَوقيها . فلمَّا رأى ذلكَ ، أقبلَ عليها بسهمِه ، وهو يقلِّبُ عينيه ؛ فتارةً يغمض عينًا ، ويفتحُ أخرَى ، وتارةً يغمضهما معًا ، وتارةً ينظرُ :
    بعينٍ كعينِ مُفيض القِداحِ *** إذا ما أراغَ يريدُ الحويلا
    وقد عضَّ على شفتيه ، ومدَّ عنقَه ، وحنَى ظهرَه ، ثم لأيًا مَّا أرسلَ سهمَه :
    فرمَى ، فأخطأها ، وصادف سهمُه *** حجرًا ففُلِّلَ ، والنضيُّ مجزَّعُ
    فهذا مثلي ومثلُ الواحديِّ .


    وأنا لا أظلمُه ، ولا أحبُّ أن أكونَ من أهلِ البُهتِ ؛ فأقلبَ ثنائي عليه ذمًّا لحاجةٍ في نفسي ، وأشابِهَ يهودَ ، ولا أن أنزِعَ عنه الحُلَّةَ التي كسوتُه إياها ؛ فأكونَ كالراجعِ في قيئِه . وبعدَ أن كنتُ :
    ( ينمّ عن بصر حديد نافذ، وتقليب للنظر الناقد لكلام الكبار )
    أصبحت :
    ( وقد قرأت ما جادت به قريحة "أبي قصي" المشاركة رقم: ، [ كذا ] فعلمتُ أن الرجل لا يفهم ما يقرأ، ويقرأ ما لا يَفهم ! ) .
    فهذا خبرٌ نادرٌ لرجلٍ كانَ نقدُه ينم عن بصر حديد نافذ ، ثم إذا هو بعدَ أيام فقطْ لا يفهم ما يقرأ ، ويقرأ ما لا يَفهم .
    وأحمدُ الله تعالى أنَّ عقلي ليس بيدهِ . إذن كنتُ أصبحُ في زمرةِ العقلاءِ أهلِ البصر الحديدِ ، النافذِ ، وأمسي في مستشفى المجانينِ .
    ومثلُ هذا لا تستغرب إذا رأيتَه يلوي الحقائقَ !
    و ( يا سلام ) على الإنصافِ !


    والأخ الكريم – كما قلت عنه في ردّ سابق – أديبٌ ، ألمعيّ ، ذكي البيان ؛ ولكنَّه لم يؤتَ الحكمةَ ، وفصلَ الخِطابِ ؛ فظنَّ بيانَه مغنيًا عنه شيئًا ، وظنَّ أنه إذا جعلَ يُكثر الردود ، ويغيِّر العناوينَ ، ويلوِّنُها ، ويكبِّرُها ، قطعَ حجَّة خصمِه ، وبكتَه ، وانتصرَ لدوافعِه التي حملته على هذه التعقيباتِ . ووقعَ في وهمِه أنَّ الحوار في هذه المواضيعِ العسِرةِ لا يحتاجُ إلى أكثرَ من قراءةِ كتابٍ ، أو كتابين من كتبِ النقدِ ، معَ استصحابِ الإخلاص ، والنيّةِ الصادقةِ غيرَ شكٍّ ، وأنه متىَ فعلَ ذلك ، فقد استكملَ العُدَّةَ ، وأصابَ الآلةَ ، وبلغَ المبلغَ الذي يؤمِّلُ ، ولم يعجِزْه أن يحاورَ في أيِّ حديثٍ شاءَ ؛ حتى وإن كانَ لا يعرِف فيه قبيلاً من دَبيرٍ ؛ فأقدَمَ على القُحَمِ ، وخاضَ :
    *** ... غمارًا تفرَّى بالسِّلاح ، وبالدمِ ***
    *** فخرَّ صريعًا لليدينِ ، وللفمِ ***
    ثم استزلَّه هذا الوهمُ الخادع عن نفسِه حتى كتبَ ما كتبَ ، وأوغل به خيالُه حينَ رأى أنه يكتبُ من وراء جُدُرٍ ، وأنه إذا كتب الردَّ في الحاسبِ ، ثم رفع رأسَه ، والتفتَ ، لم يلقَ من يعترضُ عليه . ولم تزل نفسُه تمنيِّه ، وتكذبُه حتى ظنَّ أنَّه محمود شاكر . وما دام هو محمود شاكر ، فلا بدَّ أن أكون أنا لويس عوض . وإذن فالأمر صِراعٌ بين هذه الأمة وحضارتِها ، وتراثِها ، وبين أعدائها الذين يتربَّصون بها الدوائرَ ، ويكيدونَ لها المكايِدَ .


    وقد قدَّر الله عليَّ في ما قدَّر أن أقرأ كلامه هذا الذي سطَّرَه ؛ فلم يزلْ يتردَّد فيَّ العجبُ : هذا الرجلُ معدودٌ في العقلاءِ ؛ فكيفَ رضِيَ لنفسِه أن يأتيَ ما يأنَف منه العقلاءُ ؟
    ولم أجد لهذا جوابًا إلا أنَّ الأهواء متى ما استحكمت ، واستمرَّ مريرُها ، لم يميِّز المرء ما يأتي ، وما يذر ! أكان حقًّا ، أم باطلاً ، وكانَ له من هواه مثلُ الجدارِ الحاجزِ الذي لا يرى مَن بداخله ما وراءَه .


    والرجلُ يسترُ ضعفَه العلميَّ بالظرفِ المتكلَّفِ السمْجِ ؛ يحاوِلُ أن يتقفَّى بعضَ من أعرِفُه ، ولا أحبُّ أن أذكرَه ! ونعم ! كان يأتي بالكلامِ المضحكِ ، لا لما فيه من ظرفٍ ؛ ولكن لخيبتِه . وهذا بعضُ كلامِه يتظارَفُ فيهِ ، يقولُ فيهِ معلِّقًا على كلام بعض المعقبين عليَّ [ الكلام بالأزرق ، والتعليق بالأسود ] :
    "ومع ذلك (وأولئك، وهنَّ، واللواتي، والبتوع...)، لم يقف السيد أحمد صقر (ولم يقعد، ولم ينم، ولم يرم نفسه في الترعة من شدة الخوف) ليقول من أنا (وأنا مين..) ومن أكون (وازّاي كنت؟ ويا ترى هل أنا كائن؟) حتَّى أردَّ (بالبوكس) على مَن هو (أقوى وأجدع) وأسنّ مني؟ (لأني خايف آخذ علقة ما تتنسيش..)"
    انتهى النَّقل... [ قلتُ : والهراء المخجِل الذي أُقحمَ فيه ] .
    وهذا الكلامُ الظريفُ ( بالطبع ) هو في رأيي أنجعُ عِلاجٍ للمبتلى بالسمنةِ ، يقرؤه كلَّما نازعته نفسُه إلى الطعامِ ، ليقدَعَها عنه .
    والعجيب أنَّه اجتمعَ فيه كلُّ خفَّةٍ إلا خِفَّةَ الدمِ .
    نعوذ بالله من تظارُف الثقيلِ ، وثِقَل التظارُفِ .
    وما من كلامٍ شريفٍ نبيلٍ إلا وأنت تستطيعُ أن تُدخلَ في متنِه مثلَ هذه التعاليقِ السخيفةِ .
    وهذه نصيحةٌ لصاحبِ هذا الكلامِ لعلَّه يقبلُها من أخٍ مشفقٍ عليهِ ، حريصٍ على منفعتِه ؛ وهي أن ينزِعَ عن مثلِ هذا العمَل ؛ فإنه عمَل شاقٌّ لا يحسِنه كلُّ أحدٍٍ ؛ إذ هو من أصعب ضروب الكتابةِ ؛ ولعلَّه أصعبُها . ولم يكن الرجلُ الذي يحاول أن يتقفاه يستعملُ هذه الطريقةَ إلا بمهارةٍ ، وحِذقٍ ، وكانَ لها عندَه مقدارٌ معلومٌ ينتهي إليه ، إذا جاوزته كانت تهريجًا محضًا ، يصلُح أن تُقطَّعَ به الأوقاتُ في المقاهي ؛ ولكنه لا يصلُح في مجالسِ العِلْم .


    وهذه التعقيباتُ التي كتبَها لم يكتبها يتحرَّى بها الإنصافَ ؛ فهذه كَذبةٌ لا مساغَ لها ؛ وإنما كتبَها بنفسٍ موتورةٍ ، حنيقةٍ . ولو أنا أحسنَّا الظنَّ به ؛ فقلنا : إنه غضب للسيِّد صقرٍ أن أكونَ خطَّاتُه في مسائلَ ، وقلتُ : إنه لم يفهم هذا المعنَى ؛ فإن قصارَى هذا أن يكونَ غضَبًا لرجلٍ من الناسِ يخطئ ، ويصيبُ .
    فهل هذا أحقُّ بالغضبِ أم مَّن يرى رجلاً يقدِمُ على بعض الرواياتِ الصحيحة التي رواها جلَّة من العلماءِ ؛ ثمَّ يقولُ : هذه خطأ ، وهذه خطأ ، وهذه خطأ !
    هكذا بكلِّ جرأةٍ ! غيرَ هيَّابٍ ، ولا وكَلٍ !
    عجبٌ لتلكَ قضيَّةً ، وإقامتي *** فيكم على تلكَ القضيةِ أعجبُ
    وأنا لا أنفي أني قد غضبتُ من هذا الفعلِ من صقرٍ – ولا ألامُ - ، وكنتُ ودِدتُّ لو تحرَّى قبلَ الحُكْمِ ؛ ولكن يبقَى له مع ذلكَ عندي التقديرُ ، والإكرامُ . ولا تناقضَ بين هذينِ - كما سيتبيَّن إن شاء الله - .


    أمَّا هذه الكلمةُ الفَجَّةُ التي لا يزالُ الأخ ومَن لفَّ لفَّه يردِّدُها ؛ وهي ( الكبار ) ، فلا قيمةَ لها عندي ، ولا مكانَ لها في ميزاني ؛ فالخطأُ يُردُّ على كلِّ أحدٍ كائنًا من كانَ ، ومراعاةُ العلم أحبُّ إلينا من مراعاةِ الرجالِ ؛ على أن كلمةَ ( الكبار ) كبيرةٌ ، وفيها نظَرٌ قد لا يتبيَّنُ لبعضِ أهلِ هذا الزمانِ ، لأنَّه لا يعرفُ معنَاها، وعلى من تُطلَقُ إلا الكبارُ ، لا الصِّغارُ الذين يظنونَ هذه الكلمةَ ( خردةً ) تباع في سوق ( الحراج ) .


    أما القولُ بأنَّ هذا المحقِّقَ ، أو العالمَ لم يفهم هذه القضيةَ ، أو تلكَ ، فلا ينقصُ من قدرِه ، ولا يغُضُّ من مكانتِه . ولعلَّ القارئَ الكريمَ يراجعُ ردِّي رقم ( 9 ) ؛ ففيه تأصيلٌ للنقدِ أرجو أن يَّكون نافعًا .


    وللكلامِ بقيَّة ...
    ومعذرةً إن تأخرتُ عن الردودِ ؛ فإني إنما جعلتُها مستراحًا ألوذ إليه كلَّما أثقلني الجِدُّ ، وبهظَني المللُ ، ولم أجعل لها من وقتي إلا فضلَه ؛ فلا غروَ أن تطولَ مدَّتُها حتى تبلغَ شهرًا ، أو شهرينِ ، أو سنةً . وسوفَ أتناولُ فيها إن شاء الله جميعَ المسائلِ بالردِّ العلميِّ المفصَّلِ ، ثمَّ أبيِّن جهالاتِ الأخِ ، وتخليطَاتِه ، وسقوطَ استدلالاتِه ؛ حتى إنه ربَّما أتَى بالنقلِ عن بعضِ العلماءِ يظنُّه حجةً له ، وهو حجةٌ عليه ؛ ولكَنْ هكذا يصنعُ الهوَى ، وكذلك يفعلُ من اعتادَ النسخ ، واللصقَ ، ولم يكن له علمٌ سابقٌ يرجعُ إليه ، ويعوِّل عليه .

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    أبدأ بالاعتذار إلى الإخوة المتابعين للموضوع: لن أضع عناوين لما سأسطره، لأنّ المحاكاة تُقرِف الأصيل...

    يحاول أخونا استدراجي إلى الإساءة بإساءات... وبقلمه الرِّماحيِّ الرَّابضيِّ، يستميت في جرِّي إلى المهاترة والمناوشات، لينحرف الكلام عن المهْيَع إلى البُنَيَّات...
    والمهاتَرَة لها أوَّل، لكن لا آخِر لها.. وقد نُهِينا عنها.
    وليس مِن سَمْتي الإساءة ولا المهاترة، ولكنّني لا أرتضي البهت من القول والفريةَ يلبَّسُ بها على الناس، وإن كان قائلها ومختلقها هو أوّلَ مكذِّبيها...
    يستغرب صاحبنا أسلوب كلامي، ويستكثره عليَّ. ومع ذلك، يصف بعضه بالسُّخف والهراء... ولا لوم في ذلك على من أولِع برصف طنين الألفاظ البكماء، وتنزيلها على صفير المعاني الجوفاء. وإذا اجتمع طنين وصفير، غاب المعنى وبطلت حكمة التعبير، لانعدام التفكير.
    لا ألومه.. بل سأحقِّق أمنيته، وأخاطبه بكلام له من شروط الكلام أدناها، فآتيه به: لفظًا مفيدًا كاستقِم. وأعلى طبقات الكلام: الكلام المعجز الذي لا يحاكى، وهو كلام الله عزَّ وجَلَّ، ومنه قوله تبارَك مِن قائل: "وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ".
    وإنَّ لي فيما أزاول وأحاول لشغلاً عن التُّرَّهاتِ... فلْأتركها للعقولَ الْمُشْعبات..
    وظَنُّ أخينا، بل أمنيتُة الخفِيّة، أنَّ قارئ الألوكة هو ممَّن "ليس في غريزته القدرةُ على النَّظر، والممايزة، والتمحيص". لكن هيهات! هيهات! نَطَق ناطق، وصمَت صامِت. وإنّما لسان الناطق في قلب الصامت، وقلبُ الصامت على لسان الناطق: كلانا عالِمٌ بالتُّرَّهات...
    فما هي فريات أبي قصي في مشاركته الأخيرة؟ وما هي التُّرَّهات التي يحاول إلهاءنا بها، ليشغلنا عن صلب الموضوع ولُبِّ المسألة؟
    (يتبع...)

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (... تابع)

    ** يقول صاحبنا الذي حُرِم وطرَه: "أمَّا هذه الكلمة التي ما زال الأخ ومن لفَّ لفَّه يردِّدها؛ وهي (الكبار)، فلا قيمة لها عندي، ولا مكان لها في ميزاني". (تأمَّل الياء في "عندي" و"ميزاني"، ثم استشر محلّلا نفسيًّا لينبئك ببعض ما تعرفه جهينة...)
    ومغزى هذا الكلام أومأتُ إليه من قبل، عندما ذكرتُ كلام "أحد أحداء "أهل اللغة"؛ لكن أبو عذرة النقد والفهم لم يستوعبه، واعتبره "هراءً مُخجِلاً"!
    فلا بأس من الرجوع إليه، بأسلوب آخر يليق بمتورِّع مثل أخينا:
    في بعض الحوارات العلمية مع بعض الإخوة، عندما تأتيهم بحجّة لعالِم من علماء السلف، ولا يجدون لها ردًّا، يتملّصون قائلين: "هات دليلا، يا أخي! آيةً أو حديثًا، لا غير.." فإذا أنت حاولتَ إفهامَه أنَّ قول ذلك العالِم إنَّما مستنده الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، أجابك بأنَّ ذلك فهمه هو، وأنَّه ليس ملزَمًا به؛ وأضاف: "هم رجال، ونحن رجال"...
    ثم يستدل لكلامه بأنّ فلانًا ردَّ على فلان.. ويضيف: "الخطيب ردَّ على أبي حنيفة، والكوثري ردّ على الخطيب؛ وأنا أردُّ على الكوثري، والخطيب، وأبي حنيفة.. بل وعلى مَن هو أكبر مِن أبي حنيفة! وأنت لا تعرف مَن هم "الكبار"، وإنَّما يعرفهم كبير مثلي، أيّها الصغير!"
    وبعض هذا الكلام، إنَّما هو كلمة حقٍّ أريدَ بها باطل. ولهذا صحَّ في هؤلاء أن نسمِّيهم "خوارج الفقه".
    وقريب مِن "خوارج الفقه": خوارج النقد. وهم قوم لم يستكملوا الآلة.. يقضون أعمارهم في تعقُّب فحول المحققين والتنقُّص منهم، لاعتقادهم أنّ وصف "الكبير" لا يليق إلا بهم، أو لن يليق بهم إلا إذا أثبتوا أنّ "الكبار" لا يفهمون... ثم إذا حاولوا التحقيق، صوَّبوا مبهم الألفاظ بـ "كذا"! وكذا.. وكذا..
    والخوارج، في أصل نشأتهم، إنّما هم فرقة تُرجِم وجودها تاريخيًّا بحالة نفسية معيَّنة، ثم غطَّت عليها بآراء ومذاهب لتبرِّرها وتمرِّرها... ومعالجة النفوس ليست من شأننا، بل هي من شأن علماء النفس والربّانيِّين من أهل السلوك...
    وخوارج السياسة، إنّما قالوا: "لا حُكْمَ إلا لله"؛ وفحوى خطابهم: لا حُكم إلا لفهمنا نحن لكتاب الله.
    وخوارج العلم، إنّما يقولون: "لا نعترف إلا بآية من القرآن أو أثر من السنّة"؛ وفحوى خطابهم: "لا نعترف إلا بفهمنا نحن للكتاب والسنَّة".
    وقد كان للخوارج: يوم النَّهروان.
    ولكلِّ خارجيٍّ نهروانُه...
    وإذا رأيتَ أحدهم يصف نفسه بالكبير، علمتَ حجمَه...
    وكفى..
    كفى، يكفي، كفايةً. قال تعالى "أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَه"؟
    وكَفَّ، يَكُفُّ، كفًّا. قال عَزّ وجَلّ: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِين قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ" إلى آخر الآية 77 من سورة النساء.

    (يتبع...)

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (تابع)

    ** يقول أخونا: "حتى ظنّ أنه محمود شاكر"!
    ولست أدري من أين هبّت عليه هذه الفرية، ولا كيف توهَّمها.. إذ كل مَن تأمّل كلامي، لم يجد لها أثرًا... اللهمَّ إلا إذا كان صاحبنا يتكلَّم عمّا وقر في قلبه.. فتلك مسألة لا يد لنا بها..
    ثم راح يشبِّه نفسه بلويس عوض! أو يدّعي أنّني أشبِّهه بلويس عوض! ومن باب الإنصاف، أقول: إنَّ للويس عوض خصلة تميِّزه عن أخينا في هذا المقام؛ إذ لمَّا أقيمت عليه الحجّة، لم يكابِر، ولم "يلاجج"...

    ** يتّهمني صاحبنا بأنَّني أتناقض في كلامي. لماذا؟ لأنّني مدحتُ بعض كلامه، ثم ذممتُ بعضًا آخر!
    ولا يقول هذا الكلام إلا من لم يُدرِك معنى الإنصاف. ولو رجع إلى أوَّل مشاركة لي، لتبيَّن له أنَّني لم أمدحه كلّ المدح، بل نبَّهتُه إلى الألفاظ التي استعملها في نقده للسيّد.. لكنَّه عاد، بعد ربوض دام عشرة أيَّام، فخرج علينا بكلام جهَّل فيه السيِّد، والجوهري، وابن منظور، وأبا الأشبال، وعبد السلام هارون.. فماذ كان يتوقَّع ممّن قرأ كلامه؟
    ونبَّهه الأخ الأديب الفاضل "أبو الفرج المنصوري" إلى سوء مسلكه، لكن أخذتْه العزَّة بالإثم، وردّ عليه بلجاجة ما بعدها لجاجة... لذا، رددتُ عليه، ذامًّا لكلامه، ونهجه، وفهمه معًا. ولست نادمًا على ذلك... ويبدو أنه لم يندم بعد على ما قترف...
    إذن: مدحت كلامه إنصافًا، ثم ذممتُه انتصافًا...
    وكلامه الأوَّل مدحتُه مسلِّمًا له بأنَّه مِن بنات أفكاره. أمَّا الآن، فإنَّني أشك... ولعلَّها من "المُكوس" التي افتكَّها من أحد عابري الطريق، حيث كان رابضًا.. أو لعلَّه أخذها من بعضهم عن طريق التراضي، بعد أن أهداه كأس شاي، فلم يحتج إلى تهديده برمحه "البلاستيكي"...
    وهذا، إن شئتَ الصِّدق، ممّا لا أحفل به...

    ** قصة الصيد، وحُمر الوحش، وما رافقها مِن "كُمون"، و"غِرّة"، و"لكْز"، وإرسال السِّهام على "أحسن ما أنت براءٍ من البقر"، وما إلى ذلك... أتركها للقارئ الفَطِن، لأنّها غنيَّة بالدلالات "السيكولوجية"، وهي بحقٍّ مفتاحٌ لفهم نفسية صاحبنا الرابض برماحه.. وكلُّ مَن له خبرة بنفوس الناس، أو اطِّلاع على مبادئ التحليل النفسي، يُدرك ذلك لا محالة...

    ** ثم يقول صاحبنا واصفًا كلامي: "يصلح أن تقطَّع به الأوقات في المقاهي". وفي هذه أصاب! وهي من المرّات النادرة التي يصيب فيها!
    ولم أتكلَّف ما كتبت، ولا استدعيتُه بالربوض الليالي ذوات العدد.. بل جاء كما توخَّيتُه: مسفِّهًا لمن سفَّه أحلام عدد مِن جلّة العلماء.. وأكبر أمنية الكتّاب: أن يتجاوز كلامهم المعاهد والجامعات ومجالس أهل العلم، ليصل إلى الشوارع والبيوت والمقاهي، فتتناقله الناس...
    ثم يقول: "لكنَّه لا يصلح في مجالس أهل العلم"! وهل كلامه من العلم في شيء؟ وإنّما خاطبناك بما يليق بمقامك وكلامك... اتَّصلْ بكوكبة من أفاضل المحقِّقين، ثم اضرب لهم موعدًا.. فإذا انعقد "مجلس العلم"؛ قم ورمحُك في يمينك، ولا تهمزه كما همزتَ فهم العلماء، ثم قلْ: "السيّد صقر لم يفهم معنى الزيادة عند النحاة". قل هذه فقط.. أعفيك من الشناعات الأخريات.. قلها، واستمع إلى الجواب، ثم انقله إلينا مِن غير تدليس. وإنّني لأدعو الله لك أن يكونوا كلُّهم حفاةً ذلك اليوم، ولا أحد منهم يحمل معه عصا!!

    ** وقد جَعْجَع أخونا، كعادته؛ لكنَّنا لم نَر طحينًا! ثم وعدَنا بأنَّنا قد نشمُّ رائحة ذلك الطحين "بعد شهر، أو شهرين، أو سنة"! وظنّي أنَّنا، بعد انقضاء شهور، سنردِّد قول المجنون:
    فهذي شُهورُ الصَّيفِ عنَّا قد انقصَتْ --- قما لِلنَّوى تَرمي بليلى المراميا؟!
    و"إرجاؤه" هذا هو من أطرف أنواع الإرجاء، وسمِّه إن شئت "إرجاء الخوارج"! وهو لا يحمل إلا اسمًا واحدًا، يعرفه كلّ مَن أخذ نصيبًا مِن علم الجدل...
    وقد ظنّ أنّه طعن السيِّد في فهمه، والجوهريَّ وابن منظور في فصاحتهما، وعبد السلام هارون في أمانته، وأبا الأشبال في استقامة كلامه. ثم فتح عينيه، فاكتشف أنّ كلّ تلك المعارك الظافرة التي خاضها إنَّما كانت أضغاث أحلام.. فعاد ليربض على الطريق، مهدِّدًا برمحه... لكنَّه هذه المرَّة ينبِّهنا إلى أنّ طعناته المقبلات سيأتين بغتة، "بعد شهر.. أو شهرين.. أو سنة"!
    "خذوا حذركم، أيُّها السابلة"!
    وما قال ذلك إلاَّ ليعود إلى سَنِّ سِنان رمحه، سَنًّا لا يترك لطعينٍ أملاً في الحياة... لكنّه نسي أنّ رمحه من "بلاستيك"! وما كان كذلك، تضاءل حجمه كلَّما أمعنتَ في سَنِّه...

    (يتبع...)

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (... تابع)
    ** وفي الختام: ما هي قصة أخينا؟ هذه القصة التي "طالت.. وحالت.. واستطالت فمُلَّتِ"! القصة في حقيقتها: فيلم هزلي من الصنف "ب". وهذ ملخصُّها:
    هي قصة فتى لم يلتفت إليه أبناء عشيرته منذ أن توهَّم أنّ له عشيرة، وأنَّه أحد أبنائها.. وظل الأمر على هذه الحال: هو يتأنَّق ويتجمَّل، وعشيرته لا تلتفت إليه... وذات يومٍ، استبدَّ به العطش، فاتَّجه إلى الغدير ليروي غلَّته. ولمّا هوى ليغترف غرفةً بيده، رأى وجهه على صفحة الماء.. وهنا تيقَّن أنه أحسنُ أبناء عشيرته وجهًا، فجُنَّ جنونه! وبعد "شهر، أو شهرين، أو سنة" مِن التفكير المضني، قال في نفسه:
    "إذا لم يلتفت إليَّ أبناء عشيرتي، فلعلَّ ذلك لعمش أو عمى في عيونهم. ولو رآني غيرهم، لاعترف لي بما أنا فخور به. ولكن كيف السبيل إلى أولئك الذين لو رأوني لأُعجِبوا بي؟"
    وفي هذه اللحظة، يبلغ فيلمنا الهزلي قمَّة التشويق والتوتُّر؛ لأنّ البطل سيتخذ قرارًا قد يغيِّر مجرى الأحداث... وفي هذه اللحظة بالذات، يقف البطل، وينظر إلى السماء، ثم يقول: "لأتَّخذنَّ لهم موقعا!"
    ويتخذ للمعجَبين به موقعًا.. لكن سرعان ما يعاوده الاكتئاب، لأنّ "الموقع" الذي اتخذه لم يقع موقعًا حسَنًا مِن قلوب الناس... فيعود البطل إلى التفكير المضني... وبعد "شهر، أو شهرين، أو سنة"، يهتدي إلى أنَّه ما من سبيل إلى أن يعرف الناس وجهه سوى بغزو المواقع الأخرى. فيسرِّح شعره "تسريحة ما حصلتش"، ويزيِّن وجهه غاية الزِّينة.. ثم يكرّ.. ويفعلها...
    فيقول له أحدهم: "قد تكون جميلاً.. وقد تكون تسريحة شعرك بديعة.. ولكنّك لم تكن مضطرًّا إلى الافتئات على "وضّاح اليمن" ولمز حُسنه."
    فيغضب الفتى المُحسَّد، ويتحدَّى مَن تجرَّأ على انتقاده، ويقول له قولته الشهيرة: "أنا رابض لك على الطريق"، ثم ينصرف.. ويربض.. ثم يرفض أن يشارك في الفيلم الذي أخرجه هو، وكتَب قصته، وصنع أحداثه.. ويعتذر بكثرة الأشغال.. ويَعِدُ المنتِجَ (أي: نفسَه) أنه قد يعود إلى التمثيل بعد "شهر، أو شهرين، أو سنة"!
    فيضطر المنتِجُ (أي: نفسه) إلى تجزئة الفيلم، فيُخرِج الجزء الأوّل منه، واعدًا الجمهور بإصدار الجزء الثاني بعد "شهر، أو شهرين، أو سنة"...
    وعنوان الفيلم هو: "كبير.. لا كالكبار"!!

    ** وبعد:
    أظنّ أنّ الأخ استدرجني إلى هدر الوقت، بالرد على ما لا يستحق الردّ..
    لذا، فإنَّني لن أُردِف إساءتَه بالإساءة. ولن أعقِّب على كلامه إلاّ لردِّ فرية، أو كشف شبهة، أو إظهار حجَّة..
    ولْيعذرني الإخوة الكرام من أعضاء وزوَّار مجلسنا المبارك هذا، فقد اصطرَّنا أخونا إلى ما يشبه الحديث عن الذات. وما الأمر كذلك.. والله أعلم بالنِّيَّات...
    والله الهادي إلى سواء السبيل.

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    690

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    قال تعالى : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ... الآية.
    وهذا يتأكد ويعظم إذا كان الجدال بين مؤمنين، فيخاطب المجادل صاحبه بالحسنى واللين، دون الخوض في سفاسف الأمور والتنقصات الشخصية، وقد ذكر النبي أن من صفات المنافق -أعاذنا الله وإياكم منه- أنه إذا خاصم فجر؛ فأينا يرجو حصول هذه الخصلة من خصل النفاق ؟!
    ولو أن المتحدثَ إذ أجرى مداد قلمه، وسطر من بنات فكره؛ أخلص النية، وراقب ربه تعالى، وجعل بين يدي جوابه صوابًا، واستحضر قوله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد = لما وجدتَ كهذا، وأي شيء أعظم منه ؟!
    والله إنه ليحز في الفؤاد، ويجرح القلب؛ أن ترى إخوتك قد انتصب الشيطان بينهم؛ فقوى شوكة كل واحد منهم على أخيه، ولا من مدرك !

    وليتنا أيها الأحبة نستحضر في هذه المقامات؛ مجادلة النبي لخصومه في أكبر القضايا : التوحيد، وماكان عليه من عظيم الخلق وحسن البيان، بأبي هو وأمي .
    ثم تأمل في تدارس الأئمة في المسائل بينهم؛ لترى الأدب الجم، والاعتذار لبعضهم، والاستغفار والدعاء لمخطئهم، ورحم الله الذهبي أين مثله في هذه العصور ؟!


    أسأل الله عزوجل لي ولكم علمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وأعوذ بالله من علم لا ينفع؛ كما استعاذ منه محمد بن عبد الله .
    والله المستعان!
    «وأصل فساد العالم إنما هو من اختلاف الملوك والفقهاء، ولهذا لم يطمع أعداء الإسلام فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدد الملوك المسلمين وانفراد كل منهم ببلاد، وطلب بعضهم العلو على بعض» ابن القيم.

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •